جولة ساركوزي الخليجية واثرها في العلاقات البينية
د.خليل حسين
استاذ القانون والعلاقات الدولية في الجامعة اللبنانية
مدير الدراسات في مجلس النواب اللبناني
مفارفة جولة الرئيس الفرنسي الى بعض دول الخليج تزامنها مع جولة الرئيس الامريكي في المكان والزمان نفسه،وبعيدا عن تفسيرات المنافسة التي تبدو واقعية في غالب الاحيان،كيف يمكن قراءة الزيارة وأثرها في العلاقات الفرنسية الخليجية وما هي انعكاساتها على باقي ملفات المنطقة ومنها الازمة اللبنانية؟.
بداية لا تبدو الزيارة سابقة في تاريخ علاقات فرنسا بدول تشكل عصب السياسات النفطية الدولية وما تعنيه الكلمة في أثرها لجهة توازين القوى الاقيليمة والدولية،وبالتالي ان قراءة موضوعية بسيطة تشير الى ان فرنسا تحاول قدر الامكان التموضع في منطقة مؤثرة جدا في بعض ملفاتها،وفي الواقع لم تكن فرنسا بعيدة يوما عن محاولة رسم علاقات متمايزة مع دول الخليج العربية للعديد من الاعتبارات الاقتصادية والسياسية والجيو سياسية،وتكريسا لهذا المبدأ الذي كرسته سياسة فرنسا الخارجية يكمل الرئيس ساركوزي ما بدأه سلفه شيراك على قاعدة التوازي والتوازن مع ما يمكن ان ترسمه بعض القوى الفاعلة في النظام العالني ومنها الولايات المتخدة الامريكية.
واللافت في العلاقات الفرنسية الخليجية ما يؤثر فيها لجهة تحديدها وفعاليتها ومتابعاتها،فالاثر الاول يبدو مباشرا مع الولايات المتحدة التي تعتبر دول الخليج العربية مساحة جغرافية ذات طبيعة فوق استراتيجية في سياستها الخارجية،وبالتالي المحاولات الفرنسية لبناء علاقات متمايزة كانت تصطدم بعقبات من الصعب تجاوزها من دون جهود لافتة،وفي هذا الاطار يبدو الدور الذي لعبته الدول الخليجية لافتة في هذا المجال على قاعدة افساح المجال للتقارب مع السياسات الفرنسية على قاعدة محاولة تنويع العلاقات والمصالح وهو ما شكل ويشكل سببا من اسباب النجاحات المحققة في العلاقات المتبادلة.
وان تركزت الزيارات الفرنسية السابقة للمملكة العربية السعودية مناسبة لعقود تسلح لافتة تأتي زيارة الرئيس ساركوزي هذه المرة بدلالات ثقافية وتربوية علمية،قابلة للاستثمار السياسي بطبيعة الامر،والامر ينسحب ايضا على زيارتي الامارات وقطر،مع جانب لافت في زيارة الامارات لجهة العقود في مجال البرامح النووية السلمية،وهي سياسات مستجدة بشكل عام في الخطاب السياسي لدول مجلس التعاون الخليجي بعد التطورات التي اتخذها ملف البرنامج النووي الايراني الذي تحاول باريس التقرب منه والتماس معه.
وفي اي حال ما يلفت بهذه الجولة تزامنها مع جولة الرئيس الامريكي جورج بوش،وبصرف النظر عن الاهداف المعلنة لهاتين الجوليتين تبدو المقاربة السياسية بينهما امرا ممكنا؛فالعلاقات البينية هي امر لافت الا ان انعكاسات تطوير العلاقات تبدو متمايزة في تداعياتها على بعض ملفات المنطقة،فالتنافس الامريكي الفرنسي امر معتاد في سياسات الدولتين بصرف النظر عن حجمها وتداعياتها،وما يعرف في قراءة العلاقات الفرنسية الامريكية مشاغبة الاولى على الثانية وعدم مقدرتها في تنفيذ ما تصبو اليه في غالب الاحيان،فهل اتت زيارة ساركوزي للتنافس في بعض ملفات المنطقة ومنها اللبنانية والايرانيىة التي لدول الخليج حسابات لافتة فيها،ان التوكيد في هذا الامر يظهر اجابة ايجابية على هذا التساؤل.
