20 تموز, 2008
19 تموز, 2008
ابراهيم درغوثي / تونس
يا لهذه القرية النابته فوق كف الجبل ... كم تبدو هادئة بمنازلها المبنية بحجر الدواميس الأسود المستخرج من قلب منجم الفوسفاط حجر هذا الجبل الراقد بمحاذاة المنازل كأنه جمل كبير ، جمل في حجم جبل . أنظر أمامي وأنا قد اعتليه بعد مشقة وعناء ، فأرى القرية واسعة رحيبة . وأرى الدخان يتصاعد من قلبها نحو عنان السماء ، دخان مغاسل الفوسفاط المليء بهباءات تتساقط فوق سطوح المنازل وباحاتها وعلى وجوه المارة وفوق رؤوسهم وداخل العيون والأفواه . هباءات من حبات التراب الدقيقة تتطاير كالخفافيش في الظلام ، فلا تراها العين ولا تلمسها الأيدي وإنما يشمها القلب فيمتلئ ....وأرهف السمع قليلا ، فيدوي في طبلة أذني زمجرة الآلات الصماء الجاثمة على أرض المغسلة كأنها وحوش أسطورية تقتات من التراب .وأنظر بعيدا أحاول تحديد مساحة هذه القرية التي تمردت على تخطيط أعوان البلدية ، فجاءت في شكل غير محدد . تبعثرت مبانيها في كل مكان ، في السهل المنبسط أمامي ، وعل سفح الجبل ، وفي كل الأمكنة . وجاءت منازلها متساندة . وشوارعها متداخلة بمياهها العفة العطنة التي تفوح منها روائح بول البهائم وتطير فوقها الحشرات صيفا شتاء ويلعب في منعطفاتها أطفال حفاة عراة . يتقاذفون بالحجارة ويسبون الدين ويلعنون أجدادهم وهم يتبولون في المجاري المكشوفة .وأعود بعين القلب إلى هذه الأزقة ، فأراهم يتخبطون تخبط الأعمى في السراديب . أراهم ضائعين وسط الشوارع المتعرجة ، هائمين على وجوهم فلم تفدهم خوذاتهم . ولم تفدهم سيارات المصفحة بقنابلها المسيلة للدموع . ولم يفدهم رصاصهم الأعمى .أراهم الآن من مكاني هذا وقد عادت بي الذاكرة إلى ذلك اليوم وهم يتخبطون في كل الاتجاهات بعد أن حرنت دوابهم الحديدية . أراهم ، وأرى الحجارة تنزل عليهم مطرا غزيرا فيردون بزخات من بنادقهم الأوتوماتيكية . ويلعلع الرصاص أمام دواب الحديد الحرونة ، فتمتلئ الأزقة بالروائح العطنة وبزمجرة محركات سيارات مكافحة الشغب وبعياط منبهات الصوت .وتتوغل الأزقة في عنادها فتوغل السيارات المتوحشة في اقتفاء أثر الأقدام الصغيرة . أقدام أطفال المدارس الذين أعجبتهم اللعبة فتفننوا في اختراع حيل الكر والفر والاختباء وراء الجدران ورمي الحجارة من جديد لجرح لحم هذا الوحش الأسود .يختبئ الأطفال في ثقب في الجدار ،في حفرة في الأرض الموحلة ، تحت صخرة عالية ،وراء ظل شجرة وارفة ، ثم يتحينون الفرص من جديد للنيل من وحش الحديد ومن راكبيه وهم يطلقون صياحهم الشبيه بصياح الهنود الحمر مولولين صائتين كالعفاريت .ويذوبون في الهواء ...ويطيش الرصاص في كل الاتجاهات .ويسقط أحمد ، فتختبئ الشمس في خدرها خجلا .وتبكي الحمامة في أيكها .وترتعش الوردة الحالمة .ويسقط أحمد ، ويقوم ، يتكئ على الجدار ويقوم ،فيسقط من جديد .ويبكي القمر .وتبكي – تماضر – صخرا جديدا .وتسفح دمع القرون الخوالي .وتمسك رأس الشهيد بين يديها .تقبله – من هنا مرت الطلقة الغادرة . وتقبله – ها هنا لم تزل بسمة آسرة .وتقبله ، وتعود إلى قبرها من جديد .ها هناك ... بعيدا ، بعيدا ، وراء البعيد ... *****أمجد عاد منذ أيام من معتقل " رجيم معتوق " . اقتلعنه الأيدي ذات الأضافر الفولاذية من فوق طاولة الدرس ذات مساء خريفي . أغمض له رجال بدون ملامح عينيه وزرعوه في قلب الصحراء ، فقال لهم : - أنا النخلة . عروقي تضرب في الأعماق ، ولن أعطش .قسما بالنخلة لن أعطش .ويسقط أمجد .