مدونة خاصة لنشر المقالات والخواطر الخاصة بالمدون وذكرياته وعامة لنشر المقالات التي يكتبها في فروع المعرفة التي يهتم بها خاصة اللسانيات والدراسات القرءانية المعاصرة
إقترانات الكتاب
إقترن الكتاب بالأصوات المفردة في أوائل بعض السور عبر أسماء إشارة معينة مثل ’ذلك’ التي قرنت الكتاب بالأصوات (ألم) في أول البقرة ومثل ’تلك’ التي قرنت بين (حم) وتنزيل الكتاب في ست سور من الحواميم السبعة. وإقتران الكتاب بالأصوات المفردة يحتاج إلى دراسة تدبرية إحصائية إستقصائية.
وإقترن الكتاب بأفعال معينة مثل أتى وأنزل ونزَّل مثل كتاب موسى المقترن دائماً بالفعل (آتينا) ومن الطريف أن هناك بعض الآيات التي تنبِّه إلى الفرق بين الكتاب المقترن بالإنزال والكتاب المقترن بالتنزيل كالآية 136 من سورة النساء < يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ آمِنُواْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِيَ أَنزَلَ مِن قَبْلُ وَمَن يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً بَعِيدًا >. وإقتران الكتاب بأفعال معينة يحتاج إلى دراسة تستصحب بعض المفيد الذي كتب وتتدبر القرءان مباشرة.
وإقترن الكتاب أيضاً بأسماء وصفات مثل المركبات المختلفة التي دخل فيها لفظ الكتاب مضافاً إليه (مركب إضافي) أو منعوتاً (مركب نعتي) أو مضافاً إليه منعوتاً (مركب إضافي نعتي) وهذه هي المركبات المقصودة.
أ. الكتاب في مركب إضافي: {أهل الكتاب، أم الكتاب، ميثاق الكتاب، تفصيل الكتاب، آيات الكتاب، علم الكتاب، تنزيل الكتاب}.
ب. الكتاب في مركب نعتي: {الكتاب المنير، الكتاب المستبين، الكتاب المبين}.
ت. الكتاب في مركب إضافي نعتي: {آيات الكتاب الحكيم، آيات الكتاب المبين}.
ودعونا نرى إقترانات مركب واحدٍ من هذه المركبات وهو (أهل الكتاب).وتعالوا أيها القراء الكرام ننظر كيف تحدث القرءان العظيم عن أهل الكتاب وما هي المجموعات الجزئية التي تندرج تحت هذا المركب الفريد (أهل الكتاب)وهل وصفت كلها بالكفر أم بعضها.وهذا يعني أننا لن نتعرض لمجموعات أخرى قد تتقاطع أو تتعالق مع مجموعة أهل الكتاب بإقتران لفظ الكتاب مثل الذين أوتواالكتاب والذين آتيناهم الكتاب أو مجموعات منتشرة بين أهل الكتاب مثل أهل الإنجيل واليهود والنصارى. وإلى الحلقة القادمة في بداية رحلتنا مع أهل الكتاب ومجموعاتهم.

القرءان العظيم ميسًّر للذكر في أعماقٍ مختلفة لكل فردٍ أو فئة أو زمرة أو مجموعة من الناس سواء المؤمنين به أو غير المؤمنين، إذ أنه خطاب لكل العالمين ومن ضمنهم الناس. وإذا كان بعض القراء يحبون ذكر الأمثلة فإن الراعي يفهم من القرءان ما يكفيه والمتخصص في حقل من حقول العلم ومنها العلوم القرءانية يفهم ما يكفيه أو ما يبحث عنه. وذكرت الراعي ليس لأنه أقل الناس فهماً وإنما هكذا درج الناس عندنا على تمثيل الأدنى في الفهم بالراعي وأهل مصر يمثلون بالبواب. والراعي بريء من هذه التهمة وأقول ذلك عن تجربة لأني كنت راعياً وقد عرفت رعاةً في سهل البُطانة السوداني على قدر من المعرفة التي لا تتوفر لكثير من الدارسين، فقد حفظت في طفولتي سورة التين والزيتون من أحدهم ـ أحمد محمد أحمد تِرفُوب جزاه الله خيراً ـ وما زلت أرددها حتى الآن متنغِّماً بها وفاءً وذكرى لذلك الراعي الحكيم. وتعلمت من أحدهم أيضاً وأنا في بداية التعليم الإبتدائي عناصر كتابة أي موضوع وأذكر أنه ذكر لي المقدمة باسم (براعة الاستهلال) وشرحها لي وما زلت أتذكر المكان والزمان الذي تقابلنا فيه في وادٍ يجري سيله في الخريف والشمس تميل إلى المغيب والغابة تحفُّنا بكل حُنُوٍّ تجود به الطبيعة. أما العوض أحمد كَنًّان عليه رحمة الله فقد تعلمت منه كيفية صلاة العيد إذ فاجأني بها وأنا لا أعرف أن عيد الأضحى قد حلّ في ذلك العمر الغض في طفولتي وكنا نمتطي جمالاً لنا في تلك الأرض الخضراء الآمنة وأتذكر تلك الصلاة التي كان فيها ذلك الراعي إماماً ونحن وحدنا تماماً في مكان لا يوجد فيه بشر ولم ننضم إلى جموع الناس إلا في خاتمة ذلك اليوم الذي تعلمت فيه تطبيقاً مارسته يوماً بعد سنوات طويلة لإمامة صلاة عيد الأضحى على الحدود السويسرية الألمانية. هؤلاء الرعاة يعرفون من القرءان ويفهمون ربما أكثر بكثير من دارسين وخريجين.
