فدَّعِ الصِّبا فلقدْ عداكَ زمانُهُ ...... وازهَـدْ فعُمـرُكَ مـرَّ منـهُ الأطيَـبُ
ذهبَ الشبابُ فما له منْ عودةٍ ......أتَى المشيبُ فأيـنَ منـهُ المَهـربُ
دَعْ عنكَ ما قد كانَ في زمنِ الصِّبا .. واذكُر ذنوبَكَ وابِكها يـا مُذنـبُ
واذكرْ مناقشةَ الحسابِ فإنه ..... لا بَـدَّ يُحصـي مـا جنيـتَ ويَكتُـبُ
لم ينسَـهُ الملَكـانِ حيـنَ نسيتَـهُ .......... بـل أثبتـاهُ وأنـتَ لاهٍ تلعـبُ

ثمرة اليقين
06 تشرين ثاني, 2008
                                                                                               ثمــرة اليقين
1- انفتاح الدنيا الشديد على كثير من الناس في هذا الزمان وما صحب ذلك من مكر الليل والنهار بأساليب جديدة ودعايات خبيثة تزين الدنيا في أعين الناس وتصدهم عن الآخرة، ومع ما كان عليه صحابة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- من الإيمان والتقوى، فقدكان يحذرهم من الاغترار بالدنيا وضرورة الاستعداد للآخرة، مع أن الدنيا لم تنفتح عليهم مثل اليوم، فـــلا شك ولا ريب أننا أحوج منهم بكثير إلى أن نتذكر الآخرة ويذكّر بعضنا بعضاً بعظمة شأنها وأهمية الاستعداد لها
.2- ركون كـثـيـر مـــن الـنـاس للـدنـيا ولقد ترتب على ذلك أن قست القلوب، وتحجرت الأعين، وهُجِرَ كتاب الله (عز وجل)، وإذا قـــــرأ أحدنا القرآن قرأه بقلب لاهٍ، فأنّى لمثل ذلك القلب أن يخشع لذكر الله؟ وأنّى لعينيه أن تـدمــــع خوفاً من الله، وقد انعكس ذلك على الصلاة فقلّ الخاشعون والمطمئنون فيها.. والله المستعان
.3- لما في تذكر ذلك اليوم ومشاهده العظيمة من حث على الـعـمـــل الصالح والمبادرة لفعل الخيرات وترك المنكرات، بل ما تكاسل المتكاسلون في عمل الصالحات سواء الواجب منها والمسنون إلا بسبب الغفلة عن الآخرة والانشغال عنها، يقول (تعالـى) فـي وصــف عباده الصالحين: ((رِجَالٌ لاَّ تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَإقَامِ الصَلاةِ وَإيتَاءِ الــزَّكَاةِ)) [النور: 37]. ((أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِداً وَقَائِماً يَحْذَرُ الآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لايَعْلَمُونَ إنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الأَلْبَابِ)) [الزمر: 9]
.4- لـمـــا ظهر في عصرنا اليوم من المشكلات المعقدة والأمراض المزمنة، التي نشأت عنها الأمراض النفسية المتنوعة من القلق والاكتئاب اللذين يؤديان غالباً إلى حياة يائسة، ومن أسباب ذلك: البعد عن الله (تعالى)، وعن تذكر اليوم الآخر
.5- لما تميز به زماننا اليوم من كثرة المظالم في بعض المجتمعات واعتداء الناس بعضهم على بعض، من أكلٍ لأموال غيرهم بدون وجه حق، وكذلك النيل من الأعراض، والحسد والتباغض، والفرقة والاختلاف، ولا شك أنه لا شيء مثل تذكر اليوم الآخر وتذكـر الوقـوف بين يدي اللـه (عز وجل) علاجاً لتلك الأمراض
.6- ولما كان الركون إلى الدنيا والغفلة عن الآخرة من أعظم الأسباب في وهن النفوس وضعفها كان لا بد من التذكير المستمر بذلك اليوم وما فيه من نعيم أو جحيم، لأن في هذا التذكير أكبر الأثر في نشاط الهمم وعدم الاستسلام للوهـن واليأس رجـاء ثواب اللـه (عز وجل) وما أعده للمجاهدين في سبيله الداعين إليه
.7- ولما قلّ في برامج الدعوة والتربية الاعتناء بهذه الجانب العظيم من التربية مما له الأثر الكبير في الاستقامة على الجادة والدعوة إلى الله على بصيرة، ولكن نرى من بعض المهتمين بالدعوة من يستهين بهذا الجانب العظيم حتى صار بعضهم يقلل من أثر التذكرة بالآخرة بقوله: إن هذا الأمر يغلب عليه الوعظ أو هذا مقال عاطفي وعظي… إلخ.. مع أن المتأمل لكتاب الله (سبحانه) وسنة رسوله -صلى الله عليه وسلم- يرى بجلاء جانب الوعظ بارزاً بالربط بين الدنيا والآخرة والثواب والعقاب.. نسأل الله أن يهدينا جميعاً وأن يوفقنا للاقتداء بالسنة والسير على نهجها
  الآثار المرجوة لليقين باليوم الآخر:
إن في اليقين باليوم الآخر وأنبائه العظيمة لآثاراً واضحة وثماراً طيبة، لابد أن تظهر في قلب العبد وعلى لسانه وجوارحه، وفي حياته كلها، ولكن هذا اليقين وحده لا يكفي حتى ينضم إليه الصبر ومجاهدة الشهوات والعوائق، لأن الواحد منا ـ مع يقينه باليوم الآخر وأهواله ـ يرى في حياته أن ثمرات هذا اليقين ضعيفة، فلابد إذن من سبب لهذا الأمر، ويجلي هذه المسألة الإمام ابن القيم (رحمه الله تعالى) فيقول: (فإن قلت كيف يجتمع التصديق الجازم الذي لا شك فيه بالمعاد والجنة والنار ويتخلف العمل؟ وهل في الطباع البشرية أن يعلم العبد أنه مطلوب غداً إلى بين يدي بعض الملوك ليعاقبه أشد عقوبـة، أو يكرمـه أتم كرامة، ويبيت ساهياً غافلاً! ولا يتذكر موقفه بين يدي الملك، ولا يستعد له، ولا يأخذ له أهبته؟!.قيل: هذا (لعمر الله) سؤال صحيح وارد على أكثر الخلق؛ فاجتماع هذين الأمرين من أعجب الأشياء، وهذا التخلف له عدة أسباب:أحدهما: ضعف العلم ونقصان اليقين، ومن ظن أن العلم لا يتفاوت، فقوله من أفسد الأقوال وأبطلها.وقد سأل إبراهيم الخليل ربه أن يريه إحياء الموتى عياناً بعد علمه بقدرة الرب على ذلك، ليزداد طمأنينة، ويصير المعلوم غيباً شهادة.وقد روى أحمد في مسنده عن النبي أنه قال: (ليس الخبر كالمعاينة)
 (1).فإذا اجتمع إلى ضعف العلم عدم استحضاره أو غيبته عن القلب في كثير من أوقاته أو أكثرها لاشتغاله بما يضاده، وانضم إلى ذلك تغاضي الطبع، وغلبات الهوى، واستيلاء الشهوة، وتسويل النفس، وغرور الشيطان، واستبطاء الوعـد، وطول الأمـل، ورقدة الغفلة، وحب العاجلة، ورخص التأويل، وإلف العوائد، فهناك لا يمسك الإيمان إلا الذي يمسك السموات والأرض أن تزولا، وبهذا السبب يتفاوت الناس في الإيمان والأعمال، حتى ينتهي إلى أدنى مثقال ذرة في القلب.وجماع هذه الأسباب يرجع إلى ضعف البصيرة والصبر، ولهذا مدح الله (سبحانه) أهل الصبر واليقين، وجعلهم أئمة الدين، فقال (تعالى): ((وَجَعَلْنَـا مِنْهُمْ أَئِمَّـةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُـونَ)) [السجدة: 24])
(2).ذكر الثمرات المرجوة:وبعد هذه المقدمة التي لا بد منها حول ثمرات اليقين بالنبأ العظيم نذكر ما تيسر من هذه الثمرات، والله ولي التوفيق
:
1- الإخلاص لله (عز وجل) والمتابعة للرسول صلى الله عليه وسلم :
إن الموقن بلقاء الله (عز وجل) يوم الفزع الأكبر، لا تلقاه إلا حريصاً على أعماله، خائفاً من كل ما يحبطها من أنواع الشرك الأكبر أو الشرك الأصغر، حيث إن الشرك الأكبر يحبط جميع الأعمال، فتصير هباءً منثوراً، والشرك الأصغر يحبط العمل الذي حصل فيه هذا النوع من الشرك كيسير الرياء، والعجب، والمن، وطلب الجاه والشرف في الدنيا، فكلما كان العبد موقناً بلقاء ربه كان منه الحرص الشديد على ألا تضيع منه أعماله الصالحة في موقف القيامة، يوم أن يكون في أشد الأوقات حاجة إليها؛ ولذلك فهو يجاهد نفسه بحماية أعماله في الدنيا بالإخلاص فيها لله (تعالى) لعل الله (عز وجل) أن ينفعه بها، كما أن اليقين بالرجوع إلى الله (عز وجل) يجعل العبد في أعماله كلها متبعاً للرسول -صلى الله عليه وسلم- غير مبتدع ولامبدل؛ لأن الله (عز وجل) لا يقبل من العمل إلا ما كان خالصاً صواباً، قال (تعالى):- ((قُلْ إنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَى إلَيَّ أَنَّمَا إلَهُكُمْ إلَهٌ وَاحِدٌ فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً)) [الكهف: 110]
.
2- الحذر من الدنيا والزهد فيها والصبر على شدائدها وطمأنينة القلب وسلامته:
إذا أكثر العبد ذكر الآخرة، وكانت منه دائماً على بال، فإن الزهد في الدنيا والحذر منها ومن فتنتها سيحلان في القلب، وحينئذ لا يكترث بزهرتها، ولا يحزن على فواتها، ولا يمدن عينيه إلى ما متع الله به بعض عباده من نعم ليفتنهم فيها، وهذه الثمرة يتولد عنها بدورها ثمار أخرى مباركة طيبة منها: القناعة، وسلامة القلب من الحرص والحسد والغل والشحناء؛ لأن الذي يعيش بتفكيره في الآخرة وأنبائها العظيمة لا تهمه الدنيا الضيقة المحدودة، مع ملاحظة أن إيمان المسلم باليوم الآخر وزهده في الدنيا لا يعني انقطاعه عنها وعدم ابتغاء الرزق في أكنافها؛ يقول (تعالى):- ((وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الآخِرَةَ)) [القصص: 77].