عندما فار الدم من كتفه ، غمس أصابعه في ثيابه المبتلة بالسائل الأحمر وكتب على الجدران البيضاء – لن يمروا - . كان الدم يسيل من كتفه غزيرا ، وكان يرمي بيده السليمة حجرا وراء حجر ويكتب على جدران المنازل – لن يمروا – إلى أن أمسك به أصحابه بعدما فقد الوعي وحملوه إلى المستشفى . وتسقط فاطمة .ويسقط علي .وتطير الحمائم في الجو فزعة . وتعوي السيارات عندما يوجعها الحجر . *****منذ أيام ، سلمت علينا مذيعة في التلفزيون وقالت من وراء ابتسامة بلا معنى : - صار الخبز يرمى به في صناديق القمامة .ارتعدنا وخفنا لعنة السماء وأمي تقول : - استغفر الله العظيم . كيف ذلك والكبار عودونا على تقبيل قطعة الرغيف إذا سقطت على الأرض ؟وهمهم أبي تحت شاربه الكث : - نحن لا نملك صناديق قمامة ، فلن نخاف لعنة السماء ولكننا سنخاف لعنة الأرض يا امرأة .وأصاب الناس سعار فاشتروا كل شيء وكأن الحرب على الأبواب . كدسوا مؤونة شهر في المنازل تحسبا للطوارئ : الدقيق والكسكسي والمعكرونة والسكر والزيت ... وصار أصحاب الدكاكين يماطلون المشترين ، فلا يبيعونهم إلا بمقدار لأن الأسعار سترتفع بجنون . وكثر الخصام واشتدت الأزمة على الجميع .وعاد مذيع في التلفزيون يردد في كل نشرات الأخبار : - صار عملة البلدية يجمعون في اليوم الواحد مقدار جبل من بقايا الخبز اليابس . وصارت الكسرة طعاما للخرفان والبقر .وقلنا ونحن نلحس الشفاه وطعم الخبز اليابس المخلوط بالماء الممزوج بقليل من السكر :تبا للبقر . ما أسعده وهو يأكل من خبزنا حد الشبع .وتذكرت جارجتنا نعيمة التي تأكل مع بقرتها من كيس واحد . أينعم يا عباد الله ، كانت الجارة وأولادها والبقرة يأكلون من كيس واحد . فعندما يعود زوجها محملا بكيس " العلف المركب " ، تأخذ الغربال فتضع فيه مقدارا من ذلك الخليط ثم تغربله كما يغربل الدقيق فتأخذ منه نصيبا لها ولأولادها وتعطي للبقرة نصيبا .وقالت نعيمة بعد أن ابتسم المذيع الأنيق وذاب وراء زجاج التلفاز : - لهذا ما عدنا قادرين على الخبز بعدما صار البقر يأكل من البسكويت .يا للبقر المحظوظ .*****إنني رأيته في تلك الأيام رأي العين ، فصدقوني ...رأيت " الغول " الذي حدثتنا عنه الجدات يخرج من بين تلافيف الخرافة . غول مرغب في حجم جبل وقف في وسط ساحة القرية وهم بأسنانه يشحذها بمنشار كهربائي ، ثم أقعى على مؤخرته وظل يراقب المشهد دون أن يتكلم .في تلك الأثناء قالت " حورية " لولدها " أمجد " : - رح يا ولدي هات لنا كسرة خبز من دكان عمك أحمد .فرد عليها الولد مغضبا : - كسرة واحدة يا أمي ؟ ستكفي وما كانت كسرتان تقينا الجوع ؟فردت الأم على احتجاجه بعد صمت طال دهرا : - كسرة في الصباح وكسرة في المساء يا ولدي واحمدوا ربكم .فزاد غضب الطفل وهو يغمغم : - لقد صبرنا على اللحم والزبدة ، ولكن هل سنصبر على الخبز ؟وذهب إلى الدكان . هناك رآه واقفا عند الباب ، فسأل عنه أصحابه الأطفال الذين سكنهم الرعب : - من هذا يا أحبابي ؟وجاءه الجواب من الشيوخ :- هذا هو الغول يا ولدي ... ألم تر كيف يمد يده إلى الخبزة فيأكلها في قضمة واحدة ؟ورءاه يخرج من هذا الدكان ليدخل الدكان الآخر . يأكل الخبز والأطفال ولا يشبع ، فيلحس السماء . ويمد يده إلى الشمس يهم بأكلها . وعندما لا يقدر عليها ، يعود إلى الرجال فيأكل منهم اللحم ويشرب الدم ثم يقعي على مؤخرته في الساحة التي هجرها الجميع .عند منتصف نهار ذلك اليوم ، تحلقت النساء في الأزقة ورحن يندبن ويلطمن خدودهن ووجوههن . وعندما عاد الرجال من الشغل وما وجدوا الغداء جاهزا ما ضربوا نساءهن هذه المرة .