ومواقف الرعاة مع القرءان العظيم قد أشجنت فيّ تلك الذكريات العزيزة لطفولتي التي رضعت فيها حب اللغة والشعر وخاصة الدُوبِيت (تقرأ بإمالتين مثل رواية الدوري) وهو نوع من الشعر السوداني الخالص بعربية فصيحة وتأثير أندلسي على ما أظن وكان ذلك مع والدي عليه رحمة الله الذي علَّمني في فيافي المراعي حروف الهجاء على الطريقة الألفبائية وليس الهجائية كأحسن ما يكون التعليم المتكامل الذي يعلمك دَفْعةً واحدة الصوت وحركته القصيرة والطويلة وهي الطريقة التي يتعلم بها طلاب الخَلوة (المحظرة في موريتانيا والكُتاب في مصر) حتى الآن. وقبل أن أترك ذكر الرعاة والقرءان فقد سمَّعت (قرأت حفظاً) جزء عَمَّ على يد راعي البقر الذي كان يرعى بقر القرية كله وكان أرترياً أو حبشياً والذي لا أعلمه حتى هذه اللحظة كيف تعرف عليه والدي وكيف عرف أنه يحفظ القرءان فجاء به لأسمِّع على يديه جزء عم في يوم ما زال محفوراً في ذاكرتي وأنا الذي كنت أتوقع أن يكون تسميعي على يد خالي الإمام الفكي امحمد الحافظ للقرءان ويتلو منه كل يومٍ جزءاً (يسميه غرفة). جزي الله ذلك الراعي خيراً وغفر له ولوالدي ولخالي ولنا ولكم.
نرجع بعد هذه السًّرْحَة (وهي لفظة تمتد دلالتها أيضاً إلى الرعي) وأقول أن القرءان أعماقه متعددة ويمكن لكل مسلم أن يأخذ منه بقدر جِدِّه واجتهاده ولا يحتاج إلى كتابات العلماء الأكابر المعاصرين مثل محمد أبو القاسم حاج حمد ومحمد شحرور وعدنان الرفاعي وحسن الترابي وصبحي منصور وسُبيط النيلي وتوشيهيكو إيزوتو وسليمان آتش وعبد الحميد الفراهي وأمين أحسن إصلاحي وتحية عبد العزيز إسماعيل وغيرهم كثير ولكن انتبه أيها القاريء العزيز أن هؤلاء يساعدونك في تعبيد (ما علاقتها بالعبودية، ذلك اللفظ التاريخي؟) الطريق وزيادة التسارع في التطور تقدُّماً وإختصار المسافات ولك الحرية في أن تستفيد منهم أو من أحدهم أو أن ترفضهم.
والذين يتحدثون عن سهولة فهم القرءان فَهُم يتحدثون في الغالب عن الطبقة الأولى السطحية التي غالباً ما تكفي معظم الناس ولكن ما المانع أن يغوص بعضنا إلى طبقاتٍ أعمق بمناهج تدبر ينبجس منها فهمٌ جديد يكون في متناول اليد لمن أراد وشاء.