فالتفويض الامريكي لفرنسا في ملف الازمة اللبنانية قد استنفد غاياته ويبدو ان فرنسا لا زالت مهتمة في الولوج بهذا الملف بصرف النظر عن حجم الرضا الامريكي،لذا يبدو ان زيارة ساركوزي للمملكة السعودية تحاول اخذ جرعات دعم اضافية في محاولة لاحقة بموازاة المهمة العربية التي يقودها الامين العام للجامعة العربية، عمرو موسى، ففرنسا لها مصلحة مباشرة في ادارة الملف اللبناني من البوابة السعودية للعديد من الاعتبارات والاسباب الخاصة بالبلدين.فالمملكة التي رعت اتفاق الطائف في نهاية الثمانينيات من القرن الماضي مهتمة لاكمال مساعيها لحل الازمة اللبنانية وهي معنية به نظرا لموقعها وحجمها العربي والاقليمي والامر نفسه ينسحب على فرنسا التي لا تزال تبحث عن موطئ قدم في الشرق الاوسط وتبدو الساحة اللبنانية محط نظر لافت لباريس الا انها تدرك تماما انها غير قادرة على الولوج منفردة دون المرور ببعض المواقع الاقليمية ذات الصلة ومنها المملكة.
كما ان زيارة ساركوزي للامارات وقطر التي تشكلان ايضا ركيزتا انطلاق هامة في السياسات الاقليمية لها دلالات لافتة ايضا،فالامارات العربية المتحدة تشكل اطارا تجاريا متمايزا مع ايران،في الوقت الذي يحاول الرئيس الفرنسي تمييز تجاه ابران الامر الذي يمكن ان يعطي دفعا ما في اطار استثمار التقارب المشترك في سياسة انفتاجية اضافية باتجاه طهران،الامر الذي يصرف سياسيا خليجيا وفرنسيا في الوقت نفسه.
ان جولة الرئيس ساركوزي هي الاولى له الى منطقة الخليج التي تعج بملفات ايرانية مثيرة،وبتنافس دولي لافت على نفطها وموقعها،لكن الثابت في السياسة الفرنسية وغيرها انها ستظل هذه المنطقة قبلة السياسات الدولية ومحجها وهذا ما حاول قوله الرئيس الفرنسي في بداية جولته التي تتطلع في خلالها الى علاقات استراتيجية مع دولها،فهل ستتمكن فرنسا من اخذ موقع متمايز الى جانب واشنطن، ام ان محاولتها هذه ستؤول الى ما سبقها لتبقى في اطار المحاولات التي لا تعدو مصنفة بالمشاغبة،ان محاولات ساركوزي في بداية عهده ابراز مشروع الاتحاد المتوسطي لن يشغله عن منطقة يكمن فبها الكثير من قرارات واداوات العصب السياسي والاقتصادي للنظام العالمي القائم.
جولة ساركوزي الخليجية واثرها في العلاقات البينية
د.خليل حسين
استاذ القانون والعلاقات الدولية في الجامعة اللبنانية
مدير الدراسات في مجلس النواب اللبناني
مفارفة جولة الرئيس الفرنسي الى بعض دول الخليج تزامنها مع جولة الرئيس الامريكي في المكان والزمان نفسه،وبعيدا عن تفسيرات المنافسة التي تبدو واقعية في غالب الاحيان،كيف يمكن قراءة الزيارة وأثرها في العلاقات الفرنسية الخليجية وما هي انعكاساتها على باقي ملفات المنطقة ومنها الازمة اللبنانية؟.
بداية لا تبدو الزيارة سابقة في تاريخ علاقات فرنسا بدول تشكل عصب السياسات النفطية الدولية وما تعنيه الكلمة في أثرها لجهة توازين القوى الاقيليمة والدولية،وبالتالي ان قراءة موضوعية بسيطة تشير الى ان فرنسا تحاول قدر الامكان التموضع في منطقة مؤثرة جدا في بعض ملفاتها،وفي الواقع لم تكن فرنسا بعيدة يوما عن محاولة رسم علاقات متمايزة مع دول الخليج العربية للعديد من الاعتبارات الاقتصادية والسياسية والجيو سياسية،وتكريسا لهذا المبدأ الذي كرسته سياسة فرنسا الخارجية يكمل الرئيس ساركوزي ما بدأه سلفه شيراك على قاعدة التوازي والتوازن مع ما يمكن ان ترسمه بعض القوى الفاعلة في النظام العالني ومنها الولايات المتخدة الامريكية.
واللافت في العلاقات الفرنسية الخليجية ما يؤثر فيها لجهة تحديدها وفعاليتها ومتابعاتها،فالاثر الاول يبدو مباشرا مع الولايات المتحدة التي تعتبر دول الخليج العربية مساحة جغرافية ذات طبيعة فوق استراتيجية في سياستها الخارجية،وبالتالي المحاولات الفرنسية لبناء علاقات متمايزة كانت تصطدم بعقبات من الصعب تجاوزها من دون جهود لافتة،وفي هذا الاطار يبدو الدور الذي لعبته الدول الخليجية لافتة في هذا المجال على قاعدة افساح المجال للتقارب مع السياسات الفرنسية على قاعدة محاولة تنويع العلاقات والمصالح وهو ما شكل ويشكل سببا من اسباب النجاحات المحققة في العلاقات المتبادلة.
