مدونة خاصة لنشر المقالات والخواطر الخاصة بالمدون وذكرياته وعامة لنشر المقالات التي يكتبها في فروع المعرفة التي يهتم بها خاصة اللسانيات والدراسات القرءانية المعاصرة
الملاحظ أن المستفتين يسألون في مجالات كثيرة تشمل الشعائر والأخلاق والثقافة والسلوك. وتكثرالأسئلة في الأمور الخاصة وتقل في مجال المعرفة العلمية وبالطبع السياسية.وعلى امتداد رقعة الوطن العربي تسود ثقافة التحريم ولذلك نرى أن جل – إن لم يكن كل– المستفتين يسألون عن الحرام والحلال ليس لمعرفة الحكم المقرر بل لمعرفة رأي جديد وكأن الحرام مثل النهي ليس مؤبداً في الزمان والمكان.
ولكنالأهم أن نسأل لماذا يسأل الناس هذه الأسئلة المكررة والساذجة عن أشياء وأحكام يفترض أن تكون معلومة ومعروفة بين ملة المسلمين ومنها ما يتعلق بالشعائر كالصلاة والصيام ومنها ما يتعلق بالأحكام كالطلاق؟
ولماذايجيب المفتون عن كل الأسئلة سواء كان السؤال في الطبيعة أو في الشريعة وكأنهم مطلعون على كل العلوم، فانعدم من يقول لا أدري وقلَّ من يقول الله أعلم؟
ولماذاتكون الإجابات سطحية تدل على عدم الكفاءة العلمية و عامة تدل على عدم معرفة خصوصية الزمان والمكان في تحديد نوع الإستشارة عند الإنسان؟
الفتوى والإستشارة
الفتوى أو الإستشارة ظاهرة إنسانية منتشرة فيكل بقاع المعمورة ولكنها منضبطة ويقوم بها متخصصون في كل المجالات ويضرب السائل مع من يريد أو يحتاج من هؤلاء المتخصصين ميعاداً محدداً ليسمح للمختص بدراسة الحالة من كل جوانبها ليكون النقاش بين الجانبين مثمراً ومفيداً لكليهما في عملية تعلم متبادل.
والفتوى أو الإستشارة من حيث مجالها قد تكون في حقل القانون أو الطبابة أو الدين أو غيره مما يستدعي وجود المتخصصين في هذه المجالات.ودائرة الإستشارة قد تكون جزءا من أية مؤسسة كماهو الحال في العالم الغربي، مثل الجامعات والمؤسسات والكنائس وربما المساجد.
قد يعترض البعض بأن الفتوى تختلف عن الإستشارة في أن الفتوى أمر ديني يسعى من خلاله المتدين إلى ترقية تدينه والإستشارة تكون في أمور الدنيا ولكن هذا الإعتراض يجزئ الدين.فالدين نظام قيم (الدينالقيِّم)متكامل يشمل مجالات الإيمان والعلم والعمل في تأثير وتأثر متبادل بين هذه المجالات.
وحتى لو كان هذا الإعتراض صحيحاً فهو لا يبرر أن تكون الأسئلة مكررة وساذجة وعابرة للقارات ومتخطية لخصوصية السائل في سلبية أولى تتلوها سلبية أخرى هي انحصار معظم الأسئلة في الأحكام والشعائر وسلبية ثالثة هي مايتصف به معظم المفتين أو المجيبين في أنهم يرسلون في أحايين كثيرة كلاماًعاماً يخلو من الجهد والأدلة و المنطق ويتصف بالفوقية وعبارات افعل ولا تفعل مع أن الفتوى أو الإستشارة غير ملزمة أصلا.
الفتوى مؤسسة للترقية
من المؤسف أن المسلمين في غالبيتهم أميون سواء كانت هذه الأمية خطية أو ثقافية ولايعرفون أنهم اتخذوا القرآن مهجوراً (لم نهجره بل اتخذناه مهجورا).والأمية الخطية ليست مشكلة كبيرة بل الأسوأ هو أمية من احتكروا مصطلح العلماء أو الفقهاء ليقيدوه عند الذين يدرسون جزءا من التراث ولم يتدربوا على طرق الإبداع في العلومالإنسانية.
وعلاج هذا الواقع معقد ومتشعب ويهمنا منه مايتعلق بنظام الفتوى والإستشارة.إذ في مقدور نظام الفتوى أن يساهم في تطوير نفسه ليكون واحدا من آليات العلاج المتعددة.وهنا نقاش لقليل من عناصر نظام الفتوى.
أولا-يفترض في المسلم أن يكون عارفاً بما جاء في القرءان العظيم عن الحرام و المحرمات؛ إذ أن المحرمات مفصلة في القرءان العظيم وواضحة ولا تحتاج إلا إلى قليل من المدارسة فيالأسرة أو المدرسة أو حتى في اللقاءات العادية.ووظيفة المفتين هي تذكير السائلين -إن استدعى الأمر -أن المحرمات محدودة ومحددة في القرءان و لا تحتاج إلى زيادة أو نقصان.ولكنالمشكلة هي أن معظم من يفتون في القنوات الفضائية والمواقع الإلكترونية لا يعرفون (نظريةالنهي و التحريم في القرءان العظيم)ونتيجةلجهلهم الفرق بين تحريم (الله والرسول)ونهي الله ونهي النبي ونهي الناس (خاصة الفقهاء والمشرعين منهم)فإنهم يخبطون خبط العشواء في الليلة الظلماء مثل من "حرم"منذ سنوات قليلة زواج المسلم (يقصدبه السني)من المرأة الشيعية لأنها كافرة والأمثلةكثيرة ومؤلمة.هذه المعرفة سوف تساهم في تلاشي ثقافة التحريم التي تجعل المسلم يسأل عن حكم الجديد دون أن يختبر وظائفه.