ومناهج التدبر عديدة بيد أني أرى ـ وأرجو أن أكون مصيباً ـ أن (فقه اللسان) هو حجر الزاوية بلغة أهل المعمار في بناء كل المناهج التدبرية واللسان أعمق في معناه مما يتبادر إلى أفهامنا لأنه هو الرابط بين العلامة واللهجة واللغة والأسلوب إذ أنه في المقام الأول برنامج زرعه الله سبحانه وتعالى في كلٍّ منَّا ومثله مثل أي برنامج Sotfware (وأقول مثله وليس هو) يحتاج إلى تفعيل يبدؤه الطفل في مراحله الأولى. وهذا البرنامج يتعرًّض إلى تشويه عند من يدرسون مناهجنا الدراسية في العالم العربي ومن ينظرون كثيراً في المعاجم العربية إعتقاداً منهم في صِحَّتِها الكاملة وقد حمى الله أولئك الناس الذين نسميهم العامة من معظم هذا التشويه وهم غالباً على فطرة هذا البرنامج اللساني الرباني متتبعين معاني الجذور الأولى في إشتقاق ألفاظهم الجديدة التي يفرضونها على مجامع اللغة الحية في كل بلاد الدنيا والميتة فقط في عالمنا العربي. أنظر عزيزي القاريء المحب لضرب الأمثلة إليهم كيف أنهم اشتقوا لفظة التعشيق في السيارة من العشق في معناه الأصلي، التشبيك، قبل أن يطلق على تشابك مشاعر الحبيبين وقد يشتقون صياغة أخرى من هذا الجذر إذا جاءهم شيء أو مفهوم تتماثل حركة دلالته مع حركة دلالة العشق في أحد اتجاهاتها. ولذلك أري أحياناً أن لسان العامة يمكن أن نفهم به القرءان أكثر بكثير من اللغة التي سجلتها المعاجم، وخبرتي تنحصر أساساً في اللسانين العاميين السوداني والمصري مع معرفة قليلة ببقية الألسنة العامية الأخرى وأقول مطمئناً أن الناس في الوطن العربي يتكلمون المعاني غالباً على فطرتهم إلا من تشويه قليل جاءهم من ألسنة وسائط التعليم والإعلام. وللعالم الجليل عبد الله الطيب رحمه الله تدبر كامل للقرءان العظيم بلسان العامة ألقاه على الجمهور السوداني الذي تفاعل معه حتى اكتمل في الإذاعة السودانية.
وأظن أنه قد آن الأوان للبدء في تأسيس علم اللسان القرءاني الذي يهتم بكل مستويات المسلمين (والناس) من أقلهم حظاً في الإبداع (إبداع عادي في الحياة) إلى العلماء منهم ليأخذ كل واحد منهم من العمق الذي يناسبه في فهم القرءان العظيم. والتدبر المقصود هنا يهتم بربط عالم الخلق بعالم الأمر وزيادة الإيمان بأهمية الإبداع بمعناه الشامل، هذا المعنى الذي أبدع فيه الدكتور يحيى الرخاوي وهو بالمناسبة كان أستاذي في كلية طب القصر العيني. والمؤمل أن يؤدي هذا المنهج مع غيره إلى إيضاح الطريق الإلهي للهدى الذي عاقبته التقوى بتوضيح أعماق جديدة للقرءان العظيم الذي لن نلم بكل أعماقه ولن نصل لتأويله الكامل. والله أعلم.
والسلام خير ختام.
الملاحظ أن المستفتين يسألون في مجالات كثيرة تشمل الشعائر والأخلاق والثقافة والسلوك. وتكثرالأسئلة في الأمور الخاصة وتقل في مجال المعرفة العلمية وبالطبع السياسية.وعلى امتداد رقعة الوطن العربي تسود ثقافة التحريم ولذلك نرى أن جل – إن لم يكن كل– المستفتين يسألون عن الحرام والحلال ليس لمعرفة الحكم المقرر بل لمعرفة رأي جديد وكأن الحرام مثل النهي ليس مؤبداً في الزمان والمكان.
ولكنالأهم أن نسأل لماذا يسأل الناس هذه الأسئلة المكررة والساذجة عن أشياء وأحكام يفترض أن تكون معلومة ومعروفة بين ملة المسلمين ومنها ما يتعلق بالشعائر كالصلاة والصيام ومنها ما يتعلق بالأحكام كالطلاق؟
ولماذايجيب المفتون عن كل الأسئلة سواء كان السؤال في الطبيعة أو في الشريعة وكأنهم مطلعون على كل العلوم، فانعدم من يقول لا أدري وقلَّ من يقول الله أعلم؟
ولماذاتكون الإجابات سطحية تدل على عدم الكفاءة العلمية و عامة تدل على عدم معرفة خصوصية الزمان والمكان في تحديد نوع الإستشارة عند الإنسان؟
الفتوى والإستشارة
الفتوى أو الإستشارة ظاهرة إنسانية منتشرة فيكل بقاع المعمورة ولكنها منضبطة ويقوم بها متخصصون في كل المجالات ويضرب السائل مع من يريد أو يحتاج من هؤلاء المتخصصين ميعاداً محدداً ليسمح للمختص بدراسة الحالة من كل جوانبها ليكون النقاش بين الجانبين مثمراً ومفيداً لكليهما في عملية تعلم متبادل.