وناموا بثياب العمل .في العشية علا الصراخ في الشوارع .صاح أولاد المدارس : " نموت ، نموت ويحيا الوطن " وبدا الخلق في التجمع في ساحات القرية .وخرج العمال من الورشات بثيابهم الملطخة بالتراب والزيت .وتركت النساء المنازل ولم يخفن صولة الرجال .وتقاطر الأطفال بمحافظهم الصغيرة وقلوبهم تكاد تنط من صدورهم وقد أعجبتهم اللعبة .وصاح الشباب : إذا الشعب يوما أراد الحياة ... واندس الجواسيس بين هذه الجموع الهادرة يبحلقون في الوجوه ويكتبون في ذاكرتهم الأسماء . *****" حورية ّ تسكن مع أولادها في غرفة واحدة . لا تعرف " حورية " طعم النوم فوق السرير . تعمل طيلة اليوم وراء النول . تنسج الفرش البيضاء الصوفية المخططة بالأسود ثم تبيعها في أسواق المدينة لتشتري بثمنها من جديد صوفا من عند الجزارين وتعود بحملها إلى الدار لتصنع من هذا الصوف فرشا جديدة تبيعها وتشتري بثمنها صوفا آخر ...." حورية ّ تقسم لجاراتها بأنها ما رمت أبدا قطع الخبز في القمامة . وتقول إن طعم الخبز اليابس المخلوط بالمرق الساخن لذيذ ويفتح النفس للأكل . ولا تدري لماذا يتهجم الناس في التلفزيون عليه ويهددون بقطعه عن أولادها .قالت إنها ضربت مرة ابنتها الصغيرة التي رمت قطعة خبز على الأرض وإنها أرغمتها على أكلها مخلوطة بالتراب بعدما قبلنها ووضعتها على رأسها ." حورية " لا ترمي الخبو في صناديق القمامة لأن لها صناديق أخرى لا تشبع ، تأكل الخبز السخن ولا تعافه يابسا .***** جاءوا في الليل البهيم . جاسوا بأحذيتهم الثقيلة فوق القبور ، فتناثر الحجر تحت أقدامهم وتناثرت شواهد القبور . حفروا بعجلة حفرة كبيرة رموا فيها جثة " أحمد " ثم واروه التراب ... وزمجرت محركات سياراتهم في الجبانة تقلق راحة الأموات الذين أفاقوا من رقادهم الأبدي فتثاءبوا وهم يتساءلون فيما بينهم : - هل هي الحاقة يا أصحاب ؟ولأنهم لم يسمعوا نفخا في السور ، فقد عادوا إلى النوم من جديد دون أن يعرفوا سبب هذه الجلبة .في الصباح خط تلميذ صغير بإصبعه فوق تراب القبر المبلول برذاذ المطر : " لن ننساك يا أحمد " .*****بتر الأطباء في المستشفى يد أمجد التي كتبت رسائل الحب المعطرة ورمت بالحجر ...كان يومها كالشيطان يتنقل في كل الأزقة بخفة قرد ... يدفع بالبطاطا المقصوصة للمتظاهرين ويجمع الحجر ..." كسرة واحدة لن تكفي خمسة أفواه ... يا أولاد الكلب ، ماذا سنأكل إذا حرمنا من الخبز " ؟ يختبئ وراء المباني ويخبر الرفاق عن تحركات سيارات جنود مكافحة الشغب ." ثمن الخبز ارتفع والبطون لن تشبع بعد الآن ... "يصب البترول فوق العجلات الكبيرة ويرمي فوقها بأعواد الكبريت الملتهبة ، فيرتفع الدخان الأسود وتشتعل النيران وسط الشوارع ." نحن لا نملك صناديق قمامة ، فلماذا نحرم من الخبز ؟ لماذا نحرم من الخبز اليابس ؟ أيها الغول الذي لا يشبع ؟لماذا ... ؟ لماذا أيها الغول ؟ يلتقط بيديه القنابل المسيلة للدموع ويرمي بها بعيدا عند كتلة الأجسام السوداء ..." لماذا لم تحاسبوا من يرمي اللحم في صناديق القمامة ؟ " يلتقط قطع الرصاص الخارج من أفواه البنادق – مازال سخنا – يدسه في جيبه تذكارا لإخوته الصغار ." أصحاب صناديق القمامة الملأى من فضلات الكروش التي ترتفع كالجبال لن يرهبهم ثمن الخبز الجديد ، وسيرمون به في كل وقت في صناديق الزبالة ... " يشعل النيران في العجلات المطاطية ويملا الشوارع بالحجارة الكبيرة ...ويصفر الرصاص أمامه ، فيعري له صدره ." ماذا سنأكل إذا ارتفع ثمن الخبز ؟