كنت دوماً أسمع أن من يكذب ويعيش يردد كذبته يصدقها يوماً ما وكأنها واقع عاشه بالفعل، وهذا ما فعله قادة الجرثومة الصهيونية من نسج الحكايات والقصص المرعبة والمؤلمة حول الهولوكوست وحرق النازيين لهم إبان الحرب العالمية، وإن كنا نحن العرب صدقنا هذه الرواية الكاذبة والتي فضح أمرها كُتَاب يهود قبل غيرهم وأثبتوا تلفيقها وخرافتها، ومع ذلك لم نتعلم منها شيئاً وتركنا تلك الجرثومة تكبر يوماً بعد يوم وتتغلغل في أعماق أراضينا وإقتصادنا وسياستنا ودعمت الفرقة بيننا حتى عشنا مرارة هولوكوست صهيوني جديد، كان أولها عام 1948 عندما نزعت القدس ومقدساتها من قلب الوطن العربي كالطفل الذي يذبح أمام والديه وقد صارت قلوبهما كالحجارة أو أشد قسوة ... حجارة لا يتفجر منها الماء، ومرت السنون وطرفي الصراع هم أنفسهم، أحدهم أخذ يعلو ويعلو والآخر دنا من الأرض حتى كاد ان يلامس وحلها ... وكانت حرب الأيام الستة وضاعت باقي فلسطين والجولان وحرقت سيناء وداخلها أبنائها الذين ذُبِحوا بسكين بارد ... كان هناك أباؤنا ... أخواننا ... وكانت مذبحة الأبرياء.
كثير منا لم يعش تلك الفترات المظلمة ... ولكن القدر لم يكن بنا رحيما أو بالأحرى لم نكن نحن رحماء بأنفسنا، فقد طاب لنا أن يستقر مقامنا تحت وحل الدنيا وتحت أقدام كلابها الذين صاروا سادتها ... وكيف؟!!! بدعمنا وذلنا وهواننا علي غيرنا، وأندلعت المحرقة الثالثة بل كانت مجزرة تعجز كل الكلمات أن تصف خستها وحقارتها ... وتجرع جيلنا مرارتها ونال من لهيبها ... لا ليس كل الجيل، فالكثير غائبون عن الوعي أو مغيَبون يلهثون وراء دنيا زمامها في يد قاتليهم، وأستيقظنا وغزة تشتعل وتقصف وتضرب ولكنها لا ترد ... وكيف ترد بما لا تملك ... وهب الحكام العرب وتعالت أصواتهم فقاموا بالتنديد والشجب والإدانة ... لا لا لا ليس من أفعال الصهاينة، ولكن ... لإستمرار حماس في السيطرة على غزة ... وعملية القدس الإستشهادية ... وضرب المستعمرات بصواريخ هي أشبه بالألعاب النارية منها إلي آلة حرب، وراحوا يتوسلون مطالبين بدفع عجلة السلام، ذلك السلام الذي يريدون فرضه علينا بقوة السلاح وإرهاب الدولة وتلك العجلة التي لا أظنها أكثر من مجرد هدية يهديها حكامنا كإطار لسيارات الحرب الصهيونية التي تقوم الآن بدك غزة وجعل عاليها سافلها.
10 شهداء ... 30 ... 60 ... 100 ... 120 شهيد والعدد يتزايد بإطراد في فترة يمكن حسابها بالساعات وليس بالأيام ولكن أن يصل الشهداء من الأطفال إلى ما يقارب الثلث وسط كل هذا التجاهل الإسلامي والعربي – ولن أقول الدولي فهم الداعم الرئيسي لتلك المجازر- فهذا ما يتطلب وقفة ومحاسبة شديدة للكل، من أصغر فرد إلى أكبر مسؤول، نعم إلى أكبر مسؤول من رؤساء وملوك وأمراء عرب، الذين هم ونحن الآن نشاهد ما يحدث لغيرنا ونمتعض ... وغداً غيرنا سيشاهد ما يحدث لنا ولأطفالنا وربما وقتها تعلو وجهه إبتسامة الظفر.
وكانت من أصعب اللحظات التي عشتها هذه الأيام ساعة أن تحجرت الدموع في عيني وأعتصرت مرارة الألم كل جوارحي وأنا أسمع خبر إستشهاد محمد ناصر البرعي ... إبن الخمسة أشهر ... خمسة أشهر فقط هي عمر هذا الطفل في الدنيا ... ما ذنب هذا الطفل لكي لا يصبح طبيباً أو مهندساً ... ماذا رأى من الدنيا أو نال منها ليتركها قبل أن يحياها ... ما الجرم الذي أقترفه ليصبح ضحية العجز العربي في الدفاع عن أرضه، خمسة أشهر عاشها محمد بين أحضان أمه وأبوه بعد معاناة خمس سنوات من العلاج قضياها حتى يستطيعا الإنجاب، وأخيراً حملت أمه وأتمت به تسعة أشهر وهناً على وهن ... ولكنها للأسف لم تكمل فصامه في عامين ... فقد أنهالت عليه القذائف لتحيله من دفء أحضان والديه إلي سعير الشظايا والنيران، لقد أنتزعته سفالة الصهاينة وخيانة العرب من قلب أسرته الصغيرة التي ما لبثت أن تكونت حتي فرط عقدها،وحينها لازم الصمت أبوه وكان البكاء هو الكلمات التي أنهالت من الأم الثكلى عل مسامع من يراها وقامت تهرع إليه لتحتضنه وربما هو الحضن الأخير إلى أن سمعت قبل وصولها إلى المستشفى خبر إستشهاد ثمرة فؤادها ونور دربها أمل حياتها، لقد حُرمت حتى من قبلة وداعه ... لقد ضاعت للأبد لمسات تلك اليد الصغيرة لوجهها والتي ملأت عليها الحياة نوراً وسعادةً ... لن تسمع ثانية صوت ضحكاته وهو يناديها لتنظر إليه لن تضمه وقت بكاؤه لترضعه وينام في كنفها ... لقد أضحى الصمت والحزن من الآن هما رفيقا حياة الوالدين ... وراحا يودعاه إلى مثواه - وليس الأخير- وحبات الرمال حول قبره تعلن بأسى أن محمد قد ذهب غدراً ... ذهب ولن يعود أبداً.
سلاماً يا محمد سلاماً ... نم هنيئاً قرير العين فوالله لن تتجرع مرارة الموت مرتين ... يا محمد أغفر لي تقصيري في حقك وحق كل الشهداء وأبلغ سلامي لكل من سبقوك ... نعم لقد ركضت وغيري لهثاً وراء عرض الحياة الدنيا وتناسيناكم ولكن حقت كلمة ربنا وأنجز لكم وعده ونلتم الشهادة وفزتم بالجنة ... يا محمد بالله عليك سامحني ولا تشكوني إلي الله فأنا لا أتحمل سؤاله وعقابه ... أعاهدك يا محمد سأبحث فينا عن عمر بن الخطاب وعن صلاح الدين ... سأبحث فينا عمن يستحق أن يكون حفيد رسول الله – صلى الله عليه وسلم- ... وحين أجده سيعلم أبواك أن محمداً لم يمت ولكنه ينتظرهما في الجنان يطير والشهداء حول عرش الرحمن.
((وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ))