»
14 تشرين اول, 2011
الأم الدرع البشري الحنون ---- يوميات شاب من فلسطين
بسم الله الرحمن الرحيم
الأم الدرع البشري الحنون
يوميات شاب من فلسطين
أحمد صلاح الوادي
2011
في اليوم الثامن والعشرين من شهر شباط عام ألف وتسعمائة وخمسة وأربعين ميلادية ، رزقت أم أحمد بمولود ذكر بعد ابنتين ، كانتا قد سبقتاه إلى الحياة ، إلا إنه سبقهما بالتربع على كنية أمه به ، على عادة العرب ، حيث يكنون أنفسهم بأسماء أبنائهم الذكور ، إلا ما ندر وشذ عن هذه القاعدة ،أما كنية الأب فكانت (أبو عبد الله ) اسم ابنه الأكبر من زوجة سابقة . كانت الحياة تسير رتيبة عادية هانئة ، اعتادها الناس ورضوا باليسير من الطعام والكساء ، ينتجون معظم طعامهم بأيديهم ، تكفيهم وحيواناتهم على مدار أيام السنة، يزرعون القمح والشعير والذرة والسمسم ، فيأكلون مما رزقهم الله منها على مدار السنة ، ويدخرون ما زاد عن حاجتهم حبا في (خوابي) كبيرة ، لها أشكال جميلة ، مصنوعة من الطين ، لها فتحات كبيرة من الأعلى لصب الحبوب بها ، وفتحات ضيقة من الأسفل لتفريغ الحبوب وقت الحاجة إليها ، حيث يطحنون بمقدار حاجتهم أولا بأول. أما الخضروات فكانت تزرع في ( مقاثي ) ، والمقثاة مساحة صغيرة من الأرض يزرع فيها الفلاحون الخضار مثل البندورة والبامية والكوسا والملوخية وغيرها ، كان غالبيتهم لا يبيع ويشتري مثل هذه الحاجات من الخضروات ، وإنما كان يتم تبادلها فيما بينهم بالمجان ، ومن ليس عنده مقثاة ، يأخذ ما يحتاج إليه من أقرب مكان إليه ، ويتم ذلك بدون مَنِ مِن أحد ولا حرج. أما البساتين والجنائن فكان يزرع بها الأشجار المثمرة كالتين والخوخ والرمان والعنب وغيرها ، أما (البيارات) وهي الجنائن ذات المساحات الواسعة فكان يزرع بها أشجار الحمضيات كالبرتقال والليمون وغيرها ، وكان غالبا ما يملك هذه البيارات أصحاب رؤوس الأموال من العائلات الكبيرة المشهورة في فلسطين . عاش أهلنا في فلسطين سنين طويلة هانئين مرتاحي البال لم ينغص حياتهم مدع، ولا يكدر عيشهم دخيل، حتى كان هذا التآمر البغيض ، والتواطؤ الدنيء بين قوى الشر الغاشمة ، الحكومة البريطانية من جهة والعصابات الصهيونية من جهة أخرى وكانت حكومة الانتداب البريطاني مكلفة للإشراف على فلسطين حسب اتفاقية سايكسبيكو بين الفرنسيين والبريطانيين بعد هزيمة الدولة العثمانية ، لرعاية شؤونها وتنميتها وعمارتها ، وليس لاستعمارها بكل ما تحمله هذه الكلمة من معنى بغيض في نفوس غالبية الناس، فقد خانت هذه الدولة الأمانة الموكلة بها ، فجعلت من فلسطين لقمة سائغة للعصابات الصهيونية ، فأثناء انتدابها على فلسطين سمحت لليهود بالهجرة إلى فلسطين ، وأمدتهم بالأسلحة ودربتهم في معسكراتها ، وتوجت كل فضائحها هذه بإصدارها وعد بلفور في الثاني من تشرين الثاني عام 1917م ، والذي خلاصته : ” إن حكومة جلالة الملكة تنظر بعين العطف إلى الأماني الصهيونية بإقامة دولة لهم في فلسطين ......مع الحفاظ على حقوق العرب الذين يعيشون في فلسطين " . وخير ما قيل في هذا الوعد المشئوم ، ما قاله الزعيم الراحل – المرحوم بإذنه تعالى – جمال عبد الناصر " لقد أعطى من لا يملك حقا لمن لا يستحق" . ولقد شعر أهل فلسطين بأطماع الصهاينة قبل صدور هذا ا الوعد ، فقاوموا بكل ما استطاعوا من قوة ، وأخذوا يعدون العدة ، فكانت ثورة البراق عام 1929م ، سقط فيها عدد من الشهداء الفلسطينيين وعدد من القتلى الإسرائيليين ، وكانت الثورة والإضراب العام عام 1936 ، وانتشرت قوات الثوار في الجبال والكهوف في جميع أنحاء فلسطين ، رغم محاولة القوات البريطانية من منع تسلحهم ومقاومتهم . وهذا هو الشهيد الثائر الشاعر عبد الرحيم محمود ، يستشهد في معركة الشجرة، دفاعا عن ثرى الأرض الطيبة، ولله دره وهو يقول : سأحمل روحي على راحتي وألقي بها في مهاوي الردى فإما حياة تســر الصديــــــق وإما ممات يغيـــــــظ العــدى وهذا هو البطل الشهيد المجاهد عبد القادر الحسيني يستشهد في معركة القسطل وهو يقود جحافل المسلمين ضد العصابات الصهيونية . وهذا هو الشهيد البطل والمجاهد الكبير عز الدين القسََام ، الذي جاء من سوريا يحمل روحه على راحته ، ليروي بدمائه الطاهرة الزكية أرض فلسطين ، ملبيا نداء ربه عز وجل في قوله: " يا أيها الذين آمنوا هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم * تؤمنون بالله ورسوله وتجاهدون في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون "(1). وملبيا نداء حبيبه المصطفى عليه الصلاة والسلام بما معناه أو كما قال : " إذا وطئ شبر من أرض المسلمين بات الجهاد فريضة على كل مسلم ومسلمة "(2) . لم ولن يستسلم شعب فلسطين ما دام في عروق أبنائه دم ينبض بالحياة ، حتى تحرير آخر شبر من فلسطين ، ويطرد شذاذ الآفاق الصهاينة ويعودوا من حيث أتوا إلى غير رجعة. ولن ننسى ما حدث بالأمس لشيخ المجاهدين ، المناضل البطل ، والأنموذج الفذ ، الشهيد الحي الميت، العابد المقعد ، الذي استشهد وهو خارج من صلاة الفجر ، فتطايرت أشلاؤه ، وقطع دراجته هنا وهناك ، فرحماك يا شيخ أحمد ياسين رحمة واسعة ونسأل الله أن يجعلنا وإياك من رفقاء الحبيب المصطفى في جنات النعيم . وهذا هو الطفل البريء محمد الدرة يستشهد وهو يحتضن والده خشية رصاص العدو ، والوالد يرفع يده في وجه الجندي الصهيوني الغاشم ولسان حاله يقول: ما ذنب هذا الطفل البريء حتى تقتله أيها اللعين ، والطفلة الرضيعة إيمان حجو والكثير الكثير من أبنائنا وأطفالنا ، لم يرحموا شيخا مقعدا ولا طفلا رضيعا ولا امرأة . ولا تزال قوافل الشهداء متتابعة ، ولن تنتهي ما دام هناك صهيوني يدنس ثرى هذه الأرض الطاهرة التي بارك الله حولها ، فالإنسان قد يدمر ولكن لا يهزم.
وللأسف نجد كثيرا من القيادات الأجنبية والعربية يهرولون في السعي لإطلاق سراح الجندي الأسير (شاليط) الذي يدافع عن باطل ، وقد نسوا أو ربما تناسوا عشرات الآلاف من الأسرى الفلسطينيين والذين يدافعون عن حقهم في استرداد فردوسهم السليب .