هل سنأكل البسكويت يا سادة ... ؟ماذا سنأكل أيها الغيلان التي لا تشبع ؟قولوا ماذا سنأكل .... " ؟ في الصباح ، عندما خرج مع عمران وأحمد وذهبوا إلى ساحة الاستقلال كان الجو متوترا ، وكانت سيارات حرس مكافحة الشغب رابضة هناك ، ملأى بالبنادق والهراوات .وصلته أحاديث الرجال الواقفين في كوكبة كبيرة وسط الساحة . كان رجل يخطب بصوت أجش ... ثم سكت عندما فح مكبر صوت : - تفرقوا ...قال شاب لزميله :- ماذا سنأكل إذا طار الخبز من أيدينا ؟رد على تساؤله شاب واقف بالقرب منه :- كل لحما يا أخي ... كل من لحم الخرفان السمينة .قال آخر :- بل كل حجرا ... حجرا حلوا كهذا وانطلق الرصاص .فقذف الرجال السيارات الرصاصية بالحجر .وفح مكبر الصوت مرة أخرى - تفرقووووووووووووووووووووووا ..... ثم نزل من السيارات رجال يحملون الموت :- تفرقووووووووووووووووووووووووووووووا ...فطار الحجر .وحط الحجر قريبا من الرجال والبنادق ،فطار الرصاص .وطار الحمام . وفار الدم .وسال العرق ." نموت نموت ويحيا الوطن . " وطار الرصاص .وسال الدم ." إذا الشعب يوما أراد الحياة ... " وطار الرصاص .... فلا بد أن يستجيب القدر . " وطار الحجر . " ولا بد للظلم أن ينجلي ... " وطار الرصاص .وسال العرق " ولا بد للقيد أن ينكسر "وطار الرصاص وطار الحجر ." ومن لا يحب صعود الجبال ... "وسال الدم ." يعش أبد الدهر بين الحفر ... "وطار الرصاص .وسال العرق .وسال الدم .وطار الرصاص .وطار الرصاص .وطار الرصاص ...وسال الدم وحط الرصاص .وحط ال......ر.....صاااااااااااااااااااااص .فحط الحجر .*****مسح أمجد دمه في حائط " قصر الشعب " . *****قال عمران : وجدت نفسي محاصرا في وسط الشارع . حذرني الرفاق من أن كوكبة من حرس مكافحة الشغب اندفعت في اتجاهنا ، لكنني انهمكت في إشعال عجلة جرار كبيرة ولم أفق إلا والسناكي تلمع في أول الشارع ... قذفت بحجر في وجوه المهاجمين ووليت الأدبار ، فاصطدمت في الجهة الأخرى بالرصاص ... فوقفت مدة لا أدري ماذا أفعل ، ثم تصورت جدار منزل وسقطت في ساحته .كنت مازلت أنهج عندما تحطم باب المنزل وصفعتني الأيدي الغليظة والهراوات المطاطية ، ففقدت وعيي وترنحت ثم سقطت على وجهي . جروني من رجلي كما تجر الجيفة ، فاصطدم رأسي بالحجر المزروع في الشوارع ...ولم أفق إلا وأنا في مركز البوليس الذي تحول إلى معتقل .رأيت وجوها كثيرة أعرفها .ورأيت دما متخثرا .ورأيت جراحا مازال الدم ينز منها .وتحسست رأسي الذي انتفخ حتى صار أكبر من قلة المسجد الكبير .ورأيت الغول .ذلك الغول الذي كان يتنقل بين الدكاكين .رأيته يلحس الدم السائل من الجراح ويمضغ الجماجم المهشمة ،فتكورت تحت جدار الزنزانة .وقرأت سورة الخبز .قرأتها منغمة كما ترتل آيات القرآن فرأيت الزنزانة تتفتح كزهور الربيع وتكبر حتى صارت أوسع مما بين السماوات و الأرض ورأيت الحقول تخضر والقمح ينبت والسنابل تتمايل والحب يتكدس ذهبيا لماعا والنساء تشعل النيران في الطوابين والخبز ينضج والأطفال يتخاطفون الخبز السخن ويجرون ...ويضحكون ...ويضحكون ...ويضحكون ...والشمس تشرق بألف لون .... ملاحظات للقارئ : نشرت هذه القصة أول مرة بعنوان " الخبز المر " في مجموعتي القصصية : " الخبز المر" سنة .1990صادرت الرقابة هذه المجموعة القصصية مباشرة بعد صدورها ومازلت ممنوعة من التداول حتى يوم الناس هذا .العنوان الجديد " سورة الخبز " عنوان تعويضي للعنوان السابق .بهذا وجب التنويه19 تموز, 2008
تفاح الجنة
قصة قصيرة
ابراهيم درغوثي / تونس
عصفور يخرج من أنفي
