09 تشرين ثاني, 2006
فعلتها كوريا الشماليه وقطعت الشك باليقين, باجرائها اولي تجاربها النوويه بنجاح رغم الضغوط والتحذيرات الدوليه والاقليميه, ولم يعد الاغراق في الغموض سيد الموقف فيما يتصل بالبرنامج النووي الكوري الشمالي, فكوريا الشماليه رسميا انضمت لنادي الكبار النووي لتصبح العضو التاسع فيه. وبمعزل عن الدوران في متاهه صغر وكبر الانفجار وقوته والتوقيت وارتباطه بزياره رئيس الوزراء الياباني شينزو ابي لسول والاحتفال بتاسيس الحزب الحاكم في كوريا الشماليه, فقد اوجدت التجربه واقعا جديدا في شمال شرق اسيا ابتداء من يوم التاسع من الشهر الحالي. خريطه الواقع الجديد تحدد ان القوي الاقليميه في المنطقه اصبح عليها رغما عنها التعايش مع حقيقه ان الجاره في الشطر الشمالي من شبه الجزيره الكوريه باتت قوه نوويه ستمثل تهديدا لامنها واستقرارها عند اول منعطف. الان الاولويات اختلفت ولم يعد محور الارتكاز لها قضيه الخلافات التاريخيه العاصفه مع اليابان وما اقترفته يد جنود الجيش الامبراطوري من ماس وجرائم بل قنبله بيونج يانج النوويه وما سيلحق بها من تلال من المشاكل. ايضا فان جزءا من الواقع الجديد يتمثل في ان التجربه اطلقت العنان لماراثون التسلح النووي في شرق القاره الاسيويه, والتسابق سيكون محموما في الغالب بين قطبين هما اليابان وكوريا الجنوبيه اللذان يرغبان في وضع سلاح ردع تحت ايديهما في وجه الخطر النووي الكوري الشمالي. الواقع العملي يوكد ان طوكيو ليست في حاجه سوي لقرار سياسي لتتحول في غضون ايام لقوه نوويه, فالحقائق تشير حتي مع التاكيدات الرسميه بانها ستظل بلدا غير نووي الا ان اليابان مالكه لنحو52 مفاعلا نوويا ولديها من الخبرات البشريه والتكنولوجيه والماليه ما يجعلها قادره اذا ارادت علي انتاج قنبله نوويه, والجميع يذكر تصريح رئيس الوزراء الياباني الاسبق موريهيرو هوسوكاوا عام1994 الذي اكد فيه ان بلاده بمقدورها تصنيع قنبله نوويه خلال اسبوعين وفوق هذا عندها حجه قويه هي حمايتها لامنها القومي المهدد بصواريخ بيونج يانج وقدراتها النوويه. بخصوص كوريا الجنوبيه فانها الاقرب للخطر وقطع برنامجها النووي مسافات طويله في السنوات الماضيه وربما تجد انه يجب عليها مواصله السير علي هذا الطريق تامينا لاقتصادها ولشعبها من الفزاعه النوويه للاشقاء في الشمال. يتصل بذلك ان الولايات المتحده وقواتها ستثبت اقدامها اكثر في شمال شرق اسيا بعد بروز سيناريوهات عديده في الاعوام السالفه تدور حول ان الوجود العسكري الامريكي في المنطقه الي زوال وان نفوذ واشنطن في تراجع, فاذا بالاحداث تخدم استمرار وجودها وسيكون الحلفاء في سول وطوكيو في مقدمه المطالبين ببقائها. ومطلقا لم يكن في حسابات كيم جونج ايل زعيم كوريا الشماليه حينما اتخذ قراره باجراء التجربه النوويه انها بقدر ما ستثير المتاعب لبلاده وستعرضها لمزيد من العقوبات فانها ستصبح عاملا مشجعا لكوريا الجنوبيه واليابان والصين علي تكوين جبهه موحده فيما بينهما لدرء التهديد النووي الكوري بالتعاون مع امريكا بالطبع. ويستدل علي هذا بان القوي السابقه تغاضت وتناست في ثانيه وبرحابه صدر موضوع الخلافات المزمنه مع طوكيو حول التاريخ وزياره كبار مسئوليها لضريح يسوكوني والتنازع علي السياده علي بعض الجزر. بدلا من ذلك جاءت تصريحات ابي عقب اجتماعه بزعيمي كوريا الجنوبيه والصين حول تقريب وجهات النظر والعثور علي ارضيه مشتركه بين الدول الثلاث من جهه, والمجتمع الدولي من جهه اخري للوقوف كصف واحد في وجه الحكومه الشيوعيه في بيونج يانج. كذلك كان خارج حسابات القياده الكوريه الشماليه ان التجربه ستقود لاذابه ما تراكم من اختلافات في الروي في الشهور الاخيره بين سول وواشنطن بصدد التعامل مع الازمه النوويه الكوريه وقادت لتدهور صوره امريكا لدي الراي العام الكوري الجنوبي. وبلا جدال وضعت التجربه حكومه الرئيس مو هيون في وضع صعب, فالموازين انقلبت ولم يعد مفيدا متابعه تنفيذ سياسه الشمس المشرقه الهادفه لتحسين علاقات الكوريتين, وبات عليها ان تعثر علي صيغه تناسب التطورات الحاليه والارجح انها لن تنجح في هذا بدون اشتراك القوي الاقليميه في ايجاد الصيغه الملائمه لها, ولكن بعيدا عن وقف المساعدات الانسانيه لانها ستضر الشعب الكوري ازيد مما ستوذي النظام الشيوعي في كوريا الشماليه, ولو ان الولايات المتحده مسئوله عن عدم التوصل لحل للازمه النوويه الكوريه بسبب فشل سياساتها وتخبطها والتفافها حول ما يمكن ان يسفر عن تقارب وجهات النظر, خاصه في جولات المحادثات السداسيه. حتي الصين اوثق واقرب الدول الحليفه لكوريا الشماليه وجدت نفسها في مازق فقد ظهر امام العالم ان بيونج يانج لم تضع في اعتبارها جهودا للوساطه ومطالبتها بعدم اجراء التجربه, وبالتالي لم تجد بكين بدا من عدم توجيه سهام الانتقاد نحوها لان مصالحها مع امريكا والغرب اهم من علاقتها ضيقه الافق مع جارتها كوريا الشماليه وستصبح الحكومه الصينيه مجبره علي التماشي مع سياسات الدول المجاوره والتنسيق معها, اي انها ستتحول لقوه ضغط بعد ان كانت عنصر تخفيف لما تتعرض له كوريا الشماليه من حصار وتضييق. ولو ان هناك من يري ان بكين صاحبه مصلحه في ان تصبح كوريا الشماليه دوله نوويه لكي تكون وسيله ردع للوجود العسكري الامريكي في المنطقه. لقد تعودت كوريا الشماليه علي ان تلعب من مركز القوه والتحكم ومحاوله ان تسبق الكل بخطوه ويكون لها النصيب الاعلي من المفاجات الداعيه للحيره والارتباك لدي الطرف المقابل الذي لا يعلم كيف سيتصرف معها, وهذا حادث حاليا فالدبلوماسيه لم تحول دون قيام بيونج يانج بتجربتها النوويه, والقوه جربت في افغانستان والعراق ولم تكلل سوي الاخفاق وسيكون من العبث تجربتها ضد كوريا الشماليه فما هو البديل؟ محمد إبراهيم الدسوقى |