(1) سورة الصف ، رقم الآيات ( 10 – 11 ) .(2) رواه أحمد وفي الخامس عشر من شهر أيار عام 1948 أنهت الحكومة البريطانية انتدابها على فلسطين ، واعترفت فورا بقيام الدولة الصهيونية الوليدة ، بعد أن مهدت كافة السبل لقيام هذا الكائن النشاز في قلب الأمة العربية والإسلامية ، وذلك بتيسير سبل الهجرة اليهودية إلى فلسطين ، وتدريب وتسليح ميليشات العصابات الصهيونية، وتضييق الخناق على العرب الفلسطينيين ، بفرض الضرائب عليهم ومنعهم من تسليح أنفسهم لمحاربة العصابات الصهيونية التي كانت تزداد قوة يوما بعد يوم في ظل حكومة الانتداب البريطاني . وبهذا الشكل تحولت الأمانة التي كانت مناطة بحكومة الانتداب البريطاني لعمارة فلسطين وتنميتها ، إلى خيانة واضحة بتسليح العصابات الصهيونية ، وتسهيل هجرة اليهود إلى فلسطين، ومنع الفلسطينيين من حمل السلاح وتجريم كل من يوجد لديه قطعة سلاح ، أو طلقة سلاح واحدة ، واعتباره ثائرا على الحكومة البريطانية، وأدخل الكثير من الثوار إلى السجون وحوكموا محاكمات غير عادلة . بقي الثوار الفلسطينيون مطاردين في الجبال والكهوف ، ما بين كر وفر على الأعداء ، في نفس الوقت الذي كانت فيه العصابات الصهيونية ، تتسلح وتتلقى كافة أنواع التدريبات وعلى مختلف أنواع الأسلحة على مرأى ومسمع من حكومة الانتداب البريطاني، دون منع ، بل تتدرب على أيدي الضباط البريطانيين ، ولزيادة الطين بلة فإن الحكومة البريطانية عندما أنهت انتدابها على فلسطين تركت جميع ما بحوزتها من أسلحة ومعدات وتجهيزات ، تحت أيدي العصابات الصهيونية ، فكانت هذه الأسلحة نواة تسليح الجيش الصهيوني إثر قيام الدولة الزائفة ، وهكذا سلمت بريطانيا فلسطين لقمة سائغة للصهاينة، وهنا انطبق المثل على بريطانيا : " كان حاميها حراميها " " من مأمنه يُؤتى الحذر " . كان العرب في ذلك الوقت في غفلة من الزمن، وبعد تفويت وقت غير يسير ، شعروا بظلم إخوانهم الفلسطينيين ، فأخذتهم النخوة العربية وهبوا لنجدتهم، ولكن دون تنسيق أو تنظيم فيما بينهم بسبب فقد الثقة بين قيادات هذه الجيوش ، فقد كان الجنرال البريطاني ( كلوب باشا ) أحد قادة هذه الجيوش العربية ، وهل يجوز الجمع بين متناقضين ، بين من أصدر وعد بلفور ، والاعترف بدولة إسرائيل فور تأسيها ، وبين أن يكون الجنرال البريطاني كلوب قائدا لهذه الجيوش العربية التي تحارب إسرائيل ، فهل نستطيع أن نخفي نور الشمس بالغربال. ورجعت الجيوش العربية بالرغم من التضحيات الكبيرة التي بذلتها، رجعت تجر أذيال الخيبة دون أن تحقق أهدافها، فقد كانت دولة إسرائيل المزعومة دولة وليدة ، وكانت بعض الجيوش العربية عريقة في التدريب والتنظيم؟؟!! ماذا حدث ؟ وماذا جرى ؟ نترك الإجابة على هذه الأسئلة لمن هم أقدر وأحق منا في التحليل العسكري والسياسي، ومعرفة أسباب الهزيمة النكراء !!! . بذلت العصابات الصهيونية مثل ( الهجانا ) و ( شتيرن ) وغيرها، قصارى جهدها في ترويع وتخويف سكان المدن والقرى الفلسطينية ، بهدف تهجيرهم من أراضيهم وذلك بعمل المذابح الجماعية في دير ياسين وكفر قاسم وغيرها ، فكانوا يقتلون النساء والأطفال والشيوخ الذين يجدونهم ، أما الرجال والشباب فكانت غالبيتهم تحمل السلاح وينخرطون في صفوف المقاومة . كان سكان القرى يهربون من بيوتهم فرارا بأعراضهم وبناتهم ، وخوفا من أن يحدث لهم ما حدث في دير ياسين وكفر قاسم من مذابح جماعية ، كانوا يفرون بأرواحهم تاركين جميع ما يملكونظنا منهم بأنهم سيعودون قريبا إلى بلدانهم ، ولم يكن بحسبانهم أن بعضهم سيموت في الغربة ، دون أن تكتحل عينه برؤية مسقط رأسه مرة أخرى . ورغم كل ما حدث ، وربما يحدث المزيد ما دمنا في خلافاتنا ، فإن اليأس لم يدخل قلوب الفلسطينيين على مر الأيام رغم مرارتها ، فقد غرسوا في نفوس أبنائهم جيلا بعد جيل ، أن لهم وطنا مغتصبا، وحمََلوا أبناءهم أمانة الجهاد والدفاع عن هذا الوطن ، مهما طال الزمن . وكأننا مع موعد قريب – إن شاء الله - في دحر الظالمين وطردهم شر طرده ، فكما تحققت بشارته لسراقة بن مالك حين كان يطارده لقتله وليظفر بجائزة قريش إذا عاد بمحمد حيا أو ميتا ،وهو مهاجر إلى المدينة بصحبة أبي بكر الصديق رضي الله عنه ،وعندما رأى محمدا عليه السلام رأي العين ، وكان على بعد قاب قوسين أو أدنى منه ، دعا عليه الرسول عليه السلام فصاخت قدما فرسه في الرمال ولم يستطع أن يتقدم شبرا واحدا ، عندها أدرك أن محمد عليه السلام نبيا مرسلا ، أعلن إسلامه ونطق بالشهادتين ، عندها بشََره عليه الصلاة والسلام بسواري كسرى وفارس. ولقد تحققت هذه البشارة فعلا زمن الخليفة الراشد عمر بن الخطاب رضي الله عنه ، حيث استدعى سراقة بن مالك وألبسه الخليفة الراشد سواري كسرى وتاجه ، بعد أن هزموا الفرس في القادسية ، ورفعوا راية الإسلام عالية خفاقة ، وانتشرت كلمة التوحيد في كل مكان ، نعم تحققت بشارة الرسول الأولى " وما ينطق عن الهوى * إن هو إلا وحي يوحى "(1) . أما البشارة الثانية والتي نحن بانتظار تحقيقها - والله وحده أعلم بذلك – ولكننا لا نشك ابد في حدوثها ، ونرجو الله أن يكون ذلك قريبا فقد جاء في الحديث الشريف عن أبي هريرة عن الرسول عليه السلام قال : " لا تقوم الساعة حتى يقاتل المسلمون اليهود، فيقتلهم المسلمون،حتى يختبئ اليهودي من وراء الحجر والشجر ، فيقول الحجر والشجر: يا مسلم يا عبد الله هذا يهودي خلفي فتعال فاقتله ، إلا الغردق فإنها من شجر اليهود "(2) فكما تحققت البشارة الأولى ، ستتحقق البشارة الثانية ، ونسال الله أن يكون ذلك قريبا ، اللهم نسألك أن تهيئ لنا أسباب النصر في جمع شمل المسلمين وتوحيدهم على قلب رجل واحدا ، إنك على ذلك قدير وبالإجابة جدير، لن يضيع حق وراءه مطالب ، والأيام دول ، يوم لك ويوم عليك ، ومن سره زمن ساءته أزمان . عود على بدء ، درج ذلك الفتى الصغير أحمد في خضم هذه الأحداث الرهيبة التي مر بها وطنه ، دون أن يعي منها شيئا ، أو أن يدري ما يدور حوله ، فهو لما يتجاوز الرابعة من عمره بعد حتى قرر أهله الرحيل من قريته (قزازة) من قضاء مدينة الرملة ، تبعا للتقسيم الإداري في ذلك الزمن ، قرروا الرحيل وهم لا يدرون أين يتجهون ، لا يفكرون إلا في الهروب من وجه هذا الطغيان والجبروت الصهيوني الذي يرتكب المذابح الجماعية حيث حل ، حتى استقر بهم المقام في مدينة الخليل أولى محطات الهجرة التي ظن غالبية الناس أنها لن تطول. . ------------------------------------------------------------------------------------------- (1) سورة النجم ، الآيات ( 3 ، 4 ) . (2) رواه مسلم . لم يتذكر أحمد ابن الأربع سنوات من معالم قريته قزازة غير بعض الصور التي علقت في ذهنه ، ربما تكون هذه الصورة حقيقية المشاهدة ، أو ربما من تكرار وصفها والحديث عنها من والدته والتي طالما تتغنى بها وتتمنى العودة إليها ، أطال الله في عمرها ، فهي من مواليد عام 1913م ، يتجاوز عمرها الآن الثامنة والتسعين ، وما زالت تحدثنا بشغف شديد عن الجمل الذي كان لديهم ، وعن البقرات والعنزات التي كانوا يحلبونها يوميا ، ويصنعون من ألبانها الزبدة والسمنة والجبنة ، يأكلون منها ويرسلون ما يزيد عن حاجتهم إلى الأقارب والجيران ، بدون ثمن حيث كان الناس يعيشون حياة ألفة ومودة ، تسود بينهم روح التكافل الاجتماعي ، فلا تباغض ولا حسد كأنهم أسرة واحدة . يتذكر أحمد ملامح هذا البيت الواسع الكبير ( البايكة ) من مخيلته ومما يتكرر سماعه من أهله وهم يتغنون بأمجادهم السابقة ، فالبايكة –البيت الأساسي- يتكون من طبقتين، الطبقة السفلى للحيوانات مثل البقر والغنم وتخزين أعلاف هذه الحيوانات على مدار السنة من تبن وشعير (وكرسنة ) وغيرها أما الطابق الثاني فيرتفع بعض عتبات تنتهي( بالمصطبة) ، وهي غرفة المعيشة ينام فيها جميع أفراد العائلة ، وتستعمل كذلك للأكل والشرب ، وتحيط بجوانبها الخوابي ( جمع خابية ) وهي مستودعات من الطين لحفظ الحبوب ، تضاهي بعملها صوامع الغلال في العصر الحاضر ، لكنها منزلية الصنع ، منزلية الاستعمال . كانت ساحة ا لبيت الخارجية كبيرة ، في جانب منه مناخ للجمل ، وفي جانب مكان( للطابون) وهو فرن لعمل الخبز، وفي الجانب الآخر توجد ( الحوطة ) وهي حسب ما سمعت وعلمت من الوالدة ومن كثير من الأقارب وأهل البلد كانت أشبه بالمضافة هذه الأيام ، بناء يرتفع أربع أو خمس درجات ، مساحته كبيرة ومسقوف بالخشب والبوص وفوقه طبقة من الطين ، جدرانه شبه مكشوفةوتبقى مفروشة باستمرار في الليل والنهار، بفرشات الصوف