باراك القديم الجديد
12 آب, 2007
  برهوم جرايسي  

أثارت تصريحات رئيس حزب "العمل" الإسرائيلي، وزير الحرب، إيهود باراك، في نهاية الأسبوع الماضي زوبعة سياسية محدودة، باعتبار، ما وصفه المحللون الإسرائيليون، أنه أصبح يميل إلى اليمين الوسط في الخارطة السياسية الإسرائيلية، بعد أسابيع من توليه رئاسة حزب "العمل"، المحسوب وفق المفاهيم الإسرائيلية، على "اليسار الصهيوني".

وكان باراك قد أطلق عدة تصريحات ونقلتها وسائل إعلام إسرائيلية، يقول فيها، إنه لا يمكن التوصل إلى حل مع الفلسطينيين في ظل قيادتهم الحالية، وأن ما يقوم به رئيس الحكومة الإسرائيلية، إيهود أولمرت، من اتصالات ولقاءات مع الجانب الفلسطيني ما هو "إلا فقاعات هوائية"، ثم ينتقل للحديث عن عدم وجود أي فرق بين حركتي حماس وفتح، وليعلن رفضه لإزالة الحواجز العسكرية في الضفة الغربية المحتلة.

والسؤال الذي يطرح نفسه هنا، هل حقا "أصبح" باراك يميل إلى اليمين الوسط في إسرائيل، أم أنه بات يعبر عما يجول في داخله بصراحة أكبر، وهل ما يقوله باراك اليوم يختلف من حيث الجوهر، أو لنقل يخالف التطبيق الفعلي لحزب "العمل"، حين كان على رأس الحكم في إسرائيل.

بداية هناك حاجة للعودة إلى الماضي القريب، إلى فترة دخول باراك الحلبة السياسية، حتى قبل أن يخلع بزة الجنرال، وهو من كان رئيسا لأركان الجيش، ومن قبل تولى مهام عسكرية "رفيعة"، فقد عُرف عنه، وكما يصرح هو بين الحين والآخر، أنه كان يتولى أخطر العمليات الدموية التي يقوم بها الجيش، بدءا من سلسلة الاغتيالات في العاصمة اللبنانية بيروت في سنوات السبعين الماضية وغيرها.
وفي سنوات التسعين الماضية، انخرط باراك في المسار التفاوضي مع القيادة الفلسطينية، والأطراف العربية المختلفة، بصفته عسكريا، وهذا ما سرّع دخوله إلى الأجواء السياسية، قبل أن ينهي ولايته في الجيش كرئيس أركان، التي حين أنهاها كانت البلاد والمنطقة تعيش حالة من الانفراج السياسي النسبي، وكغيره من العسكر، فإنه كان من البديهي أن يتوجه إلى "بيت سياسي" يلائم هذه الأجواء، وكان في حينه حزب "العمل".
ففي النصف الثاني من سنوات التسعين، كان حزب "العمل" يبحث عن مخرج لأزمته الناشئة في أعقاب هزيمته الانتخابية المفاجئة وبفارق ضئيل في العام 1996، ومن جملة الخيارات التي كانت بيد الحزب هو التشبث من جديد بجنرال "رفيع" ليقود الحزب، الذي عُرف عنه دائما أنه حزب الجنرالات.
كذلك فإن وسائل الإعلام والأجواء العامة في إسرائيل، التي بدأت تتخوف من انهيار جديد للأوضاع الأمنية، وأمام الأزمات التي خلفتها حكومة بنيامين نتنياهو في حينه، بدأت أيضا، تبحث عن "حبل الخلاص"، الذي يعيد لها الأمن من جهة، ويدفع من جديد العملية السياسية، وكان الجنرال باراك "الاسم الأنسب" لهذه المهمة، وهذا ما سهّل عليه الانقضاض على زعامة حزب "العمل".
في تلك السنوات تقنّع باراك بمواقف ذات توجه "سلامي" نسبي، لتسهيل مهمته في قيادة الحزب، وعلى الرغم من ذلك فقد وقع في بعض المواقف التي كشفت الحقيقة المتخفية لديه، مثل رفضه بداية ان يشمل برنامج الحزب للانتخابات البرلمانية في العام 1999 بندا يوافق على إقامة دولة فلسطينية، وفقط بعد تهديد ما يسمى بـ"جناح الحمائم"، وافق باراك على ذلك.
ولكن هذه الموافقة لم تقف عائقا أمام تطبيق فعلي لتوجهاته، فحقا لم يوقف باراك الاتصالات مع الجانبين الفلسطيني والسوري، لا بل اندفع إلى مفاوضات سياسية مكثفة أحيانا، ولكنها على أرض الواقع لم تفض إلى شيء، فنذكر أن المفاوضات مع سورية وصلت إلى درجة الحديث عن أنه تم التوصل إلى حل كافة القضايا، وأن الخلاف تمركز فقط على "بضع مئات" من الأمتار في جنوب هضبة الجولان السورية المحتلة، وهو ما "فجر الخلاف".
أما على المسار الفلسطيني، فقد سمعنا الكثير عن مفاوضات "كامب ديفيد" في صيف العام 2000، وما تبعها من مفاوضات في طابا، وسمعنا أن إسرائيل موافقة على الانسحاب من 96% من أراضي الضفة الغربية، وحتى وصل الحديث إلى درجة قبول إسرائيل بعودة 130 ألف لاجئ فلسطيني إلى مناطق 1948، ولكن ما رأيناه على أرض الواقع في فترة باراك، هو اشتداد النشاط الاستيطاني بنسب غير مسبوقة في الضفة الغربية وقطاع غزة، وكذلك رأينا انفجارا وعدوانا إسرائيليا، اندلع في خريف العام 2000، ولا يزال مستمرا.
وفي هذه النقطة بالذات نشير إلى أنه مع توالي الأحداث فإن الكثير من المعلومات والتفاصيل الدقيقة تسقط، على الرغم من أهميتها، ومن بينها، أن أكثر من روّج لاحتمال وقوع انفجار أمني بين الإسرائيليين والفلسطينيين كانت إسرائيل نفسها، التي كانت تدعي أن الفلسطينيين كانوا يعدون العدة لانتفاضة جديدة، على خلفية فشل المفاوضات.
ولكن في الحقيقة وهذا ما أكدته المعطيات وما كشفه المحللون والمراقبون الإسرائيليون، أن إسرائيل هي التي كانت تستعد لهذا العدوان منذ فترة طويلة، ولنكن واقعيين أيضا، فللأسف الشديد، فإن الجانب الفلسطيني وقع في هذا الشرك بسرعة، رغم أنه كان عليه أن ينظر للمدى البعيد، ويعمل على وقف الانفجار بعد أيام من وقوعه، وهذا ما كان متاحا في حينه، ولكن هذه قضية تحتاج لمعالجة تفصيلية أخرى.
كذلك فإن باراك نفسه هو أول من طرح مصطلح "لا يوجد شريك فلسطيني للسلام"، مع مغادرته رئاسة الحكومة في شباط (فبراير) من العام 2001، وهو المصطلح، أو "المبدأ" الإسرائيلي، الذي تشبث به رئيس الحكومة التالي، أريئيل شارون، وبنى عليه سياسة إسرائيل بدعم أعمى من إدارة جورج بوش الأميركية.
لقد بقي باراك حوالي ست سنوات خارج الحلبة السياسية، ولكن طيلة هذه السنوات التي انشغل فيها باراك بمشاريع اقتصادية جعلته من أثرياء إسرائيل، وحين كان ينطق بالسياسة، فإنه لم يكن ينطق بغير هذه التوجهات اليمينية، وهو يشعر الآن أن الأجواء السياسية في إسرائيل التي لا تزال تميل لليمين الصهيوني تساعده على ذلك، ولكنها لن تساعد على عودة حزبه إلى مركز الصدارة في الحلبة السياسية.
وهذا ما ينقلنا إلى حزب "العمل" نفسه، الذي يُعتبر في الحلبة السياسية الإسرائيلية "زعيم اليساري الصهيوني"، ولكن هذا اليسار يبقى صهيونيا، ولا يخرج عن إطار الأيديولوجية الصهيونية، خاصة وأنه الحزب المؤسس لإسرائيل، وصانع أكبر حروبها الاحتلالية.
وما يميز هذا الحزب على الساحة الداخلية، هو أنه لكونه حزبا حاكما، أو يتناوب على الحكم، فإنه يستقطب مجموعات يسارية صهيونية ذات توجه سلامي أكثر، ومنها ما ينخرط في صفوفه، وهذا ما يسهل مهمة الحوار معه، على الرغم من أن القيادة التقليدية لهذا الحزب لم تكن بوضع مخالف من حيث الجوهر عما يقول باراك اليوم.
ولكن هذا لا ينهي الرهان على تغيير موازين القوى في داخل إسرائيل، خاصة وأن تصريحات باراك لا يمكنها ان تنقذ حزبه من أزمته، لا بل ستورطه أكثر، لأنه في وضعية كهذه، فإن أوساطا واسعة من الناخبين ذوي الميول اليسارية ستبتعد عن الحزب، ولربما أن "تبقى في البيت ولا تشارك في العملية السياسية"، أما مصوتو اليمين، فإنهم يفضلون "النسخة الأصلية" للتوجهات اليمينية، أي أحزاب اليمين نفسها، ولهذا فليس من المستبعد أن يبحث باراك في الفترة القادمة عن مناسبات لتعديل أو تخفيف ما صدر على لسانه، ولكن من حيث الجوهر فإن باراك سيبقى على حاله.

عام على الحرب وإسرائيل تترقب
21 تموز, 2007

برهوم جرايسي

  قد يكون رئيس الحكومة الإسرائيلية، إيهود أولمرت، تنفس الصعداء في اليومين الأخيرين، بعد أن استمع إلى احتمال ان تضطر لجنة فحص مجريات الحرب على لبنان، لجنة فينوغراد، لتأجيل تقريرها النهائي لعدة أشهر أخرى، في حال اضطرت إلى استصدار رسائل إنذار لكل مسؤول عسكري وسياسي قد يتضرر من التقرير النهائي.
فمن وجهة نظر أولمرت فإن هذا سيناريو يمنحه فرصة استقرار أخرى على رأس حكومته، قبل الهزة التي سيُحدثها التقرير النهائي للجنة، فأولمرت ليس على يقين من طبيعة توصيات هذا التقرير، ولكن الفرضية السائدة سيكون من الصعب عليه الاستمرار في منصبه، رئيسا للحكومة، رغم أن هناك من يشكك في هذا.
ولهذا فإن أولمرت يراهن على إمكانية مواجهة هذا التقرير من خلال إثبات وجهة نظره، بأن إسرائيل "انتصرت في هذه الحرب"، وفي يوم الذكرى السنوية الأولى كان خطاب أولمرت يتركز في نقطة واحدة فقط، وهي "الانتصار" في الحرب، وهذا ما يثبته، كما يرى، الهدوء الذي يسود الحدود مع لبنان، وابتعاد عناصر حزب الله عن الحدود، وانتشار الجيش اللبناني والقوات الدولية على الحدود، وكلما مرت الأشهر، فإنّ هذا يعزز هذه الفكرة، من وجهة نظره.
كذلك فإن "بورصة" التكهنات حول طبيعة التقرير النهائي تتضارب، فهنالك تقارير تصر على أن توصيات التقرير لن تسمح لأولمرت بالبقاء في منصبه، إلا أن لهجة الحذر تطغى على تقارير محللين آخرين، بدعوى ان التقرير المرحلي الذي صدر في نهاية شهر نيسان (ابريل) الماضي، يتطرق إلى قرار شن الحرب والأيام الخمسة الأولى للحرب، في حين أن التقرير النهائي سيتطرق إلى سير الحرب وشكل انتهائها، وفي النقطة الأخيرة، أي شكل انتهاء الحرب، هناك من يعتقد أن صيغة قرار مجلس الأمن الدولي 1701، ستكون نقطة ايجابية لصالح أولمرت، تخفف من وطأة النقاط الإشكالية الأخرى في التقرير. 
لقد مرت الذكرى السنوية الأولى للحرب على لبنان في إسرائيل بهدوء نسبي، وهذا يعود لسببين، أولهما أن ملف الحرب لم يسقط عن جدول الأعمال الإسرائيلي، على الصعيدين السياسي- العسكري والإعلامي، طيلة السنة الماضية، ولهذا لم يكن أي جديد لإثارته في هذه "المناسبة".
أما السبب الثاني، فهو أن هذه الذكرى حلت وسط حالة الترقب الشديدة للتقرير النهائي للجنة فينوغراد، إذ كان قد ذكر سابقا أن موعد صدور هذا التقرير سيكون في نهاية الشهر الحالي، تموز (يوليو)، والآن يجري الحديث عن شهر تشرين الأول (أكتوبر) القادم، وفي حال اضطرت اللجنة لاستصدار إنذارات للمسؤولين الذين قد يتضررون من التقرير، لإفساح المجال لهم بالدفاع عن أنفسهم، فإن التقرير قد يصدر في العام المقبل.
وإذا ما اعتمدنا تقارير صحافية، في القناة العاشرة للتلفزيون الإسرائيلي وغيرها، بأن أولمرت، وحتى وزير الحرب الجديد، إيهود باراك، معنيان بهذا التأجيل، ولكل أسبابه الخاصة، فعلى الأغلب ستكون هناك قوة محركة لإجبار اللجنة على استصدار هذه الإنذارات، وحتى بقرار من المحكمة العليا.
إلا أن كل هذا ما هو إلا تأجيل للأزمة التي من المفترض ان تشهدها الحلبة السياسية في الأشهر القادمة، ويبقى السؤال الأقوى، ما هو حجم الأزمة وهل ستقود إلى انتخابات برلمانية مبكرة، أم أن "الحل السحري"، سيظهر كالعادة في الحلبة السياسية، كاستبدال رئيس الحكومة بشخصية أخرى من حزب "كديما" الحاكم، لإبعاد "شبح" الانتخابات المبكرة، التي ما تزال أكثرية كبيرة جدا في الكنيست الإسرائيلي ترفضها من منطلقات حزبية.
ويقول المحلل السياسي البارز في صحيفة "هآرتس"، ألوف بن، إن "تأجيل نشر التقرير النهائي إلى العام القادم، سيبقي، على ما يبدو، أولمرت على كرسيه (رئاسة الحكومة)، فمن الصعب الاعتقاد بأن اللجنة ستدعو إلى استقالته بعد عام ونصف العام، أو عامين على انتهاء الحرب، فمن سيتذكر الحرب والفشل الذي كان فيها، وحتى وزير الأمن (الحرب) إيهود باراك، الذي هدد بانسحاب حزب "العمل" (الذي يرأسه) من الائتلاف الحاكم، مع ظهور التقرير النهائي، فإنه يستطيع الاستراحة الآن على مقعده (وزيرا) في حكومة أولمرت".
ويضيف بن، "بعد أن اجتاز أولمرت بنجاح الانتقادات القاسية التي وجهت له في التقرير المرحلي للجنة فينوغراد، يطرح الآن مساعدوه سيناريوهات تفاؤلية، وهم يتوقعون أن ترضخ اللجنة للضغوط وتضطر لإرسال رسائل إنذار وتحذير، أو ما شابه، وحتى وإن امتنعت اللجنة عن هذا الإجراء، فلن يكون أي داع لقلق أولمرت"، بمعنى انه لن تكون توصية بمستوى طلب استقالته.
ومن جهة أخرى، فإن إسرائيل تسعى في هذه الأيام إلى استعادة قوة الردع التي تضررت في الحرب، وهذا أمر يتم في عدة اتجاهات، أولها إعادة تنظيم الجيش في ظل وزير الحرب، رئيس الأركان الأسبق، إيهود باراك، ونائبه الجنرال احتياط متان فلنائي.
أما الاتجاه الآخر، فهو إعادة ثقة الجمهور الإسرائيلي بجيشه، التي تراجعت بنسب كبيرة بعد الحرب على لبنان، فمثلا هناك من يعتقد أن كل الحديث عن استعداد إسرائيل للحرب القادمة، التي قد تقع في مواجهة سورية أو لبنان، أو كلاهما معا، مقصود منه طمأنة الجمهور بأن الجيش لم يتراجع، وما يزال على أهبة الاستعداد لمواجهة أي حرب أخرى.
ولكن هذا لا يعني الجزم بأن المناورات والتدريبات التي يجريها الجيش الإسرائيلي في هضبة الجولان السورية المحتلة، هدفها فقط استعادة ثقة الجمهور، لأن خيار الحرب لم يسقط أبدا عن الأجندة الإسرائيلية منذ قيامها، كأحد المخارج لأزماتها الداخلية.
وعودة إلى الوضع الداخلي في الحلبة السياسية، فعلى الرغم من حالة الترقب للتقرير النهائي، تجدر الإشارة إلى أنه لا توجد في إسرائيل اليوم أزمة حكم، بمعنى ان الحكومة الحالية برئاسة أولمرت لا تواجه خطر السقوط، على العكس، فهي تحظى بائتلاف متماسك يسيطر على ثلثي مقاعد الكنيست تقريبا، 78 نائبا من أصل 120 نائبا.

