30 تشرين اول, 2009
دخلت من بين المتجمهرين، نحيلة وقصيرة القامة، ومازالت الطفولة توشم محياها، عينتان بريئتان، ووجنتين منتفختين، حمراوين، تزينان بياض الوجه، شعر قصير بالكاد وصل لاذنيها الصغيرتين، لتسرد قصة قطعتها دموعها.
تلك هي صفات ملامح صورة السجينة التي لم تفصح عن اسمها والتي سنسميها (سمر).كنت ضمن طاقم "الاعلاميين الأردنيين للحماية من العنف الأسري " الذي اسسه ويرعاه المجلس الوطني لشؤون الاسرة في زيارة لسجن الجويدة للنساء، للاطلاع على حالات تعرضت للتعنيف الاسري.
عن سمر... كنت اول ما شاهدها من الصحفيين المتواجدين بحكم مكاني مواجها للباب، لان "حبتها قليلة" اعتقدت انها عاملة او زائرة او اي شيء الا سجينة، وتوقعت انها في الثانية عشرة من عمرها على اكبر تقدير، وبقيت مصرا على اعتقادي الى ان اخذت مكانها وتأكدت انها من سجينة بل احد الحالات التي ستعرضها علينا ادارة السجن، فبادرتها بالسؤال:
عمو انتي كام عمرك؟
قالت: 18 .
بدأ الزملاء بطرح اسئلتهم، وكنت احاول ارسال ابتسامات عطف واطمئنان لـ سمر كلما اتجهت بنظرها الي او كلما طرحت عليها سؤالا، علني اعوضها عن ابتسامة اب او شقيق افتقدتها طوال حياتها او انها بحاجة لها الان.
سمر تلقت ضربة على رأسها من زوجة ابيها، انتقاما من والدها الذي عنفها، غابت عن الوعي اربعة ايام، وبقيت 15 يوما في العناية المركزة، لم تر احد من اقاربها خلال تلك المدة.
علمت ان شقيقتها ايضا (21 عاما) هربت من المنزل، ولا تعرف اين اراضيها الان.
في المستشفى جاءت الشرطة ومؤسسة حماية الاسرة، ولانها فوق الـ 18 تم تسليمها الى مركز المحافظة، لكن الاب لا يستطيع الوصول الى المحافظة ليتسلمها، كونه مطلوب في قضايا شيكات، بالتالي رفض ان يتسلم ابنته، وهدد عمها ان تسلمها وتوعد بحرق مراكز ومؤسسات رعاية ان تسلمت ابنته، لانه يريد (ان يربيها) ويعلمها كيف تطلع من البيت.
سمر لا تريد البقاء في السجن، لقد تم تحويلها الى هذا المكان لحمايتها، الى حين يتم البت بامرها.
قالت انها تتعرض داخل السجن لمضايقات من سجينات اخريات، لم تفصح عن حجم المضايقات صراحة لكنها المحت بذكاء متواضع انهن يتلفظن الفاظا بذيئة احيانا عندما تكون سمر تقرأ القرآن الكريم.
ترفض سمر تقديم شكوى ضد زوجة ابيها، الواضح انها رضيت بالخسائر والهزيمة، وتقبل العودة الى البيت راضية بالترتيبات الجديدة ، لعل ظلم زوجة الاب افضل من مصير مجهول بين عشرات الخبيرات في الاجرام والوضاعة.
والواضح انه لا يوجد خيارات افضل من ذلك.
قالت انها تريد العودة مهما كانت النتائج، لتعرف مصير اختها وعجزت عن ابقاء دمعتها حبيسة عيناها، فانفجرت ونهضت برفقه شرطية لتعود الى مهجعها.
رغم شراسة والدها وتهديده لمؤسسات الدولة، الا انه كان عاجزا عن ضبط الاوضاع في بيته، يضرب زوجته، فتضرب ابنتيه، فتفران الى الشارع.
الا يوجد له ذكريات معها واختها وهن يلعبن على ظهرة؟
الم يركض ليلا لمعالجتهن من حرارة زائدة؟
الم يعمل ليل نهار لتأمين مصاريفهن المدرسية ؟
الم يتحدث عن شقاوتهن بين اصدقائه ويمتدح ذكاء طفولتهن؟.
اليس هو اب مثل باقي الآباء؟
ام سمر انفصلت عن والدها قبل 17 عاما وغادرت البلاد، وسمر لا تعرف امها ولم تسمع صوتها ابدا، ولا اعلم ان خرجت من السجن ستسمعه ام لا لانها مهددة بالقتل من عائلتها.