هـذا حـلال ... وهـذا حـرام
20 تشرين ثاني, 2007

بينما يشق القطار طريقه وسط تلك الأعاصير الهائجة والتي تتلقفه من كل جانب ، فلا بد حينها أن يكون قائد القطار والركاب على قلب رجل واحد فإن نجا نجوا وإن هلك هلكوا جمعياً … وأن يكون هذا القائد هو مبعث الأمن والأمان لكل ركاب القطار حتى محطته الأخيرة.

 ولكن ما نراه اليوم من انفصال وتباعد بين المؤسسات الدينية في مصر(منهجاً ومسؤولين) والشعب أمر مؤسف ويدعو للأسى في ظل دولة منبع هويتها الإسلام والعروبة … فها هي عربة القطار الأولى وقد أصبحت تسير وحدها مخلفة وراءها باقي القطار ليقف تارة ويتعثر أخرى ويقوم ركابه بسحبه فى الثالثة حتى لا تجرفهم الأعاصير بعيداً عن درب هويتهم والتي إن فقدوها فقد محوا كل ما قد سلف من تاريخ وأمجاد وثقافة ، وهي البذرة التي يتمسك بها الكثير لإحياء هذه الأمة من جديد.

 إن ما نسمعه ونراه من فضيلة المفتي في الآونة الأخيرة أصبح بمثابة المقصلة التي هوت لتفصل بين مصداقية المؤسسات الدينية والشعب المصري ، ولا ندري لمصلحة من ... وضد من - نحن لسنا بصدد محاسبة أحد وحاشا لله من ذلك فالمفتي نحسبه على علم وله قدره لعلمه وسنه - ولكن ليس علينا من حرج أن نبدي برأينا في قضايا ألمت بالجميع وأهمتهم ، والتي كان آخرها ما صدر من فضيلته من تصريحات حول أناس لم يكن لهم هم إلا أن ضربوا في الأرض يبتغون من فضل الله بعد أن ضاقت عليهم الأرض بما رحبت في بلادهم مثل غيرهم ، فكان جزاء من مات منهم بأن قيل عنهم (طماعون وليسوا شهداء). 

ولنترك الكلام عن الشهادة فهي بأمر الله عز وجل وحده وليس لأي إنسان مهما علا قدره أن يقدرها أو يمنع فضلها عن أحد ، فلم ولن يكون بيد عالم أياً كان هو أن يقسم رحمة الله بين العباد ، ولكن نحسبهم شهداء إن شاء الله ، ولكن يا فضيلة المفتي كيف بهؤلاء الضحايا وأسرهم المكلومين فيهم أن يكونوا طماعين … وأنت لم تعلم عن حياتهم شيئاً أو حتى عن أسباب تركهم بلدهم وأهليهم وأحبائهم 

 هل اعتصرك الألم يوماً لبكاء أولادك أمامك جوعاً؟؟

هل حرم أولادك من التعليم بسبب فقرك يوماً ما ؟؟؟

هل ذقت الذل يوماً وأنت تبيع شيء تملكه من أجل جنيه أو أثنين لتسد به جوعاً ألمَّ بأسرتك ؟؟

هل دست على كبريائك وكرامتك يوماً ومددت يدك لتسأل فلاناً أو فلان ؟؟؟

هل مرت عليك أيام ولم تجد لأولادك غير ثوب واحد في حرها و بردها ؟؟

هل فكرت يوماً في انكسارك يوم أن ينحرف أحد أبنائك هرباً من الفقر والبطالة ؟؟؟

هل سمعت صرخة عاجز ألتهم المرض قواه وصحته ؟؟

 والله الكثير والكثير يا فضيلة المفتي مما يتجرعه فقراء هذا الشعب ، ومن المفترض وأنتم في مكانتكم هذه أن تداووا جراح هذه الأمة وتواسوها فيما ألمَّ بها من آلام ونكبات ، لا أن تقوم بجرح قلوب أمهات ثكلى وأطفال يتامى وزوجات أرامل. 

يا فضيلة المفتي إنك مسؤول ورأيك الشخصي مأخوذ منك وعليك ، وإن ما طوقت به عنقك من أمانة علم ومكانة يجعل رأيك منبعه الكتاب والسنه - ونسأل الله أن يكون الدين برئ من رأيك أو فتواك تلك - ، إن سيدنا عمر بن الخطاب أسقط حد السرقة وقت المجاعة … وحكم على سيد الأرقاء بقطع يده إن سرق عبيده ليأكلوا إن حرمهم الطعام ، أفهؤلاء الفقراء الذين أبوا السرقة والتسول والرشوة ولجأوا إلى السفرهم الطماعون … إنا لنعجب من رأيكم هذا ، ولكن لا عجب إن كنتم فضيلتكم من أفتى من قبل بإباحة الاستحمام باللبن الحليب في مراكز التجميل والفنادق … وكان هؤلاء برأيكم ليسوا مبذرين أو طماعين يريدون المزيد والمزيد على حساب امتهان وإهدار نعمة الله عز وجل. 

يا فضيلة المفتي …

 اتق الله ولا تمسك بمعول هدم تزيل به أحجار وأركان القيم الدينية السمحة المترسخة داخل أمة أوشكت على الانفجارمما ألمَّ ويلم بها …

اتق الله ولا تفتَنا في ديننا ..

تق الله واحفظ للعالم قدره وهيبته حتى لا يقال موظف بأجر ...

اتق الله ولا تكن سبباً في حقد فقرائها على أغنيائها …

اتق الله ليوم أنت موقوف مسؤول فيه …

 يا فضيلة المفتي … وليس بيني وبينك أي عداء أو خصومة أو حتى سابق معرفة ، ولكن مصداقاً لقول رسول الله – صلى الله عليه وسلم – وتطبيقاً له ((الدين النصيحة، ثلاثا، فقلنا : لمن يا رسول الله ؟ قال : لله، ولكتابه، ولرسوله ، ولأئمة المسلمين، وعامتهم)) ، وتذكر أن الله ابتعث من هم خير منك إلى من هم شر من هؤلاء الضحايا – إن كانوا كذلك وليسوا هم – وقال لهم (( فقولا له قولاً ليناً لعله يتذكر أو يخشى )) ، وأخيراَ :

 لا خير فينا إن لم نقولها ولا خير فيكم إن لم تسمعونها

مصطفى سليمان

A service provided by Al Bawaba