وهذا يعود لطبيعة وتركيبة البرلمان الإسرائيلي، التي انتجتها الانتخابات البرلمانية، قبل 16 شهرا، وجرت في ظروف غير طبيعية، وأوصلت إلى الكنيست كتلا لا ضمان لها أن تعود إلى الكنيست ثانية، أو أنها لن تضمن الحفاظ على حجمها الحالي في أي انتخابات مبكرة أو عادية، وهذا هو السبب الذي يقف من وراء استنتاج انه لا توجد في الكنيست أكثرية معنية حقا بالتوجه إلى انتخابات مبكرة.

عن "الغد" الأردنية

محمود في حيفاه وعلى كرمله
14 تموز, 2007

برهوم جرايسي

   

يعود محمود درويش في هذه الأيام إلى حيفاه المدينة، وكرمله الجبل، عودة ليست أطول من لمح البصر، هو يوم أو يومان، بإذن موظف في غرفة جانبية في أحد مكاتب عسكر الاحتلال، لا يعرف من هو درويش، ولا يفهم اشتياق جذور شجرة السرو إلى ترابها في ذلك الجبل، جبلها.

 

تعود يا محمود إلى حيفاك وجبلك، واستبقك لاقول أن لا حيفا بقت على حالها، ولا الجبل بقي على جماله، كتل اسمنتية متراكمة، والحبل على الجرار، والجبل تغتصبه الجرافات ليل نهار، من على سطحه وعلى سفحه، وحتى في باطنه... فقريبا سيفتحون لنا شارعا في جوفه.

 

استبق الحديث لك، من كثرة الغلبة، فأنا أحد "قدامى" صبية جريدتك "الاتحاد"، أجلس على ما تبقى لها من درجات، قرب الفتحة التي أحدثها لنا صاروخ لبناني وقع بالذات في هذه النقطة سهوا، قبل أقل من عام من سقوط صاروخ لغوي مستكتب، ولكنه سقط مع سبق الاصرار والترصد.

 

تعود وقد يكون علق في طرف حذائك بعض من قرف حالتنا الفلسطينية، ولكل بقعة من مواقع تناثرنا قرفها، وهو من صنع فلسطيني، حتى وإن كانت بعض "مواد الخام" أجنبية.

 هناك يسوقون أخوتهم كالخراف إلى مذبح التخوين، وعندنا يسوقون تاريخنا وثقافتنا وأدبنا إلى مذبح التشويه والتزييف، رغم أن هذا كنزنا الذي حافظ لنا الأولون عليه بدمائهم، في وجه مخططات التجهيل والتزييف، واليوم لم تعد حاجة لهذه المخططات بعد أن ظهر لنا "مقاومون جدد"، ليس في غزة فحسب بل هنا عندنا أيضا، وفي حيفاك، وإن شئت على كرملك.

أنا يا أيها الكرملي، ودون انتقاص من بروتك، حققت إنجازا في هذه الأيام بحصولي على تذكرة لأسمعك، وهذه ليست المرّة الأولى، وأيضا في المرّة السابقة حين جئت إلينا، أو جئنا اليك، بعد حصولك على إذن من ذلك الموظف العسكري.

 

واعترف لك وللجميع، أنني لست أسيرا للأدب العربي وشعره، لربما هذا نابع من عقدة نفسية مكبوتة، تعود إلى أيام المدرسة، حين كنا مجبرين على حفظ القصائد المطولة تحت تهديد العلامات المدرسية وشهاداتها، وهذه العقدة عانيت منها طويلا، رغم أنني تحررت منها جزئيا، وجزئيا بشكل محدود جدا، وعلى ما يبدو فهي محدودية ايجابية.

 

تحررت جزئيا بعد دخولي إلى بيتك "الاتحاد" في "عهد إميل"، حينها كنت آخر الصبية الذين دخلوا وتتلمذوا وبقوا لسنوات طوال، وهناك اضطررت لدراسة قواعد لغتنا من جديد وتحت التهديد، ولكنني تعلمت هناك ايضا تذوق الكلام، لاصطدم من جديد بالشعر، ولكنه كان من نوع آخر، شعر يعبر عنا لحظة بلحظة.

 

يومها لم تكن عندنا "مدارس الغفلة" ومكتشفوا المياه الساخنة لم يظهروا على الساحة بعد، ولكن في حينه وحتى يومنا، لم يكن بالإمكان الحديث عن شوق الوطن، دون ترديد "أحن إلى خبز أمي وقهوة أمي"، ولم يكن بالإمكان الحديث عن عنفواننا دون التأكيد على أننا "عشرون مستحيل".

 يومها كان مكتشفوا المياه الساخنة لم يتجرأوا بعد على الظهور تحت الشمس، فقد كان كل شيء صعبا، وكانت الشمس حارقة جدا. 

وعود على ما علق بطرف حذائك.

 

لا اعتقد ان مهمة التنظيف ضرورية، لأنه أينما ستضع قدميك في مواقع تناثرنا وتشتتنا وتشبثنا سيعلق بحذائك صنف آخر من قرفنا، ولكنه من الصعب أن يعلو لأكثر من كعب كندرة، فتحمّل وأنت جمل المحامل، أنت منا ونحن منك، ونعيش سوية حالتنا المتردية "من جيل إلى جيل".

 

تعال إلينا لنأتي اليك، فنحن ضيوفك على كرملك، وأولئك الذين استفاقوا على غفلة الآن، تبين لهم أن المياه الساخنة قد تم اكتشافها يوم أن اكتشفوا النار، أتركهم، لأن الحكمة في أفواه جداتنا تقول: "لا تعاشر المخزي بخزيك".

 

تعال يا محمود لربما بك نستعيد مشاهد كرمل كان يوما ما أجمل، تعال لربما، رغم أننا متأكدون، ولكن "لربما" كتواضعك، نجلي رؤوسنا وأدمغتنا مما علق بها من قرف الأيام.

 تعال، فأنت لا تعرفني، وأنا من "قدامى" صبية "الاتحاد"، سأنتهز رؤياك من على أحد المقاعد المترامية في تلك الكتلة الإسمنتية على كرملك، وسأستمع لشعرك، ولكنني في تلك اللحظة سأسبح في تاريخ بيتي، بيتك "الاتحاد"، قبل أن قصفه سهوا صاروخ لبناني، وقبل ان قصفنا صاروخ آخر مستكتب مسترزق، لكن مداه كان أقصر من أن يصل الى طرف نعلك ونعالنا.

تعال.  

الشريك الفلسطيني والسياسة الإسرائيلية
08 تموز, 2007

 برهوم جرايسي  

 مرة أخرى عادت الحكومة الإسرائيلية إلى نغمة "الشريك الفلسطيني"، ولكن في هذه المرة فإن صيغة التصريحات الإسرائيلية مختلفة عما درجت عليه في الفترة الأخيرة، وهذا في أعقاب انقلاب حركة حماس في قطاع غزة، إلا أنه من حيث الجوهر واحد.فمع قيام حكومة الطوارئ الفلسطينية، اندفع ساسة إسرائيل للتعبير عن "الارتياح"، والادعاء بأنه الآن هناك جانب فلسطيني بالإمكان التحاور معه، فيما كثر الإعلان الإسرائيلي عن النية بتقديم "تسهيلات" للفلسطينيين، وكأن القضية الفلسطينية باتت مسألة ليست أكثر من "تسهيلات" في الحياة اليومية، وحتى هذه بدعة إسرائيلية باتت بالية.

بداية هناك حقيقة من الضروري التذكير بها بين الحين والآخر، خاصة في عصر خلط الأوراق والبلبلة السياسية التي لا نستطيع اتهام إسرائيل وحدها بها، بل لدينا "صناعة محلية" للبلبلة السياسية وإضاعة البوصلة، والحقيقة الواقعة هي أن المفاوض الوحيد للحكومة الإسرائيلية منذ بدء مسار أوسلو هي منظمة التحرير الفلسطينية، ولم تكن أي من حكومات السلطة الفلسطينية مفاوضة على المستوى الاستراتيجي، وإنما بسبب ازدواجية الوظائف لدى عدد من الشخصيات الفلسطينية، فقد اختلط على البعض الأمر.

ولدى إقامة أول حكومة لحركة حماس، انتهزت إسرائيل هذا الخلط لتختلق ذريعة جديدة تبعدها عن طاولة المفاوضات في إطار العملية السياسية، فمثلا ما بين اغتيال الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات، وحتى وصول حماس إلى رئاسة الحكومة، مرّ عام ونصف العام، كان فيها الرئيس محمود عباس وحكومة برئاسة حركة فتح، ولم نلمس أي تقدم في العملية السياسية.

ولكن الخطورة الأكثر في هذه المرحلة تكمن في أمرين، أولهما أن الخطاب السياسي الإسرائيلي يرفع كثيرا من مستوى التوقعات لحكومة الطوارئ الفلسطينية، التي من المفترض وحسب كتاب القوانين الفلسطيني، فإنها ليست حكومة دائمة، وفي حال لم تجر انتخابات تشريعية فلسطينية مبكرة، فإنه يجب إقامة حكومة فلسطينية أخرى، وحسب موازين القوى في داخل المجلس التشريعي، فإنه من الصعب أن تقوم حكومة فلسطينية بغير رئاسة حماس.

والهدف من رفع مستوى التوقعات هو التمهيد للإعلان مستقبلا عن "خيبة الأمل" التي درجت إسرائيل للإعلان عنها بين الحين والآخر، ضمن قائمة الذرائع الإسرائيلية المألوفة للابتعاد عن دائرة العملية السياسية، ودفع إسرائيل نحو مستحقات الحل الدائم.

ولكن بطبيعة الحال فإن إسرائيل لن تنتظر "خيبة أملها" تأتي وحدها، بل هي تدفع في هذا الاتجاه، من خلال تصعيد الأوضاع الأمنية، ومن يراقب وتيرة العمليات العسكرية في الضفة الغربية وقطاع غزة، وعدد الشهداء الذين يتساقطون يوميا على مذبح الاحتلال في كل بقعة من الضفة الغربية وقطاع غزة، ومن دون استثناء أي تنظيم من الفصائل الفلسطينية المسلحة، يعرف تماما وجهة إسرائيل في هذه المرحلة.

وهناك أسباب داخلية لإسرائيل تدفعها للسعي في هذا الاتجاه، والسبب الدائم، وهو الأساس، هو أن إسرائيل الحالية، وبتركيبتها السياسية ليست معنية بأي انفراج سياسي يدفع نحو الحل الدائم، يلزمها بتقديم ما ترفض تقديمه أصلا، وحتى من باب الجدل إن رأى البعض أن هناك فرصة ونية للخروج إلى دائرة المفاوضات، مثل أن يجرب رئيس الحكومة الإسرائيلية، إيهود أولمرت، فرصته في المسار السياسي، فإنه أضعف من أن يقود إسرائيل إلى مسار سياسي جريء وجدي، في الوقت الذي يصلت من فوق رأسه سيف خلعه عن منصبه.

أما السبب المرحلي الداخلي في إسرائيل، فهو أن إيهود براك، الذي تولى حقيبة الأمن، بحاجة إلى تحقيق "إنجازات عسكرية"، ليس فقط تطبيقا لعقليته العسكرية، بل أيضا من منطلقات حزبية انتخابية، فهو الذي أمسك للتو بزعامة حزب "العمل" الإسرائيلي الشريك في حكومة إيهود أولمرت، يعرف ان الرأي العام الإسرائيلي "يعلق عليه آمال" إعادة الهيبة للجيش الإسرائيلي في أعقاب الحربين على قطاع غزة ولبنان قبل نحو عام.

ولهذا فإن براك على قناعة بأن "إنجازات" كهذه، وهي لا بد وأن تكون إنجازات دموية، فإنها ستزيد من رصيده في الشارع الإسرائيلي تمهيدا لانتخابات برلمانية قادمة، وهذا الأمر يجعلنا في موضع قلق من أن تستغل إسرائيل أبسط حادثة لشن عدوان واسع، على الأقل أمام الفلسطينيين، إن لم يكن أكثر، فمن خلال توغلاتها "المحدودة، في قطاع غزة والضفة الغربية، وما تخلفه من ضحايا وقتلى تسعى إلى ظهور رد فلسطيني عسكري، تستخدمه ذريعة لها لشن عدوان واسع جديد، ذريعة تتلاءم مع طابع موازين القوى البائسة والمنحازة كليا لإسرائيل في الأسرة الدولية.

والحكومة الإسرائيلية لا تترك أي لحظة فراغ في ظل الوضع الفلسطيني الداخلي القائم، فهي تغدق في "مديح" حكومة الطوارئ، ليس فقط من أجل خلق أوهام "النوايا الحسنة" تجاه هذه الحكومة، وإنما لأنها أدركت نجاح سياسة "عناق الدببة" التي اتبعتها تجاه القيادة الفلسطينية في الآونة الأخيرة، والمقصود المديح المصطنع تجاه هذه القيادة.

فإسرائيل التي تضع على رأس أولوياتها ممارسة الحرب النفسية ضد الشعب الفلسطيني، خاصة في السنوات الأخيرة، تعرف أن مديحها لأي جهة فلسطينية ينعكس بتراجع ثقة الشارع الفلسطيني بهذه الجهة أو القيادة.

ولكن إسرائيل ليست وحدها في هذه المناورة، بل إنها ترتكز في هذا المجال إلى "صدى" مناورتها في الشارع الفلسطيني، بمعنى أن جهات وقوى سياسية فلسطينية، تستخدم "عناق الدببة" الإسرائيلي، استثمارا سياسيا لها، وهذا ما نشهده من خلال انفلات خطاب التشكيك والتخوين، وسياق مقاومين فلسطينيين كالخراف إلى شوارع غزة وذبحهم أمام عدسات التصوير، بعد تخوينهم، والحكم عليهم من خلال عصابات الشوارع المنفلتة في قطاع غزة.

لقد عرف الفلسطينيون كيف يحملون الأسلحة النارية على أشكالها لمقاومة الاحتلال، ولكنهم ليس فقط أهملوا الحرب النفسية المبرمجة، والتي يقوم عليها في إسرائيل طاقم من أكبر المختصين، وهذا تم الكشف عنه في الماضي القريب، بل إن ما يجري في الشارع الفلسطيني عمليا هو التجاوب مع هذه الحرب، بقصد أو من دون قصد، ومن لا يعرف نتائج هذه الحرب، أو يقلل من شأنها فهو مدعو إلى توجيه نظرة ثاقبة ومعمقة لمجريات الأمور في الشارع الفلسطيني.

مرة أخرى هناك ضرورة للتأكيد على أن استنتاج أن حكومة إسرائيل الحالية ليست معنية أو ليست قادرة على التوجه نحو عملية سياسية حقيقية، فهذا ليس مدعاة لليأس والإحباط، بل هو تحليل لواقع علينا العمل من أجل تغييره، وهنا أيضا ضرورة للتأكيد على أن مصلحة الشعب الفلسطيني تستوجب التشبث بخيار المفاوضات والمقاومة في آن واحد، فالخطاب السياسي الفلسطيني الواضح والموحد من جهة، والمقاومة الشعبية العامة، التي شهدها شعبنا في الماضي، قادران على تحقيق مكاسب في الأسرة الدولية قد تساهم في ظهور ضغط دولي جديد على إسرائيل يدفعها نحو العملية السياسية ومستحقات الحل الدائم

عن "الغد" الأردنية

إسرائيل: مجتمع مهاجرين متفكك
02 تموز, 2007

برهوم جرايسي

 بعد مرور 59 عاما على قيامها، لا تزال تحاول إسرائيل جاهدة لإظهار مجتمعها على أنه مجتمع واحد متماسك، وترصد موارد جمّة، وميزانيات ضخمة، من أجل صهر مئات آلاف المهاجرين الذين تدفقوا عليها، خاصة في السنوات الـ 17 الأخيرة، في داخل المجتمع، ولكن الصورة الماثلة أمامنا هي أن المجتمع الإسرائيلي لا يزال مجتمع مجموعات مهاجرين متفكك، وغير منسجم في غالبية المجالات.

 وبين الحين والآخر تظهر الدراسات والأبحاث التي تعزز هذا الاستنتاج، لتتبعها سلسلة من الإجراءات والأنظمة الفوقية، من المؤسسة الرسمية، في محاولة لتغيير هذا الواقع، الذي من المفترض أن يكون مقلقا لإسرائيل والحركة الصهيونية العامة، التي ترفع على رأس أولويات أجندتها العامل الديمغرافي، وجعل إسرائيل التجمع الأكبر والاستقراري، لأبناء الديانة اليهودية في العالم. 

وقبل أيام قليلة ظهرت في إسرائيل معطيات بحث علمي، بين الشبان المهاجرين الروس، في المرحلة المدرسية الثانوية (التوجيهي)، يظهر فيه أن 45% من هؤلاء لا يرون مستقبلا لهم في إسرائيل، بمعنى أنهم في مرحلة ما سيبحثون عن مستقبل لهم خارج إسرائيل. وقد امتد عمل هذا البحث على مدى عدة أشهر، وأجري كاستطلاع بطريقة المقابلة الشخصية، وحسب ما نشر فإن معطياته واستنتاجاته الأساسية ستعرض بعد فترة ضمن يوم دراسي خاص.

وفي هذا البحث هناك عدة معطيات تؤكد عدم قدرة هذه المجموعة على الانخراط في المجتمع الإسرائيلي، لا بل أنهم يؤمنون بأن ثقافة وطنهم الأصلي هي أرقى من ثقافة وعادات المجتمع في إسرائيل. 

فعلى سبيل المثال، فإن 35% من الذين شملهم الاستطلاع لا يعتبرون أنفسهم إسرائيليين، وقال 30% إنهم لا يشعرون بأي حاجة لتعلم شيء من عادات إسرائيل، والثقافة والتصرفات السائدة في المجتمع الإسرائيلي. وعلى الرغم من أن 65% من الذين شمهلم الاستطلاع يوافقون على تسميتهم إسرائيليين، إلا أن 88% منهم يفضلون وصفهم بـ "إسرائيلي- روسي"، أو "قادمون من الاتحاد السوفييتي"، أو "قادمون من روسيا"، مع استبدال اسم الجمهورية التي هاجروا منها. 

وهذه معطيات جديرة بالتوقف عندها، فنحن لا نتحدث هنا عن مجرد استطلاع هاتفي عفوي، بل بحث علمي، ومعطياته ليست بعيدة عن الواقع الملموس في إسرائيل، التي استقدمت منذ العام 1990 قرابة 1,1 مليون شخص من دول الاتحاد السوفييتي السابق، ويضاف اليهم قرابة 300 ألف مهاجر من دول أخرى، أبرزها اثيوبيا التي وصل منها قرابة 110 آلاف مهاجر في السنوات الماضية. 

وعلى الرغم من مرور سنوات طويلة على هجرتهم، إلا أنهم لا يزالون يعتبرون أنفسهم مهاجرين، ولهم أطرهم الخاصة في المجتمع المدني، وحتى في الخارطة السياسية في إسرائيل، حيث لهم أحزاب تتقلب بوتيرة عالية مع كل موسم انتخابي برلماني، وهم يعيشون في مجموعات شبه معزولة عن باقي الشرائح في إسرائيل، فهم يعيشون في مجموعات وأحياء مشتركة في عدة مدن كبرى بالأساس، ويحافظون على لغتهم، إلى درجة أن اللغة العبرية شبه معدومة في بيوتهم، كيف لا وأن هذه الظاهرة موجودة بقوة حتى في بيوت الذين هاجروا منذ عشرات السنوات، لتصبح اللغة العبرية هي لغة شارع ومؤسسات، وحتى هنا فإن للغة الروسية حضور قوي جدا أيضا في الحياة العامة.  

ولم تنجح كل برامج المؤسسة الرسمية لدمج مجموعات المهاجرين في المجتمع الإسرائيلي وفرض شعور الانتماء المصطنع لوطنهم الجديد، فإذا كان هذا الحال بالنسبة للمهاجرين من دول الاتحاد السوفييتي السابق، فإنه أكثر حدة بالنسبة للمهاجرين من أثيوبيا، الذين يقدر عددهم بحوالي 130 ألف مهاجر (بعد الولادات)، فهؤلاء لم يختاروا الانعزال عن المجتمع الإسرائيلي، بل إن المجتمع نفسه هو الذي ينفر منهم وينبذهم من منظرو استعلائي، والغالبية الساحقة من الإسرائيليين ترفض الاختلاط بهم، أو السكن بجوارهم، أو أن يتعلم أبناؤهم في نفس المدرسة أو الصف الدراسي الذي يتعلم فيه أبناء الأثيوبيين. 

وظاهرة عدم الشعور بالانتماء لدى المهاجرين باتت مقلقة للمؤسسة الرسمية، والصهيونية بشكل عام،، فالقسم الأكبر من هؤلاء هاجر إلى إسرائيل بدوافع اقتصادية، وباغراءات مالية ضخمة سمعوا عنها في أوطانهم من خلال دعاية صهيونية مكثفة، وبعد وصولهم إلى "ارض السمن والعسل"، كما يسميها اليهود، اصطدموا بواقع مرير، وغالبيتهم اضطرت للتخلي عن مهنها، وخاصة الأكاديمية، بسبب سوق العمل الضيق، واتساع ظاهرة البطالة، وظهرت الكثير من التقارير على مر السنين، عن أطباء وكبار المختصين في مجالات الطب والهندسة وغيرها من العلوم، اضطروا للعمل بأعمال أخرى، وصلت إلى حد قطاع الخدمات مثل النظافة وخدمة البيوت وما شابه. 

وشعر هؤلاء أنهم أسرى تعهدات مالية اضطروا للتوقيع عليها حال وصولهم من أجل شراء بيوتهم وأثاثهم، وما إلى ذلك، والقليل منهم نجح في الإفلات من هذا وعاد مسرعا إلى وطنه، وقالت آخر دراسة أن 5% من المهاجرين الروس عادوا إلى وطنهم مهاجرين كليا من إسرائيل، في حين ان ما بين 20% إلى 25% يتواجدون باستمرار في وطنهم الأصلي، ولكنهم لم يتخلوا بعد عن الهوية الإسرائيلية. 

مما لا شك فيه ان هذه الظاهرة ستزيد من القلق والهاجس الإسرائيلي الصهيوني في قضية العامل الديمغرافي، فالهجرة إلى إسرائيل تراجعت منذ العام 2001 مستوى 15% من المعدل الذي كان في سنوات التسعين من القرن الماضي، حين كان المعدل السنوي حوالي 120 ألفا مهاجر، أما اليوم فإن المعدل السنوي هو قرابة 21 ألف مهاجر، ولكن مقابل هؤلاء هناك ما بين 7 إلى 8 آلاف شخص يغادرون إسرائيل مهاجرين، ليصبح المعدل "الصافي" للمهاجرين سنويا، قرابة 14 ألفا، وحتى أقل من ذلك. 

وكما ذكر، فإن حالة التفكك في داخل المجتمع الإسرائيلي لا تنحصر على موجات الهجرة الأخيرة، فمن ينظر إلى داخل هذا المجتمع، يتأكد من حقيقة انه مجرد تجمع لمجموعات مهاجرين، وكل مجموعة لا تزال تحافظ على تقاليد موطنها الأصلي، وحتى أولئك الذين هاجروا إلى إسرائيل منذ أكثر من خمسين عاما بما في ذلك الأجيال التي ولدت من بعدهم، وهذا بدءا من البيت ومطبخه، وحتى في الطقوس الدينية، والاحتفالات الشعبية والاجتماعية، وحتى التزاوج بين هذه المجتمعات، يعتبر "زاوجا مختلطا"، وفي كثير من الحالات يعتبر "اختلاطا إشكاليا" لمحيط الزوجين. 

والاختلاف بين هذه المجموعات يصل إلى حد التعامل العنصري، فمثلا عانى اليهود الشرقيون على مر السنوات من تمييز العنصري وضعت أسسه المؤسسة الرسمية والحكومات المتعاقبة، التي سيطرة عليها اليهود الأوروبيون (الاشكناز)، وإن بدى وكأن هذه الظاهرة تراجعت مقارنة بما كان سائدا حتى قبل سنوات، إلا أن آثار هذا التمييز والشعور بالظلم لا يزال قائما، وبين الحين الآخر يظهر بقوة تحت تسمية "العفريت الطائفي". 

وآخر هذه الأمثلة، هو قناعة الكثير من اليهود الشرقيين بأن تهمة الاعتداء الجنسي الموجهة للرئيس الإسرائيلي المستقيل، موشيه كتساب، كانت مجرد مؤامرة وتلفيق من أجل التخلص منه لأنه شرقي، وهو من أصل ايراني، وكتساب نفسه ألمح إلى هذا في مؤتمر صحفي عقده قبل خمسة أشهر، قال فيه إن وسائل الإعلام في إسرائيل لم يرق لها فوزه بمنصب الرئيس في العام 2000، بعد أن هزم شمعون بيرس (الاشكنازي).  

عن "الغد" الاردنية

 

انقلاب حماس وحقيقة النوايا الإسرائيلية
22 حزيران, 2007
برهوم جرايسي 

إن الموقف في إسرائيل إزاء ما جرى ويجري في قطاع غزة، وانعكاسه على مجمل الساحة الفلسطينية، بالإمكان تقسيمه إلى اتجاهين، الأول هو الأجواء العامة في الشارع الإسرائيلي، التي تتراوح ما بين اللامبالاة والشماتة على الأغلب، والثاني ليس بمعزل عن الأول، وهو في المؤسستين السياسية والعسكرية، حيث يجري البحث في كيفية الاستفادة أكثر مما يجري.

 

ولربما ان أفضل من عبر عن أجواء الشارع الإسرائيلي، هما الصحافي إيتان هابر، وعضو الكنيست المتطرف نيسيم زئيف، ويقول هابر في مقال له في صحيفة "يديعوت أحرنوت": "إن الميول الإسرائيلية الطبيعية تقول أمام هذه المشاهد: إن العرب يذبحون عربا فما يهمنا؟ فليقتلوا ويذبحوا بكثرة، وليذهبوا إلى جهنم".