الوثيرة ، وتزين جوانب المجلس المخدات المطرزة بالحرير ، ويتوسطها كانون النار وعليه دلال القهوة وأباريق الشاي ، ويجتمع بهذا الديوان آل وادي وبعض من أهالي القرية ، ويستقبلون بها ضيوف آل وادي كذلك . أما بوابة الدار وهي المدخل الرئيسي للبيت ، فكانت كبيرة وواسعة ، يدخل منها الجمل بما حمل، وذلك يدل على اتساعها ورحابتها ، وكان يغلقه ليلا باب خشبي كبير ذو متاريس قوية. كان والد أحمد رحمه الله من وجهاء قرية قزازة ، ومن الرجال كبار السن فيها ، وكان ميسور الحال نسبيا في ذلك الزمن ، حيث كان يقوم بزراعة الدخان ويتاجر به ، وكان هذا الصنف من الزراعة يدر عليه سيولة نقدية ، جعلته في بحبوحة من العيش ، وشجعته على تعدد الزوجات، فكانت والدتي – أطال الله في عمرها – الزوجة رقم أربعة بين زوجاته ،عندما عاد أبي إلى البيت في أحد الأيام لم يجدها ،فقد ذهبت إلى بيت والدها بسبب خلاف مع أخي عبد الله ، ذهب لإرجاعها وتدخل أحد أخوالي وحاول أن يوغر صدره على ابنه الذكر الوحيد حتى ذلك التاريخ ، ولم يرجعونها معه تلك الليلة . لم يعد والدي إلى بيته تلك الليلة ، إلا بعد أن مرَ على أحد أقاربه وخطب ابنته البكر وعمره يقارب الستين سنه وتزوجها في اليوم التالي لغياب والدتي عن البيت وكانت هذه هي الزوجة رقم خمسة بين نسائه . ماتت زوجته الأولى ، وماتت زوجته الثانية ، وطلق زوجته الثالثة ، وكانت والدتي الزوجة رقم أربعة تزوجها وهي ابنة ثلاث عشرة سنة ، وكان عمر والدي في الخامسة والخمسين، وعندما غضب من أحد أخوالي ، أتبعها بالخامسة . عادت أم أحمد إلى بيتها بعد أيام قليلة من زواجه بالأخرى ‘ فقد خشيت على ضياع بيتها الكبير ، وهي أم البنين والبنات، ويضرب بها المثل في الحركة والنشاط والقيام بالأعمال المنزلية ، فقد كان الزوج في تلك الأيام لا يستطيع أن يستغني عن زوجاته ، ليقمن بخدمته وخدمة المنزل ، فهي التي تنقل الماء من البئر على رأسها – بواسطة الجرار- جمع جرة وهي أواني من الفخار تحمل على الرأس، وهي التي تطبخ الطعام ، وتغسل الثياب ،وتحلب البقر والغنم ، وتعجن وتخبز في الطابون، وهو موقد مصنوع من الطين ، توقد النار بداخله ، وله فوهة صغيرة من أعلى تغلق لحفظ درجة حرارة الفرن عالية ، وتوضع بداخل الطابون حجارة ملساء نظيفة متوسطة الحجم تسمى ( (الرظف)، يوضع رغيف الخبز وهو عجين فوق الرظف بعد أن يكون قد احمر من شدة الحرارة ، ويعمل هذا الرظف في العجين أشكالا مختلفة باختلاف أشكال وحجم الرظف الموضوع داخل الطابون، ويخرج رغيف الخبز من الطابون أحمرا مقرمشا ( محمصا ،مكحمشا ) و(مطعجا )حسب أشكال الرظف، ما ألذ طعمه ، وما أحسن شكله ، تأكل منه من غير أدام حتى تشبع ، فكيف إذا كان حولك إنتاج الأرض الطيبة من الزبدة والسمن والعسل وزيت الزيتون والزعتر ، ويكون كل ذلك من الناتج المحلي المدخر لطيلة أيام السنة ، دون أن تكلف نفسك عذاب الذهاب إلى أي محل تجاري ، أحن إلى طابون أمي وخبزها المقرمش المحمر. ألا تستحق تلك الأيام أن يبكى عليها أهلها والمسلمون جميعا ، أليس بحق أن تسمى هذه الأرض الطيبة ب " أرض السمن والعسل " فهي أرض مباركة ، باركها الله عز وجل بقوله : " سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله ..... " (1) والزوجة بعد ذلك كله تعمل في الزراعة ، ففي حالة عمل الوالد بزراعة الدخان، يحتاج إلى زراعة ( شتلات) الدخان والعناية بها حتى تكبر ، ثم قطف أوراقها الناضجة ورقة ورقة أولا بأول، ثم شك هذه الأوراق في خيوط طويلة ، ونشرها حتى تجف بطريقة خاصة ، بعد ذلك يأتي تجار الدخان ويشترون الكميات الجاهزة للاتجار بها ، ومن هنا يتبين لنا أن تعدد الزوجات كانت من الوسائل المعينة للرجل لتساعده في الأعمال الزراعية فضلا عن تربية الأولاد والأعمال المنزلية المتعددة . لم تترك العصابات الصهيونية أهالي هذه البلدات والقرى الفلسطينية ينعمون برغد الحياة في ديارهم ، بل شنوا عليهم الهجمات الوحشية ، وأعملوا فيهم الذبح والقتل ، فكان كثير من سكان القرى يتركون قراهم قبل أن تصلهم هذه العصابات خوفا على أعراضهم ، وفرارا بأنفسهم ، يخرج --------------------------------------------------------------------------------------------------------------------- (1) سورة الإسراء ، رقم الآية (1) . النساء والأطفال والشيوخ من الرجال الذين لا يقوون على الجهاد ، ويبقى الشباب والرجال الذين لديهم القدرة على حمل السلاح ، يدافعون عن أرضهم بكل ما أوتوا من قوة بأسلحة بدائية لا تزيد عن البنادق العادية وما تيسر لهم من ذخائر بسيطة وقليلة. يقفون بصدورهم أمام عصابات مدربة ومسلحة بأسلحة متقدمة ، ومعهم السيارات الحربية يتنقلون بها من مكان إلى آخر، فكان الثوار يعتمدون أساليب الكر والفر، ومباغتة العدو للنيل منه، حيث لا يستطيعون المواجهة وجها لوجه ، وذلك لعدم تساوي الكفتان في العدد والعتاد . خرج الطفل أحمد مع أهله من قريتهم التي عاشوا بها سنين طويلة ، وظلوا يسيرون على وجوههم ، يحملون بعض الأمتعة على دواب معهم كالجمال والحمير يحملون عليها ضعفاءهم ، ويمشي القادرون على السير خلفها ، وقد استقر بهم المقام بداية في مدينة الخليل . كان مع الوالد يرحمه الله بقية من نقود مدخرة لديه ، استأجر بيتا ، واشترى من المدينة ما يلزم الأهل من حاجات ، لم يطل بهم المقام طويلا في مدينة الخليل ، حيث بدأت نقود الوالد ومدخراته تنفد رويدا رويدا دون تعويض عما صرف منها ، وكان الوالد رجلا كبير السن ولا عمل له غير الزراعة في أرضه التي اغتصبها شذاذ الآفاق الصهاينة. بدأت الحاجة ملحة للبحث عن مخرج من السكن في مدينة الخليل ونفقاتها المرتفعة، والتي لا طاقة لأحد من المهاجرين الذين تركوا ديارهم ومصادر رزقهم على الاستمرار دون دخل ثابت، واتجهت الأنظار نحو أريحا ، حيث تجمع كثير من اللاجئين في مخيمات ، تحت رعاية هيئة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين ، وزعوا على الناس خياما للسكنى بداخلها ، ثم وزعوا عليهم ما يقيم أودهم من المواد الغذائية من طحين ورز وعدس وبعض معلبات اللحمة والسردين، ورغم هذا المستوى المتدني من الحياة المعيشية ، فالخيام لا تقي ساكنا لا صبارة القر ، ولا حمارة القيظ ، ولكن يجد المرء نفسه أمام المثل القائل : " مكره أخاك لا بطل " فلا بد من البقاء في هذه المخيمات ، حتى يفرجها الله " ليس لها من دون الله كاشفة " (1) وتشكل حول مدينة أريحا ثلاثة مخيمات ، مخيم عقبة جبر ، ومخيم عين السلطان ، ومخيم النويعمة ، وكان أخوالي من عائلة الهودلي قد سبقونا بالسكن في مخيم عين السلطان، وبعد أن نفدت مدخرات الوالد أو كادت ، ولم يستطيعوا الاستمرار بالعيش في مدينة الخليل ، لأنها تحتاج إلى دخل ثابت ومستمر ، لذلك اضطرت العائلة للانتقال إلى مخيم عبن السلطان بأريحا ، وقد استطعنا أن نجد مكانا لنا قرب سكن أخوالي ، وحصلنا عل خيمة وبطاقة تموين ، وكانت هذه البطاقة مشهورة عند الناس باسم ( كرت المؤن ) . كان الناس يقفون صفوفا طويلة أمام مراكز توزيع المؤن ، ليحصلوا على بعض كيلوغرامات من الدقيق والسكر والعدس وعلب اللحمة والسردين ، أبسط الأشياء الضرورية للبقاء على حياتهم أحياء ، وتبدلت حياتهم من حياة العز والإباء إلى حياة الذل والهوان ، تحولوا من حملة بنادق يدافعون عن أرضهم إلى حملة خرائط لاستلام النزر اليسير مما يقيمون به أودهم ، ويدفعون به غائلة الجوع عن أجسادهم. وكان نصيب الفتى أحمد أن يعيش مع أهله ظروف هذه المعاناة القاسية ، حيث ما كادت قدماه تدرج على أرض الآباء والأجداد ، أرض السمن والعسل ، الأرض التي باركها الله بمحكم التنزيل ، حتى بدأ أهله بالهجرة من قرية قزازة إلى مدينة الخليل مرورا بقرية عجور كمحطة قصير في بداية الأمر ، ظنا منهم بأنهم سيعودون بعد يوم أو يومين أو أسبوع ، ولكن المؤامرة الصهيونية البريطانية ، كانت محكمة التخطيط لتشريد أهل فلسطين ، وإقامة الكيان الصهيوني بديلا عن أهلها حقا لقد أعطى من لا يملك حقا لمن لا يستحق ، فبئس الوعد وعد بلفور . ----------------------------------------------------------------------------------------- (1) سورة النجم ، رقم الآية ( 58 ) . طال انتظار الناس بالعودة إلى بيوتهم ، وبدأت خيوط الأمل في التهتك ، وكاد اليأس يدمي قلوبهم ، وبدءوا يتعودون حياة المخيمات رغم أنوفهم ، وحتى يقاوموا برد الشتاء القارص ، ويحافظوا على صغار أبنائهم ، استبدلوا الخيام ببيوت من اللبن الطيني ، تُسمى (قوالب) جمع قالب ، والقالب صندوق خشبي مستطيل الشكل ، جوانبه خشبية ، مفتوح من أعلى ومن أسفل ، توضع بداخله كتلة من الطين اليابس نوعا ما، فتأخذ شكل الصندوق الخشبي ، بعد دك الطين جيدا داخل الصندوق ، ثم يسحب الخشب ويبقى القالب الطيني حتى يجف ، ثم تبنى منه جدران البيوت الطينية . وكانت تغطي سقوف هذا البيوت ، أخشاب قوية من سيقان الأشجار ، وتُصَفُُ فوق هذه الأخشاب عيدان من البوص الرفيع ، ترص متجاورة بجانب بعضها تثبتها خيوط قوية يطلق عليها ( خيطان مصيص )، وذلك حتى تبقى شبكة البوص متماسكة منتظمة ، وفي الختام يوضع فوق البوص طبقة من الطين المخلوط (بالقصل ) وهو التبن الخشن، حتى يبقى الطين متماسكا ويقاوم نزول الأمطار في فصل الشتاء. وعند هطول أمطار فصل الشتاء ، تتفتت الطبقات العلوية من هذا الطين وتحتُُها وتذيبها بالتدريج لذلك تتكرر عملية ( التلييس) أي زيادة طبقة أخرى من الطين ، لتقاوم عوامل التحات ، وتمنع تساقط الأمطار داخل المنزل . في بداية الأمر لم يكن داخل هذه البيوت دورات مياه أو مراحيض خاصة بكل بيت ، وإنما كانت هناك مراحيض عامة بعضها خاص بالرجال وبعضها خاص بالنساء ، متباعدة عن بعضها ، وتنتشر في ساحات تقع بين البيوت ، ولكونها عامة غالبا ما كانت غير نظيفة ، يشرف عليها عمال نظافة ، يمرون عليها مرة أو مرتين في اليوم ، فكيف ستبقى نظيفة . لم يمض وقت طويل حتى عُملت المراحيض داخل أسوار البيوت ، في أحد أركان ( الحوش )وساهمت وكالة غوث اللاجئين على إنشاء مثل هذه المنافع الصحية وشجعت الناس على عملها ، حفاظا على صحة الناس ، ومنعا لانتشار الأوبئة بينهم . أما بالنسبة لتوفير مياه الشرب والغسيل ، فكانت النساء تنقله على رؤوسهن ، بواسطة (الجرار) والجرة إناء من الفخار متوسط السعة (10-12) لترا تقريبا ،لها شكل خاص ، كمثرية الشكل ، لها باب صغير من الأعلى ومتسعة من الأسفل ، وكان مصدر هذا الماء عين السلطان – حيث سُمي المخيم باسم هذه العين – كانت النساء يذهبن لهذه العين التي تبعد عن المخيم تقريبا 3 كلم زرافات ووحدانا ، وعندما يصلن العين كانت إحدى النساء تنزل في البركة بكامل ثيابها ، وتملأ جرار زميلاتها ثم تملأ جرتها وتخرج لتسير مع زميلاتها في معاناة مستمرة على مدار الأيام . وبعد فترة من الزمن قامت وكالة الغوث بتمديد شبكة مياه للمخيم ، ولكن ليس داخل البيوت ، وإنما إلى مراكز تجمع ،في وسط كل حي من أحياء المخيم ، وجعلت في كل نقطة تجمع ( 12) (حنفية) صنبورا ، تصطف النساء بالدور خلف كل من هذه الصنابير في طوابير طويلة ، وكن كثيرا ما يتزاحمن وأحيانا يتشاجرن ، كل يحاول الحصول على الماء الذي يسد حاجته للشرب والطعام والغسيل. وبلغ أحمد السادسة من عمره ، واستحق أن يدخل المدرسة حسب النظام ، وكانت المدرسة قي بداية الأمر عبارة عن مجموعة من الخيام المتراصة إلى جوار بعضها ، خيمة لكل صف دراسي. لم يكن في تلك الأيام مقاعد للجلوس عليها ، وإنما كنا نجلس على حصير يفرش فوق الأرض مباشرة ، وأذكر في أحد الأيام ، أن المدرس دخل خيمة الصف ، وكنت أنا قد رفعت طرف رواق الخيمة بجانبي، لأستنشق الهواء الطلق خارج الخيمة ، فكان جسمي داخل الخيمة ورأسي خارجها ، لاحظ المدرس ذلك فصاح بي وعاقبني بسبب هذا التصرف الخاطئ . واذكر من مدرسي الصف الأول مدرس مادة الدين الأستاذ الشيخ / أبو حسن وكنا نطلق عليه ونناديه : سيدي أبو حسن ، كان كبير السن يتكئ على ( باكورة) ، والباكورة عصا معقوفة الرأس كممسك للعصا ، وكان يلبس جبة الشيوخ ويغطي رأسه بالحطة الفلسطينية المرقطة بالسواد والبياض والعقال ، كان إذا غضب من أحد الطلاب يسبه مازحا بقوله : " يلعن أمك في عزى أبيك " ؟؟!! كنا نتقبلها منه بصدر رحب ونضحك كثيرا كلما قالها ، كانوا يوزعون علينا في المدرسة كؤوسا بلاستيكية سوداء اللون لشرب الحليب يوميا في المدرسة ، وكنا نقف في صفوف منتظمة تحت إشراف المدرسين . وأحيانا كنا نقف صفوفا طويلة لشرب زيت السمك السائل ، كريه النكهة والطعم والرائحة لدى جميع الطلاب ، وكانوا يغروننا بشرب زيت السمك ، بتوزيع قطعة حلاوة طحينية لتلغي بحلاوتها وطعمها رائحة وطعم زيت السمك . وأحيانا أخرى كنا نقف في صفوف طويلة – رغما عنا – في ساحة المدرسة لرش أجسامنا بالمبيد الحشري مادة د.د.ت ( الفلت ) ، للقضاء على حشرات القمل والبراغيث التي كانت منتشرة في بداية حياة المخيمات، وكان نصيب كل طالب منا ثلاث( بخات ) بخة في الكم الأيمن ، وبخة في الكم الأيسر والأخيرة في الظهر ، ورغم صغر سننا في ذلك الوقت إلا إننا كنا نقاوم هذه الإجراءات الإجبارية ونتهرب منها ، وكان مدرسونا جزاهم الله خيرا يحاولون إقناعنا أن ذلك للمصلحة العامة وبعد سنوات قليلة من سكن هذه المخيمات ، بنت وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين مدارس نظامية مجهزة بالمقاعد الدراسية والمرافق العامة ، واختفى كثير من المظاهر السيئة التي كنا نعانيها من الدراسة في الخيام . أكمل أحمد دراسته الابتدائية والإعدادية في مدارس مخيم عين السلطان ، كان من المتفوقين في دراسته ، وغالبا ما كان ترتيبه الأول في صفه وهذا بتوفيق من الله عز وجل ، وكان هذا الترتيب الأول يسبب له بعض المشاكل ، حيث كان أحمد صغير البنية ، متوسط الطول بالنسبة لطلاب صفه الذين كان فيهم طلاب ضخام الجسم فارعي الطول ، وعلى رأسهم طالب اسمه عبد الله العبسي من قرية الدوايمة ، كان عملاقا بالنسبة للطالب أحمد ، وكان ترتيبه فوق العاشر . وأثناء توزيع الشهادات ، وأنا أكاد أطير فرحا بترتيبي الأول على الصف السادس ، قابلني عبدالله العبسي وكاد يفتك بي عندما أمسكني وقال لي بلهجة أهل قريته : " يحم ، أنت يا المفعوص قد الصوص تأخذ علينا الأول " لم يكن هناك مجالا لمقاومته ، فشتان بيني وبينه سنا وحجما وعقلا ولم يخلصني منه سوى بعض الأصدقاء الذين يسيرون معنا ، وحاول بفصاحته أن يبرر سبب حصولي على ترتيب الأول بقوله :" معروف ليش أخذ أحمد صلاح الأول،لأن خاله آذن المدرسة " لم أرد عليه وتركته يموت بغيظه ، لم ألتق به بعد ذلك ولا أعرف مكان إقامته ، ولعل هذه المذكرات تقع في يده ، أو في يد من يعرفه فيتذكر تصرفاته . كانت العادة المتبعة في ذلك الوقت ، أن الطالب الذي يأخذ الأول على صفه، يحضر إلى المدرسة بكيتين صغيرين من ( الحلقوم ) أي الراحة ، وزن الكرتون كيلوغرام واحد تقريبا ، وثمنه آنذاك لا يزيد عن خمسة قروش . عدت إلى البيت فرحا مسرورا ، أكاد أطير فرحا بشهادتي ذات الترتيب الأول ، والتقدير الممتاز وفي طريق عودتي إلى البيت شاهدت والدي- رحمه الله- جالسا مع مجموعة من كبار السن أمثاله وهم يمارسون لعبتهم المفضلة ( السيجة ) والسيجة لعبة فلسطينية تبنى في الرمل سبع مربعات طول في سبع مربعات عرض ، تسعة وأربعون مربعا تشكل في الرمل على شكل (جورة ) حفرة صغيرة حجارتها مما تيسر من الأدوات مثل ( البعر ) و(عجم التمر)وغيره ، وتنقل الحجارة من مكان لآخر وغالبا ما كان الشيبان يطلقون على هذه الحجارة ( كلابا ) ويختلف لون كلاب كل فريق عن الآخر . أقبلت على والدي وأنا فرح مسرور بشهادتي والتي لا زلت ألوح بها بيدي ، وقلت لوالدي وهو جالس بين أقرانه ، إنني أخذت الأول على الصف يا أبت ، فسٌٌر بذلك ، ولكن أحد الشيبان الذين كانوا يجلسون بجواره نغص علي هذه الفرحة بقوله: " هذا ابنك أخذ الأول لأنه صغير الجسم ، لذلك فإن المعلمين يجلسونه في الصف الأول " سكتُ أدبا ولم أصحح قوله الخاطئ ، رغم مقدرتي على ذلك ، ولم ينبر أحد من الحضور لمناصرتي ، كانوا مشغولين بمصارعة كلابهم في لعبة السيجة، خذلوني جميعهم ، تركتهم وأنا أكاد أتمزق من الغيظ . ذهبت مهرولا إلى والدتي ، والشهادة تلوح بيدي ، وبمجرد إخباري لها بأنني الأول على صفي أخذتني بالأحضان وقبلتني بحرارة الأم الرءوم و( هاهت) زغردت وكادت تطير من الفرح ، وقلت لها كالعادة بأنني سأحتاج إلى بكيتين من الحلقوم للمدرسة ، الأول لتوزيعه على المدرسين ، والآخر لتوزيعه على طلاب صفي، وبمساعدة عريف الصف ، يأخذ كل طالب حبة راحة ، وإذا بقي في (البكيت) شيء يستأثر به الكبار دون الصغار. مضت الحياة رتيبة عادية بالنسبة للدراسة في مخيم عين السلطان ، انتقلنا من المدرسة الابتدائية إلى المدرسة الإعدادية ، وكانتا متجاورتين ، كان ترتيبي دائما والحمد لله من أوائل الطلبة ولا زلت أحتفظ بنماذج من هذه الشهادات للمراحل الدراسية الثلاث : الابتدائية ، الإعدادية والثانوية ، وإحدى هذه الشهادات تحمل ثلاثة عشر تقديرا ممتازا من أصل خمس عشرة مادة دراسية والتقديران الآخران جيد جدا وقد كتب الأستاذ في خانة التقدير العام : ممتاز جدا وذيلها بشكره والتمني بمزيد من التقدم والنجاح ، وهذا كله بفضل الله عز وجل ثم رضا الوالدين . استمر الطالب العملاق عبد الله العبسي رفيق الطالب أحمد في الدراسة ، معه في نفس الصف حتى السادس الابتدائي ،وفي هذا العام رأى عبد الله العبسي هو ومجموعة من طلاب الفصل كبار السن غلاظ الجسم أن يتقدموا بطلب إلى مدير المدرسة الأستاذ / يونس اليازوري ، وأجبر بالقوة جميع طلاب الفصل السادس بالتوقيع على المعروض دون خيار من بعضهم ، ونص هذا المعروض كما لا يزال عالقا في ذهني : " نحن عبد الله العبسي أنا وجميع طلاب الصف السادس (أ) نطلب من مدير المدرسة السماح لنا بتربية شعر رؤوسنا ، وعدم حلقها على الصفر وسنحافظ على نظافتها" . وعندما وصل الخطاب إلى مدير المدرسة ، جاءنا المدير غاضبا مزمجرا، وكان شديدا في تعامله مع الطلاب وبدأ كلامه : " من هو صاحب الجلالة عبد الله العبسي ، الذي يأمرنا ويطلب منا طلبات غير معقولة وخاطبه قائلا له : هو أنت على رأسك ريشة أو أحسن من باقي زملائك؟؟ ثم وجه كلامه إلى باقي طلاب الفصل قائلا : هل أنتم مجانين حتى تطيعوا وتسمعوا الكلام الذي كتبه العبسي، لا تعودوا لمثل هذا وإلا سيكون عقابكم شديدا ، سنسمح لكم أن يكون الشعر على نمرة ثلاثة أو أربعة على الأكثر ، وكل طالب لا يأتي غدا وقد حلق شعره بهذا الشكل ، لا يحضر على المدرسة بتاتا ، وبعد شهر تقريبا عدل عن رأيه السابق وقال : جميع الطلاب يجب عليهم أن يحلقوا على الصفر ، وباءت محاولة الطلاب وعلى رأسهم العبسي بالفشل ؟؟!! وكانت المراسيم الملكية الحقيقة تتصدر بمثل عبارة عبد الله العبسي الذي بدأ بها خطابه : " نحن الحسين بن طلال نرسم بما هو آت : " وكان كل مدرس يدخل الفصل يقول للعبسي : هل تريد أن تنافس الملك على العرش يا عبسي؟؟!!! انتقل الطالب أحمد من المدرسة الابتدائية إلى المدرسة الإعدادية ، وكانت المدرستان متلاصقتين لا يفصلهما سوى الجدار القائم بينهما . كبر أحمد وكبر زملاؤه وكبرت معهم أحلامهم وآمالهم وأصبحوا يفكرون في اليوم الذي سيصبحون فيه أطباء ومهندسين . كنا نضاعف جهودنا في الدراسة ، ونظرا لضيق البيوت وازدحامها بساكنيها ، كنا نخرج بين البساتين المنتشرة في مدينة أريحا وحولها والقريبة من مخيم عين السلطان الذي نسكنه ، كانت تنتشر حول المخيم بساتين ( بيارات )البرتقال والليمون والموز الريحاوي المشهور بطعمه ورائحته ، ويتخلل هذه البساتين مياه جاريه في كل اتجاه في قنوات صغيرة يطلق عليها ( عمََال) أو شلاَ ل وتفصل بين هذه البساتين شوارع معبدة وغير معبدة نسير عليها ونحن ندرس في كتبنا . ومن الحوادث التي لا تنسى أنني خرجت يوما ما أنا وزميل لي من طلاب صفي اسمه / حسين الصوي ، لندرس أثناء سيرنا بين هذه البساتين ، وكان موضوع الدراسة كتاب تابع لمادة اللغة الإنجليزية وموضوع الدرس : أمثال إنجليزية ، والمطلوب حفظ هذه الأمثال وترجمتها ، وكنت أتناقش أنا وزميلي حسين في هذه الأمثال ومعانيها . وبينما نحن جالسان متقابلان على حافة إحدى الشلالات الجارية نتناقش في معنى الأمثال ، وإذا بأحد شباب الحي الذي كنا فيه يمر من أمامنا وصادف مروره مناقشة المثل الإنجليزي :As quiet as a mouse ومعناه هادئ مثل الفأر ، وظن الشاب الذي يمر من أمامنا بنفس اللحظة إنما عنيناه بالمثل ، وبدون مقدمات (لا دستور ولا حاظور) ، يتقدم نحونا ويضرب زميلي حسين كفا أطار الشرر من عينيه وكان هو الأقرب إليه ، وحاول أن يثنََي علي فأخذت حذري وتأهبت لمواجهته ، لم أسمح له بضربي ودافعت عن نفسي دفاع المستميت ، خصوصا بعد ما رأيت ما حصل مع زميلي حسين عندما أخذه على حين غرة ، ولم أدر كيف أعانني الله عليه ، وما هي إلا لحظات حتى كان مرميا على الأرض وأنا فوقه أدقه بكل قوتي خوفا من أن ترجح قوته فأضيع بين يديه . وما هي إلا لحظات وكان أهله يشاهدون ما حدث ، حيث كانوا يسكنون في بيت مقابل لساحة المعركة ، التي فرضها علينا هذا الشاب ، جاء جميعهم مهرولين رجالا ونساء وصبيانا( اشي مفرع واشي مدرع واشي رامي الطاقية) وهذا المثل يضرب في (الطوشات) الكبيرة . وصلوا المعمعة وأنا لا زلت فوقه ، فكان نصيبي منهم حجرا في رأسي أسال دمي، وأعتقد أنها كانت ضربة امرأة لأنها كانت حنونة وغير بليغة ، وعضة في الكتف بقي أثرها أياما ، أما عن ضرب العصي فلا تسأل ، ولم ينقذنا من بين أيديهم غير الناس الذين كانوا يمرون في الشارع، وأصروا على أن يأخذونا معهم ليبعدونا حتى لا يعودوا وينتقموا منا. كان من ضمن المهاجمين امرأة عجوز بلغت من الكبر عتيا ، كان نصيبها في المعركة غير احتفاظها بالكتب الدراسية التي تحمل عناويننا كاملة ، وقد سمعناها تقسم بالله العظيم أن تعمل على فصلنا من جميع المدارس ، سمعنا القسم ولم نعلم ما تخطط له هذه العجوز الشمطاء . كانت أسماؤنا وأسماء مدارسنا وصفوفنا مرقومة على كتبنا ، وللمصادفة كان يسكن بقرب سكن هذه العجوز مدير تعليم وكالة الغوث بمنطقة أريحا الأستاذ/ عبد خلف وكان رجلا متدينا ومن جماعة الإخوان المسلمين ، فخططت هذه العجوز الكرنيب لقصة أخلاقية ، أرادت أن توقعنا في حبائلها ، كانت تعلم أن جارها رجل متدين وهو مدير تعليم ويمقت الشذوذ والأخلاق الفاسدة ، كان الناس معتادين أن يرسلوا أولادهم أو بناتهم ليخبزوا عجينهم في الأفران العامة التي يخبز بها جميع الناس ، فاخترعت قصة خيالية من عقلها ، وهي أن ابنة ابنها كانت تحمل صينية العجين وهي ذاهبة إلى الفرن تعرضنا لها في الطريق وتغزلنا بها وقلنا لها : يا أم عيون زرق وعسلية ، وأقسم بالله العظيم وقد مضى على هذه القصة أكثر من خمسين عاما بأننا لم نر بنتا ذاهبة إلى المخبز ، وإنها اختلقت هذه القصة لتحقق يمينها بطردنا من المدرسة ولعلمها بقوة تدين الرجل . وفي مساء ذلك اليوم ذهبت شاكية مولولة إلى منزل مدير التعليم تحمل معها أدوات الجريمة حسب ظنها الكتب بعناوينها: اسم ومدرسة وفصل كل منا ، وحكت له هذه القصة الأخلاقية المشينة ، والتي أوغرت صدر مدير التعليم ، وسلمته كتبنا بعنوانها الواضح . وفي صباح اليوم التالي جاء مدير التعليم إلى المدرسة وبرفقته بنفس السيارة العجوز الشمطاء وفور وصوله المدرسة طلب من مدير المدرسة إحضاري وزميلي حسين الصوي للتحقيق معنا ، وكانت الشكوى مركزة ضدي لأنني أنا الذي ضَربت وضُربت ، ولا أدري بالضبط حتى هذه اللحظة ماذا حدث لزميلي حسين بعد الكف الصارخ الذي أكله منذ بداية المعمعة . أدخلنا مدير التعليم عليه في الإدارة واحدا تلو الآخر، وكنت الأول في الدخول ، وفاجئني مدير التعليم بسؤاله لي: أليس عيبا عليكم أن تعترضوا طريق البنت وهي ذاهبة إلى الفرن لتخبز عجين أهلها وتقولوا لها : ما هذه العيون الحلوة الجميلة؟ لم أعرف ساعتها من أين جاءتني الجرأة والقوة في التعبير والدفاع عن النفس بحرقة وصوت مرتفع قائلا : والله العظيم إن هذه القصة مختلقة من أولها إلى آخرها ، وإن هذه العجوز الكرنيب قد افتعلت هذه القصة لكي لا تحنث في يمينها ، وحاكتها لتطردنا من المدرسة ، وأقسم بالله إني سمعتها وهي تقول : والله لأفصلهم من كل المدارس . أما القصة الحقيقة فهي كالآتي : هجم علينا ابنهم الأكبر منا عمرا وحجما هجوما مفاجئا وبدأ بضرب زميلي حسين الصوي كفا على وجهه أطار الشرر من عينيه ، وأدار نفسه ليثني عليََ ، فلم أمكنه من نفسي ، وأعانني الله عليه فلم أشعر بنفسي إلا وأنا فوقه متشبثا حتى لا ينقلب فوقي وعندها ستكون الكارثة، رآنا أهله من برندة بيتهم فجاءوا مهرولين بعصيهم وهجموا علي ، أحدهم ضربني بحجر في رأسي وكشفت عن مكان الجرح ، وأحدهم عضني بأسنانه وهذا مكان العض ، أما العصي فالله وحده أعلم بعددها ولم ينقذنا من أيديهم ألا عابرو السبيل الذين أشفقوا علينا وخلصونا من بين أيدهم وهم كثيرون وأخذونا معهم خشية الاعتداء علينا مرة أخرى. وكان سبب هجوم الشاب علينا ظنه أننا كنا نعنيه عندما كان أحدنا يسأل صاحبه عن معنى المثل الإنجليزي هادئ مثل الفأر ، ولم يكن في الموضوع خبز ولا فرن ولا عيون زرقاء ولا غيرها. كان مدير التعليم قد سأل عن سلوكنا مدير المدرسة ومجموعة من المدرسين ، شهدوا لنا جميعا بفضل من الله وتوفيقه بالجد والاجتهاد وحسن الأخلاق . وقبل أن يدخل زميلي حسين للسؤال ،خرج مدير التعليم وركب سيارته وانصرف لوحده تاركا العجوز الشمطاء خلفه دون احترام أو تقدير ، لأنه – والله أعلم – اقتنع بأن روايتها ملفقة، وبصفتها من جيرانه ربما