18 تشرين اول, 2009
تتسابق عشرات الحافلات الحديثة في الصباح الباكر لنقل الطلاب فيما اقف الى جانب وسام حارسا امام بوابة المنزل بانتظار ذلك الباص الاصفر المظلل بالستائر.
اعتدت على رؤية اقاربي الاخوين الفتية حسان وخالد ، واحاول قنص احمد ابن شقيقي الذي انتقلت مدرسته الى الجهة المقابلة، فاصبح يمر من امامنا يوميا .
يعلق وسام على صديقه محمود الذي ينتظر حافلته من على بلكونة منزله المطلة على الشارع مباشرة (ليش فاتح تمك هيك او راسك صاير كبير) ومن ثم يوزع ابتساماته على اشخاص يعرفهم ولا يعرفهم ايضا، لقد حصلت الفه نتيجة اللقاء الصباحي اليومي بينهم.
حتى انا، كنت اصعد السيارة لحظة خروجي من المنزل، لا اعرف احدا في الشارع او الجيران، اصبح لي معارف لا اعرفهم نتيجة وقوفي او حراستي لوسام.
ألمح باص فولكس فاغن قديم جدا، قفز به قلبي فرحا ورقصا وطربا، فقد شق لي باب الذاكرة العميقة والنقية والملونة.
عدت به الى عقود عندما اخذتني والدتي رحمها الله الى روضة الخطيب في مدينة التل الجبلية (15 كلم شمال دمشق) وجلست معي طوال النهار فانا آخر العنقود ولي الحظوة في الدلال والدلع ، واذكر انها حاولت تركي اثناء الحصة ، شعرت بغيابها فاجهشت بالبكاء، لكنها – كعادتها- لم تكن تريد تركي فقد ذهبت لتشتري لي حبتين (نوغا) واحد بيضاء والثانية غامقة مع الفستق الحلبي.
ولما انتهى الدوام عادت الى المنزل سيرا على الاقدام، لكنها اجلستني في باص المدرسة الازرق الفولكس فاغن حتى اتعود على البقاء وحدي.
قبل ان يغيب الباص من امامي ووسام، نعرته فيما كان مستمرا في معاكسة محمود الجالس مع شقيقاته على البلكونة : "لما كنت قدك تيته ام سعيد الله يرحمها سجلتني بمدرسة فيها زي هاد الباص".
هز رأسه كأنة يتشكرني على هذه المعلومة وتابع توزيع ابتساماته.
قفزت بي الذاكرة الى ايام المرحلة الابتدائية في الصف الاول تحديدا، فالمدارس الحكومية لا يوجد فيها مواصلات، واصلا لا يوجد الا المدارس الحكومية، واتذكر ذلك الطريق الترابي الوعر الذي كنت اقطعه يوميا، باتجاه مدرسة التل الاولى للبنين او (المدلل).
كان علي ان اصعد جبلا، فاسير عليه لمسافة كيلو متر تقريبا، لاهبط في وادي بين ثلاثة جبال، فاصعد احدها حيث المدرسة.
وكانت الامور تتعقد في الشتاء الذي دائما يكون قاسيا على هذه المنطقة الجبلية، فيتحول الطريق الترابي الى مستنقع من طين، فاعود الى البيت بمنظر يرثى له او لا يمكن رثاؤه.
كان المكان موحش جدا، وتنتشر فيه الكلاب الضالة وربما اكثر منها شراسة، وهو ما دفع والدتي لمحاولة نقلي الى مدرسة الشهيد محمد النقيب (او الشريا) ، التي كان طريقها سالكا وممرا معروفا ومرصوفا بالاسفلت ومأهولا بالسكان.
اتذكر صراعها مع الادارة والمدير وهي تحاول اقناعهم باني صغير وضعيف وغير قادر على مواجهة (أي وحش ممكن يطلعلي من بين هالجبال) .
انتصرت والدتي رحمها الله بعد ان نقلوني عشرات المرات الى (المدلل)، وهي تعيدني في اليوم التالي الى ( الشريا) التي ثبتوني فيها اخيرا.
هذا الشريط مر في ذاكرتي خلال ثواني بسيطة، هو كالحلم، نظرت الى وسام الذي لا يزال يوزع ابتساماته على اولاد وبنات الحارة وكل من مر امامه، قارنت بين ايامي وايامه، لم احسده لان ايامي ايضا ذهبية بالنسبة لغيري.
يقول لي من عاش في بلدتي الاصلية (بدرس) القرية الفلسطينية الواقعة أقصى غرب محافظة رام الله والبيرة انهم كانوا يقطعون مسافة خيالية للالتحاق بمدارسهم في قرية نعلين او قبية, حفاه عراه لا يملكون حتى كيسا ليضعوا فيه ادواتهم التعليمية.
لا اعرف، هل ينتظر وسام وابنة في المستقبل طيارة المدرسة، ام ان هناك بث مباشر للدرس الى سرير حفيدي.
تقف الحافلة المنتظرة على رأس الشارع بانتظار انتهاز فرصة خلو الطريق لتدخل الممر الذي اصبح ضيقا بفعل نهوض عمارة جديدة امامنا بسكانها وسياراتهم، فتشكلت ازمة سير صباحية لا تعطي الفرصة الا لسيارة واحدة لتمر الى ان يستيقظ السكان ويتجهون الى اعمالهم .تقفز الانسة آلاء بنشاط وحيوية، فتشبك يد وسام وتلتقط الحقيبة من على ظهرة (بالمناسبة الحقيبة اثقل وزنا من وسام) ، فيما تأخذ الحافلة وضعية وقوف مائلة لسد الطريق وحماية المس والسيد اثناء عبورهم من أي سيارة تحاول التسلل الى الممر.
اتمكن من رؤيته من بين الستائر فقد اخذ مكانة في الحافلة، اصعد الى سيارتي واتجه الى عملي، واتساءل:
- لماذا اقف حارسا على وسام ؟
- لماذا اقلق على سلامته؟
كانت والدتي تقلق علي وتخاف من الوحوش والكلاب الضالة، تخشى ان ستفرد بي هؤلاء بين الجبال، حيث لا سميع ولا مجيب في حال الخطر، الا السميع المجيب.
كان قلقها مشروعا وعاديا .
هو مثل قلقي الان، هي خشيت من الوحوش والكلاب، وانا ايضا اخشى من الوحوش والكلاب، لكن الفرق ان وحوشي وكلابي من الجنس البشري، يقودهم الطمع والجشع لخطف الاطفال للمتاجرة باضلاعهم الطرية وكلاهم ، وقرنيات عيونهم.
اياد خليفة