كما يتولد أيضا من هذا الشعور، الراحة النفسية والسعادة القلبية وقوة الاحتمال والصبر على الشدائد والابتلاءات، ذلك للرجاء فيما عند الله (عز وجل) من الأجر والثواب، وأنه مهما جاء من شدائد الدنيا فهي منقطعة ولها أجل، فهو ينتظر الفرج ويرجو الثواب الذي لا ينقطع يوم الرجوع إلى الله (عز وجل)، قال (تعالى): ((إن تَكُونُوا تَاًلَمُونَ فَإنَّهُمْ يَاًلَمُونَ كََمَا تَاًلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لا يَرْجُونَ)) [النساء: 104] وما إن يفقد القلب هذه المعاني حتى يخيم عليه الهم والتعاسة، ومن هنا ينشأ القلق والانزعاج والضيق والحزن، أما ذاك الذي عرف الدنيا على حقيقتها، وامتلأ قلبه بهمّ الآخرة وأنبائها، فإن نفسه لا تذهب على الدنيا حسرات، ولا تنقطع نفسه لهثاً في طلبها، ولا يأكل قلبه الغل والحسد والتنافس فيها، ولا يقل صبره ولا يجزع قلبه عند المحن والشدائد، ومهما حرم في هذه الدنيا الفانية فهو يعلم أن لله (عز وجل) في ذلك الحكمة البالغة، وهو يرجو الأجر يوم القيامة، قال (تعالى): ((وَلَوْلا أَن يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَّجَعَلْنَا لِمَن يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفاً مِّن فِضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَـا يَظْهَرُونَ (33) وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوَاباً وَسُـرُراً عَلَيْهَا يَتَّكِئُونَ (34) وَزُخْرُفـا وَإن كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتـاعُ الحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالآخِـرَةُ عِندَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ)) [الزخرف: 33- 35]
.
3- التزود بالأعمال الصالحة وأنواع القربات واجتناب المعاصي والمبادرة بالتوبة والاستغفار:
يقول الإمام ابن القيم (رحمه الله تعالى): (ومما ينبغي أن من رجا شيئاً استلزم رجاؤه ثلاثة أمور:أحدهما: محبة ما يرجوه.الثاني: خوفه من فواته.الثالث: سعيه في تحصيله بحسب الإمكان.وأما رجاءٌ لا يقارنه شيء من ذلك فهو من باب الأمــاني، والـرجــاء شـيء والأماني شيء آخر، فكل راجٍ خائف، والسائرعلى الطريق إذا خاف أسرع السير مخافة الفوات.وفي جامع الترمذي من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله (من خاف أدلج، ومن أدلج بلغ المنزل، ألا إن سلـعـة الله غالية، ألا إن سلعة الله الجنة)(3) وهو (سبحانه) كما جعل الرجاء لأهل الأعمال الـصــالـحة، فكذلك جعل الخوف لأهل الأعمال الصالحة، فعلم أن الرجاء والخوف النافع ما اقـتـرن به العمل، قال (تعالى): ((إنَّ الَذِينَ هُم مِّنْ خَشْيَةِ رَبِّهِم مُّشْفِقُونَ (57) وَالَّذِينَ هُم بِآيَاتِ رَبِّــهِــــمْ يُؤْمِنُونَ (58) وَالَّذِينَ هُم بِرَبِّهِمْ لا يُشْرِكُونَ (59) وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إلَى رَبِّــهِـــمْ رَاجِعُونَ (60) أُوْلَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ)) [المؤمنون: 57- 61].وقد روى الترمـذي في جامعه عن عائشة (رضي الله عنها) قالت: سألت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عن هذه الآية، فقلت: أهم الذين يشربون الخمر ويزنون ويسرقون؟ قال: (لا، يا ابـنـــة الصديق، ولكنهم الذين يصومون ويصلون ويتصدقون ويخافـون أن لايتقبل منهـم، أولئـك يسارعون فـي الخيرات)(4) وقد روي من حديث أبي هريرة أيضاً.والله (سبحانه) وصف أهل السـعادة بالإحسان مع الخوف، ووصف الأشقيـاء بالإسـاءة مع الأمن)(5).وقــال (تعـالـى): ((إنَّ الَذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ)) [البقرة: 218].يقــول ابن القيم (رحمه اللـه تعالى): (فتأمل كيف جعـل رجاءهم إتيانهم بهـذه الطاعات؟ وقـــال المغرورون: إن المفرطين المضيعين لحقـوق اللـه المعطلـين لأوامـره الباغـين المتجرئين على محارمـه، أولئك يرجون رحمة الله)(6). 
 
4- اجتناب الظلم بشتى صوره:
نظراً لكثرة الظلم والشحناء بين المسلمين في عصرنا الحاضر، وأنه لا شيء يمنع النفس من ظلم غيرها في نفس أو مال أو عرض: كاليقين بالرجوع إلى الله (عز وجل)، وإعطاء كل ذي حق حقه، وإنصاف المظلوم ممن ظلمه، فإذا تذكر العبد هذا الموقف العصيب الرهيب، وأنه لا يضيع عند الله شيء، كما قال (تعالى): ((وَنَضَعُ المَوَازِينَ القِسْطَ لِيَوْمِ القِيَامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً وَإن كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ)) [الأنبياء: 47] وقوله (تعالى) ((وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْماً)) [طه: 111]، إذا تذكر هذه المواقف واتعظ بهذه الآيات، وأيقن بتحققها فلا شك أن ذلك سيمنعه من التهاون في حقوق الخلق، والحذر من ظلمهم في دم أو مال أو عرض، خاصة وأن حقوق العباد مبنية على المشاحة والحرص على استيفاء الحق من الخصم، وبالذات في يوم الهول الأعظم الذي يتمنى العبد فيه أن يكون له مظلمة عند أمه وأبيه وصاحبته وبنيه، فضلاً عن غيرهم من الأباعد، ومعلوم أن التقاضي هنالك ليس بالدينار والدرهم ولكن بالحسنات والسيئات.فياليتنا نتذكر دائماً يوم الفصل العظيم، يوم يفصل الحكم العدل بين الناس، ويقضي بين الخصماء بحكمه وهو أحكم الحاكمين، ليتنا لا نغفل عن هذا المشهد العظيم، حتى لا يجور بعضنا على بعض، ولا يأكل بعضنا لحوم بعض، ولا نتكلم إلا بعلم وعدل، إنه لا شيء يمنع من ذلك كله إلا الخوف من الله (عز وجل) وخوف الوقوف بين يديـه، واليقـين الحـق بأن ذلك كـائن في يـوم لا ريب فـيه؛ قال (تعالى): ((إنَّكَ مَيِّتٌ وَإنَّهُم مَّيِّتُونَ (30) ثُمَّ إنَّكُمْ يَوْمَ القِيَامَةِ عِندَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ)) [الزمر: 30، 31]
.
5- حصول الأمن والاستقرار والألفة بين الناس بالحكم بشريعة الله:
إن مجتمعاً يسود بين أهله الإيمان بالله (عز وجل) واليقين بالآخرة والجزاء والحساب، لا شك أنه مجتمع تسوده المحبة ويعمه السلام؛ لأن تعظيم الله (سبحانه) سيجعل هذه النفوس لا ترضى بغير شرع الله (عز وجل) بديلاً، ولا تقبل الاستسلام إلا لحكمه، وهذا بدوره سيضفي الأمن والأمان على مثل هذه المجتمعات، لأن أهلها يخافون الله ويخافون يوم الفصل والجزاء، فلا تحاكم إلا لشرع الله، ولا تعامل إلا بأخلاق الإسلام الفاضلة: فلا خيانة ولا غش ولا ظلم، ولا يعني هذا أنه لا يوجد في المجتمعات المسلمة من يظلم أو يخون أو يغش، فهذا لم يسلم منه عصر النبوة ولا الخلافة الراشدة، لكن هذه المعاصي تبقى فردية، يؤدّب أفرادها بحكم الله (عز وجل) وحدوده، إذا لم يردعهم وازع الدين والخوف من الله، والحالات الفردية تلك ليست عامة، أما عندما يقل الوازع الديني والخوف من الآخرة، ويكون التحاكم إلى أهواء البشر وحكمهم فهذا هو البلاء العظيم والفساد الكبير: حيث تداس القيم والحرمات، ويأكل القوي الضعيف، وبالتالي: لا يأمن الناس على أديانهم ولا أنفسهم ولا أموالهم ولا أعراضهم، وكفى بذلك سبباً في عدم الأمن والاستقرار، وانتشار الخوف، واختلال حياة الناس
.
6- تقصير الأمل وحفظ الوقت:
إن من أخطر الأبواب التي يدخل منها الشيطان على العبد: طول الأمل، والأماني الخادعة التي تجعل صاحبها في غفلة شديدة عن الآخرة، واغترار بزينة الحياة الدنيا، وتضييع ساعات العمر النفيسة في اللهث وراءها حتى يأتي الأجل الذي يقطع هذه الآمال، وتذهب النفس حسرات على ما فرطت في عمرها، وأضاعت من أوقاتها. ولكن اليقين بالرجوع إلى الله (عز وجل) والتذكر الدائم لقصر الحياة وأبدية الآخرة وبقائها، هو العلاج الناجع لطول الأمل وضياع الأوقات.يقول ابن قدامة (رحمة الله): (واعلم أن السبب في طول الأمل شيئان:أحدهما: حب الدنيا، والثاني: الجهل.أما حب الدنيا: فإن الإنسان إذا أنس بها وبشهواتها ولذاتها وعلائقها، ثقل على قلبه مفارقتها، فامتنع من الفكر في الموت، الذي هو سبب مفارقتها، وكل من كره شيئاً دفعه عن نفسه...السبب الثاني: الجهل، وهو أن الإنسان يعول على شبابه، ويستبعد قرب الموت مع الشباب، أو ليس يتفكر المسكين في أن مشايخ بلده لو عدوا كانوا أقل من العشرة؟ وإنما قلوا لأن الموت في الشباب أكثر، وإلى أن يموت شيخ قد يموت ألف صبي وشاب، وقد يغتر بصحته، ولا يدري أن الموت يأتي فجأة، وإن استبعد ذلك)(8)
.
7- سلامة التفكير وانضباط الموازين وسمو الأخلاق:
لا يستوي من يؤمن بالله واليوم الآخر ويوقن بيوم الحساب والجزاء ولا يغفل عنه، ومن لا يؤمن بالآخرة، أو يؤمن بها ولكنه في لهو وغفلة عنهـا، لا يستويان أبـــداً في الدنيا ولا في الآخرة، أما في الآخرة فيوضحه قوله (تعالى): ((لا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الجَنَّةِ أَصْحَابُ الجَنَّةِ هُمُ الفَائِزُونَ))[الحشر: 20].وأما في الحياة الدنيا فلا يلتقي أبداً من يعلم أن له غاية عظيمة في هـذا الحياة، وأن مرده إلى الله (عز وجل) في يوم الجزاء والحساب والنشور، مع من لا يعلم من هذه الحياة الدنيا إلا ظاهرها، وأنها كل شيء عنده، وهو عن الآخرة من الغافلين.إنهما لا يلتقيان في التفكير، ولا في الميزان الـذي تـوزن بـــه الأشــــياء والأحداث، ولا في الأحكـام، وبالتالي: فبقدر ما تسمو أخلاق الأول وتعلو همته لسمو منهجه وميزانه بقدر ما تسفل وترذل أخلاق الآخر لسفالة تصوره وفساد ميزانه. قال (تعالى) في وصف أهل الدنيا: ((يَعْلَمُونَ ظَاهِراً مِّنَ الحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ)) [الروم: 7]
.
8- الفوز برضا الله (سبحانه) وجنته، والنجاة من سخطه والنار:
وهذه ثمرة الثمـار، وغاية الغايـات، ومسـك الختـام فـي مبحث الثمار، قال (تعالى): ((كُـــلُّ نَـفْـــسٍ ذَائِقَةُ المَوْتِ وَإنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ القِيَامَةِ فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِـلَ الجَنَّــةَ فَقَـدْ فَـــازَ وَمَا الحَيَــاةُ الدُّنْيَا إلاَّ مَتَاعُ الغُرُورِ)) [آل عمران: 185].وقـولــه (تعالى): ((فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ)): (أي: حصل له الفوز العظيم بالـنـجــاة من العذاب الأليم، والوصول إلى جنات النعيم، التي فيها: ما لا عين رأت، ولا أذن سـمـعـــت، ولا خطر على قلب بشر؛ ومفهوم الآية: أن من لم يزحزح عن النار، ويدخل الجنة، فـإنــــــه لم يفز، بل قد شقي الشقــاء الأبدي، وابتلـي بالعذاب السرمـدي، وفي هـذه الآية إشارة لطيفة إلى نعيم البرزخ وعذابه، وأن العاملين يجزون فيه بعض الجزاء مما عملوه، ويقدم لـهــم أنـمـــــوذج مـمـا أسلفوه)(9).اللهم إنا نسألك بأن لك الحمد، أنت الـمـنــــان، بديع السموات والأرض، يا ذا الجلال والإكرام، نسألك الجنة وما قرب إليها من قول وعمل، ونعوذ بك من النار وما قرب إليها من قول وعمل، ونسألك أن لا تجعل الدنيا أكبر همنا، ولا مبلغ علمنـا، يا حـي يا قيوم، يا أرحم الراحمين  