لا تهتموا بي كثيرا . فأنا امرأة أخذت أكثر من حقها . عشت أربعين سنة بعد رحيل زوجي . ترقبت مدية ملك الموت وعريت لها الوريدين من الحد إلى الحد بلا خوف ولا وجل . قلت لعزرائيل في ليالي الشتاء الباردة وأنا أتوسد ذراعي : عندما تطأ أقدامك هذه الغرفة – فأنا متأكدة من أن لعزرائيل أكثر من قدمين – لا تمش على رؤوس أصابعك ، فأنا لا أخافك . حرك فوق رأسي جلجلا، أو فجر قنبلة إن شأت .أريد أن أراك وأنت تقبض روحي وتضعها في قفص صغير ، وتطير بها إلى حيث لا أدري .أريد يا سيدي أن أرى ذلك العصفور الصغير الذي قالوا انه يخرج من أنفي وأنا أفارق الحياة .ثم أتدثر وأنام إلى الأبد .وبقيت أترقب ، وأعري الوريدين كل ليلة .ولكنه لم يأت .قلت لكم قبل قليل لا تهتموا بي كثيرا أيها الأصدقاء ، فحكايتي لا تستحق منكم المتابعة لأنني في الحقيقة أحكيها لنفسي ، فقط لنفسي . ربما سيقول لكم الفاهم كلاما أقرب إلى الحقيقة مما قلته أنا ، وهذا شأنكم أنتم معه لأنني لن أحاكم أحدا هذه المرة ، ولن أطلب منكم أن تكونوا في صفي . فقط أرجوكم لا تقولوا إنني امرأة سكنها الخرف . فوالله إنني عاقلة ومظلومة ولا أستحق كل ما سلطه علي ابني الفاهم وكنتي منجية من عذاب . بالله عليكم لا تقولوا هذه عجوز مجنونة قبل أن تستمعوا إلى كل الحكاية ،ثم حكموا عقولكم وقلوبكم وانبشوا قبري وارموا بجثتي للكلاب إذا رأيتم أنني استحق ذلك ، أو أنصفوني من ابني وترحموا علي يرحمكم الله .
غزالة في الشرك
عندما تغضب أمي مريم مني ، تسب الساعة التي نبت فيها في أحشائها كانت تفعل ذلك وأنا صغير . ولما كبرت ، امتنعت عن السب جهارا ولكنها واصلته في سرها . أنا متأكد من أنها ظلت تسبني إلى آخر رمق في حياتها ، وستظل تسبني وهي ميتة لا محالة .قالت لي مرة عندما سألتها عن أبي :- أبوك اندقت عنقه قبل أن يترك لك صورة في قعر الذاكرة ، يا ابن ستين كلب . تركني وحدي لهذه الدنيا القحبة وذهب في حال سبيله .فسكنت الأسواق ، عندما كانت المرأة تذبح إذا ضبطت وهي تنظر للشارع من وراء الأبواب . اشتريت الأقمشة الرخيصة وتاجرت فيها . بعتها للنساء المتحجبات داخل المنازل ، وغاليت في الأسعار . فأنا أقايض كرامتي بفرنكاتهن . وكنت لا أشبع .- أقسم لك بالله ألعلي القدير أن هذه القطعة من حرير الهند .- ولكن ثمنها مرتفع جدا يا مريم .- خذيها وادفعي الثمن بالتقسيط .- لا ، لن أقدر على ذلك ولو بالتقسيط ، فأنت تعرفين بخل زوجي وتقتيره علينا .وتقول لها أمي : لا يهمك سأتدبر الأمر .كنت أعرف ما تعنيه بسأتدبر الأمر ، ولكنني لم أكن لأهتم بذلك كثيرا . أذهب إلى دكان العم الجيلاني لأقول له : أمي تقرؤك السلام وتخبرك بأن الغزالة وقعت في الشرك ، موعدنا الليلة بعد صلاة العشاء ، في سقيفة بني كلاب . ويدفع عم الجيلاني للمرأة . وتدفع المرأة لأمي . وتدفع لي أمي ثمن الحلاوة الشامية . وتعود إلى الأسواق ، أسواق الرجال لتشتري زجاجات العطر الرخيصة ، والبخور ، وقراطيس الجاوي ، وقوارير العنبر ، والعلكة ، والسواك . وتطرق الأبواب ، أبواب الرجال الفحول والنساء الشريفات العفيفات . وأمي تبادلهن سلعها بسأتدبر الأمر . والموسرون لا يبخلون بالمال على اللحم الطري المدسوس وراء الأبواب المغلقة بسبعة مفاتيح . وأنا أفرق الحلاوة الشامية على أبناء النساء الموطوءات بتدبير أمي ؛ إلى أن صرت أفرق بين الحق والباطل فكفت أمي عن تكليفي بإيصال خبر الغزالة التي وقعت في الشرك إلى الرجال الذين يدفعون ويذهبون إلى السقائف بعد صلاة العشاء .