 

أما النائب زئيف فإنه يشمت بأعضاء الكنيست العرب من الكتل الوطنية، ويقول من على منصة الهيئة العامة، "لقد سمعنا هنا(من النواب العرب) أن دولة إسرائيل والجيش الإسرائيلي يدمران ويحطمان الشعب الفلسطيني، ولكن لا حاجة لتحطيمه، إن الواحد منهم (الفلسطينيون) يحطم الآخر، سيأتي ذلك اليوم الذي يتوقون فيه لعودة الاحتلال الإسرائيلي، الذي يهاجمونه، فحين كان الاحتلال في غزة كانوا يعملون ويترزقون ولم ينقصهم شيء..".

 

وما يعزز ما سبق هو الأحاديث والتعليقات التي نسمعها عبر وسائل الإعلام المختلفة، وفي الشارع مباشرة، وهو رد فعل متوقع ويتناسق مع أجواء الغطرسة والاستعلاء التي تطغى على الغالبية في الشارع الإسرائيلي، ولهذا فلا مجال للمفاجأة.

 

أما على المستويين السياسي والعسكري، فهناك حالة من شبه الإجماع بين مختلف أقطاب السياسية بأن على إسرائيل أن لا تتدخل عسكريا في ما يجري في قطاع غزة، طالما ان نيران غزة لم تصل إلى إسرائيل بعد، وهذا بطبيعة الحال ليس من باب "حسن الأخلاق" الذي غرق فيه فجأة قادة إسرائيل، وإنما لأن ما يجري هو بالفعل ما تتمناه إسرائيل، وقد سعت له طوال الوقت.

 

وهنا أيضا فإن أفضل من عبر عن هذا الموقف غير المعلن، هو الصحافي التقدمي عقيبا إلدار، الذي كتب في صحيفة "هآرتس": "إن هذا هو حلم شارون، فلو أن شارون الغارق في غيبوبته، يكون الآن واعيا، لاتصل بكبير مستشاريه قائلا: لقد نجحت لعبتنا"، ويشرح إلدار عن سعي شارون الدائم لفصل قطاع غزة كليا عن الضفة الغربية، وأن لا تكون إسرائيل مطالبة بالربط بين المنطقتين الفلسطينيتين.

 

وبطبيعة الحال، أيضا، فإن ساسة إسرائيل وعساكرها لا يسارعون في ابداء مظاهر الفرح والارتياح لما يجري في قطاع غزة، ولكن رد فعلهم العملي يعكس فعليا ما يجول في داخلهم، فالعنوان العريض للرد الرسمي الإسرائيلي هو، الركض الموضعي، وعدم الحراك إلى الأمام في أي اتجاه، بل ترك الساحة الفلسطينية تغرق وحدها، تماما كما هو الجو العام في الشارع الإسرائيلي.

 

أكثر ما تقوم به إسرائيل الرسمية منذ وقوع انقلاب حماس في قطاع غزة هو تأجيج النيران الفلسطينية أكثر، من خلال تصريحات عناق الدببة الإسرائيلي للقيادة الفلسطينية الممثلة بالرئيس محمود عباس، أبو مازن، فساسة إسرائيل ليسوا بهذه الدرجة من الانسجام "والغرام" مع الرئيس أبو مازن، وحركة فتح.

 

بل هم يعلمون جيدا ان اطراءهم للرئيس أبو مازن، والظهور وكأنهم يقفون إلى جانب السلطة الفلسطينية وأذرعها الأمنية وحركة فتح، إنما يغذي النار أكثر، ويساهم في تشويه صورة هذه القيادة في الشارع الفلسطيني، الذي للأسف ينصت لهذه التصريحات، ولكن لا ينتبه لحقيقة عدم ترجمتها على ارض الواقع.

 

وهنا لربما نحن بحاجة للاستعانة مرّة أخرى بأقلام صناع الرأي في إسرائيل، الذين يكتبون بصراحة عن النوايا الحقيقية لرئيس الحكومة الإسرائيلية، إيهود أولمرت، مكمل الدرب السياسي لسلفه أريئيل شارون.

 

ففي اليوم التالي للقاء أولمرت بالرئيس الأميركي جورج بوش، أكد ثلاثة محللين إسرائيليين بارزين، في مقالات لهم في الصحافة الإسرائيلية، إن أولمرت ليس معنيا بأي تقدم في العملية السياسية أمام الفلسطينيين.

 

فقد شكك المحللان ألوف بن وشموئيل روزنير في مقال مشترك لهما في صحيفة "هآرتس" بمصداقية تصريحات أولمرت، ليس فقط في ما يتعلق بالتقدم بالعملية السياسية، وإنما حتى في إطار تقديم تسهيلات للفلسطينيين ويقولان: "لقد فاخر الرئيس الأميركي جورج بوش بالقول ان اولمرت ملتزم "برؤية دولتين"، ولربما ان هذا صحيحا من الناحية النظرية، ولكننا نحن الصحافيين الإسرائيليين، سمعنا من رئيس الحكومة تحفظات كثيرة، فالتقدم الذي يتحدث عنه قد يقود إلى مفاوضات مستقبلية مع الفلسطينيين، ولكن ليس الآن، وكل ما يقوله أولمرت الآن، أنه علينا ان ننشغل بالتحضيرات، التي تستوجب تغييرات أساسية في السلطة الفلسطينية".

 

ويتابع بن ورزنير، "إن أولمرت يتحدث عن نقل أموال للسلطة الفلسطينية ودعم الأجهزة الأمنية التابعة لأبو مازن، ووعد آخر بإزالة حواجز عسكرية في الضفة الغربية، وبناء على تجارب الماضي، فإن هذه وعود مشكوك فيها".

 

ويتوافق معهما المحلل البارز في صحيفة "يديعوت أحرنوت" ناحوم بارنيع ويقول، "إن الحديث عن مفاوضات حول الحل الدائم مع حكومة أبو مازن، هو ليس أكثر من مجرد كلام، فالفجوة بين المواقف لا تزال بعينها، والمتغير هو أن الشريك يضعف من معركة إلى أخرى، والسؤال المطروح إذا، حول ماذا ستفاوض إسرائيل أبو مازن؟".

 

لقد علمت التجربة في السنوات الأخيرة، وحتى منذ مؤتمر مدريد في العام 1991، وما قبل ذلك من محاولات، أن إسرائيل لا تبادر، ولا تتطوع للمبادرة، للدخول بمحض إرادتها إلى حلبة العملية السياسية، بل كان هذا دائما بواقع ضغط عليها، فقد سبق مؤتمر مدريد الانتفاضة الشعبية الفلسطينية، غير المسلحة، التي كانت السبب الرئيسي الأكبر لمحاصرة إسرائيل في الأسرة الدولية، وهذا هو نفس السبب الذي قاد إسرائيل إلى مسار أوسلو.

 وبهذا فإن انشغال الساحة الفلسطينية بحالها، هو فرصة ذهبية لإسرائيل لتكون أبعد ما يكون عن أي ضغط دولي عليها لدفع العملية السياسية، فهي تدعي في "المحادثات المغلقة" في أرجاء العالم، أنها معنية بالتقدم، ولكن"لا يمكن لتقدم كهذا أن يحدث في ظل الأزمة الفلسطينية الداخلية وتهاوي السلطة الفلسطينية وضعف قيادة أبو مازن".

وقد سعت إسرائيل دائما من أجل ضرب مكانة وهيبة السلطة الفلسطينية منذ إقامتها، ولكن الآن هناك من سارع لإتمام هذه المهمة لها في قطاع غزة، فالسلطة الوطنية الفلسطينية لم تكن في أي مرحلة المفاوض الرسمي أمام إسرائيل، وإنما منظمة التحرير الفلسطينية، ولكن العالم تعامل مع السلطة الفلسطينية كنموذج مستقبلي لإدارة الدولة الفلسطينية، ولهذا فإن الهدف المركزي لإسرائيل كان إجهاض هذا "النموذج"، لتثبت من وجهة نظرها، مزاعم ان الفلسطينيين "ليسوا قادرين على إدارة شؤونهم".

 

من غير الممكن الاعتقاد بأن إسرائيل قررت نهائيا عدم استخدام الخيار العسكري المكثف ضد الفلسطينيين، فهذا خيار مدمر مطروح بشكل دائم على الأجندة الإسرائيلية، ولكن إسرائيل ستنتظر "الفرصة المناسبة" التي تستطيع من خلال "تبرير نفسها"، أمام الأسرة الدولية، الفاقدة لأي توازن قوى منطقي.

 ويخطئ من يعتقد أن أي عدوان إسرائيلي قادم سيكون دعما إسرائيليا لأحد الأطراف الفلسطينية، فالجميع مستهدف، ولكن للأسف فإن في الجانب الفلسطيني من هو معني ببث أوهام انحياز إسرائيل لطرف ما في الساحة الفلسطينية، بما يرافق هذا من خطابات التشكيك والتخوين المدمرة والقاتلة، من أجل تحقيق مكاسب سياسية ضيقة، هي ابعد ما تكون عن المصلحة الوطنية الفلسطينية، وخارج المشروع الوطني الفلسطيني.

عن "الغد" الأردنية

عودة براك.. عودة الجنرالات
17 حزيران, 2007

برهوم جرايسي

كان الأسبوع الماضي في إسرائيل أسبوعا مميزا على الساحة الحزبية الداخلية، إذ لم يكن أحد يتخيل ان عجلة التاريخ تتدحرج إلى الوراء بهذه السرعة، ففي نفس اليوم الذي ظهرت فيه نتائج الانتخابات الداخلية لرئاسة حزب "العمل"، وأسفرت عن فوز الجنرال ورئيس الحكومة الأسبق إيهود براك، أعاد الكنيست (البرلمان) وبأكثرية كبيرة، عجوز السياسة الإسرائيلية، شمعون بيرس، إلى مركز الصدارة بانتخابه رئيسا للدولة.

وعودة باراك وشمعون بيرس سبقتها أيضا عودة بنيامين نتنياهو إلى رئاسة حزب "الليكود"، المنافس التاريخي لحزب "العمل"، وهذا مشهد كان قائما حتى العام 1999، حين كان نتنياهو وباراك على رأس حزبيهما.

إلا أن لعودة باراك إلى الحلبة السياسية أكثر من مؤشر، فباراك هو واحد من أبرز جنرالات إسرائيل على مدى سنواتها الستين، وكان رئيسا لأركان الجيش، في النصف الأول لسنوات التسعين من القرن الماضي، وارتبط اسمه بالكثير من العمليات الحربية العدوانية والارهابية التي نفذتها إسرائيل في دول عربية، مثل الاغتيالات وغيرها.

والمجتمع الإسرائيلي المبني على أسس العسكرة والتشبث بمبدأ القوة اختار على مر السنين، أكثرية قادته "السياسيين" من بين صفوف القيادات العسكرية والأمنية، وحتى الذين ظهروا وكأنهم من السياسيين، كان يتضح لاحقا أنهم من كبار موظفي الأجهزة الاستخباراتية وما شابه، إلا أنه في العامين الأخيرين، تبلورت في إسرائيل قيادة حكومية ذات طابع "مدني"، أو بشكل أدق فإن أقطاب الحكومة الحالية ليسوا من ذوي الخلفيات العسكرية "الثقيلة".

وكان هذا التغيّر محض صدفة، فرئيس الحكومة إيهود أولمرت، وصل إلى رئاسة الحكومة من منطلق اللا مفر، بعد سقوط رئيس الحكومة السابق أريئيل شارون على فراش المرض في أوج الحملة الانتخابية البرلمانية في مطلع العام الماضي 2006، ليلاقي زعيم حزب "العمل" عمير بيرتس، الذي تم انتخابه هو أيضا بظروف غير طبيعية في حزبه، ومن ضمنها عمليات التزوير والتزييف، وقد أكد الاثنان أنهما بالفعل "قيادة الصدفة".

وظهرت هذه "القيادة المدنية" أمام الرأي العام الإسرائيلي على أنها "ضعيفة" في حربين شنتهما إسرائيل على الشعبين اللبناني والفلسطيني، على الرغم من القتل والدمار الذي خلفته الحربان للشعبين الضحيتين.

ولهذا فإن انتخاب باراك هو تعبير لسعي الشارع الإسرائيلي لعودة كبار الجنرالات إلى رأس الهرم السياسي، رغم أن كل القيادات السياسية كانت وما تزال رهنا بما تمليه المؤسسة العسكرية الإسرائيلية، فليس صدفة انه من أصل خمسة متنافسين على رئاسة حزب "العمل"، وصل إلى الجولة الثانية للانتخابات جنرالان، هما باراك، والنائب عامي أيالون، الذي رئس في الماضي جهاز الاستخبارات العامة "الشاباك"، وكان من قبل قائدا لسلاح البحرية في الجيش الإسرائيلي.

وكما هو دائما في إسرائيل، فإن الأجواء العامة في الشارع لم تأت من فراغ، بل هناك "محرك خفي"، يظهر من خلال وسائل الإعلام الإسرائيلية النشطة، التي مهدت كثيرا لعودة الجنرالات الى زعامة حزب "العمل" من جديد، كونه معروفا عنه منذ إقامته بأنه "حزب الجنرالات"، ومن أجل هذه المهمة، فقد غيّبت وسائل الإعلام، بشكل واضح، كل ماضي باراك في رئاسة الحكومة منذ ربيع العام 1999 وحتى مطلع العام 2001، تماما كما غيّبت ماضي رئيس الحكومة الأسبق "العسكري الصغير"، بنيامين نتنياهو، خاصة حين كان رئيسا للحكومة، وعدم نبش الماضي الذي عانت منه إسرائيل أيضا، ساهم في تبوؤ الاثنين صدارة استطلاعات الرأي الإسرائيلية.

كذلك فإن لفوز باراك مؤشرا آخر، فهو جاء على طبق من فضة لرئيس الحكومة أولمرت، الذي وصلت شعبيته إلى حضيض غير مسبوق، وهو يأمل الآن بتعزيز فريق حكومته، "بالسيد الأمني"، إيهود براك، كما يوصف في إسرائيل، وادعى بعض المحللين أن أولمرت كان معنيا بفوز باراك، وأنه ساهم في فوزه، ولكن هذا يبقى في إطار الفرضيات غير الواقعية، بسبب ضعف أولمرت نفسه، وعدم قدرته على التأثير.