فدَّعِ الصِّبا فلقدْ عداكَ زمانُهُ ...... وازهَـدْ فعُمـرُكَ مـرَّ منـهُ الأطيَـبُ
ذهبَ الشبابُ فما له منْ عودةٍ ......أتَى المشيبُ فأيـنَ منـهُ المَهـربُ
دَعْ عنكَ ما قد كانَ في زمنِ الصِّبا .. واذكُر ذنوبَكَ وابِكها يـا مُذنـبُ
واذكرْ مناقشةَ الحسابِ فإنه ..... لا بَـدَّ يُحصـي مـا جنيـتَ ويَكتُـبُ
لم ينسَـهُ الملَكـانِ حيـنَ نسيتَـهُ .......... بـل أثبتـاهُ وأنـتَ لاهٍ تلعـبُ

من هو السائل ومن هو المسئول
06 تشرين ثاني, 2008
                                                                                                     من هو السائل؟! ومن هو المسئول؟! وما هي الأسئلة؟!

السائل الله تعالى الله في علاه، السائل الرحمن الذي على العرش استوى.

المسئول أنت، يا من جعل الله له عينين، ولساناً وشفتين، يا من خلقه فسواه فعدله، يا من في أي صورة ما شاء الله ركبه! يا من، كان في عالم العدم! يا من خلق في كبد! يا من وقع على الأرض يبكي! يا أيها الفقير أنت أمام حشد من الأسئلة، يوجهها الله إليك، وأنت تجيب, كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً [الاسراء:14] ولا يجيب غيرك.

هذه الأسئلة يسألها الله، ويوقف الإنسان أمامها، ضعيفاً ذليلاً فقيراً حقيراً.

يقول سبحانه في محكم كتابه بعد أن ذكر مصرع الشرك أمام التوحيد، وبعد أن ذكر معركة لا إله إلا الله مع لا إله والحياة مادة، يقول سبحانه: آللَّهُ خَيْرٌ أَم ما يُشْرِكُونَ [النمل:59].

آلله خير أم هذه الآلهة الحقيرة؟

آلله خير أم الطواغيت التي تعلق بها البشر وأحبوها؟ وخاف منها البشر، ورهبوا منها؟

آلله خير أم هذه الأنظمة والكيانات والواجهات السحيقة في الفناء، البعيدة في الخزي، الماثلة في الدمار؟ ثم ترك الإجابة للعقول وحدها لتجيب، ولا يجيب غيرها.......
الله خالق السماوات والأرض

أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ [النمل:60] من الذي يدعي يا بشر؟ من الذي يتكلم يا عالم؟ من الذي ينطق وينسب السماوات والأرض له، من بناها؟ من سَّواها؟ من قومها؟ من عدلها؟

ذلكم الله لا إله إلا هو، كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ [القصص:88].

يقول الله لهارون وموسى: قولا له: يا مجرم, أأنت رفعت هذه؟ أأنت بسطت هذه؟ أأنت أنبت الزهر في الربى؟ أأنت تمتمت الماء في النهر؟ أأنت أرسلت الضياء والسناء والهواء؟.

ولذلك كان جواب موسى متفوقاً، والعجيب أن الملحد هذا الذي يتكرر بالآف في كل قرن، هو الذي بدأ العراك، وهو الذي بدأ الحرب مع موسى في البلاط، فقال: فمن ربكما يا موسى؟

وموسى أتى من الصحراء ما تعلم، ولا قرأ، ولا كتب، وما عنده فن الجدل، ولكن الله قال له: إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى [طه:46] قال أهل العلم: أسمع معك وأرى في الجدال العلمي، والعراك العملي.

قال: فمن ربكما؟

ولو قال موسى: ربي عليم، لقال المجرم: أنا عليم، ولو قال: ربي حكيم، لقال: أنا حكيم , وربما اصطاده، لكنه فر من هذه الإشكالات، وأوقفه مخزياً خاسئاً أمام قدرة الباري، وقال: رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى [طه:50].

من الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى؟

من الذي أخرج الطفل لا يعي، ولا يفهم، ولا يتكلم، ولا ينطق، ولا يمشي، ودله على الثدي، وأخبره أن في الثدي لبناً؟

من الذي أرسل النحلة تجوب القفر والساحة والحديقة، وتأخذ الرحيق إلى الخلية؟

من الذي جعل النملة تدخر قوتها من الصيف إلى الشتاء: الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى [طه:50].

وجعلنا من الماء كل شيءٍ حي

أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً [النمل:60] وقصة الماء يعيشها الإنسان في كل لحظة يشربه، ويغتسل به، ويرى الكائنات تترعرع على الماء، قال تعالى: وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ [الأنبياء:30] ويرى الفلك يبنى على الماء؟ ويرى الأرواح تسبح على الماء، فمن الذي أنزل الماء؟

من الذي جعله سائغاً للشاربين فلم يجعله مالحاً، ولا غائراً، ولا متكدراً؟

ذلكم الله ربي لا إله إلا هو عليه توكلت وإليه أنيب.

