« Previous Post
Next Post »
لماذا نجحت التجربة الالمانية وفشلت التجارب العربية
15 October, 2007
بسام عويضة صحافي فلسطيني مقيم في برلين –المانيا bewedah@yahoo.com لماذا نجحت التجربة الالمانية وفشلت التجارب العربية ثمة تساؤل كبير يطرح من قبل البعض عن السبب الرئيسي وراء نجاح التجربة الالمانية ، و كيف استطاع الالمان بناء اعظم عملاق اقتصادي وسياسي على مستوى العالم ، مقارنة بالعالم العربي الذي فشل في بناء دولة حديثة قادرة على ان تتبوء مكانة لها بين الامم والشعوب . حقيقة هناك اسباب جوهرية كثيرة منها تاريخية ومنها انية لعبت دورا في ذلك ، وهي اولا - ان الشعب الالماني هو مخترع العلمانية الحديثة التي دشنها الالماني مارتن لوثر حيث استطاع فرض الاسس الاولية لبناء النظام العلماني القائم على مبداء حرية الفرد والفصل بين السلطات ، عندما دشن مقولته الشهيرة ( ان العلاقة بين الله والفرد هي علاقة مباشرة لا دخل للقسيس فيها ) ، وعليه اعتبرت هذه المقولة بداية النظام العلماني القائم على اسس حرية الفرد واحترام مواطنيته . ثانيا – ان الشعب الالماني هو اول من دشن المطبعة ، والتي اخترعت على يد احد ابناء مدينة ( فرانكفورت اماين ) يوهانس جوتنبرغ 1445 ، هذه المطبعة التي ساعدت في نشر الافكار الخيرة بين عامة الناس ، واصبحت الكتب تنشر على نطاق واسع وما معرض فرانكفورت الدولي اليوم الا امتداد تاريخي وحقيقي لهذه الحقيقة. ثالثا – وهذا هو المهم ، ان الالمان هم الشعب الاوروبي الذي وضع اسس الفلسفة الحديثة بعد ان وضع الاغريق اسس الفلسفة القديمة ، هناك جيل من الفلاسفة الالمان الذين كان لهم دور واضح في بناء منهج نقدي عملي علمي هدف الى انقاذ الانسان ووضع الاسس الاولى لعصر التنوير ومنهم كارل ماركس وماكس هوركهايمر وثيودور ادورنو وهيغل وفورباخ ( صاحب الكتاب الشهير جوهر المسيحية ) وايمانويل كانت وفريدريك نيتشة وجوهان فيشته وماكس فيبر وانجلز واخيرا يورغن هبرماس( 1929 – ) الذي يعتبر بحق من اعظم فلاسفة اوروبا في الوقت الحاضر وهو من مؤسسي مدرسة فرانكفورت الشهيرة ، صاحبة اغلب النظريات النقدية والاتجاهات الفلسفية لعصر اطلق عليه عصر ما بعد الحداثة وخاصة في مجالات مثل الانثروبولوجيا والفن وعلم الاجتماع والفلسفة والموسيقة والمستقبليات . هدف الفلسفة كما اوضحتها هذه المدرسة الالمانية هو الوصول الى نظام اجتماعي افضل يحقق للفرد ككيان و للمجموع كمؤسسة ، افضل سبل الرفاهية والعيش . وهذا على العكس تماما في العالم العربي، حيث ان العرب في حياتهم لم يعرفوا الفلسفة الخاصة بالتاريخ النقدي العربي ، وكل ما حدث في فترة زمنية محددة انه تم تحوير وقراءة الفلسفة اليونانية - وهي قراءة نقدية للتاريخ الاوروبي – الى قراءة اسلامية وهذا الامر مختلف تماما عن الفلسفة الغربية بشطريها القديم والحديث . احيانا تشعر ان الانسان العربي او المسلم تشعر انه يعيش حياتان الاولى وهي الدنيا والتي يرى فيها انه محطة زمنية مؤقتة سرعان ما تزول ، ولوجوده فيها هدف وهو التعبد والذهاب الى المسجد والصوم وما هذا الا وسيلة للوصول الى الحياة الاخرى الابدية ، وعليه فما لنا والفلسفة او المناهج النقدية – وكان لسان حالة يقول . على عكس المواطن الاوروبي الذي يعتبر ان هذه هي حياته الدينا الاولى والاخيرة وعليه يستخرج افضل السبل والطرق والمناهج العلمية ويخترع ويستكشف ليعيش باقصى درجات الرفاهية . اذن هل يمكن طرح الفكرة التالية ، ان الفيلسوف الالماني الكبير يورغن هبرماس يعالج فكرة ما بعد الحداثة والقيم الناتجة عن عصر التنوير و الناقدين في العالم العربي يعالجون فكرة ما قبل عصر التنوير ، اي ان الفرق الزمني بين العالم الغربي والعربي 300 عام على الاقل ، ومن هنا اذا اراد النقاد في العالم العربي والاسلامي التطور فلا بد من التفكير في معوقات التفكير ، اي العودة الى القرن السابع عشر على اقل تقدير وهذا ما ركز علية الكاتب المبدع هاشم صالح ( راجع كتابه مدخل في التنوير الاوروبي ، دار الطليعة – بيروت، 2005 ) . اذن علينا ان ننبش الماضي ونفكر في اسباب الخلل ، وان لا نكتفي بالعودة الى النص باعتباره العصر الذهبي وكفى ، وصدق في هذا المقام الكاتب التونسي عبد الوهاب المؤدب الذي قال ( داء العرب في تمجيد الماضي ) . رابعا – وهذه نقطة مهمة ايضا تتعلق بالدخول في عصر الصناعة ، فالشعب الالماني يعتبر بحق شعب الالة ، فاذا قلت صناعة المانية فان الفرد لا يتردد امام شرائها حتى لوكان السعر ثمينا مقارنه باسعار شعوب اخرى ، فالدخول الى عصر الالة ساعد الشعب الالماني في ان يكون له مهم في صناعة التاريخ وها هي المانيا تلعب دورا محوريا ونشيطا مع فرنسا وبريطانا ، حتى ان الاقتصاد الالماني احيانا ينافس الولايات المتحدة الامريكية وتغلب بكل تاكيد على السلعة اليابانية . لقد حاول الكاتب المصري المبدع سلامة موسى ان يكون الكاتب العربي الوحيد الذي نظر لايدلوجية الالة باعبتار ان العالم العربي خاصة والشرقي عامة لن يتقدم الا ببناء المصنع ، فبناء العمارت الشاهقة والابراج العالية وشراء طائرات الايرباص الضخمة لن يحل المشكلة وسيبقى المجتمع العربي في اطار التابع وليس المنافس المنتج ، وهذا بالطبع سيكون واضحا اذا حاولنا الاجابة على السؤال التالي ماذا سيكون مصير الامة العربية في حال نفاذ الثروات الطبيعية واهمها الغاز والنفط ، هل سيستطيع العالم العربي بعدها انارة البنايات الشاهقة التي بناها من اموال النفط ، بالتاكيد لا ، والف لا . خامسا – النظام الديمقراطي والقانون ، تعتبر المانيا بحق من الدول الاوروبية الديمقراطية المبنية على مبدا فصل السلطات الثلاث ، دولة مبنية على مبداء الاحزاب السياسية الحقيقية ، فكل شخص يعتقد ان الديمقراطية محصورة في صناديق الاقتراع هو شخص واهم ، فالنظام الديمقراطي هو نظام ذات اسس وبرنامج سياسي واعمق من صندوق ، ياتيه شخص لم يقرا في حياته كتابا ، او لا يعرف ما معنى الاحزاب او البرامج السياسية ، ويصوت بناء على عقلية قبلية واسرية ومنفعية . الشق الثاني في هذه النقطة تتعلق بالقانون والدستور وهذا امر مهم ، لبناء اي مجتمع متطور عليك ان تضع دستور حقيقي يكون مرجع للجميع ، للغني والفقير وللرئيس والمرؤوس ، للمتعلم والعادي ، وحتى نستطيع ان نطبق مبادئ هذا الدستور علينا بناء نظام قضائي حقيقي وهو ما تمثله في المانيا المحكمة الدستورية العليا ومقرها مدينة كارلسوهة ، في هذه المحكمة يستطيع ان شخص ان يقف امام القضاة ويطالب بحقه ، بعيدا عن تاثيرات السلطتين التنفيذية والتشريعية . سادسا – بناء الجامعات الحديثة ، تعتبر اوروبا مهد الجامعات العلمية العريقة وعلى راسها اكسفورد 1209 وكامبريدج 1209 في بريطانيا ونابولي 1224 في ايطاليا والسوربون في فرنسا 1253 وهارفارد 1636 وجورجتاون 1789 في امريكا وبازل 1459 في سويسرا وفي المانيا ظهرت جامعات عريقة مثل فرايبورغ 1457 هايدل بيرغ 1386 وميونخ ودارمشتات وبرلين الحرة .