كان يعلم عنها الكثير ، فاستكثر منها أنها استعدته على أطفال أبرياء في عمر الزهور التي لم تتفتح بعد ، وأوغرت صدره حتى جعلته يترك عمله ومكتبه ويرافقها للمدرسة ، وليثبت لديه بالدليل القاطع بعد أن أطلعته على جرح رأسي وعضة كتفي وآثار العصي على بدني جراء هجوم عائلي كبير على أطفال صغار السن لم يفكروا في معاكسة البنات بعد . وانتهت هذه القصة بعتاب رقيق من مدير المدرسة ، حيث قال لي : أليس عيب عليك يا أحمد تقول للمرأة الكبيرة مثل أمك ، عجوز كرنيب أمامي وأمام مدير التعليم ، رددت عليه قائلا : أوليس عيب عليها أن تطعن في شرفنا أمامك وأمام مدير التعليم ، عندها قال : لقد اقتنع مدير التعليم بكذب أقوالها فخرج ولم يأخذها معه ، والحمد لله أن الله كان معنا وخلصنا من براثن هذه العجوز الداهية ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين . ومن طرائف ما حصل مع أحمد وزملائه في مدرسة عين السلطان الإعدادية أيضا ، زار المدرسة ضابط عسكري كبير من القوات المسلحة الأردنية ، دخل علينا غرفة الصف وشرح لنا هدف زيارته للمدرسة وهو الترغيب في التسجيل ودخول القوات المسلحة وخاصة للطلبة المتفوقين في دراستهم ، وقبل أن يطرح أسئلته على طلاب الصف بعد أن انتهى من حديثه ، طلب مني ومن ثلاثة طلاب آخرين من طلاب الصف الوقوف أمام الفصل ، وقال لنا أنتم صغار السن وقصار القامة ،وإن شاء سنسجلكم في السنوات القادمة . سأل الضابط الطلاب الجالسين ، من يرغب منهم التسجيل في القوات المسلحة آخر هذا العام الدراسي ، كنا في الصف الثالث الإعدادي، ومعظم الطلاب في سن الخامسة عشر تقريبا ، وبين لهم أنهم سيدخلون مدرسة الثقافة العسكرية ، يكملون دراستهم بالإضافة إلى التدريب العسكري وبيََن بعض الامتيازات المادية العديدة المستفادة من الالتحاق بهذه الكلية . استثنانا الضابط الكبير أنا وثلاثة آخرين من طلاب الصف ، وكان منهم رفيق الدراسة والتدريس فيما بعد ، الطالب / مصطفى هديب، وكان جريئا في الحديث ، وكنا نطلق عليه ( الفيلسوف الصغير ) تكلم باسمنا مع الضابط وقال له : يا سيدي خذونا معكم حتى لو( بنقشر) بصل للجنود، فضحك الضابط وضحك الجميع وأجابه : إن شاء الله سيأتي دوركم فيما بعد ، انتبهوا إلى دراستكم ولكل مجتهد نصيب. وكذلك من طريف ما حدث معنا كطلاب في المرحلة الاعدادية ، أن الأستاذ الشيخ /سليم الخيري مدرس مادة الدين، كان شيخا أزهريا يلبس البدلة الرسمية والطربوش الأحمر على رأسه كان كبير السن ، عنده قصر في النظر، يلبس نظارة سميك زجاجها ، كان إذا قرأ أو كتب يدني الكتاب أو الدفتر إلى عينية بدرجة ملحوظة . كانت معلوماته غزيرة ، ولطيفا في تعامله مع الطلاب ، وكان ذلك يشجع الطلبة المشاغبين والذين لا يحبون الدراسة ، وخاصة كبار السن منهم ، حتى أن بعض المشاغبين من طلاب الصف سمح لنفسه وهو يقف إلى جانب هذا الشيخ الجليل وهو يكتب على الطاولة ورأسه قريب من الدفتر، بأخذ طربوش الشيخ الموضوع على الطاولة بجانبه ووضعه على رأسه وأتى بحركات بهلوانية ضحك بسببها الطلاب وانصرف إلى مقعده بخفة الشيطان دون أن يشعر به الشيخ. كان شيخنا الفاضل سيدي/ سليم يكرر أسئلة الاختبارات الشهرية والفصلية كل عام ، وكان الطلاب النابهون يدركون ذلك عن الكتب القديمة التي يعاد توزيعها عليهم سنة بعد أخرى ، حيث كان الطلبة القدامى يكتبون على كتبهم هذا سؤال شهري وذلك سؤال فصلي ، ولم يتنبه الشيخ إلى هذا الأمر . كنت أنا أحد هؤلاء الطلاب الذين عرفوا ذلك السر، وما كان منا نحن الطلبة المتفوقين إلا أن نحفظ إجابة الأسئلة عن ظهر قلب ، مثل الكتاب تماما ، لذلك لا يجد الشيخ مندوحة لكي ينقص من العلامات فتكون الدرجة مئة من مئة . وفي أحد الأيام ناداني الشيخ سليم وقال لي يا أحمد : أنت حصلت على الدرجة الكاملة في الاختبار ، وهذا موضع انتقاد بالنسبة لي ، فأنا سأضع لك درجة تسعة وتسعين من مئة ، وسأعدك بأن أزيدك درجتين بدلها في الاختيارات القادمة ، وقلت له : افعل ما تريد يا أستاذ . وعلى ذكر الدرجات حصل مع أحمد مفارقة أخرى مغايرة لما حدث مع الشيخ الفاضل/سيدي سليم ، وكانت هذه المرة مع الأستاذ/ محمود القواص مدرس مادة الاجتماعيات ( التاريخ والجغرافيا ) في إحدى اختبارات التاريخ كان السؤال عن معركة اليرموك ، وكنت أدرس مع خالي محمود ليلا في بيتهم ، وكان يسبقني بعدة سنوات دراسية ، وكان في كتاب تاريخ المرحلة الثانوية معلومات أكثر من كتاب المرحلة الإعدادية ، تصفحت ما كتب في كتاب المرحلة الثانوية وعلق في ذهني منها الكثير ، ضمنتها إجابتي في اختبار في المرحلة الابتدائية ، سُُر الأستاذ بذلك كثيرا ووضع لي في أعلى درجة الاختبار مئة وخمسة من مئة ، وقرأ أمام الطلاب ما كتبت عن معركة اليرموك ونوه بالمعلومات الزائدة عن الكتاب المقرر، وعندما سألني عن مصدر المعلومات قلت له إنني قرأتها من كتاب خالي في المرحلة الثانوية ، وقال لي أمام الطلاب لقد أحسنت يا أحمد ، وقد وضعت خمسة درجات زيادة ، سأضيفها لك إذا نقصت درجاتك في الاختبارات القادمة . أما الذنب الذي ارتكبته في موضوع الدرجات ولا زلت نادما عليه، وأسأل الله أن يغفر لي خطيئتي فكان مع أستاذ الرياضيات في المرحلة الإعدادية وهو الأستاذ/ أحمد فايز ، في أحد الاختبارات نقصت درجتي خمس درجات على غير العادة ، وكان هذا النقص بسبب نقص صفر في جواب أحد الأسئلة ، وكان خطأي أنني أمسكت قلمي ووضعت الصفر الناقص في الإجابة وذهبت إلى الأستاذ واتهمته بوجود خطأ في التصحيح عندي في الورقة، وادعيت بأن عندي صواب ووضع عليه الأستاذ خطأ ، مسك الأستاذ الورقة وتحقق من الصفر الموضوع حديثا وسألني هل أنت متأكد يا أحمد أن هذا الصفر كان قبل التصحيح؟؟!! كذبت حينها وقلت نعم فزاد الأستاذ الدرجة وهو يعلم أنني كاذب، ولكنه أخذ بمبدأ ( أقيلوا عثرات الكرام ) فإنه لم يعهدني كاذبا ، والحقيقة أنني لم استحق إقالة عثرتي ، وإنما كنت أستحق العقاب على الكذب العمد ، وأسأل الله المغفرة . ودارت الأيام ، وشاء الله أن يصبح أحمد مدرسا للرياضيات ، ويوما ما وفي أحد اختبارات الرياضيات، أخذ طالبي ورقة إجابته التي صححتها وذهب بها إلى البيت ، كان أبوه مدرسا وزميلي في المدرسة وكان له أخ أعلى منه بعدة صفوف دراسية ، وأم هذا الطالب مدرسة وزميلة زوجتي في مدرسة البنات . في صبيحة اليوم التالي قال لي زميلي والد هذا الطالب عاتبا : ( يا راجل أنت بدل ما تكرم الواد بكم درجة نقََصت درجاته ) ، وكان مشهورا عني دقة التصحيح وعدم التهاون في إعطاء الدرجات بدون حق ، ولا فخر في ذلك ، فالحق أحق أن يتبع ، فقلت له سأراجع ورقته وإن كان له درجة يستحقها فسأعطيه عنها درجتين عوضا عن مظلمته . . لا أنكر هنا أنني كنت – أحيانا – شديدا مع الطلاب وخاصة عند الغضب ، حتى أن أحد الطلبة السعوديين تجرأ وهو يمشي إلى جانبي خارج الصف في مدرسة ثانوية ضباء قائلا : ( يا الله ما أحسنك يا أستاذ أحمد وأنت تضحك ،ويا ويلنا منك وأنت غضبان ) . عندما دخلت فصل الطالب السابق ابن زميلي المدرس ، جاء عندي وورقة الإجابة في يده ، وهو يرجف من الخوف كأنه عصفور أصابه البلل ، قبل أن أتكلم معه أو أطلع على ورقته ، فهو يشعر بذنبه وذنب أخيه وأبيه اللذين أقنعاه بأن يكتب حلولا صحيحة جديدة وزيادتها على الورقة بخط يده ، وعندما راجعت الورقة وجدتها قد زيد عليها زيادات كثيرة في الإجابة وبخط نفس الطالب وقلمه بطريقة فنيه وهذه الزيادات جميعها لم تصحح ، وكأنني كنت نائما وأنا أصحح هذه الورقة ، ولم يؤشر عليها بالقلم الأحمر لا بالصواب ولا بالخطأ، بينما صحح ما قبلها وما بعدها صرخت في الطالب وقلت له أصدقني القول ، وإذا قلت الحقيقة فلن أضربك أبدا ، دمعت عيناه وأخذ يبكي وهو يرتجف خوفا وقال : إن أبي وأخي هما اللذان قالا لي اكتب هذا الحل هنا ، وهذا الحل هناك ، وكان هذا الاعتراف أمام جميع طلاب الصف ويكفي هذا إهانة لهم وفي غرفة المعلمين قابلني والد الطالب ، وعيناه تتقادحان يريد أن يعرف ، هل اكتشفت جرمه أم لا ، وقال لي : ( شفت ورقة إجابة حمادة يا أستاذ أحمد ) ، كاد المريب أن يقول خذوني ، فأجبته : نعم ، ولكن حمادة وللأسف اعترف لي بأنك وأخاه الكبير قد أمليتم عليه الحل الذي أضافه على الورقة ، واعترف بذلك أمام جميع طلاب صفه ، ومن دون أي عقاب !! . عندها صاح بأعلى صوته ، ( دا واد كذاب ) ، قلت عندها : الله وحده يعلم من الكاذب ، وعليك أيها الأستاذ أن تعلم ابنك الصدق!! وأنا أرى أن فاقد الشيء لا يعطيه . عزيزي قارئ هذه اليوميات