إنها محاضرات العقيدة تلقى في كلمات يسيرة، إنها دعائم التوحيد ترسخ في جمل سهلة.

دخل ابن السماك على هارون الرشيد وهارون يحكم ثلاثة أرباع الدنيا، فاستدعى هارون ماءً في كوز ليشرب، قال ابن السماك - الواعظ-: أسألك بالله ألاَّ تشرب حتى أسألك، قال: سل، قال: بالله لو منعوك هذه الشربة، أكنت مفتديها بنصف ملكك؟

قال: إي والله -وإلا فماذا يفيد الإنسان أن يموت وملكه وراءه- فشرب، قال: أسألك بالله لو مُنعْتَ إخراج هذه الشربة، أتخرجها بنصف ملكك؟

قال: إي والله، قال: لا خير في ملك لا يساوي شربة ماء وإخراجها.

يوقف الله العبد أمام الماء الذي يشربه، ليدرس مع الماء من هو الخالق؟ ومن هو الرازق؟ ومن هو الواهب؟

ثم يترك الإجابة.

حدائق ذات بهجة

وينتقل إلى الحدائق.

يقول أحد الفضلاء: مدرسة التوحيد في الحديقة تنبئك عن الخالق الواحد لا إله إلا هو، فالزهر، والشجر، والماء، والبساط السندسي، والعبير كلها تدل على الله، ولكن أسلوب القرآن أخَّاذ ينفذ إلى القلوب، يقول الله تعالى: فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ [النمل:60] بهجة، قالوا: حياة، وقال بعضهم: روعة، وأصاب، وقال بعضهم: منظر حسن، وأجاد، وقال بعضهم: تشكيلة خلقها الله في الكون.

ويقول أحد العصريين: من الذي جعل الألوان تتماوج في الزهرة الواحدة حتى يعجز أعظم فنان في الأرض أن يرسمها، ذلكم الله لا إله إلا هو، الذي جعل الزهرة حمراء بجانب الخضراء والصفراء, أبدع الخلق فلا يتعقب، ثم يقول للكائنات وللناس: هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ [لقمان:11] يقول: هذا خلقي، وهذا صنعي، وهذه قدرتي، وهذه صناعتي، فأروني ماذا أنتج الطواغيت للعالم؟!

يُتَحَدَّون بالذباب والبعوض، فيموت النمرود ببعوض في دماغه فيقتله الله، لأنه أهون من أن يصارع بالجيوش.

ذباب يقف على أنف أبي جعفر المنصور الخليفة السفاك، فيقول أبو جعفر لأحد العلماء: لماذا خلق الله الذباب؟

قال: ليذل به أنوف الطغاة، فسبحان من خلق وأبدع.

قال سبحانه: مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا [النمل:60] تحدٍ صارخ، وتحدٍ سافر للبشرية أن يجتمعوا فيخلقوا شجرة، أإله مع الله؟!

هل هناك أحد يخلق كخلق الله؟

هل هناك قوي كقوة الله، مبدع كإبداعه سُبحَانَهُ وَتَعَالى؟ والجواب معروف، وينتقل متحدياً، ويقول: بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ [النمل:60].

قال أهل السنة : يعدلون به غيره، وهؤلاء خونة الميثاق تجدهم يقرعون أبواب غيره، ولا يقرعون بابه، ويتذللون عند عتبات غيره من المجرمين، ولا يتذللون عند عتبته.

يا رب حمداً ليس غيرك يحمد يا من له كل البرايا تصمد

أبواب كل ملوك الأرض قد وصدت ورأيت بابك واسعاً لا يوصد

الصالحون بنور وجهك آمنوا عافوا بحبك نومهم فتهجدوا

فالله يلومهم يقول: لماذا يعدلون مني إلى غيري؟ ولماذا يطلبون غيري؟

قال وهب بن منبه : قرأت في الحكمة أن الله يقول: (وعزتي وجلالي ما اعتصم بي أحد من خلقي فاجتمعت عليه السماوات والأرض ومن فيهن إلا جعلت له من بينهن فرجاً، وعزتي وجلالي ما اعتصم بي أحد من خلقي، ثم كادت له السماوات والأرض ومن فيهن إلا جعلت له من بينهن فرجاً، ثم قال سبحانه: وعزتي وجلالي ما اعتصم بغيري أحد من خلقي إلا أسخت الأرض من تحت قدميه، وقطعت الحبل بيني وبينه، وأهويته في مكان سحيق) هذه قدرة الله، وهذه قدرة غيره تعالى الله.......

أمن جعل الأرض قراراً

وتستمر الأسئلة والحوار، ويقول: أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَرَاراً [النمل:61] خَلْقُ السماء شيء، وخَلْقُ الأرضِ شيء، ولكن جعل الأرض قراراً شيءٌ آخر لم يدركه العلم إلى الآن، ولا يدري العلم من أين أتت الأرض، وأين كان ترابها وجبالها ووهادها وماؤها؛ هذا سر مكتوم، فمن الذي جعلها قراراً؟

هو الواحد الأحد.

وَجَعَلَ خِلالَهَا أَنْهَاراً [النمل:61] وهذا جمال فني بديع، وهي المفاصل البليغة الأخَّاذة، حينما تقف على الفواصل، قال: وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزاً [النمل:61].

والسلف يرون أن الله حجز بين الماء العذب والمالح بطبقة أرضية تعزل النهر عن البحر، والنهر مرتفع، والبحر منخفض، لأن ماء النهر سلس خفيف، وماء البحر ثقيل غليظ.

وأتى العلم اليوم، وقال: إن قوله سبحانه: وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزاً [النمل:61] أي: في داخل البحور والمحيطات عيون من الماء العذب لا تطغى في المالح، ولا يطغى المالح عليها.