هذه الجامعات العريقة التي ظهرت في البداية على شكل مدارس وكليات لتعليم الدين ـ تطورت فيما بعد الى جامعات علمية عريقة لها باع طويل في تطوير المجتمع والدفع باكبر الدراسات والتحقيقات لاكتشاف افضل السبل في تطوير علم الاكتشافات والعلوم الانسانية والطبيعية . قياسا بالجامعات العربية التي اقتصر دورها للاسف على توزيع الشهادات وخلوها من بعض الاقسام المهمة مثل الفلسفة والمنطق وعلم الكلام والمستقبليات ، حتى انني التقيت طالبا يابانيا يدرس في احدى الجامعات الالمانية ويدرس علم ( فلسفة الالة ) ، هذا التخصص الذي لن يصل عالمنا العربي الابعد 200 عام على الاقل . هناك علم غير موجود في الجامعات العربية ، وهو علم الاستغراب ، قياسا بعلم الاستشراق ، لماذا درس الغرب العالم العربي والاسلامي ، ولم يدرس العرب العالم الغربي ، وهو العالم الذي يجب ان يدرس ويستفاد من اهم العلوم التي توصل اليها والاكتشافات التي ابتدعها والاهم من هذا وذاك دراسة كيفية التفكير في المدرسة الاوروبية بشكل خاص والغربية بشكل عام . في الجامعات الالمانية يوجد تخصصات قوية جدا تتعلق بالاسلاميات والعالم الاسلامي ، واكبرالمستشرقين الغربيين هم من المانيا على عكس العالم العربي الذي قلما تجد فيه اقسام متخصصة في دراسة العالم الغربي والتطورات التاريخية التي حصلت في هذا العالم والطرق والاسباب التي ادت الى انتقاله من عصر الظلام الى عصر التنوير . سابعا ، السلطة الرابعة وصاحبة الجلالة الاعلام . تعتبر المانيا بلد الاعلام والصحافة ، فالصحفيين يتمتعون بحماية دستورية ، ولا يستطيع ضابط اعتقال صحافي لانه كتب ضد الحكومة الالمانية مثلا ، كما ان الحكومة تلتزم بتقديم المعلومات للصحفيين ، والاهم من ذلك ان طرق تمويل وسائل الاعلام الالمانية شبة التابعة للدولة تمول من اموال ضرائب السكان ، وهذا الامر عكس الاعلام العربي الذي لا يغطي الااخبار الرئيس القائد واحيانا تجد المدفعية واقفة وجاهزة امام وزارة الاعلام كما شاهدتها بنفسي امام احدى وزارات الاعلام في العالم العربي . ان اقتحام اي شخص لاي وسيلة اعلام في المانيا وقراءة البيان العسكري الاول لن يغير الحكومة ، ولن يعير الناس اهتماما لسماع البيان الاول او العشرين ، لان الشعب هو الذي اختار الحكومة على عكس العالم العربي الذي تتغير الحكومة فيه بعد قراءه البيان العسكري رقم ( 1 ) . ثامنا - وهي النطقة الاخيرة ، دعم الابداع ، الدولة في المانيا تدعم بكل قوة نشاطات المثقفين والمبدعين والنشاطات الاخرى المتعلقة بالموسيقى والفن والغناء والرياضة والاندماج ، الامر الذي يفجر الطاقات المبدعة ، ويحول الانسان من شخص له قيمة مهمة في بناء المجتمع والعجلة الاقتصادية فيه ، وبالمناسبة لا يستطيع احد في المحصلة العامة على الرغم من وجود استثناءات الوصول الى اي مركز حيوي في الدولة الا بجهده وتعبه ، دولة لا يوجد فيها واسطات ومحسوبيات وهذا من عائلة كذا المعروفة وذاك من اقرباء العقيد المتقاعد في الجيش واخر ابن عم وزير الري والزراعة تتقدم بكل سهولة ، ويصبح التطور فيها شيئا اوتوماتيكيا على عكس الانسان العربي المهمش الذي يسب ويلعن ويزبرد ويتمنى القيامة صباح مساء او الهجرة على اول قارب مهترئ في عمق البحر ، مع معرفته بانه قد يكون طعاما سائغا ولذيذا لسمك البحر .
نتمنى الكثير المفيد من حضرتكم
أحمد بني شمسة | 16/05/2008, 21:39 [ Reply ]