وقد سارع أولمرت إلى خطوة غير مسبوقة في تاريخ تشكيل الحكومات الإسرائيلية، بتعيين باراك وبشكل خاطف، وزيرا للحرب، بدلا من عمير بيرتس، الذي خسر رئاسة حزب "العمل"، رغم أن هذا التعيين كان تحصيل حال، ولكن أولمرت قرر عدم انتظار المفاوضات مع باراك، أو حتى عودته من زيارة الولايات المتحدة، وستتم المصادقة على تعيين باراك في الكنيست بغياب أولمرت نفسه، وهذا أمر غير مسبوق.

وكان الغطاء لهذا التحرك السريع، الانقلاب الذي نفذته حركة حماس في قطاع غزة، خاصة بعد أن انتشرت أنباء في إسرائيل مفادها أن الأجهزة الأمنية الإسرائيلية التي تعمل على بلورة استراتيجية جديدة للتعامل مع الوضع الناشئ في الجانب الفلسطيني، تفضل التريث إلى حين يتولى باراك منصبه، ويدلو بدلوه وخبرته في هذا المجال.

ومما لا شك فيه فإن هذا سيكون الامتحان الأول أمام باراك "ليثبت نفسه" أمام الشارع الإسرائيلي، وفق المفاهيم والاعتبارات العسكرية الإسرائيلية، ولأن باراك يعرف انه عليه اجتياز هذا "الامتحان" وأن يحقق نتائج تغير من الوضع القائم، فإن جميع السيناريوهات الدموية باتت مفتوحة الآن، وأكثر من ذي قبل، وهذا مصدر قلق.

من جهة أخرى فإن التطورات في قطاع غزة تقلب الكثير من سيناريوهات بقاء أو زوال حكومة أولمرت، فباراك كان قد أعلن في منتصف شهر أيار (مايو) الماضي، أنه في حال فوزه برئاسة حزب "العمل" الشريك الأكبر في حكومة أولمرت، بعد الحزب الحاكم "كديما"، سيوافق على البقاء في الحكومة شرط تعيين موعد لانتخابات برلمانية مبكرة، وهذا على خلفية التقرير المرحلي للجنة فحص مجريات الحرب على لبنان.

ولاحقا استدرك باراك أنه قريب جدا من رئاسة الحزب، وأن إعلانه سيتحول إلى التزام، وهو يعرف ان حزبه ليس قادرا على خوض انتخابات برلمانية مبكرة، تسبب له ضررا كبيرا في هذه المرحلة، ولهذا فقبيل الجولة الثانية للانتخابات، أطلق عدة تصريحات تراجع فيها نوعا ما عن تعهده، وفي خطاب "الفوز" الذي ألقاه فور صدور النتيجة النهائية للانتخابات غاب هذا التهديد كليا.

ولكن هذا لا يكفي فعلى باراك إيجاد السيناريو الذي يُسهل عليه النزول عن شجرة التهديد، وها هو انقلاب حماس في غزة، الذي سيعتبر "مصدر تهديد لإسرائيل"، "وفي ظل تهديد كهذا لا مجال للحديث عن أزمات سياسية"، كما سيقال في إسرائيل، حتى وإن أدت التطورات في غزة إلى هدوء أمني على الحدود مع إسرائيل، كما تتوقع مصادر عسكرية إسرائيلية.

بمعنى آخر فإن "شبح" حل حكومة أولمرت، سيبتعد في هذه المرحلة، وقد يزول كليا لاحقا، وهذا أمر سيكون رهن التطورات المقبلة، التي من الصعب جدا تحديد وجهتها منذ الآن، كونها منوطة بما يدور في الغرف المغلقة في كلا الجانبين.

كذلك فإن لهذه التطورات المستقبلية ستكون أيضا انعكاسات على القوى المركزية في الحلبة السياسية الإسرائيلية، وقد تنقلب الكثير من الأوراق السياسية والعسكرية، فالساحة الداخلية الإسرائيلية غير مستقرة وهي دائما في حالة قلاقل واهتزازات، وأقل تطور كفيل بقلب الأوراق كما علمت التجربة.

عن "الغد" الاردنية 18/6/2007

عمير بيرتس يخسر معركته في بيت العناكب
15 حزيران, 2007

 برهوم جرايسي

 *ما يميز بيرتس انه انطلق من أحياء الفقر، ووصل إلى "مجد" لم يحلم به، ولم يكن على مقاساته، ووصل إلى القمة بسرعة، ولكنه انهار عنها بشكل أسرع* لم تلدغه العناكب وحدها، بل نهجه وتقلباته كانت "اللادغ" الأكبر*  

مع ظهور النتائج النهائية لانتخابات رئيس جديد لحزب "العمل" الإسرائيلي، سيبدأ الرئيس الحالي، وزير الأمن (الدفاع) عمير بيرتس، مسيرة جديدة، وستكون على الأغلب نحو خط النهاية في رأس الهرم الحزبي والسلطوي، وشبه استحالة عودة مستقبلية لأي منصب قيادي من الدرجة الأولى في دائرة الحكم في إسرائيل.فهو يترك منصبه في رئاسة الحزب، وعلى الأغلب أيضا في وزارة الأمن، دون أن يُسجل لصالحه ولو نقطة ايجابية واحدة، من منظور حزبه، وأيضا من منظور الشارع الإسرائيلي، ولهذا فإنه لن يكون من ذلك النوع من القيادات، الذين تم "خلعهم" ثم فُسح المجال أمامهم لعودة جديدة.

ولكن من ناحية أخرى فإن عمير بيرتس يبقى تجربة فريدة من نوعها في الحلبة السياسية الإسرائيلية، فهذا الشاب اليهودي الشرقي، إبن عائلة محدودة الإمكانيات، وإبن أحياء الفقر الإسرائيلية، وعانى مع بيئته الشرقية من تمييز الأشكناز ضدهم، يظهر فجأة على الحلبة السياسية ويحطم رموزاً أشكنازية في السلطة الإسرائيلية، وخاصة عجوز السياسة الإسرائيلية، شمعون بيرس. 

سياسي منذ سنواته الأولى 

في شهادته أمام لجنة فحص مجريات الحرب على لبنان، "لجنة فينوغراد"، فاجأ رئيس الحكومة الإسرائيلية، إيهود أولمرت، مستمعيه، ومن ثم الأوساط الإسرائيلية بعد نشر شهادته، حين تحدث بحرارة شديدة عن وزير الأمن (الدفاع) في حكومة، عمير بيرتس، نظرا لبرودة العلاقات بينهما.

فحين سُئل أولمرت عن سبب تعيينه لبيرتس في وزارة الأمن "الكبيرة على مقاساته"، وبعد أن شرح أن هذا نتيجة اتفاق ائتلافي، راح يتحدث عن ذلك الشاب الشرقي الذي خرج من أحياء الفقر، واستطاع أن يثبت نفسه حين كان في مقتبل العمر، وأن يصل إلى مستويات سياسية واجتماعية عليا.

من الصعب الاقتناع بأن أولمرت، الذي "ولد" سياسيا في حركة "حيروت" اليمينية المتطرفة، أن يتطوع لمديح خصم له، "ولد" في المعسكر الآخر، في حزب "المباي" ("العمل" لاحقا)، وكان من أوائل المنتسبين لحركة "السلام الآن"، فأولمرت أراد من حديثه هذا أن يصد بعض الضغط عنه، في مسألة قبوله لتولي بيرتس حقيبة "الأمن".

ولكن في حقيقة الأمر فإن ما قاله أولمرت ليس بعيدا عن الواقع، لأن "الشاب" اليهودي الشرقي، ابن أحياء الفقر، عمير بيرتس، استطاع أن يخط طريقه في حزب اشكنازي متعالي، وضع أسس سياسية التمييز ضد اليهود الشرقيين، وأن يصبح لاحقا زعيما لهذا الحزب.

ولد عمير بيرتس في التاسع من شهر آذار/ مارس، من العام 1952، في بلدة بوجعد في المغرب، وهاجر مع عائلته إلى إسرائيل في العام 1956، ولم يتقدم بيرتس كثيراُ في التعليم العالي، وقد درس في كلية تربية في النقب.وفي العام 1973 شارك في حرب أكتوبر على الجبهة الشمالية أما سورية، وأصيب بقدمه، وأدت إلى تشوه في رجله حتى اليوم.

حين كان إبن 31 عاما، أي في العام 1983، نجح في الوصول إلى رئاسة مجلس بلدته سديروت، على رأي قائمة حزب "المعراخ" (أحد التسميات السابقة لحزب "العمل" الحالي)، ونجح لأول مرة في خلع حزبي الليكود والمفدال اليمينيين عن رئاسة هذه البلدة، التي كانت من أبرز بلدات الفقر في إسرائيل، وتسكنها أغلبية يهودية شرقية.

وكان هذا المنصب رافعة لوصوله لأول إلى البرلمان الإسرائيلي (الكنيست)، في خريف العام 1988، وسطع إسمه على الصعيد القطري في مطلع سنوات التسعين، حين بادر إلى مسيرة الاحتجاج على تفشي البطالة من الجنوب إلى الشمال، وبطول عشرات الكيلومترات، ولكن هذا لم يسعفه كثيرا، وقد بقي في مقعده البرلماني ضمن قائمة حزب "العمل" بصعوبة، وبفضل حصول الحزب على 44 مقعدا، وكان بيرتس يحتل أحد المقاعد الأخيرة.

ولم يتوقف بيرتس هنا، بل قرر أن يغزو بيت العناكب الأكبر في الحزب، قيادة اتحاد النقابات العامة، "الهستدروت"، الذي احتله حزب "العمل" منذ ظهوره، وحتى منتصف التسعينيات من القرن الماضي، وتحول عمليا إلى الساحة الخلفية للحزب، وتحولت كل مقرات الهستدروت إلى نواد للحزب.وكان الهستدروت مصدر قوة للحزب، كونه كان يسيطر على 30% من الاقتصاد الإسرائيلي، حتى مطلع سنوات التسعين، والغالبية الساحقة من العاملين في "الهستدروت، والمؤسسات والشركات الاقتصادية كانت خاضعة مرغمة لحزب "العمل".

ونافس بيرتس على رئاسة الهستدروت في داخل الحزب، حاييم هابرفيلد، الذي كان يرأس الهستدروت، وهو استمرارا للفئة التي سيطرت على مجريات الأمور في هذا الاتحاد النقابي، وقد خسر المنافسة.ولم يرض بيرتس بالنتيجة، وبشكل خاص الشخص الذي وقف من خلفه، الوزير في حينه، حاييم رامون، ولكن بيرتس لم يستطع الإقدام على خطوة "جريئة" بمفرده، وكان بحاجة إلى الأشكنازي رامون، الذي قاد إنشقاقا في كتلة "العمل" في الهستدروت، وشكل قائمة منفصلة، استطاعت لأول مرة أن تخلع الحرس القديم في الهستدروت، في ربيع العام 1994.

وكان رامون زعيما لها الاتحاد فيما كان بيرتس الرجل الثاني في الهستدروت، وسرعان ما عاد رامون إلى حكومة شمعون بيرس، في أعقاب اغتيال رئيس الحكومة يتسحاق رابين في خريف العام 1995، ليحتل بيرتس منصب "السكرتير العام" للهستدروت، وهو التسمية السابقة لمنصب رئيس الهستدروت.

وأقدم رامون ومن بعده بيرتس، على جملة تغييرات في الهستدروت، الغارق بالديون، أفقدته قوته  الاقتصادية، وبالتالي تراجع مكانته النقابية.في الانتخابات البرلمانية في العام 1996، خاض بيرتس الانتخابات كرئيس قائمة مستقلة، ولكن ضمن قائمة حزب "العمل"، وفي العام 1999 خاض الانتخابات بقائمة مستقلة حصلت على مقعدين، وفي العام 2003 لم تنجح قائمته في الحصول على أكثر من ثلاثة مقاعد، وقبل أن تنتهي الولاية البرلمانية، عاد بيرتس على رأس قائمته، إلى الحزب "الأم"، (العمل) بمبادرة شمعون بيرس، رئيس الحزب في حينه.

إلا أن شمعون بيرس لمن يكن يتخيل أن هذه الخطوة التي عارضها كثيرون في حزب "العمل"، ستكون بداية نهايته في رئاسة الحزب، وفي الانتخابات الداخلية لرئاسة الحزب التي جرت في خريف العام 2005، تغلب عمير بيرتس بشكل مفاجئ على شمعون بيرس، وكان هذا بمثابة فتح الأبواب أمام بيرس ليهجر حزبا كان في قيادته بمستويات مختلفة على مدى خمسين عاما. 

ارتقاء سريع وانهيار أسرع 

في عودة للماضي، نرى أن فوز عمير بيرتس برئاسة حزب "العمل" لم يكن نتيجة طبيعية، بل لسلسلة عوامل، من أبرزها أنه في حينه كانت عملية انتساب واسعة النطاق لحزب "العمل" وتم الكشف فيها عن عمليات تزوير ضخمة، وكان بيرتس من أكثر المتهمين بها، ولكن لأسباب غير واضحة، فإن ملف التحقيق لم يكتمل، ولم يتم إغلاقه.

كذلك فإن بيرتس استفاد في حينه من أمرين، وهو تجنيد الجهاز البيروقراطي في الهستدروت الذي كان يرأسه، وأيضا من نظام حزب "العمل" الذي يمنح الفوز لمن حصل على أكثر من 40% في حال وجود أكثر من مرشحين اثنين لرئاسة الحزب، ولم ينجح بيرتس في الحصول على أكثر من 50%.

وهذا كله يقود إلى حقيقة أن فوز بيرتس لم يكن مقنعا لكوادر الحزب، وهنا أيضا أقدم بيرتس على عدة أخطاء مصيرية في داخل الحزب، ولم يأخذ بعين الاعتبار الحرس القديم، الذي لا يزال في الواجهة السياسية، وركض لاستحضار نجوم من خارج الحزب، مثل الصحفية شيلي يحيموفيتش، ورئيس جامعة بئر السبع، أفيشاي برافرمان، واستبعد إلى الخلف النجوم الأساسية في الحزب، خاصة من ذوي النفوذ وأصحاب مراكز القوى في الهيئات الحزبية.

وفي الانتخابات البرلمانية التي جرت بعد خمسة أشهر من توليه رئاسة الحزب، تبين أن امتزاج حزب بيرتس بحزب "العمل" لم يثمر كما كان متوقعا، بل بقي الحزب على نفس المقاعد التي كانت لديه في الولاية السابقة، وهذا ضوء أحمر وقف أمام بيرتس.

ولكن بيرتس الذي اعتقد أن الحزب في قبضته، واصل سلسلة أخطائه، وخاصة في التركيبة الوزارية لحزبه في حكومة إيهود أولمرت، حين استبعد النجوم الذين أتى بهم إلى الحزب، مثل برافرمان، ولكن بشكل خاص جنرالات مثل عامي أيالون وداني يتوم.