مريم تداوي العذارى
- كم ستدفعين يا أم العروس ؟- مائة فرنك يا خالة ...- مائة مقدما ومائة عندما يلعلع البارود .وأقبض المائة . أدسها في الصندوق وأطلب من الزائرة أن تعود ليلا مع ابنتها . ما أحلى هذه البنت . إنها تساوي وزنها ذهبا ولن أعذبها كالأخريات . فقط سأفتح مابين فخذيها برفق ، وأضع إصبعي الوسطى في الباب الحرام . باب الجنة والنار . سأقيس الفتحة وأقول لها : من ذاق من عسيلتك يا صغيرتي ؟ من هد جدارك يا مسكينتي وترك باب دارك مشرعا للريح ؟يحمر التفاح على خدي البنت وتبكي .- أطلب الستر يا عمتي . أنا يتيمة ، ووعدني بالزواج ، وأخلف الوعد .وأفتعل الغضب ، فأحرك إصبعي في الفتحة الواسعة ، وأصرخ في وجهها :- لماذا تركته يفعل بك هذه الأفاعيل يا كلبتي الصغيرة ؟- وعدني خيرا يا عمتي . لحس عقلي . ذوبني في هواه ، وشربني . ولم يترك لي عنوانا .ويجن جنون الأم فتضرب البنت المنهارة على فمها .تضربها على رأسها . تضربها على بطنها ، وتنتف لها شعرها ، وتدوس تفاح خديها . وتولول :- يا خراب بيتك يا علجية ستصبحين مضغة في الأفواه ...ويتراءى لها مشهد في أزقة القرية – ابنتها راكبة على ظهر حمار، ووجهها ملطخ بالسخام ، والأطفال يصيحون وراءها ، والنساء الشريفات العفيفات يرمينها بالحجارة من وراء الأبواب ، والرجال الكرام يتفلون على الشرف المهدور – إلى أن تصل إلى المنزل الذي غادرته في العشية على أنغام الطبلة والمزمار .- أنا في عرضك يا أمي مريم ، استريني ، لا تكشفي حالي . - لا تخافي يا ابنتي سأتدبر الأمر .وأودعها مع أمها لأحضر لها دواء العذارى المفضوضات البكارة : مزيج من دم الغزال المتيبس ، ومسحوق من زهر عرائس الجن المجلوب من أقاصي الصحراء ، والفاسخ والفاسوخ .وأمشي معها إلى دارها الجديدة . أجلس على الزربية وأركنها إلى الزاوية البعيدة عن الأنوار . ونظل نترقب العريس . يصل المسكين مرتبكا . يدخل برجله اليمنى . يبسمل ويفتح الحجاب الذي يغطي وجه العروس فينبهر بالوجه الحسن ،وبرائحة العنبر الفائح من ثيابها ، و بزخارف الحناء علي يديها ورجليها . وقبل أن أغادر، أطلب منها ، كما اتفقنا في العشية أن تتمنع حين يحاول فتح رجليها ، وأن تطلبني للمساعدة .- نادي أمي مريم يا سيدي لعلها تسكب في قلبي بعضا من بأسها . ويمتثل الخائف من الفضيحة فيفتح الباب وينادني .أدخل عليهما كرحمة السماء . وأنظر في عيني الرجل لأقول له :- لا تخف يا ابني فالأمر أبسط مما تتوقع .وأغمز للعروس أن اطلبي مساعدة اليدين المجربتين . وتروق الفكرة للرجل فيدس عضوه – في العادة يكون نصف منتصب – بين فخذيها ، فأدس خلطتي السحرية معه . ويسيل دم الغزال . فأطلق زغاريدي ، و العروس تصيح من ألم الذبح المزعوم . ويرمي العريس بقميص العفة للنساء المتحلقات أمام الباب ، فيختطفنه ليرقصن به في ساحة المنزل . وتبكي أم العروس فرحا وهي تقبل القميص المضرج بالدم .ويلعلع البارود فوق السطوح ، فأقبض مائة فرنك أخرى أدسها في صدري ، وأملا حضني بالحلوى وبالضحك المكتوم .