فتوجد في بعض البحار عين تفيض يشرب منها الناس داخل البحر، وبينها وبين الماء المالح طبقة عازلة كثيفة من الماء، الله الذي أوجدها لا غيره، يتحدى بها غيره سُبحَانَهُ وَتَعَالى.......

أإله مع الله؟

قال تعالى: أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ [النمل:61] وأكثر الخليقة مشركون به، فمنهم من يقول: الله ثالث ثلاثة، وهي الأمة الغربية التي صنعت وأبدعت وأنتجت، لكن أخفقت عقولها، وخسف بأبصارها وبصائرها، حتى يقول الله لهم بعد آيات: بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْهَا بَلْ هُمْ مِنْهَا عَمُونَ [النمل:66] ومنهم من يقول: لا إله والحياة مادة، وهم الشيوعيون عليهم غضب الله، ومنهم من عدد الآلهة، وهم: الشرقيون، وعندهم: الظلمة إله الشر، والنور إله الخير.......

مجيب الدعاء

ثم تأتي القارعة، والسؤال الضخم الذي يعرفه الناس، وأقرب من يعرفه الطلاب وهم في قاعات الامتحان، فقد عرفوا هذه الإجابة، وإن لم يعرفوها فسوف يعرفونها في حوادث الزمن، وفي وقائع الدهر.

يقول سبحانه: أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ [النمل:62] والمضطر: هو الذي بلغ به الكرب مبلغاً عظيماً، وهو الذي وقع في ورطة لا يكشفها إلا الله، والمضطر هو الذي أحيط به من كل جانب، وهو من تجمعت عليه المصائب من كل حدب، ومن تقطعت حبال البشر عنه ووسائل الدنيا وقوة الأنظمة، والقوى الأرضية، وبقي وحيداً مضطراً فإلى من يلتجئ؟ من يجيب المضطر؟

أتى أعرابي إلى الرسول عليه الصلاة والسلام اسمه أبو تميمة الهجيمي كما عند أحمد في المسند ، فقال: يا رسول الله! إلى ماذا تدعو؟ قال: أدعو إلى الله أتدري من هو الله؟ -العرب الجاهليون الوثنيون يعرفون أن الله هو الذي خلق السماء، وأوجد الأرض فقط- قال: أتدري من هو الله؟، قال: لا، قال: من إذا أصابك ضر فدعوته كشفه، ومن إذا ضل بعيرك في الصحراء- والبعير عند الأعرابي هو كل شيء- فدعوته رده عليك، ومن إذا أصابك سنة قحط مجدب دعوته فأمطر، هو الله، هذه العقيدة البسيطة السهلة يعرضها عليه النبي عليه الصلاة والسلام.

ومما يذكر في هذا الباب: ما نجَّى الله المضطرين كيونس بن متى صاحب الظلمات الثلاث الذي ما وجد ملتجأً من الله إلا إليه، فر من الله إلى الله، كل شيء تفر منه تبتعد عنه إلا الله، فكلما فررت منه اقتربت إليه، قال تعالى: فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ [الذاريات:50] وكل شيء تقرب منه تأمنه إلا الله، فكلما اقتربت منه خفته، قال تعالى: إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ [فاطر:28].

ووجدها موسى في البحر، يوم اجتمعت عليه القوى الأرضية والطواغيت، فالتجأ إلى الواحد الأحد، فقال: قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ [الشعراء:62] فنجا.

ووجدها إبراهيم قبل أن يدرك النار بدقائق، فقال: حسبنا الله ونعم الوكيل، فنجا.

قال ابن عساكر : خرج رجل من الصالحين التجار في ناحية على بغل، فاعترض له لص فأخرجه إلى الصحراء، وأخرج سكينهُ ليذبحه، فقال للص: أسألك بالله أن تتركني، قال: لا والله، قال: أسألك بالله أن تتركني لأصلي ركعتين لتكون آخر عهدي بالدنيا، قال: قم فصلِّ، فتوضأ الرجل وصلى -وهو مضطر، فمن يدعو؟! أين ملوك الأرض؟ أين القوى؟ أين الأموال؟ أين العشيرة؟ أين الأولاد؟ تبددوا، فقام يصلي- قال: فارتج علي القرآن، فلم أدرك ولا آية إلا قوله سبحانه: أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ [النمل:62] -فهتف من قلبه والقلب له هتاف خالد، وله مناجاة شائقة، والقلب له حديث سمر يعرفه من يعيش المصائب والكوارث، فيجد أن القلب يقفز قفزات إلى الحي القيوم- قال: يا من يجيب المضطر إذا دعاه! يا من يجيب المضطر إذا دعاه -يا من يجيب المضطر إذا دعاه! قال: فإذا بفارس على فرس نزل من السماء، فأرسل خنجراً فقتل السارق، قلت: من أنت؟ قال: أنا رسول من يجيب المضطر إذا دعاه- قال تعالى: وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ [المدثر:31] وهؤلاء الجنود يتكررون، فقد نزلوا في بدر ، وفي أحد ، وفي كل معترك بين التوحيد والإلحاد، وهؤلاء الجنود لله الواحد الأحد ينصر بهم أولياءه-

قال: لما دعوت الدعوة الأولى كنت في السماء السابعة، ولما دعوت الثانية كنت في الرابعة، ولما دعوت الثالثة وصلت إلى الأرض لأقتل هذا المجرم.

أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ [النمل:62] فلا كاشف للبلوى إلا هو، يمرض المريض، وتجتمع عليه الأطباء والدواء والعلاج فلا يشافى، لأن الله ما كتب الشفاء، فإذا كتبه رفع المرض.