وهذه أخطاء على مستوى الحزب، أما على المستوى الشخصي، فقد ورط بيرتس نفسه بحصوله على حقيبة الأمن، رغم الهجوم العنيف عليه في وسائل الإعلام، قبل توليه المنصب وبعد أن بدأ مهامه.في خطاباته الأخيرة يقول بيرتس، محاولا رثاء حالته، "إنه خلال توليه واجه صعوبات، حتى أكثر الخصوم لم يحلموا في وضعها أمامه"، ويقصد بذلك الحروب التي شنتها إسرائيل، في العام الأخير، على الشعبين اللبناني والفلسطيني، والأوضاع الأمنية وغيرها.

ولكن بيرتس هنا أيضا لم يقنع أحدا بما يقول، فقبوله بحقيبة الأمن، كان عمليا نقضا لطابعه الشخصي الذي اقترن بالقضايا الاقتصادية الاجتماعية، ونقضا لوعوده الانتخابية، خاصة بعد أن تبين أن حزبه لم يحصل على أي حقيبة ذات طابع اجتماعي.

ومنذ الأيام الأولى لتوليه مهامه في تلك الوزارة ظهر بيرتس أسيرا للجهاز العسكري، ويفعل فعله، فهو لم يوقف القصف المتواصل على قطاع غزة، وفي نهاية شهر حزيران/ يونيو 2006 شن حربا واسعة النطاق على قطاع غزة، بحجة أسر جندي احتلال، لم يتم إطلاق سراحه حتى اليوم، وبعد ثلاثة أسابيع شن حربا مدمرة على لبنان، أيضا بحجة أسر جنديين، وكانت هاتان الحربان القشة التي قصمت ظهر الجمل.

ومنذ أن هدأت الحرب على لبنان في منتصف آب/ أغسطس العام الماضي 2006، يقبع بيرتس في حضيض لم يشهده من قبل أي قائد سياسي بمستوى مناصبه، كأن نقرأ في استطلاعات الرأي أن 1% فقط، من الجمهور في إسرائيل يؤيدون بقاءه وزيرا للأمن، فيما لا يرى أكثر من 3% من الإسرائيليين، بأنه مؤهلا لتولي رئاسة الحكومة.  

وجهة بيرتس مجهولة 

حتى الآن ليس من الواضح أي طريق سيختارها عمير بيرتس بعد أن ينهي ولايته في رئاسة الحزب، فهناك احتمالات كثيرة للمرحلة الحالية، فالسياق الطبيعي هو أن يستقيل أيضا من منصبه الوزاري في وزارة "الأمن"، ليخلي المكان لرئيس الحزب الجديد، وفي هذه الحالة سيكون السؤال ما إذا سيبقى بيرتس وزيرا، أم سيختار بنفسه أو مرغما ترك الحكومة كليا، وأن يبقى نائبا في الكنيست، في انتظار قفزة جديدة، هذا إن وجدت أصلا.

وهناك احتمال أن يبقى بيرتس لفترة محدودة في منصبه، إلى حين يتضح مصير رئيس الحكومة، إيهود أولمرت، الذي أصبح مرهونا بقدر كبير بحيثيات التقرير النهائي للجنة فينوغراد، ولكن أيضا بملف الفساد، الذي تراجع الحديث عنه في الأسابيع القليلة الأخيرة، وقد يظهر من جديد في أي لحظة، وهذا لأن المرشحين لرئاسة "العمل"، عامي أيالون، وإيهود براك، يتحفظان من الجلوس في حكومة يرأسها إيهود أولمرت.

ولكن هذه كلها تحركات وتوقعات للمدى القصير، أما على المدى البعيد، فإن بيرتس لم يبد حتى الآن معالم تعب، أو إحباط تقوده إلى خارج الحلبة السياسية، وإن فعل هذا فسيكون لفترة قصيرة.حقيقة أن التكهنات في السياسة هي أمر شائك، ولكن حقيقة وضعية عمير بيرتس لا تبقى أي مجال للشك، بأنه سيكون من الصعب جدا على عمير بيرتس أن يحلم بالعودة إلى منصب قيادي من الدرجة الأولى، وهذا لعدة أسباب.

بداية في حزبه، فهو لم يبق أثرا ايجابيا يجعل أعضاء الحزب يتمنون عودته، وحتى النسبة الكبيرة جدا التي حصل عليها في الجولة من الانتخابات لرئاسة الحزب، 22,4%، حصل عليها نتيجة تحالفات ليست ذات وزن في الهيئات القيادية للحزب، وخاصة تحالفه مع الوزير "العربي" غالب مجادلة، الذي حصد له ثلث الأصوات التي حصل عليها بيرتس، وعمليا فإن نصف أصوات بيرتس جاءت من "القطاع العربي" في الحزب، لأن هذا الحزب يجعل من منتسبي أبناء الطائفة العربية الدرزية قطاعا منفصلا عن "القطاع العربي".

كذلك فإن بيرتس لن يجد مستقبلا أيا من أعضاء القيادة البارزة في الحزب يمد له يد المساعدة للعودة، كونه لم يسجل أي إنجاز تمنحه أفضلية على آخرين في قيادة الحزب.وحتى وإن قرر بيرتس هجرة حزبه، والتوجه إلى حزب آخر، فبلغة الحلبة السياسية الإسرائيلية، فإن بيرتس هو بضاعة خاسرة ومُخسّرة جداً، وهذا بسبب الحضيض الذي وصلت إليه شعبيته في الشارع الإسرائيلي.

إذا اختار بيرتس البقاء في المشهد السياسي الإسرائيلي، فعلى الأغلب سيبقى مجرد سياسي آخر في الحلبة السياسية، من دون أي وزن، وإذا ما قرر بيرتس العودة إلى أجندته الاقتصادية الاجتماعية، وكنجم لها، فإنه سيحتاج لسنوات، "يساعد" فيها الجمهور على نسيان تجربته على مدى 20 شهرا، منذ توليه رئاسة حزب "العمل" وحتى اليوم.

لم يكن مقعد رئيس حزب "العمل"، خاصة في السنوات الأخيرة، مخمليا، إلى درجة الشعور بالارتياح عليه، كونه يتوسط واحد من أكبر بيوت العناكب التي عرفتها الخارطة السياسية الإسرائيلية، الذي لم تترك لأي من رؤساء الحزب فرصة للعمل، وهذا أكبر تعبير لأزمة القيادة في الحزب، إلا أن بيرتس قرر في يوم ما ان يقتحم بيت العناكب، ولكنه مني بفشل انعكس على مصيره السياسي.

عن "المشهد الاسرائيلي" ملحق سياسي صادر في مدينة رام الله في الضفة الغربية

12/6/2007

المناورة الإسرائيلية في الملف السوري
10 حزيران, 2007

 برهوم جرايسي

تكثفت في الأيام الأخيرة الأنباء الصادرة في إسرائيل حول مستقبل العلاقة مع سورية، وكانت في اتجاهين، أحدهما في اتجاه حرب مفترضة، لا مؤشر لها واضح ميدانيا وسياسيا، وآخر في اتجاه فرص استئناف المفاوضات السياسية بين البلدين، وفي كلا الاتجاهين فإن الأنباء متضاربة لتخلق حالة من البلبلة، تخدم بالأساس وضعية الحكومية الإسرائيلية السياسية، داخليا وخارجيا.

ويوم الجمعة الأخير، صدرت كبرى الصحف الإسرائيلية، "يديعوت أحرنوت" تحمل تقريرا أعده الصحافيان البارزان ناحوم بارنيع وشمعون شيفر، يدعي أن رئيس الحكومة الإسرائيلية، إيهود أولمرت، حصل من الرئيس الأميركي جورج بوش، على"الضوء الأخضر" لفحص إمكانيات استنئاف المفاوضات مع سورية.

كذلك وحسب التقرير، فإن أولمرت نقل رسائل شفهية من خلال قادة تركيا وألمانيا، إلى الرئيس السوري بشار الأسد يقول فيها أولمرت، إنه "على علم بأن السلام مع سورية يلزمني بإعادة هضبة الجولان للسيادة السورية، وإنني على استعداد لتنفيذ قسطي هذا ضمن صفقة لإبرام السلام بيننا"، ثم يسأل أولمرت عن "الثمن السوري" في اتفاق كهذا.

في الحقيقة فإنه لا يمكن التعامل مع هذا التقرير كأي تقرير عابر، وبالأساس نظرا لكون الصحافيين بارنيّع وشيفر، يعتبران مصدرا إعلاميا جديا في إسرائيل، ولهذا فإن الانطباع السائد أن هذا النبأ صدر بقرار من أولمرت نفسه، عبر أحد مقربيه، حتى وإن سمعنا لاحقا نفيا من قبل أولمرت.

وبناء على ما تقدم، فهناك عدة احتمالات لمبادرة "الكشف" عن هذه المعلومات، وفي هذه المرحلية بالذات، التي تواصل سورية فيها دعوتها لاستئناف العملية السياسية، في حين ان إسرائيل لا تبدي أية نية حقيقية للدفع في اتجاه هذه المفاوضات.

ولهذا فإننا أمام أربع احتمالات أساسية للمناورة السياسية الإعلامية الإسرائيلية، لا يمكن تفضيل أحدها على الآخر وقد يكون الهدف الإسرائيلي لأكثر من احتمال في آن واحد

.أولا، أن يكون هذا النبأ، محاولة ادعاء إسرائيل بأن الكرة باتت في الملعب السوري، بعد ابداء "النوايا الإسرائيلية"، بأنها على استعداد للانسحاب من الجولان، خاصة وأن الإعلام الإسرائيلي أبرز مزاعم ان سورية لم ترد بعد على العرض الإسرائيلي المعلن.ثانيا، أن يكون شيء ما من الصدق في رسائل أولمرت، ولهذا فإن إسرائيل تسعى إلى "احراج" سورية والضغط عليها بإعلان موقفها من المطالب الإسرائيلية المعلنة في هذه المرحلة، وهي "فض التحالف مع إيران وحزب الله اللبناني والفصائل الفلسطينية التي مركزها في سورية"، علما ان مطالب إسرائيلية استراتيجية أخرى كانت قد طرحت في جولات سابقة من المفاوضات، التي كانت آخرها في ربيع العام 2000، في الولايات المتحدة، بين رئيس الحكومة الإسرائيلية الأسبق إيهود براك، ووزير الخارجية السوري السابق فاروق الشرع.

وقبل الدخول في باقي الاحتمالات، فإن السؤال المركزي أمام هذين الاحتمالين، هل فعلا معنية إسرائيل بالانسحاب الكامل من هضبة الجولان السورية المحتلة، والجواب على هذا هو ما يجري ميدانيا في الجولان، من تكثيف لمشاريع الاستيطان، فنحن اليوم نتحدث عن 33 مستوطنة مأهولة بالمستوطنين، وأربع مستوطنات للاستجمام والسياحة، وثلاث مستوطنات قيد الإنشاء، وهذا إلى جانب مشاريع بنى تحتية ضخمة بتكلفة عشرات، ولربما مئات، ملايين الدولارات سنويا.

ففي الأسبوع الماضي، الذي زعم فيه أولمرت رسميا، بأن "وجهة إسرائيل هي السلام مع سورية"، أعلنت وزارة البنى التحتية ووزارة المواصلات في حكومته عزمها استبدال كافة الجسور المؤقتة على نهر الأردن، والمؤدية إلى هضبة الجولان المحتلة، بجسور إسمنتية ضخمة وثابتة.وهذا إلى جانب استمرار صدور الإعلانات التجارية التي تحفز المستوطنين على السكن في هضبة الجولان، ليحصلوا على إمتيازات مالية ضخمة، ترفع من مستواهم المعيشي بشكل كبير.

أما الاحتمال الثالث فهو أن إسرائيل تريد لهذا النشر، أن يكون ورقة ضغط على الجانب الفلسطيني، وكأن أي تقدم في المفاوضات مع سورية، لن يخدم تقدم العملية السياسية أمام الفلسطينيين، بزعم ان إبرام اتفاق سلام مع سورية، قبل فلسطين، سيُضعف الملف الفلسطيني، وهذا حسب حوارات إسرائيل الداخلية، التي لا تدعمها أية تصريحات فلسطينية في هذا الشأن.

وما يعزز هذا الاحتمال، هو أن كل نبأ صادر في إسرائيل حول فرص استئناف المفاوضات مع سورية، يتم تذييله بتقديرات إسرائيلية، تزعم بعدم وجود "شريك فلسطيني" قادر على دفع العملية السياسية للأمام، وكأن قرار الدفع هو فلسطيني، وليس الجانب الإسرائيلي الذي يمارس الاحتلال ويمسك بغالبية الأوراق، إن لم تكن كلها.

وقد يكون أن الغرض من هذه المناورة لحسابات داخلية إسرائيلية، وهذا هو الاحتمال الرابع، بمعنى ان أولمرت يريد الظهور أمام الساحة الإسرائيلية وكأن لديه أجندة سياسية، وأنه يمارس عمله السياسي الطبيعي، على الرغم من التهديد على مستقبله السياسي بسبب التقرير المرحلي للجنة فحص مجريات الحرب على لبنان، واقتراب موعد صدور التقرير النهائي لهذه اللجنة، "لجنة فينوغراد"، وأيضا بسبب ملفات الفساد، التي تراجع الحديث عنها في الأسابيع القليلة الأخيرة، وقد تظهر مجددا في أية لحظة، أو أن أولمرت جاد فعلا، ولهذا فقد أطلق بالون تجارب لحصر وفحص رد فعل الشارع الإسرائيلي، وحتى رد مركبات حكومته.

من ناحية الشارع الإسرائيلي، فإنه يعايش منذ سنوات طوال حالة من البلبلة، ويعاني من عدم وضوح الرؤية، وهذا ينعكس في حالة تبعثر وتفكك الخارطة السياسية الإسرائيلية وغياب حزب كبير ومتماسك، واضح الرؤية، ولهذا فمن الصعب الآن تقييم رد الفعل المستقبلي للشارع الإسرائيلي في حالة استئناف المفاوضات مع سورية، بمعنى مدى رفضه وقبوله لاتفاق بين الجانبين، فهذا الشارع كثير التقلبات، وهو أسير لأجواء عامة تخلقها له عوامل داخلية وخارجية، وخاصة الموقف الأميركي.