الجمر في سروالي
كنا صغارا . في الليل ، نجتمع في ساحة الحي . نجمع كدسا من الحطب لنشعل فيه النار. نشعل نارا عظيمة نرقص حولها ونحن نغني ، ثم عندما يهدأ اللهب نجلس قريبا من النار. يختلط الأولاد بالبنات والصغار بالكبار ليحكي لنا عزالدين عن الغيلان ، وعن أولاد السلاطين ، وعن الأعراس التي تدوم سبعة أيام وسبع ليال . وتحرض ياسمينة عائشة الصغيرة للذهاب إلى ركن مظلم في الساحة لتلحق بها بعد قليل لتعدها للعريس . تمشط شعرها وتسوي لها ضفيرتين ترمي بهما على صدرها الذي بدأ يعطي بواكيره ، وتبسط الرمل تحت ردفيها وتناديني أن تعال لتأكل من تفاح الجنة . وألبي النداء ، فتفتح لي زر سروالي وترقدني فوق عائشة على كدس الرمل . بعد قليل تضربني على مؤخرتي ، وتطلق زغرودة وتنادي عزالدين لينام مع العروس . وعزالدين مازال يحكي عن الغيلان و- لو لم يسبق سلامك كلامك لأكلت لحمك مع عظامك -، وعن علي بن السلطان الباحث عن التفاح الفواح الذي يعيد للشيوخ شبابهم . فترفض عائشة عزالدين . تخاف من غيلانه ومن أبناء سلاطينه لكن ياسمينة تهددها بفضح أمرها ، فتقبل العروس الصغيرة افتراء الشابة وتنام مع صاحب الغيلان وهي ترتجف .وتصل أم العروس إلى الساحة . تراقب المشهد مدة ثم تنفخ في النار حتى تعيد لها الحياة . وتأخذ جمرتين . تضع واحدة داخل سروال عزالدين ، وواحدة داخل سروالي . ويهرب صاحب أبناء السلاطين من بين يديها ، وأقع أنا في قبضتها ، فتحك لي الفلفل الحار في عيني وتذهب لتشتكي ياسمينة لأمها وأنا في صياح مجنون :- سامحيني يا عمتي ، لن أنام مرة أخرى مع ابنتك .وتهدد الأم ياسمينة بإخبار والدها ، فتبكي بين يديها وتقول لها :- كلمي أمي مريم لتبحث لي عن عريس . لقد تزوج كل أندادي ولم أجد سوى الصغار ألعب معهم لعبة الكبار .ونكبر نحن الصغار كما يكبر أطفال الخرافة . ولا نقدر على النساء فالدفع في المواخير مقدما، وجيوبنا فارغة ، فنذهب للبراري نبحث عن الأتن السائبة نمارس معا الجنس شاهقين حد الانفجار .