والفتوى أو الإستشارة من حيث مجالها قد تكون في حقل القانون أو الطبابة أو الدين أو غيره مما يستدعي وجود المتخصصين في هذه المجالات.ودائرة الإستشارة قد تكون جزءا من أية مؤسسة كماهو الحال في العالم الغربي، مثل الجامعات والمؤسسات والكنائس وربما المساجد.
قد يعترض البعض بأن الفتوى تختلف عن الإستشارة في أن الفتوى أمر ديني يسعى من خلاله المتدين إلى ترقية تدينه والإستشارة تكون في أمور الدنيا ولكن هذا الإعتراض يجزئ الدين.فالدين نظام قيم (الدينالقيِّم)متكامل يشمل مجالات الإيمان والعلم والعمل في تأثير وتأثر متبادل بين هذه المجالات.
وحتى لو كان هذا الإعتراض صحيحاً فهو لا يبرر أن تكون الأسئلة مكررة وساذجة وعابرة للقارات ومتخطية لخصوصية السائل في سلبية أولى تتلوها سلبية أخرى هي انحصار معظم الأسئلة في الأحكام والشعائر وسلبية ثالثة هي مايتصف به معظم المفتين أو المجيبين في أنهم يرسلون في أحايين كثيرة كلاماًعاماً يخلو من الجهد والأدلة و المنطق ويتصف بالفوقية وعبارات افعل ولا تفعل مع أن الفتوى أو الإستشارة غير ملزمة أصلا.
الفتوى مؤسسة للترقية
من المؤسف أن المسلمين في غالبيتهم أميون سواء كانت هذه الأمية خطية أو ثقافية ولايعرفون أنهم اتخذوا القرآن مهجوراً (لم نهجره بل اتخذناه مهجورا).والأمية الخطية ليست مشكلة كبيرة بل الأسوأ هو أمية من احتكروا مصطلح العلماء أو الفقهاء ليقيدوه عند الذين يدرسون جزءا من التراث ولم يتدربوا على طرق الإبداع في العلومالإنسانية.
وعلاج هذا الواقع معقد ومتشعب ويهمنا منه مايتعلق بنظام الفتوى والإستشارة.إذ في مقدور نظام الفتوى أن يساهم في تطوير نفسه ليكون واحدا من آليات العلاج المتعددة.وهنا نقاش لقليل من عناصر نظام الفتوى.
أولا-يفترض في المسلم أن يكون عارفاً بما جاء في القرءان العظيم عن الحرام و المحرمات؛ إذ أن المحرمات مفصلة في القرءان العظيم وواضحة ولا تحتاج إلا إلى قليل من المدارسة فيالأسرة أو المدرسة أو حتى في اللقاءات العادية.ووظيفة المفتين هي تذكير السائلين -إن استدعى الأمر -أن المحرمات محدودة ومحددة في القرءان و لا تحتاج إلى زيادة أو نقصان.ولكنالمشكلة هي أن معظم من يفتون في القنوات الفضائية والمواقع الإلكترونية لا يعرفون (نظريةالنهي و التحريم في القرءان العظيم)ونتيجةلجهلهم الفرق بين تحريم (الله والرسول)ونهي الله ونهي النبي ونهي الناس (خاصة الفقهاء والمشرعين منهم)فإنهم يخبطون خبط العشواء في الليلة الظلماء مثل من "حرم"منذ سنوات قليلة زواج المسلم (يقصدبه السني)من المرأة الشيعية لأنها كافرة والأمثلةكثيرة ومؤلمة.هذه المعرفة سوف تساهم في تلاشي ثقافة التحريم التي تجعل المسلم يسأل عن حكم الجديد دون أن يختبر وظائفه.