أما من حيث موقف الأحزاب الإسرائيلية، خاصة المشاركة في الحكومة، فإنه نظرة سريعة لمواقفها تخلق انطباعا وكأنه لا توجد أكثرية برلمانية لدفع العملية السياسية مع سورية، ولكن بقراءة متأنية لمواقف هذه الأحزاب، فإن الصورة ليست بالضبط هكذا، وهناك أحزاب يمينية، حتى متطرفة، أطلقت في الآونة الأخيرة، سيناريوهات، في إطار ما اعتادت إسرائيل عليه، وهو محاورة نفسها بنفسها، وتجاهل الطرف الآخر المركزي والمقرر في المفاوضات.

فمثلا يقترح الوزير المتطرف أفيغدور ليبرمان، "أن تعترف إسرائيل من حيث المبدأ أن هضبة الجولان سورية، ولكن أن تتفق مع سورية على استئجار القسم الأكبر من أراضيها لفترة طويلة".

كذلك فإن الشخصية اليمينية الأبرز في هذه المرحلة، بنيامين نتنياهو لا يستطيع أن يتهرب من حقيقة انه حين كان رئيسا للحكومة أبدى استعدادا لانسحاب "كبير جدا" من الهضبة ضمن اتفاق مستقبلي مع سورية.

تقترب الحلبة السياسية الإسرائيلية في هذه الأيام من مرحلة حسم جديدة لمستقبل حكومة إيهود أولمرت، لدى صدور التقرير النهائي للجنة فينوغراد، في نهاية شهر تموز (يوليو) أو مطلع آب (أغسطس) المقبلين، فحيثيات هذا التقرير ستحكم على مصير أولمرت السياسي في كلا الاتجاهين، وقبل هذا فإنه من المستبعد جدا أن تكون حكومته قادرة على أي تحرك سياسي جدي، على المسارين الفلسطيني والسوري. 

عن "الغد" الأردنية 10/6/2007 

انتخابات العمل الإسرائيلي: أزمة قيادة وشلل سياسي
30 ايار, 2007

برهوم جرايسي 

 كما كان متوقعا، لم ينجح حزب "العمل" الإسرائيلي في حسم الانتخابات لرئاسة الحزب، التي جرت يوم الإثنين الأخير، منذ الجولة الأولى، وهذا ليس فقط بسبب كثرة المرشحين في هذه الانتخابات المصيرية، وإنما انعكاس جديد لأزمة القيادة التي يعاني هذا الحزب التاريخي، "المؤسس" لإسرائيل منذ سنوات.

فهذه النتيجة تؤكد غياب الشخصية "النجم" القادرة على قيادة الحزب، وتقنع الجماهير الواسعة بذلك لتعيد للحزب مركز الصدارة في الحلبة السياسية، كما كان على مدى عقود، ويشكل بديلا، ولو نسبيا محدودا، لليمين في إسرائيل.

لقد أظهرت النتائج توزيع الأصوات بين ثلاث مراكز قوى أساسية، وبتفاوت قليل نسبيا بينها، فقد حصل رئيس الحكومة الأسبق، إيهود براك على قرابة 36%، والرئيس الأسبق لجهاز الاستخبارات العامة، "الشاباك"، النائب عامي أيالون، على قرابة 31%، فيما حصل الرئيس الحالي للحزب، وزير الحزب عمير بيرتس حصل على أكثر من 22%، إضافة إلى 8% للنائب أوفير بينيس، وقرابة 3% للنائب داني يتوم.

وستنقل نتائج الانتخابات عامي أيالون وإيهود براك، إلى الجولة الثانية من هذه الانتخابات، التي من المفترض ان تجري في الثاني عشر من حزيران (يونيو).وهذا الشكل لتوزيع الأصوات بين المتنافسين، يُنبئ بأن رئيس الحزب الجديد، بعد الجولة الثانية للانتخابات، لن يكون مختلفا عن سابقيه في السنوات الإثنتي عشرة الأخيرة، إذ سيواجه هو الآخر معارضة داخلية، تكون عائقا أمام تحركه بحرية في داخل الحزب، لتستمر أزمة القيادة، التي هي أحد أسباب تراجع قوة الحزب.

فمنذ العام 1996 وحتى الآن تعاقب على الحزب ثمانية رؤساء، من بينها ثلاث فترات لعجوز السياسة الإسرائيلية شمعون بيرس، ومن بين هؤلاء الرؤساء من لم يصمد في مقعده لأكثر من شهرين، وآخر لبضعة شهور.

أما الرئيس الأخير، الذي أطاحت به هذه الانتخابات، وزير الحرب، عمير بيرتس، فقد "نجح" في البقاء في منصبه الحزبي عام ونصف العام، وهو لم يتفاجأ بنتيجته، لعدة أسباب يعرفها هو أيضا، ومن بينها سلسلة الأخطاء السياسية والتنظيمية الحزبية التي إرتكبها منذ اليوم التالي لتوليه رئاسة الحزب، وحتى توليه حقيبة الحرب، التي بنظر الشارع الإسرائيلي لا يفقه منها شيئا، وورط نفسه فيها، وهذا موضوع معالجة قادمة نظرا لأهمية تجربة بيرتس على الساحة السياسية الإسرائيلية.

ولكن الشخص المقرر في الجولة الثانية للانتخابات، سيكون الخاسر الأكبر في الجولة الأولى، عمير بيرتس، لأن من سيفوز بالجولة الثانية من بين الإثنين، أيالون وبراك، سيكون بحاجة إلى تأييد جارف من بيرتس، والسياق الطبيعي لسلسلة تصريحات بيرتس خلال الحملة الانتخابية، يعني ان بيرتس من المفترض أن يدعم أيالون، وهذا ما سيحصل على الأغلب، ولكن في السياسة الإسرائيلية، حيث المصالح الذاتية تنتصر على اكبر المعتقدات والبرامج السياسية، فإن كل شيء وارد.

كذلك وحسب استطلاعات الرأي فإن أيالون هو صاحب الإمكانيات الأكبر للفوز برئاسة الحزب في الجولة الثانية، ولكن الاحتمال الآخر، أي فوز براك، وإن كان ضئيلا، فإنه وارد في هذا المجال.وسيكون تأثير مباشر للشخص الفائز على مستقبل حكومة إيهود أولمرت، فقد أعلن أيالون، قبل أسبوعين، أنه يرفض استمرار الشراكة في الحكومة الحالية برئاسة إيهود أولمرت، وأنه مستعد لاستمرار هذه الشراكة شرط استبدال أولمرت بشخصية أخرى من حزب "كديما" الحاكم، وقد جاء إعلان أيالون متسرعا جدا، متأثرا من الضجة التي كانت في إسرائيل، في أعقاب ظهور التقرير المرحلي للجنة الفحص لمجريات الحرب على لبنان، التي وجهت انتقادات شديدة لأولمرت وبيرتس.

إذ لم ينتبه أيالون إلى أنه مرشح لتولي رئاسة حزب ليس مستعدا وليس قادرا، في هذه المرحلة، على خوض انتخابات برلمانية مبكرة، تنقذه من تدهور جديد كما تتنبأ له استطلاعات الرأي، فإذا ما أصر أيالون على موقفه، وفي المقابل رفض أولمرت الاستقالة، فقد تؤدي هذه الحالة إلى انهيار الائتلاف الحكومي القائم، ويفسح المجال، "نظرياً" لانتخابات مبكرة.

وقد استدرك أيالون تسرّعه، لا بل تورطه في هذا الالتزام، وهذا ما يثبته تصريحه في اليومين الأخيرين قبل الانتخابات، حين قال إنه لن يتخذ أي قرار يتعلق بالشراكة في الحكومة من دون التشاور مع قيادات الحزب والتوصل إلى قرار توافقي في ما بينهم.أما التزام إيهود براك فإنه أقل عبئا على الحزب، إذ أعلن موافقته على البقاء في حكومة أولمرت، شرط تعيين موعد للانتخابات البرلمانية المبكرة في غضون ستة أشهر، وهذا على الأغلب لن يحصل، لأن استبدال أولمرت المتوقع، في الصيف القادم، قد يغير المشهد الحزبي بصورة كبيرة.

ولكن السؤال المركزي في "موسم الانتخابات" هذا، هو مصير هذا الحزب على المدى الأبعد، ومدى احتمال عودته إلى مركزه السابق في الخارطة السياسية الإسرائيلية، حينما كان يتناوب على السلطة أمام حزب "الليكود"، الذي تهاوى في الانتخابات الماضية، وتتنبأ له استطلاعات الرأي عودة قوية، وحتى مركز الصدارة، في أي انتخابات برلمانية قادمة، وفق الظروف الراهنة.

إن المشكلة الأساسية التي تقف من خلف تهاوي حزب "العمل"، هو التناقض الداخلي الحاصل لديه على المستوى الايديولوجي الصهيوني، بين ضرورة إخراج إسرائيل من دائرة الصراع الدائم في المنطقة، وبين عدم التخلي عن الحلم الصهيوني الأكبر، أو الاعتقاد بأن الحل المطروح دوليا سيكون بداية النهاية لإسرائيل، كما الكثير من الإسرائيليين.

وهذا صراع موجود في الشارع الإسرائيلي ككل، منذ أن اصطدمت إسرائيل بواقع انهيار "بقراتها المقدسة" التي قامت عليها، مثل "عدم وجود شعب فلسطيني"، والاحتفاظ بما يسمى "كل أرض إسرائيل" (فلسطين التاريخية)، و"التأقلم في الأسرة الدولية بصورة طبيعية من دون حل الصراع"، وينضم إلى كل هذا الهاجس الإسرائيلي الصهيوني من "الخطر الديمغرافي" وتراجع الأغلبية اليهودية في مناطق 1948، ناهيك عن فلسطين التاريخية.

فعلى الرغم من أن حكومة حزب "العمل" قادت في العام 1993 المفاوضات التاريخية مع منظمة التحرير الفلسطينية، في مسار اتفاقيات اوسلو، وما تبع ذلك من اتفاقيات وانفراجات إقليمية مرحلية، إلا أنه في النصف الثاني من سنوات التسعين، تراجع الحزب وغيّب برنامجه السياسي كبرنامج مستقل، غير خاضع لاملاءات اليمين الإسرائيلي، وبالتالي تحول إلى حزب ظل في الساحة السياسية، وهذه حالة لا تزال قائمة حتى اليوم.

فحتى عندما عاد "العمل" إلى الحكم في العام 1999 برئاسة إيهود براك، لم ينجح الحزب في إثبات وجوده على الساحة السياسية كحزب قوي، وظهر مجددا كحزب تابع لتوجهات اليمين، وتعمقت لديه ظاهرة عدم وضوح الرؤية، فقد كان يظهر وكأنه معني بدفع العملية السياسية، ولكنه لم يُقدم على أي من الخطوات الفعلية التي من شأنها دفع عملية السلام.

 على المدى المنظور لا يوجد ما يمهد لانقلاب حقيقي في حزب "العمل" ليكون بديلا بشكل نسبي لسياسية اليمين الصهيونية، وهذا أمر ملموس في الشارع الإسرائيلي، الذي لم يعد يمنح الثقة لهذا الحزب، كالحزب القادر على قيادة السلطة، وإنما كحزب من الدرجة الثانية، وعلى الرغم من هذا فإنه من السابق لأوانه القول إن حزب "العمل" بات أقرب للغياب الكلي عن الخارطة السياسية الإسرائيلية.

المتوقع الآن، ووفق هذه النتائج، أن تبقي هذه الانتخابات على أزمة القيادة التي يعاني منها حزب "العمل" منذ سنوات، وبالتالي استمرار الغوص في حالة الشلل السياسي، وتغيير هذا الوضع، هو ظهور الرئيس المنتخب بحلة جديدة، تستطيع إقناع الجمهور بإمكانية التحول الجذري المعاكس لتوجهات اليمين المتطرف، التي تسيطر بشكل مباشر وغير مباشرة على رأس الهرم في سدة الحكم الإسرائيلي.

عن "الغد" الأردنية الأربعاء 30/5/2007

bjaraisi@yahoo.com

 