لا ، ليس الآن يا عزرائيل
قالوا لي ابنك ينكح الأتن السائبة في البراري ، فضربت أخماسي في أسداسي ومكنته من زوجة صالحة . وطلبت منه أن يملأ الدار صبيانا وبنات .جاءت البنت الأولى ... والثانية ... وجاءت الخامسة ... ولم يأت الولد . وجاء الولد الأول ومات بالحصبة . وجاء الثاني ومات بجريان الجوف . وتواصل هطول البنات حتى امتلأت بهن ساحة البيت .. وصارت أمهن كالجرادة. وعندما جاء الولد كنت قد كرهت الحياة ... صرت لا أقدر على الوقوف ولا على تدبير الرأس . كنت أترقب ابن الزنا هذا لأفرح به . كنت سأقيم له حفل ختان لم تر له البلدة مثيلا ، ولكنه تأخر كثيرا . عاند رغبتي وتأخر في المجيء .. ابن الكلب جاء وأنا أعري كل ليلة لملك الموت عنقي ، وأكشف له عن شراييني المتهتكة فماذا أفعل به ؟كانت أمه قد أعطت هدايا لكل نساء القرية بمناسبة أفراح الختان ، بيضا وحليبا وشايا وسكرا ونقودا كثيرة سرقتها من خزانتي . كانت كل ليلة تحسب كم صار لها عند النساء من مكتسبات وماذا ستشتري بهذه المكاسب عندما تجمعها يوم الختان . وتحلم بالذهب في عنقها وفي يديها وبالتلفزيون الملون وبالثلاجة والمروحة الكهربائية . ولكن عزرائيل الذي ترقبته من زمان ، ولم يأت خير أن يحل ركبه في دارنا ليلة الفرح . جاء عندما كنت عازفة عنه . جاء ، ولم يمهلني لحظة واحدة . هكذا كالجراح الماهر المتقن لعمله ، قبض روحي . رأيته يخرج العصفور الصغير من أنفي ويهم بوضعه في القفص ، فطلبت منه أن يمهلني أربعا وعشرين ساعة ، نهارا وليلة فقط لا غير . قلت له ، لا يهم الجسد . خذ روحي ولكن أترك القفص معلقا في سقف البيت . أريد أن أرى كيف ستبكيني العائلة . أحرجته بالإلحاح وببكاء الثكالى ، وبلثم أياديه الكثيرة ، فوافق على أن يعود في الغد . وجاءت كنتي منجية . دخلت البيت تتفقد لحم الخروف المرصوص في قصعة في ركن من أركان البيت . ثم عن لها أن تكلمني ... نادتني فلم أرد على ندائها – بالطبع فأنا ميتة – وضعت يدها تتحسس جبيني فوجدته باردا ، ورأت عيني مشرعتين وجسمي يابسا . ضربت كفا بكف ، وخمشت خديها ، وعضت أصابعها ... ففرحت قلت المسكينة هزها موتي هزا شديدا. وامتلأت بالزهو والسرور لكن فرحتي لم تدم طويلا فقد سمعتها تقول :- ابنة الكلاب ، لم تجد متى تموت سوى في هذا اليوم . ماذا سأفعل ياربي .ضعت وضاعت نقودي . ضاع كل ما أهديته للنساء بمناسبة ختان أولادهن . ضعت يا منجية . أضاعتك هذه القحبة .تيبس جسمي أكثر وأنا أسمعها تتحدث عني بهذا الكلام . وخافت روحي . التصقت أكثر بجدار القفص وهي ترتجف . وجاءتني الخواطر كما كانت تجيء وأنا في الدار الفانية . العاهرة . ابنة العاهرة مفضوضة البكارة . داويتها بيدي .رششت بين فخذيها دم الغزال وسترت حالها . قلت أن يتزوج هذه الكلبة خير له من الجري وراء الأتن الجرباء . ضبطتها أكثر من مرة مرفوعة الرجلين في السقائف ، ولم أقل شيئا لذلك الأبله . أعرف أن البنات بناتها وأن لا عين لابني فيهن ولا أنف . كسوتها وكسوت جراءها من مال الرجال الذين يدفعون بعد صلاة العشاء . وها هي الآن تتحسر لأنني مت قبل أن تجمع أموال الزنا الذي فرقته على مومسات هذه القرية الموبوءة . رأيت منجية تدور في البيت لا تعرف ماذا تفعل ... وكانت أصوات الطبلة والمزمار تصلها حادة ... وكان ضرب أرجل الراقصات على الأرض يستفزها أكثر ، فيزداد هيجانها .دارت ودارت في البيت ، ثم جثمت فوقي . اقتربت بوجهها من أنفي تتحسس أنفاسي وهي تردد ربما أخذتها سنة من النوم . ربما هي تتناوم قحبة القحاب وستفيق بعد قليل . لكنني ظللت كالخشبة اليابسة ، فزادت مني اقترابا ، وبدأت تناديني بصوت نحاسي ، وتحركني من كتفي بعنف حتى ارتطم رأسي بالأرض أكثر من مرة . ولما تأكدت من موتي ، حركت إصبعها الوسطى في وجهي وقالت : طز فيك أيتها العجوز النجسة . لن أفسد عرس ابني بسبب قردة رائحة إلى جهنم وبئس المصير .ثم أغلقت باب الدار ، وذهبت ترقص في الحلقة الضاجة بالنساء .
تفاح الجنة
لم أدر بموت أمي إلا ليلا عندما طلبت من منجية أن تعطني عشاءها . قالت :- أمك ماتت ..- ماذا قلت ؟ أمي ماتت ، متى كان ذلك ؟- في القائلة ..- ولماذا لم تخبريني بذلك ؟-