وان تركزت الزيارات الفرنسية السابقة للمملكة العربية السعودية مناسبة لعقود تسلح لافتة تأتي زيارة الرئيس ساركوزي هذه المرة بدلالات ثقافية وتربوية علمية،قابلة للاستثمار السياسي بطبيعة الامر،والامر ينسحب ايضا على زيارتي الامارات وقطر،مع جانب لافت في زيارة الامارات لجهة العقود في مجال البرامح النووية السلمية،وهي سياسات مستجدة بشكل عام في الخطاب السياسي لدول مجلس التعاون الخليجي بعد التطورات التي اتخذها ملف البرنامج النووي الايراني الذي تحاول باريس التقرب منه والتماس معه.
وفي اي حال ما يلفت بهذه الجولة تزامنها مع جولة الرئيس الامريكي جورج بوش،وبصرف النظر عن الاهداف المعلنة لهاتين الجوليتين تبدو المقاربة السياسية بينهما امرا ممكنا؛فالعلاقات البينية هي امر لافت الا ان انعكاسات تطوير العلاقات تبدو متمايزة في تداعياتها على بعض ملفات المنطقة،فالتنافس الامريكي الفرنسي امر معتاد في سياسات الدولتين بصرف النظر عن حجمها وتداعياتها،وما يعرف في قراءة العلاقات الفرنسية الامريكية مشاغبة الاولى على الثانية وعدم مقدرتها في تنفيذ ما تصبو اليه في غالب الاحيان،فهل اتت زيارة ساركوزي للتنافس في بعض ملفات المنطقة ومنها اللبنانية والايرانيىة التي لدول الخليج حسابات لافتة فيها،ان التوكيد في هذا الامر يظهر اجابة ايجابية على هذا التساؤل.
فالتفويض الامريكي لفرنسا في ملف الازمة اللبنانية قد استنفد غاياته ويبدو ان فرنسا لا زالت مهتمة في الولوج بهذا الملف بصرف النظر عن حجم الرضا الامريكي،لذا يبدو ان زيارة ساركوزي للمملكة السعودية تحاول اخذ جرعات دعم اضافية في محاولة لاحقة بموازاة المهمة العربية التي يقودها الامين العام للجامعة العربية، عمرو موسى، ففرنسا لها مصلحة مباشرة في ادارة الملف اللبناني من البوابة السعودية للعديد من الاعتبارات والاسباب الخاصة بالبلدين.فالمملكة التي رعت اتفاق الطائف في نهاية الثمانينيات من القرن الماضي مهتمة لاكمال مساعيها لحل الازمة اللبنانية وهي معنية به نظرا لموقعها وحجمها العربي والاقليمي والامر نفسه ينسحب على فرنسا التي لا تزال تبحث عن موطئ قدم في الشرق الاوسط وتبدو الساحة اللبنانية محط نظر لافت لباريس الا انها تدرك تماما انها غير قادرة على الولوج منفردة دون المرور ببعض المواقع الاقليمية ذات الصلة ومنها المملكة.
كما ان زيارة ساركوزي للامارات وقطر التي تشكلان ايضا ركيزتا انطلاق هامة في السياسات الاقليمية لها دلالات لافتة ايضا،فالامارات العربية المتحدة تشكل اطارا تجاريا متمايزا مع ايران،في الوقت الذي يحاول الرئيس الفرنسي تمييز تجاه ابران الامر الذي يمكن ان يعطي دفعا ما في اطار استثمار التقارب المشترك في سياسة انفتاجية اضافية باتجاه طهران،الامر الذي يصرف سياسيا خليجيا وفرنسيا في الوقت نفسه.
ان جولة الرئيس ساركوزي هي الاولى له الى منطقة الخليج التي تعج بملفات ايرانية مثيرة،وبتنافس دولي لافت على نفطها وموقعها،لكن الثابت في السياسة الفرنسية وغيرها انها ستظل هذه المنطقة قبلة السياسات الدولية ومحجها وهذا ما حاول قوله الرئيس الفرنسي في بداية جولته التي تتطلع في خلالها الى علاقات استراتيجية مع دولها،فهل ستتمكن فرنسا من اخذ موقع متمايز الى جانب واشنطن، ام ان محاولتها هذه ستؤول الى ما سبقها لتبقى في اطار المحاولات التي لا تعدو مصنفة بالمشاغبة،ان محاولات ساركوزي في بداية عهده ابراز مشروع الاتحاد المتوسطي لن يشغله عن منطقة يكمن فبها الكثير من قرارات واداوات العصب السياسي والاقتصادي للنظام العالمي القائم.
بواسطة الدكتور خليل حسين — 16 كانون ثاني 2008, 19:36