تقدم بختيشوع طبيب الناس والعالم في عهد أبي جعفر المنصور وأبو جعفر في سكرات الموت، قال: أنقذني يا بختيشوع ! بعلاج إني أجد الموت، قال: حضر الحق ولا علاج، قيل له: أين دواؤك؟، قال: ينفع أحياناً ولا ينفع أحياناً، قال: ماذا أفعل؟ قال: الطبيب يريد أن يقربك منه، من هو الطبيب؟ الله.

مات المداوي والمداوى والذي صنع الدواء وباعه ومن اشترى

وبختيشوع هذا حضرته سكرات الموت، كان يعالج من القولنج، وهو المرض الخطير، فأصابه الله بمرض القولنج وقد كان تخصصه أن يشفي -بإذن الله- من هذا المرض، فأصابه الله بالمرض نفسه، فجمع العلاج، وقال له الناس: أين علاجك؟ قال: ذهب العلاج ولا علاج.

قل للطبيب تخطفته يد الردى من يا طبيب بطبه أرداكا؟

قل للمريض نجا وعوفي بعدما عجزت فنون الطب من عافاكا؟

الاستخلاف في الأرض

وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ [النمل:62] الأسئلة كثر, تزدحم كالليل أمام الإنسان، فيجيء قرن بعد قرن، قال تعالى: وَسَكَنْتُمْ فِي مَسَاكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ وَضَرَبْنَا لَكُمُ الْأَمْثَالَ [إبراهيم:45] ملوك بعد ملوك، تجار بعد تجار، وصنف بعد صنف، وقوى بعد قوى، وشعوب بعد شعوب، تهلك وتبيد، ويبقى الواحد الأحد, قال تعالى: كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ [القصص:88] يقول ابن بطوطة : زرت تربة في خراسان ، فأخبرت أنه دفن فيها ألف ملك من ملوك الأرض في تلك الناحية, فقال الناظم:
وسلاطينهم سل الطين عنهم والرءوس العظام صارت عظاما -

وبقي الواحد العظيم، ثم قال سبحانه: أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ [النمل:60] ثم ترك الجواب، وقال: قَلِيلاً مَا َتَذَكَّرُونَ [النمل:62] والإنسان بإمكانه أن يعمى إذا أراد أن يعمى، وأن يكابر ربه، وأن ينسى مبدأه، وأن يخون ميثاقه، وأن يتلاعب بأصالته يوم يريد أن يكفر، فينحط إلى درجة الحيوان.

هذه الأسئلة، ولك أنت أن تتأملها في الكون، وفي نفسك، ولك أن تجيب عنها إجابة، أما إجابة اللسان فكل يقول: الله لكن أعمالنا وعقائدنا وأفكارنا ومبادؤنا، لا بد أن نركبها على هذه العقيدة، فلا نخاف إلا الله، ولا نرجو إلا الله، ولا نحب إلا إياه، ولا نعتصم إلا به، ولا نتوكل إلا عليه، ولا نلتجئ إلا إليه، ذلكم الله ربي وربكم فاعبدوه.

هل من خالق غير الله؟ تعالى الله عما يشركون.

لا فراغ عند المؤمن {لا تزول قدما عبدٍ يوم القيامة حتى يسأل عن أربع منها: عمره فيما أفناه } أين أفنى العمر؟

دقات قلب المرء قائلةً له إن الحياة دقائق وثوان

فارفع لنفسك قبل موتك ذكرها فالذكر للإنسان عمر ثان

صحيح أن الأمم التي لا تحمل مبدأ كمبدئنا لها أن تفعل ما شاءت لأنها كفرت بالله، عربدت، وسكرت، وتبرجت، وتمردت، وخسف بمبادئها، وضاعت قيمها، وامتزج حقها بباطلها، وسلخت من كرامتها، ومرغت في التراب، أما وهذه الأمة لا تزال تحمل المبدأ، فإن على العقلاء أن يعوا أن أمامهم فرصة ثمينة للاستفادة من العمر، فسوف يسألون عنه يوم العرض الأكبر، أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ [المؤمنون:115-116].

أعد سهر العيون فكل نومٍ لغيرك أيها المولى حرام

وأسمعني حديث الحب سبعاً رضيت لك السرى والناس ناموا

فقال الإمام أحمد : أجلسوني، قالوا: أنت مريض، قال: لا والله، لا يسأل عن حديث الحبيب، وأنا مضطجع.

وكان الإمام مالك يمشي في الطريق، فسألوه عن حديث، فجلس واستقبل القبلة، وقال: أيسأل عن كلام الحبيب ونحن نمشي، أي: لا نجيب عنه ونحن نمشي، ولذلك رفعهم الله، وعظمهم؛ لأنهم قدسوا دينه فقدسهم الله، وأتى جيل أهانوا دين الله فأهانهم الله، وما أعظم الإهانة التي يتلقاها العالم الإسلامي بسبب عدم توقير مبادئ الله!

هل هناك أعظم إهانة من أن يصبح هؤلاء الثلة من اليهود المردة، أبناء القردة والخنازير الذين طوردوا في العالم، وضرب الله عليهم اللعنة والغضب والمسكنة، ليس لهم حبل مع الشعوب، مطاردون في كل ناحية من أنحاء العالم، طوردوا في بلجيكا ، وطوردوا في سويسرا ، وسحقوا في إنجلترا ، وأحرقوا في ألمانيا ، ثم احتضنهم العالم الإسلامي، والآن يداجيهم ويتنازل لهم ويراضيهم، فهل بعد هذه الإهانة من إهانة؟ بسبب أعمالنا.

ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين.

ربنا إننا سمعنا منادياً ينادي للإيمان أن آمنوا بربكم فآمنا، ربنا فاغفر لنا ذنوبنا وكفر عنا سيئاتنا وتوفنا مع الأبرار.

عباد الله! صلوا وسلموا على الرحمة المهداة، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن سار على منهجه ومنواله إلى يوم الدين.

سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.

A service provided by Al Bawaba