19 تشرين اول, 2009
لم يعد احد من هناك ليخبرنا ماذا جرى أو شاهد، خلافا لرحلة الغربة الطوعية، يغادر المرء للعلم او العمل، - اصبح للجوء الانساني او السياسي الآن- ويعود طواعية ليحدثنا عن مغامراته ومقامراته وصعوبة او سهولة وحلاوة أو مرارة الحياة هناك.
باستثناء ما ابلغنا عنه رب العالمين ونبيه الكريم عليه أفضل الصلاة والتسليم، لا احد يعرف ماذا يوجد بعد حط الرحال في الرحلة الأخيرة، وعودة المشيعين، ولن أغوص أعمق في مجال لا افهم فيه كثيرا علني أصبح مرتدا أو كافرا أو زنديقا وما بخاف الله والعياذ برب العرش العظيم.
في الغربة الطوعية، يمتطي المغترب وسادته كل ليله ، فيسافر إلى بيته، امة وابيه ، اخته واخيه، جاره وجارته التي نادرا ما تملكته الجرأة لمصارحتها بحبه.
يسافر متخيلا نفسه في رحلة العودة إلى البيت واستقبال الأهل ، واحتفائهم به، يتخيل طول الرحلة وقلقهم ان تأخرت الطائرة، حتى انه ينظم الأحاديث التي سيتلوها عليهم.
سيخبر والدته عن صعوبة الحياة وأنواع الطعام، ومشقة العيش وحيدا.
ووالده عن الدراسة وسيرها والمصروف والتكاليف وأجرة المنزل.أشقائه عن زملائه من الجنسيات الأخرى والعادات والتقاليد .
وسيخبر أصدقائه عن صديقاته ومغامراته خاصة إذا كانت الغربة في بلد أجنبي، يعني الشقار والشعر الأصفر غير شكل – حتى لو عربي ما عادت تفرق هالايام-.
لكن لا احد يتخيل نفسه عائدا من الدار الآخرة، او يشعر بما يسمع عن الحساب في القبر، أو الآخرة ، إلا فئة قليلة حقيقية تعرف وتشعر بقدرة الله جلت قدرته.
لفت انتباهي خبرا تناقلته الصحف المطبوعة والمواقع الالكترونية عن وكالة " يو بي اي " تحت عنوان " لورا العائدة من الموت: خرجت من جسدي وسبحت في الهواء ورأيت الموتى من أحبائي"وفقدت لورا غيرافي النبض حوالي 57 دقيقة, وضغط الدم والنبض والأوكسجين, كما توقف دمها عن الجريان في جسدها, وأنعشها الأطباء 21 مرة بالصدمات الكهربائية قبل أن تعود الى الحياة وتخبر عن حياتها الأخرى.تقول "لقد طفت بعيداً عن جسدي, كان جسدي هناك, ولكني طفت بعيداً عنه, نظرت اليه مرة أخرى وكان لا يزال في مكانه", مشيرة الى أنها "رأت" أحباءها الموتى ومنهم أمها وزوجها السابق. وتابعت "كان المكان هادئاً جداً ومضيئاً وجميلاً, وعندما لا ترى شخصاً لفترة طويلة تريد عناقه والوصول, اني أتذكر محاولتي الوصول الى زوجي السابق وعناقه ولكنه لم يأخذ بيدي", كما شعرت ب¯"طاقة هائلة وقوية جداً, ثم رأيت صوراً لابني وابنتي وحفيدتي وكانت صورهم تلمع في بالي كل ثانية ثم عدت الى وعيي".
ويقول كيفن نلسون وهو طبيب في الأمراض العصبية في لكسنغتنو بولاية كنتاكي الأميركية أن الدراسات التي أجريت حول هذه الظاهرة تشير الى أن هذه الأمور غير ُمتخيلة ولها علاقة بالدماغ.
وأكد أن هذه" تجارب حقيقية وتحدث في أوقات الأزمات الطبية والخطر", مضيفاً ان "للبشر الكثير من ردات الفعل التي تبقينا أحياء في أوقات الخطر, والأمر له علاقة بآلية الأحلام عند الناس".وأضاف ان الذين يمرون بتجربة الاقتراب من الموت يشعرون في الغالب بالاغماء, مشيراً الى أن الدراسة التي أعدها بشأن ذلك أظهرت أن 100 مليون أميركي عانوا من هذه الحالة في وقت ما , وأن هناك ربما عشرات ملايين الأميركيين الذين مروا بهذه التجربة.