ثم على المسلم أن يعرف أن الفتوى والإستشارة هي في مجالات المباح أو المسموح في الحياة وليس في مجال الحرام وذلك بتوضيح الإمكانيات المتاحة ليتمكن الإنسان من زيادة مساحةحركته في الحياة.وبالتاليفالواجب يحتم أن يتلقى من يقوم بالفتوى أو الإستشارة دراسة شاملة ودريباً جيداً في المنهاجالتوحيدي لتدبر القرءان العظيم وفهمه وفيكيفية التعامل مع الحياة في شروطها الزمانية والمكانية وتأثيرها على الإنسان مجتمعاً وفردا.
ثانيا-معظم من يتصدون لهذه الإستشارات هم خريجوالمؤسسات الدينية العتيقة التي يظلمها نظام القبول للتعليم العالي بتغذيته لها بالطلاب ذوي الدرجات العلمية المتوسطة او المتدنية.والظلمالثاني الذي يتعرض له هؤلاء المفتون هو أنهم لا يعرفون كثيراً عن العلوم السلوكية والنفسية والإجتماعية التي لها الدور الأسمى في دراسة حالة المستفتي أو المستشير، وحتى لو قامت هذه المؤسسات العتيقة في مناهجها بتدريس هذه المواد فإنها لا تربط بين هذه العلوم وترقية حياة الإنسان.والمشكلة أساساً هيفي النظام والمنهاج الذي تؤسس عليه هذه المؤسسات بحيث أن أحدثها مثل جامعة القرءان في السودان لا تختلف عن الزيتونة أو الأزهر مثلا.وعليه فيجب إصلاح هذه المؤسسات بأن يتولى المجتمع والدولة توجيه جزء من الطلاب ذوي الدرجات العلمية المرتفعة للدراسة في هذه المؤسسات بعد إصلاحها نظاماً ومنهاجاً وأن يكون هؤلاء الطلاب ممن يتمتعون بروح نقدية عالية ويحبون دراسة العلوم الإنسانية ذات التأثير الأكبر في حياتنا.أما تجديد المناهج (بعدإصلاح المناهيج)وربطها بالحياة وعزلها من سطوة الفكر الآبائي فهو حجر الزاوية في عملية الإصلاح التي أصبحت ضرورة ملحة.ومن ثم يمكننا أن نرى أثر المفتين المتخرجين من هذه المؤسسات في حياتنا.
ثالثا-يقل بين من يتصدون للإفتاء والإستشارات معرفة اللغات الأجنبية أو معرفة تاريخ وحضاراتالشعوب الأخرى رغم أنهم يجيبون عن أسئلة تردهم من مسلمي هذه الشعوب في أوروبا وأمريكا وآسيا ولا يدرسون جزءا من العلومالطبيعية (عالمالخلق)التي تتبادل التأثير والتأثر مع العلوم الشريعية(عالمالأمر)في ترقية حياة الإنسان في هذا العصر الإتصالي العولمي.وهم لا يدرسون كل ذلك لأن المناهج العتيقة للدراسة في هذه المؤسسات قاصرة فقط علىتدريس التراث البشري في فهم النص الدينيولا توجد مناهج لتعليم الدارس كيفية فهم الوثيقة الدينية حسب الزمان والمكان الخاص بالإنسان في سيرورته وصيرورته رغم التكرار الممل أن الوثيقة الدينية صالحة لكل زمان ومكان.ومن يتخرجون في هذه المؤسسات هم في الحقيقة علماء مذاهب وليسوا علماء دين حيث أنالدراسة في كل هذه المؤسسات من المغرب وحتى ماليزيا لا تخرج عن التراث الآبائي المذهبي.
وعليه-رابعا-أن يعاد النظر في دوائر الإستفتاء من حيث النظام والمنهاج والمنهج كأن تلحق بمؤسسات متخصصة تربط الفتوى بشؤونها، وتوفير كفاءات لها تتمتع بنظرة شاملة للدين في أبعاده الإيمانية والعلمية والعملية، ونظرة أخرى نقدية لما يسود بيننا من علوم دينية زائفة حولت الإيمان إلى "عقيدة"والعلم إلى "خرافة"وفرغت العمل من فاعليته.وإذا آمنت الكفاءات الجديدة بالتعلم المستمروبالشورى، فقد تصبح الفتوى استشارة مجدية تفيد السائل في تحديد الإمكانيات المتاحة أمامه في المجال الذي يسأل فيه مما يسمح له بترقية حياته في هذه الحياة الدنيا استعدادا لملاقاة الملائكة فرداً حين يموت ولملاقاة الله فرداً يوم القيامة.
والله أعلم.