إيلان بابي نصير فوق العادة لحق العودة
22 ايار, 2007

 برهوم جرايسي 

 تصدر في هذه الأيام النسخة العربية لكتاب"التطهير العرقي في فلسطين"، للمؤرخ الإسرائيلي الدكتور، إيلان بابي، بعد عدة أشهر من ظهوره باللغة الإنجليزية، ولربما هذه مناسبة للحديث عن شخصية مؤلف الكتاب، أكثر من الكتاب نفسه، الذي يَعِد الكاتب بأنه يحمل في طياته معلومات تكشف لأول مرة.فالدكتور ايلان بابي (يهودي)، ولد في مدينة حيفا في العام 1954، ويُعتبر حاليا واحدا من أبرز ثلاثة مؤرخين جدد في إسرائيل، وهو محاضر جامعي في جامعة حيفا، إلى جانب عدة جامعات في العالم.وقد تكون هذه مواصفات "عادية" للكثير من الأكاديميين، ولكن أهمية الدكتور بابي تبقى فوق العادة بالنسبة لنا، لأنه ربط نفسه بصورة غير مألوفة كثيرا بالقضية الفلسطينية، وبشكل خاص بحق العودة، فهو ليس مجرد نصير لحق العودة من دون أي تحفظ، وإنما يَعتبر هذا الحق واحدا من مشاريع حياته الأساسية.وقد جعل بابي قضية نكبة الشعب الفلسطيني تخصصه، من منظور الشعب الضحية، ولم يكتف بما توارد وما تم تسجيله، بل راح يبحث عن الحقيقة المؤلمة، ليكتشف أنها مؤلمة أكثر، ويخبر العالم بما توصل إليه.ولا يكتفي د. بابي بإيمانه بأنه لا يمكن حل القضية الفلسطينية من دون تطبيق كامل لحق العودة، بل هو يقود سنويا مؤتمرا علميا، محليا ودوليا، لحق العودة يعقده في مناطق 1948، وفي هذا العام سيعقد المؤتمر الثالث في مدينة عكا، ويؤكد ان الطابع العلمي سيطغى على هذا المؤتمر.وكان الدكتور بابي ناشطا بارزا في الحركة الشعبية العالمية لمناهضة نظام الأبرتهايد في جنوب أفريقيا، واعتمادا على تجربته في تلك المرحلة فإنه على قناعة بأن الكثير من الأساليب التي اتبعها الرأي العام العالمي ضد نظام الأبرتهايد يجب أن تتكرر ضد إسرائيل، ومن أبرزها مقاطعة السلك الأكاديمي في إسرائيل، وبشكل خاص القطاعات الأكاديمية التي لها علاقة بالاحتلال الإسرائيلي في مناطق 1967.وقاد بابي لهذا الغرض حملات مقاطعة في بريطانيا وغيرها، وهو يُحفز منظمات المحاضرين في العالم على عدم التعاون مع المعاهد الأكاديمية الإسرائيلية المتعاونة مع الاحتلال.وفي النصف الثاني من سنوات التسعين أشرف بابي على رسالة ماجستير لصحافي إسرائيلي يدعى تيدي كاتس، توصلت إلى استنتاج بأن العصابات الصهيونية ارتكبت مجزرة رهيبة في قرية الطنطورة الفلسطينية، عند سفوح جبل الكرمل، حيث مدينة حيفا، حين قامت وحدة الكسندروني الصهيونية بقتل 200 رجل فلسطيني أعزل.وحينها ثارت ضجة عامة، خاصة من قبل عناصر الوحدة التي شاركت في المجزرة، وقد فرضت المحكمة الإسرائيلية على تيدي كاتس، بتقديم اعتذار لتلك العناصر، والتراجع عن دراسته، التي قررت لجنة أكاديمية استثنائية رفضها بعد ان تم إقرارها في الجامعة، ولكن الدكتور بابي أصر على مصداقيتها.وبطبيعة الحال فإن بابي دفع ويدفع ثمنا باهظا يوميا في المجتمع الإسرائيلي، وخاصة في السلك الأكاديمي، ومن بين الإجراءات الانتقامية ضده، حرمانه من لقب بروفيسور، ومقاطعة عدد كبير من المحاضرين ومعاهد الأبحاث الإسرائيلية له.ولكن بابي لم يترك السلك الأكاديمي، ورفض دعوات المقربين منه ليرشح نفسه للانتخابات البرلمانية، ويصبح عضوا في الكنيست، وقال حينها إن حلبة عمله الأساسية في السلك الأكاديمي، وعلى مستوى الرأي العام العالمي، الضروري لنصرة القضية الفلسطينية. ويقول الدكتور بابي، إن الهدف من إصدار هذا الكتاب هو إثارة الرأي العام العالمي، ووضعه أمام الحقيقة، فلا يمكن معالجة الصراع في منطقتنا إذا لم يتم فهم الحقيقة الموضوعية، وفهم ما فعلت إسرائيل في العام 1948 واعتمادا على أي أسس، وفهم العلاقة بين الأيديولوجيا الصهيونية والنكبة الفلسطينية.ويتكلم بابي في كتابه عن فكر التطهير العرقي كموجّه أساسي للسياسة الصهيونية ضد الشعب الفلسطيني قبل وبعد العام 1948، وهو يتركز في أحداث عام النكبة 48، عندما تحول الفكر إلى ممارسة تطبق على الأرض، فليس صدفة انه تم طرد مئات آلاف الفلسطينيين، وتم تدمير ونسف مئات القرى الفلسطينية، فكل هذا تم تنفيذا لأيديولوجيا وليس كنتيجة لحرب، حسب ما تروج له إسرائيل ويعتقد البعض. ويؤكد بابي أن هذا الفكر وهذه الأيديولوجيا لم تتوقف عند ذلك العام بل هي مستمرة حتى اليوم، ونحن نلمس سياسة التطهير العرقي اليوم بوسائل جديدة، غير تلك التي كانت متبعة في العام 48.  ويكشف بابي لأول مرة، وبعد البحث في أرشيف الصليب الأحمر، بمساعدة الباحث الفلسطيني سلمان أبو ستة، أنه في العام 1948، أقامت إسرائيل معسكرات عمل، (على شكل معسكرات النازيين)، وقد زجت بحوالي عشرة آلاف فلسطيني، وإجبارهم على القيام بأعمال تخدم المخطط الصهيوني في تلك الفترة.ويدعو بابي إسرائيل للاعتراف بأنها اقترفت جريمة تطهير عرقي في العام 1948، ويقول للمجتمع اليهودي في إسرائيل أنه إذا أراد بناء مستقبل له في هذه المنطقة، فعليه أن يعترف بهذه الجريمة، وأن يستبدل الأيديولوجية الصهيونية العنصرية بفكر ديمقراطي ليبرالي، وتصحيح الغبن الذي بدأ في العام 48.وقد أصدر الدكتور بابي خمسة كتب، من بينها "تاريخ فلسطين المعاصر"، و"بريطانيا والصراع العربي الإسرائيلي"، كما أصدر كتابا باللغة العبرية عن عائلة الحسيني.في الآونة الأخيرة سرت شائعة، مصدرها سوء فهم، وكأن بابي قرر الهجرة من إسرائيل إلى بريطانيا، لأنه لم يعد يحتمل البقاء فيها بسبب سياستها، وهذا ما نفاه بابي مؤكدا انه لا يجوز له ترك الساحة الأساسية للقضية الفلسطينية، وكل ما في الأمر انه تلقى عرضا للعمل رئيسا لقسم العلوم السياسية والتاريخ في جامعة "إكستر" البريطانية، لمدة عامين، وأعلن انه من أولى خطواته هناك ستكون افتتاح قسم للأبحاث والدراسات الفلسطينية.ويرأس الدكتور بابي معهد إميل توما للأبحاث الفلسطينية، في مدينة حيفا، وهو يخلد ذكرى المؤرخ الفلسطيني البارز، الدكتور إميل توما، الذي رحل في العام 1985. من الصعب جدا أن يكون الإنسان مرفوضا في مجتمعه، وقد رفض الدكتور بابي "شراء الانسجام" في مجتمعه الأساسي، على حساب مبادئه، وفي المقابل فقد وجد ميادين دولية كثيرة وواسعة تفتح له صدرها، وفي الآونة الأخيرة بدأت أطر عربية أكثر تسعى لاستقبال الدكتور بابي.

بطبيعة الحال فإن بابي ليس وحيدا في إسرائيل يحمل مواقف مناصرة حقيقية لقضية الشعب الفلسطيني، وهناك قطاع واسع لا يمكن الاستهانة بحجمه، ولكن عطاء الدكتور بابي يبقى فوق العادة.

عن "الغد" الاردنية 22/5/2007

قبضايات في غزة
20 ايار, 2007

برهوم جرايسي 

من يتابع وسائل الإعلام الإسرائيلية في الأيام الأخيرة، يجد نفسه وكأنه يستمع إلى تقارير مباراة كرة قدم نسي فيها الحكم التوقيت، بينما اللاعبون غرقوا في حماستهم، كيف لا وهم يركلون بشدة برؤوس أبناء شعبهم، ويتبردون بدمائهم.هذه هي أجواء التقارير الإسرائيلية حول المذابح "الفلسطينية الفلسطينية" الدائرة في غزة، ومهما جاهد مراسلو ومحللو إسرائيل فلا يمكنهم ان يتستروا على لهجة الشماتة، لا بل الفرح، وهم لا يجاهدون كثيرا في التستر على ذلك.وهذا كله "بفضل" قبضايات غزة، الذين يحملون السلاح ويتمرجلون في شوارع القطاع، إنهم "المقاومون الجدد"، إنهم "حماة وطن" في الرمق الأخير، ليس في رؤوسهم سوى الدم، يتنكرون لبطولات شعبهم وتاريخه النضالي، لأن التاريخ يبدأ بهم وينتهي عندهم، وأثبتوا أنهم أقوى من الجيش الخامس في العالم في قضية واحدة، بأنهم أسرع بذبح من تطاردهم إسرائيل، وأنهم أسرع في اقتحام بيوت ومعاقل تحلم إسرائيل في تدميرها.نتمنى في هذه الأيام ان تبتلعنا الأرض ونحن نستمع إلى تقارير الشماتة الإسرائيلية، ونحن نقرأ تقرير جهاز الاستخبارات العامة الإسرائيلية، "الشاباك"، الذي يدعو حكومته، بحرارة شديدة، إلى عدم شن عدوان شامل على قطاع غزة، "لأن هذا يُعتبر تدخلا في الاقتتال الداخلي"، وفي مكان آخر يقول: "لأن الفلسطينيين سيتوقفون عن اقتتالهم ويوجهون سلاحهم نحونا"، وبمعنى آخر، لم يكتبوه ولم يقولوه: فإن الفلسطينيين بأنفسهم ينفذون مهماتنا. حين تطلق خلايا فلسطينية قذيفة واحدة على أي موقع إسرائيل، نسمع عادة الكثير من الأصوات تدعو إلى اجتياح قطاع غزة عن بكرة أبيه، وقد تشن إسرائيل هجوما معينا، ولربما قبل وصول هذه الكلمات إلى صفحات الجريدة، ولكن في هذه الأيام فإن هذه الدعوات أخف حدة، وتصدر صوتا خافتا جدا، لأنهم هم "القبضايات"، يقومون "بالواجب".تخيلوا لو أن جيش الاحتلال قتل في هذه الأيام 17 فلسطينيا في يوم واحد، وخلال ثلاثة أيام 38 فلسطينيا، وقد فعل مثل هذا وأكثر في الماضي، أما كنا سنصرخ: إنها مجزرة مجزرة، وستنطلق المظاهرات من كل حدب وصوب، نذهب إلى ساحات أوروبا نرفع علما فلسطينيا، ونطرق أبواب مجلس الأمن، ونصرخ في وجه الجامعة العربية، ونشتم هاتين الهيئتين لعجزهما عن وقف العدوان، لا بل نشتم الدول العربية كلها التي لم تفعل شيئا، ونسمع تلك المرأة الفلسطينية المسكينة تصرخ من على شاشات الفضائيات، "وينكو يا عرب".لكن قبضايات غزة أخرسونا خجلا وقرفا، "فنحن" القتلة، ونحن الضحية، ونجد من بيننا من يصب لوم الاقتتال على الاحتلال البغيض، هربا من حقيقة داخلية مٌرّة، فجرائم الاحتلال لم تتوقف للحظة منذ 40 عاما، وعلى مدى عشرات السنوات لم نشهد مثل هذا الانفجار الداخلي، إلا في عصر "المقاومين الجدد".وهناك نفر منهم في القطاع الجريح من لم يكتف بهذه المجزرة، من صناعة محلية، وهو يريد استدراج إسرائيل بجيشها لاحتلال قطاع غزة، وقد صدرت بيانات مع القذائف الفلسطينية، تدعو عمليا إسرائيل لاقتحام عزة، ولربما أنهم بحاجة إلى من يساعدهم على إتمام المهمة: القضاء على ما تبقى من مؤسسات وطنية، والقضاء على أي أمل لأي مؤسسة أن تحيا من جديد، فهذه مؤسسات متواضعة، أحجار صغيرة لبناء كيان قادم.وقد أثبتت كل أفعالهم أنهم ليسوا معنيين بأي كيان حقيقي قادر على الحياة، وصنع الحياة لشعب يئن منذ عشرات السنين تحت وطأة الاحتلال، إنهم معنيون بكيان لا يختلف عن مشاهد الرعب التي نرى بعضها في غزة من خلف شاشات تلفزيونية زجاجية، تضطر بعد كل مشاهدة أن ننظفها أو نجففها من جديد.  لماذا نخجل من قول الحقيقة، هل لأن جهات معينة لا تكف عن استصدار شهادات الوطنية، وصكوك الغفران، لماذا لا نجاهر بحقيقة ان كل مقاومة تشهر سلاحها في وجه شعبها هي مقاومة دنسة مقيتة.هناك من يجلس في صالونات عاجية في ناطحات سحاب، وآخرون يجلسون في سراديب معتمة عميقا تحت الأرض، والمشترك بينهم كثير، ومنه أنهم جميعا ليسوا مع السواد الأعظم من الشعب، تحت ضوء الشمس، وعلى الأرض، يرفضون الحقيقة، لا بل يتجاهلونها، لأنها تفضح نواياهم وأجنداتهم الغريبة عن مصالح الشعب الفلسطيني.أولئك يقبضون ثمنا على كل كلمة ينطقون بها، والشعب يدفع دمه ثمنا، أنهم يزاودون على شعب بأكمله، أراد الحياة ككل البشر، أرض ووطن ودولة تضمن له تحديات الحياة والمستقبل وتربية الأجيال.حين تدخل جحافل جيش الاحتلال الإسرائيلي فإنها لا تستهدف "قبضايات غزة" وحدهم، هذا إذا وجدتهم أمامها، بل تضرب كل حدب وصوب، تضرب انتقاما، ولتدمر أكثر ما يمكن، لتغرق شعبا، تعتبره تهديدا استراتيجيا، في ويلات تبعده عن تحقيق حق مشروع، ترفضه إسرائيل.نيران إسرائيل لا تقتصر على القبضايات، بل بشكل خاص على الجمهور العام، على الشعب، فمن ناحية إسرائيل، فإن هذا الشعب هو السلاح الأخطر عليها، هو الذي قهرها بحجارته على مدى سنوات، إلى أن أسكته "المقاومون الجدد"، وبرصاص مأجور وبخردوات معدنية محشوة بمواد متفجرة، يقال إنها "قذائف".لا يعنينا كثيرا على ماذا تتقاتلون، يا أيها القبضايات، فتبربحوا في شوارع غزة، اقتلوا واقتلوا واذبحوا، واثبتوا أنكم قبضايات، قبل أن يدخل أول جندي احتلال، لنرى الشوارع التي تحتلونها اليوم تصبح في تلك اللحظة شوارع أشباح، نبحث عنكم وعن أسلحتكم، لنجدكم تختبئون وراء أول تنكة، وقل أول مستنقع نتن، فالمهم ان تنجوا يا قبضايات غزة بجلدكم، لأن ثأركم من أبناء جلدتكم لم يتم بعد، فالاحتلال زائل بجنوده: "ولننتظر حتى يرحل، ونواصل مسيرة الدم".كم هي أصول الكتابة خانقة أحيانا، خاصة حين تمنعك من اللجوء إلى مثل عربي شعبي ينتشر من المحيط إلى الخليج، يقول مطلعه: "السلاح بإيد....".

فأنتم يا قبضايات المرحلة، فوقكم غضب وتحتكم غضب، انقلعوا عنا، انتم لستم منا إلى يوم أن تطفئ الشمس آخر لهيب فيها.

عن "الغد" الأردنية الجمعة 18/7/2007

مبروك!
20 ايار, 2007
إذا كنت تستطيع قراءة هذا المقال فهذا يعني أن عملية التسجيل قد تمت بنجاح و يمكنك البدء بكتاية مقالاتك الخاصة فوراً.
A service provided by Al Bawaba