ولكن غيرافي تقول "لم يكن الأمر حلماً, اني متيقنة أني ذهبت الى مكان ما غير المكان الذي أنا فيه الآن", وهو ما يؤيدها فيه الدكتور بيل أوكلاهان الذي عالجها بالصدمات الكهربائية وأعاد النبض الى قلبها بالقول "ليس للأمر علاقة بموت الدماغ, وأعتقد أن الناس يمرون بهذه التجربة فعلاً".
تقول وكالة يو بي أي في خبرها " بعض الذين تتوقف قلوبهم عن النبض بعد انعاشهم انهم يرون أحباءهم الموتى, ويساورهم شعور بأن شيئاً ما يرفعهم ويخرجهم من أجسادهم ويجعلهم يسبحون في الهواء".
ويجمع الكثير من هؤلاء على وصف هذه التجربة بأنها تتسم ب¯ "السكينة والسلام والجمال"
اعرف ان لورا صادقة ، فانا أيضا رأيت ما رأت، في ذات يوم ماطر جلست على شرفة المنزل أتأمل الجمال الذي حباه الله للجزائر فزاد مع المطر والخير رونقا وأناقة لا يمكن أن توصف.
كان المنزل الذي تقاسمته مع زميلي في الجامعة خالد الغرابلي يقف على مفترق طرق في بداية منطقة تيليملي ، مطلا على ملعب تنس وحديقة، فقصر الشعب ثم محطة القطارات فالميناء، هذه المنشآت استوطنت في مساحة خضراء متنوعة الخيرات من العشب والورد إلى النخيل والأشجار العالية الباسقة.
البحر بني اللون، والأمواج تتلاطم، والغيوم تتلبد أكثر فأكثر بانتظار قذف خيراتها وبركاتها على ارض المليون ونصف المليون شهيد.
جلست على كرسي مرتفع انظر من خلف البوابة الزجاجية، وكنت قد أنهيت لتوي دوش ساخن وحففت ذقني وتعطرت وبدأت وبدا مسلسل التأمل.
كنا في مرحلة الدورة التدريبية في وسائل الإعلام، خرج خالد صباحا إلى التلفزيون الجزائري واستيقظت أنا، فيما كان حسن الطريفي وتيسير بدر يغطان في نوم عميق.
شعرت بدوار، بدأ رأسي ثقيلا ويزداد وزنا ولم اعد أقوى على حملة، فيما كان الظلام يداهم عيناي، وشعرت بارتخاء في جسمي منعني من الصمود على الكرسي.
فكرت أنها لحظة الحق، زحفت إلى مرقدي الذي مازال مفروشا إلى جانب حسن، وقرأت الشهادتين بكل هدوء .
سافرت بعيدا، لا اعرف إذا كنت استعيد بذاكرتي ذلك البساط الأخضر الذي كنت أتأمله قبل قليل أم انه في مكان آخر، المهم إني رأيته كان شاسعا، مكللا بسماء زرقاء صافية، فيه ارتفاعات قليلة اقصر من الركبتين ، وتنتشر الأزهار الصفراء في كل مكان.
تخيلت أني رأيت محمد صافي خليفة من أبناء عمومتي الذي استشهد في لبنان قبل تلك الحادثة بـ 5 سنوات، وبالمناسبة كان هو أول شخص أتجرأ وأشاهده مسجى في منطقة القدم القريبة من دمشق.
شعرت باحدا أزال الكفن عني، وبنسمة هواء أعادت لي قواي، وصوت ينادي "إياد قوم وحد الله".
كان حسن قد فتح النافذة فدخل الأوكسجين الذي اختفى من المنزل بفعل استخدامي إنا وخالد قبلي الحمام والسخان، وقفز تيسير من الغرفة الثانية طالبا النجدة من الجيران ، فيما كان حسن يحاول تحريكي أملا في استجابة مني.
أجهشت بالبكاء بحرقة ، لماذا؟
لأني تخيلت عائلتي خاصة والدتي تبكيني.
جاءت النجدة وأجريت لي الفحوصات اللازمة ، واستدعت الشرطة التي جاءت للاطمئنان ان العملية لا تتعلق بارهابيين ، استدعت اذا الشرطة الخبراء في مؤسسة الغاز والكهرباء لفحص تمديدات الغاز.
بعد عامين توفي زميلي رمزي الهندي في نفس المنزل ، كان طالبا يدرس العلوم السياسية وكان قادما من غزة .
هذه قصة رحلتي إلى الآخرة ، لا اعرف إذا كنت قد وصلت هناك، فانا لا اعرف المكان ، لكني نفسيا وصلته فعلا ، لم أمر بالقبر ولم اشعر بالجنازة، وصحة وعافية على من يأكل المناسف على روحي.
اياد خليفة