أرجو أن لا تنكر عليََ حديثي عن الدراسة والتدريس ، فقد عشت الثماني عشرة سنة الأولى من حياتي طالبا ، والاثنتين والأربعين بعدها مدرسا ، وهكذا فالستون سنة الأولى من حياتي إما طالبا على مقاعد الدراسة أو مدرسا بين مقاعد الدراسة ، فلا تلمني قارئي العزيز أن أقحمك كثيرا في مشاكل الدراسة والتدريس ، فكان هذا قدري وكل ميسر لما خلق له ، وقدرك معي أن أطلعك معي على ذكرياتي حلوها ومرها ، ومن سره زمن ساءته أزمان. وتُذكرني هذه السنون الستون بقول الشاعر أحمد شوقي في حثه على تكريم المعلم: قــم للــمعلم وفه التبجـــيل كاد المــعلم أن يكون رسولا أرأيت أشرف أو أجل من الذي يبني وينشئ أنفسا وعقولا وفد عارضه في قصيدته الشاعر المعلم /إبراهيم طوقان- الذي مارس مهنة التعليم – بقوله : شوقي يقول وما درى بمصيبتي قم للمــعلم وفـــــــه التبجيلا لو جرََب التعليم شوقي ساعــــة لقضى الحياة شقاوة وخمولا حسب المعلم غمة وكـــــــــــآبة مرأى الدفاتر بكرة وأصيلا مئة على مئة إذا هي صححــــت وجد العمى إلى العيون سبيلا وترى ابن ( ؟؟! ) بعد ذلك كله رفع المضاف إليه والمفعـــولا لا تعجبوا إن صحت يوما صيحة ووقعت ما بين ( البنوك) قتيلا ولقد قال عميد الأدب العربي الدكتور / طه حسين وزير المعارف المصري في حينه، وفي عيد تكريم المعلم عبارته الشهيرة " المعلم أكثر الناس إجهادا وإملاقا " ودعا إلى تكريم المعلم بتحسين أوضاعه المادية والاجتماعية . وفي التصنيفات الاجتماعية في الأيام الحالية ، صار المعلم في مؤخرة الصفوف ، نظرا لدخله ومردودة المادي، وهذه نظرة خاطئة إلى المعلم الذي كان يحتل المراكز الاجتماعية الأولي فالعلماء ورثة الأنبياء ، والأنبياء لم يورثوا دينارا ولا درهما وإنما ورثوا العلم فمن أخذه أخذ بحظ وافر. وها هي إحدى فتيات المجتمع ترفض الزواج من الشاب حسام لا لعيب فيه سوى أنه معلم فتقول شعرا : أنا لا أريد حسام لست أريده أنا لا أريد حسام فهو معلم ويرد عليها الشاعر المعلم بقوله : إن الذي يبني الوجود بكفه أضحى بكف الجاهلات يهدم وقبل الانتقال في حديث الذكريات إلى مدرسة عقبة جبر الثانوية ، وحتى لا يمل القارئ متابعة أحاديث الدراسة والتدريس التي كانت من قدري وقدر قارئي يومياتي ، سأعود للحديث عن حياة الناس في هذه المخيمات التي استقر بهم المقام فيها ، ويئسوا من العودة إلى ديارهم التي كانوا يمنون أنفسهم بالعودة إليها في وقت قريب . كانت المؤامرة البريطانية الصهيونية أقوى من طموحاتهم بالعودة ، وكان التشرذم والانقسام العربي تحت قيادات مختلفة لم تستطع الصمود لمواجهة المؤامرة ، وحدثت الهدنة التي ساعدت على تثبيت دعائم العصابات الصهيونية في دولتهم الوليدة ، ومكنتهم من جمع شتاتهم ، ورجعت الجيوش العربية تجر أذيال الخيبة . وتشتت الشعب الفلسطيني مزقا في مخيمات في دول عربية شتى الأردن ، سوريا ، العراق ، لبنان ومصر، وتشكلت هيئة إغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين ، لتقدم أدنى مستويات ومتطلبات المعيشة التي توفر لهم الحاجات الإنسانية الضرورية. ثم بدأت في عمل بعض المرافق الضرورية ، كالعيادات الصحية والمدارس ، والمرافق العامة بين الأحياء كالمراحيض ، بعضها خاص بالنساء ، وبعضها للرجال ومتباعدة عن بعضها ، ثم نقلت لهم مياه الشرب في أنابيب ، وجعلت في مراكز معينة صنابير ( حنفيات ) موزعة على كل حي من أحياء المخيم . والتقسيم الاجتماعي للشعب الفلسطيني ، يصنف الناس ثلاث طبقات : أهل المدن الذين كانوا يمارسون التجارة والصناعات الخفيفة، وأهل القرى الفلاحين الين كانوا يمارسون الزراعة بمختلف أنواعها ، وأهل البادية البدو الذين كانوا يمارسون تربية المواشي وينتقلون بها حيث الكلأ والماء . بدأ بعض الرجال العمل بالتجارة في المخيمات على نطاق ضيق ، حيث فتحوا بعض الدكاكين الصغيرة لتوفير بعض الحاجات الضرورية ، ثم نمت تجارتهم شيئا فشيئا حتى صاروا من كبار التجار . وعمل بعض الناس في الزراعة ، فقد كانت أراضي منطقة أريحا ذات مساحات شاسعة، فيها الزراعات المختلفة ، بعض الأراضي لزراعة الحبوب وبعضها لزراعة الخضار بأنواعه ، وغالبيتها لزراعة الموز وأشجار الحمضيات المختلفة . وتشتهر منطقة أريحا بزراعة الموز ويسمى باسمها الموز الريحاوي ، وحقا إنه اسم على مسمى وإذا أراد أحد التجار أن يسوق ما عنده من الموز يقول: موز ريحاوي ، أبو ريحا يا موز. وتوزع الرجال الذين يسكنون مخيم عين السلطان خاصة ، كغيرهم في باقي المخيمات ، للعمل بهذه الأعمال بعضهم في الزراعة وبعضهم في التجارة ، وبعضهم عمل مع وكالة الغوث في الأعمال الخدمية ، أو في تنظيف شوارع المخيم وغيرها . وما أذكره أن الأجور كانت قليلة جدا، فلا يزيد أجر العامل من طلوع الشمس إلى غروبها عن خمسة وعشرين قرشا ، وإن زراعة الموز تتطلب قلب الأرض التي يزرع بها الموز كل سنتين أول ثلاثة ، وقلب الأرض يعني حفرها على عمق أكثر من متر ثم يجعل التراب السفلي علوي وبالعكس كنا نرى الرجال الذين يعملون في قلب الأرض كأنهم يعملون في حفرة عميقة لا نرى إلا رؤوسهم والعرق يتصبب من جباههم ، أعانهم الله على مثل هذا العمل الشاق ، لتأمين لقمة العيش لأبنائهم الصغار الذين يتضورون من الجوع ، في انتظار ربع الدينار الذي يستلمونه مقابل أجر يوم كامل ، يسدون به رمقهم ورمق أبنائهم . كان الناس يحاولون تنويع غذائهم ، فقد عافت نفوسهم العدس والفاصوليا والفول وعلب السردين وعلب اللحمة التي كانت توزع عليهم بين فترة وأخرى، وراحوا يبحثون عما تعودوا على تناوله من الخضار بأنواعها ، والأعشاب على اختلافها في أراضيهم المحتلة . وكانت أراضي منطقة أريحا ، أراضي خصبة ومروية عن طريق القنوات التي تتخلل هذه الأراضي وتجري فيها المياه من عين الديوك ،وعين السلطان ، وكان هناك موظفون مختصون يوزعون هذه المياه على مستحقيها بالدور، وعلى قدر الحاجة حسب المساحة ونوع المزروع ، وكان هناك بالإضافة إلى الخضار المختلفة المتوفرة بمنطقة أريحا من بندورة وبطاطا وباذنجان وكوسا وملوخية وكثير من الأعشاب التي اعتاد الناس طبخها وأكلها مثل الخبيزة و(الرجلة ) الفرفحينه، والعلت والحميض والحمصيص ، وكانوا يجنونها من الأراضي الخلاء وبدون تكلفة تدفع لأحد وهي من نعم الله التي لا تحصى . أما الخبيزة فتطبخ على طريقتين، الأولى خبيزة ورق، وتختص بطبخها النساء كبار السن ، لها طريقتها الخاصة في الطبخ، فهي تحتاج إلى ورق الخبيزة فقط دون السيقان و( المفتلة ) وهي حبيبات من الدقيق تفتل بطريقة خاصة، تضاف إلى الخبيزة وتحرك بآلة خاصة بها تسمى ( المفراك ) وهو عبارة عن عود طويل من الخشب ينتهي في آخره بعدة ثقوب يتخللها عيدان رفيعة متقاطعة متعاكسة الاتجاهات ، تمسكه المرأة من أعلى وتفركه بشكل دائري داخل قدر الخبيزة ليقوم بعمل الخلاط الكهربائي الحديث ، وتختلط أوراق الخبيزة بالمفتلة ، ثم يقلى لها الثوم بزيت الزيتون، ( ويطش ) فوق القدر فتسمع صوت ( الطش ) وتشم رائحة التقلية الزكية ، وبعد ذلك هات يا أكل ، حقا تأكل أصابعك بعد أكلة الخبيزة ، يا سلام ما أطيب طعم خبيزة أمي. أما الطريقة الثانية فهي الخبيزة المعصرة ، فتطبخ الخبيزة مع سيقانها ، وهي أشبه بطبيخ السبانخ ، تقطع وتحاس بزيت الزيتون والبصل ، وكل طريقة لها طعمها الخاص ونكهتها الخاصة وكانت خبيزة أمي لها طعمها الخاص مع اختلاف طريقة عملها . وكانوا يعملون لنا من الحميض والحمصيص أقراصا لها طعمها ومذاقها الخاص ‘، أما العلت فكان أحيانا يطبخ كالخبيزة وأحيانا يعمل منه سلطة العلت . وهكذا كانت الحاجة أم الاختراع ، وكان استغلال أعشاب البيئة شعارا اقتصاديا ، تقاوم به مرارة الحياة وقسوتها ، عوض عن السمن والعسل وزيت الزيتون ، والذي كان من جني أرضهم الطيبة التي بارك الله حولها ، استحوذ عليها أبناء القردة والخنازير، وشردوا أهلها ظلما وعدوانا ، ولكل ظالم نهاية . كان لأحمد مجموعة من الأصدقاء المقربين لديه ، اسحق أبو لبن ، عبد الله عدوي ، مصطفى هديب وفهمي العجوري ومعظمهم من الطلبة المجتهدين والمنافسين دراسيا ، وقد استمرت صداقتنا من الابتدائية إلى الإعدادية فالثانوية ما عدا صديقنا فهمي فقد انسحب إلى مجال الأعمال في نهاية المرحلة الإعدادية ، كنا نقضي معظم وقتنا مع بعض ، نذاكر ونراجع دروسنا في الخلاء في الهواء الطلق بين البساتين وشلالات المياه الجارية لتروي هذه البساتين ، وأحيانا نجتمع في الليل وخاصة أيام الاختبارات في بيت من بيوت أحدنا ، وأحيانا كنا نتناول الطعام مجتمعين