ثم على المسلم أن يعرف أن الفتوى والإستشارة هي في مجالات المباح أو المسموح في الحياة وليس في مجال الحرام وذلك بتوضيح الإمكانيات المتاحة ليتمكن الإنسان من زيادة مساحةحركته في الحياة.وبالتاليفالواجب يحتم أن يتلقى من يقوم بالفتوى أو الإستشارة دراسة شاملة ودريباً جيداً في المنهاجالتوحيدي لتدبر القرءان العظيم وفهمه وفيكيفية التعامل مع الحياة في شروطها الزمانية والمكانية وتأثيرها على الإنسان مجتمعاً وفردا.
ثانيا-معظم من يتصدون لهذه الإستشارات هم خريجوالمؤسسات الدينية العتيقة التي يظلمها نظام القبول للتعليم العالي بتغذيته لها بالطلاب ذوي الدرجات العلمية المتوسطة او المتدنية.والظلمالثاني الذي يتعرض له هؤلاء المفتون هو أنهم لا يعرفون كثيراً عن العلوم السلوكية والنفسية والإجتماعية التي لها الدور الأسمى في دراسة حالة المستفتي أو المستشير، وحتى لو قامت هذه المؤسسات العتيقة في مناهجها بتدريس هذه المواد فإنها لا تربط بين هذه العلوم وترقية حياة الإنسان.والمشكلة أساساً هيفي النظام والمنهاج الذي تؤسس عليه هذه المؤسسات بحيث أن أحدثها مثل جامعة القرءان في السودان لا تختلف عن الزيتونة أو الأزهر مثلا.وعليه فيجب إصلاح هذه المؤسسات بأن يتولى المجتمع والدولة توجيه جزء من الطلاب ذوي الدرجات العلمية المرتفعة للدراسة في هذه المؤسسات بعد إصلاحها نظاماً ومنهاجاً وأن يكون هؤلاء الطلاب ممن يتمتعون بروح نقدية عالية ويحبون دراسة العلوم الإنسانية ذات التأثير الأكبر في حياتنا.أما تجديد المناهج (بعدإصلاح المناهيج)وربطها بالحياة وعزلها من سطوة الفكر الآبائي فهو حجر الزاوية في عملية الإصلاح التي أصبحت ضرورة ملحة.ومن ثم يمكننا أن نرى أثر المفتين المتخرجين من هذه المؤسسات في حياتنا.
ثالثا-يقل بين من يتصدون للإفتاء والإستشارات معرفة اللغات الأجنبية أو معرفة تاريخ وحضاراتالشعوب الأخرى رغم أنهم يجيبون عن أسئلة تردهم من مسلمي هذه الشعوب في أوروبا وأمريكا وآسيا ولا يدرسون جزءا من العلومالطبيعية (عالمالخلق)التي تتبادل التأثير والتأثر مع العلوم الشريعية(عالمالأمر)في ترقية حياة الإنسان في هذا العصر الإتصالي العولمي.وهم لا يدرسون كل ذلك لأن المناهج العتيقة للدراسة في هذه المؤسسات قاصرة فقط علىتدريس التراث البشري في فهم النص الدينيولا توجد مناهج لتعليم الدارس كيفية فهم الوثيقة الدينية حسب الزمان والمكان الخاص بالإنسان في سيرورته وصيرورته رغم التكرار الممل أن الوثيقة الدينية صالحة لكل زمان ومكان.ومن يتخرجون في هذه المؤسسات هم في الحقيقة علماء مذاهب وليسوا علماء دين حيث أنالدراسة في كل هذه المؤسسات من المغرب وحتى ماليزيا لا تخرج عن التراث الآبائي المذهبي.
وعليه-رابعا-أن يعاد النظر في دوائر الإستفتاء من حيث النظام والمنهاج والمنهج كأن تلحق بمؤسسات متخصصة تربط الفتوى بشؤونها، وتوفير كفاءات لها تتمتع بنظرة شاملة للدين في أبعاده الإيمانية والعلمية والعملية، ونظرة أخرى نقدية لما يسود بيننا من علوم دينية زائفة حولت الإيمان إلى "عقيدة"والعلم إلى "خرافة"وفرغت العمل من فاعليته.وإذا آمنت الكفاءات الجديدة بالتعلم المستمروبالشورى، فقد تصبح الفتوى استشارة مجدية تفيد السائل في تحديد الإمكانيات المتاحة أمامه في المجال الذي يسأل فيه مما يسمح له بترقية حياته في هذه الحياة الدنيا استعدادا لملاقاة الملائكة فرداً حين يموت ولملاقاة الله فرداً يوم القيامة.
والله أعلم.