في أحد بيوتنا ، ولن ننسى أن نذكر بالخير أمنا الكريمة أم اسحق – رحمها الله - (وزغاليلها) الشهية ، والزغاليل هي فراخ الحمام وكان الناس قد اعتادوا تربية هذه الطيور الداجنة في البيوت مثل الحمام والدجاج ، وكانت تتكرر هذه الأكلة الشهية عند أم أسحق كثيرا ، وكانت تحسب حسابنا مثل ابنها تماما ، لكل منا زغلوله وصحن شوربة ساخن مع صحن الأرز ، وكانت هذه الأكلة تعطينا سعرات حرارية زائدة تشجعنا على الاستمرار في السهر والدراسة ، وبعد تناول طعام الغداء أو العشاء نستمتع بشرب الشاي ، ونرتاح قليلا ، ثم نستمر في مراجعة دروسنا عن طريق الحوار والمناقشة ، أو حل مسائل الرياضيات والفيزياء إلى وقت متأخر من الليل وكثيرا ما كنا ننام عند بعضنا ، وخاصة في أيام الاختبارات ، كان يوجد في كتب الرياضيات أسئلة صعبة ذات نجوم عند رقم السؤال ، وتفسير هذه النجوم في أسفل الصفحة : أسئلة صعبة خاصة بأقوياء الطلاب - في التفكير والذكاء وليس في القوة البدنية - وكنا نستمتع كثيرا ونحن نقضي الوقت الطويل لحل مثل هذه المسائل ، وعندما يجد أحدنا الحل يصيح بأعلى صوته : وجدتها وجدتها مثل أرخميدس عندما وجد تفسيرا لقانون الأجسام الطافية وهو يسبح في بركة الماء. وإذا كنا بصدد الحديث عن بعض الأكلات المشهورة والتي كانت تتكرر في بيوت بعضنا ، فلن ننسى ( قلاية البطاطا والبندورة ) في بيت الصديق عبد الله عدوي والتي كانت تعده أختنا الفاضلة أم خالد شقيقة الأخ عبد الله ، ولقد كان لهذا الطبق مذاقه الخاص والله لن ننساه أبدا ، وكلما تجمعنا الظروف ، أو أثناء الاتصالات الهاتفيه بيننا نتذكر قلاية البطاطا والبندورة ذات الطعم الطيب في تلك الأيام الجميلة ، وأحيانا كنا نطلبها بأنفسنا وخاصة إذا حاولوا أن يعملوا لنا غيرها ، وتفرق الأصحاب ، ذهب عبد الله إلى الكويت ثم إلى ليبيا ، وذهب اسحق إلى السعودية ثم يوغسلافيا ، وذهب أحمد ومصطفى إلى السعودية وبقيا هناك حتى استغنت عنهم السعودية لإحلال كوادر وطنية بدلا منهم . وأتذكر من شقاوة الطلاب ونحن في المرحلة الإعدادية ، جاءنا معلم رياضيات خريج الجامعات الأمريكية ، وبعد فترة بسيطة لاحظنا ضعفه في تدريس مادة الرياضيات ، فتعمدنا اختيار الأسئلة الصعبة ذات النجوم ونطلب منه حلها أثناء وقت الحصة ، ولم يفكر مرة واحدة في حل أي سؤال فورا ، ويقول لأي طالب يسأله عن ذلك : اكتب السؤال على ورقة وغدا آتيكم بالحل . كان هذا المعلم طيبا لدرجة أنه تبسط معنا في الحديث عن ظروفه الصعبة عندما كان يدرس في أمريكا ، وأنه كان يعمل في تنظيف الأواني في أحد المطاعم الراقية لينفق على نفسه أثناء الدراسة وبدل أن يكون هذا الأمر عنوان تقدير واحترام لهذا المعلم العصامي ، أصبح مجالا للفكاهة والتندر من قبل بعض الطلبة ضعاف النفوس قليلي الحياء ، وعندما شعر المعلم الفاضل بهذا الأمر ، غضب وخاطبنا موجه الكلام إلى الطلبة ضعاف النفوس قائلا : كنت أتصور أنكم رجالا عندما حدثتكم عن ظروفي القاسية في أمريكا أثناء الدراسة ، صحيح أنا كنت أعمل في مطعم ،( ولكن هذا المطعم الوزير تبعكم ما بحط رجله فيه) ؟!! نأخذ من قصة هذا المعلم درسا ، ليس كل كلام يقال ، وإذا كان لا بد من القول ، فلا بد أن نعرف لمن نتحدث ؟ ولكل مقام مقال !! . ومن شقاوة العيال التي مارسناها أنا وأصدقاء الدراسة سابقي الذكر، أيام كنا في المرحلة الإعدادية كان لنا زميل في الفصل ولكنه ليس من شلتنا ، كان منافسا لنا في الدراسة، اسمه ]عبد الله سعيد عبد الله أبو الشيخ من عرب الجوابرة ، ويعمل الآن طبيب عام في مدينة مادبا ، كان يسكن مقابل بيتنا ، وعندما كنا نجتمع في بيتنا للدراسة أثناء الاختبارات ،لاحظنا أنه كان يراقب ضوء المصباح في بيتنا ، فإذا أخفضنا ضوء المصباح لكي ننام فبعد خمس دقائق يخفض ضوء مصباحه ويذهب للنوم ، فأصبحنا نخفض ضوء المصباح في وقت مبكر ونجلس نشرب الشاي ونراقب ضوء مصباحه ، فنلاحظ بعد فترة أنه يخفض ضوء المصباح ، نضحك في ما بيننا ونرفع ضوء مصباحنا فبعد قليل يعود للدراسة ويرفع ضوء مصباحه مرة ثانية وهذه من شقاوة العيال ، وعندما كبرنا ندمنا على هذا التصرف الذي كان يزعج زميلنا ، على الرغم من أن المنافسة الدراسية بيننا منافسة شريفة للحصول على أفضل الدرجات . أما عن المصباح الذي كنا نستعمله في ذلك الوقت فهو المصباح الكازي الزجاجي ، وهو مطور عن فكرة السراج ذي الفتيلة التي تعمل بخاصية الضغط الإسموزي ، والمصباح المطور يطلق عليه اسم ( لامظة ) ومنها نمر حسب حجمها فيوجد لامظة صغيرة نمرة اثنين ونمرة ثلاثة وأخرى كبيرة نمرة أربعة وهي التي كنا نستعملها في الدراسة لأنها تعطي ضوءا أقوى ، وهي واسعة وسميكة من أسفل لوضع الكاز بها ، ومخصرة من الوسط لوضع حامل معدني حتى يسهل تعليقها على مسمار في الجدار ، وتغطيها من الأعلى زجاجة أخرى رقيقة شفافة ضيقة من الأعلى لتحافظ على شعلة الفتيلة من حركة الهواء ولتعطي ضوءا صافيا ، ومن الذكريات الجميلة عن تلك اللامظة أنها كانت تخدمنا في بقاء الشاي ساخنا طيلة الليل ، فكنا ندق مسمارا آخر أعلى فوهة اللامظة الصغيرة المفتوحة من أعلى على بعد عشرة سنتميتر تقريبا ، ونعلق إبريق الشاي في ذلك المسمار العلوي فوق اللامظة فيبقى الشاي ساخنا طيلة الليل ، وآخر الليل يصبح لون الشاي أسودا مثل الدبس ، حلوا كالعسل ، ومع كل هذه العيوب كنا نشربه حتى يساعدنا على السهر والدراسة ، ما ألذ طعم شاي اللامظة !! قبل أن ينهي أحمد دراسته في المرحلة الإعدادية ، فجع بوفاة والده - رحمه الله – كان رجل كبير السن ، غير قادر على العمل في أيامه الأخيرة ، إلا إنه كان يدير شئون البيت بحكمته ودرايته ولم يشعر أحمد بتحمل المسئولية أثناء حياته ، وكان همه الأكبر منصبا على دراسته . كان والد أحمد يخرج مع جميع أفراد العائلة ، كل صيف في موسم حصاد الزرع ، ويصادف وقتها العطلة المدرسية ، وكانوا يعملون كل عام شهر أو شهرين في حصاد القمح والشعير، وكنا ننتقل هذه الفترة من مخيم عين السلطان بأريحا إلى وادي السير، حيث تتواجد حقول القمح والشعير في مساحات واسعة ، كان جميع أفراد العائلة يعملون في حصد الزرع بواسطة آلة ( المنجل ) وهو عبارة عن قطعة مسننة من الحديد تشبه القوس ولها ممسك خشبي ، يقف الحاصدون بجوار بعضهم كل واحد بعيد عن الأخر مقدار متر أم مترين في واجهة عريضة يحصدون الزرع بهمة ونشاط وهم يرددون بعض الأناشيد والأهازيج الحماسية التي تشجعهم في إنجاز العمل وهم لا يشعرون بالتعب ومنها : ( منجلي يا منجلك هذا لي وهذا لك ) ، ( اثنين شالوا الجمل والجمل ما شالهم ) (منجلي يا من جلاه راح للصايغ جلاه )، ( منجلي يا بو رزة ياللي شريتك من غزة ) ، ( هب الهوا يا ياسين يا عذاب الدراسين ) ، وفي حالة تأخر( المعزب ) من إحضار الشاي في الوقت المناسب فإنهم يخجلونه بأهازيجهم وهم يرددون أهزوجة الشاي ( يا براد اغلي لحالك لا سكر ولا شاي اجالك ) ( يا براد اغلي لحالك لا سكر ولا شاي اجالك ). وفي نهاية موسم الحصاد يعودون إلى مكان إقامتهم في مخيم عين السلطان بعد أن جمعوا حصيلة أتعابهم طيلة شهرين من العمل الشاق ، وهو ما بين 10 -15 كيسا من القمح ، يساعد على قضاء بعض حوائجهم بجانب المساعدات التي يستلمونها من وكالة غوث اللاجئين . كان أخي الكبير غير الشقيق عبد الله – يرحمه الله - يسكن عمان مع أسرته ، منفصلا انفصالا كليا عن العائلة ، وكان غير ملتزم بالإنفاق على أسرة أبيه وإخوانه الصغار، فكان يقول : إنه بالكاد يكفي نفسه وأسرته ، كانت ظروف الحياة قاسية وصعبة ، ولكن هذا لا يعفيه من التخلي كليا عن الأسرة الكبيرة ، وكان من ضمن أسباب هذا البعد أنه كان – يرحمه الله – في نزاع دائم مع والدة أحمد كل منهما لا يطيق الآخر ، كانا متقاربين في العمر ، وتؤثر فيهما نزاعات قديمة ، امتد أثرها حتى مراحل متأخرة من العمر . كان والدي يرحمه الله لا ينقطع عن الذهاب إلى منزل أخي عبد الله، يمكث عنده أياما، ويحضر معه كل مرة ما تيسر أن يحصل عليه من النفقات التي تزيد عن حاجة أخي وعائلته، فقد كان أخي ينفق على أسرته من ريع دكان صغير بعمان / طريق ناعور ، وهي منطقة جبلية تكثر فيها الكسارات وكان يقوم بتقديم خدمات الطعام والشراب لهؤلاء العمال الذين يعملون بالكسارات . عرف أحمد طريق العمل صغيرا، في العاشرة من عمره أو دون ذلك ، كان يستشعر حاجة أهله إلى النفقات المتزايدة ، وكان والده قد بلغ من الكبر عتيا ، فقد جاوز الثمانين ، وأحمد لا يزال على مقاعد الدراسة الابتدائية . فعندما كان الأهل يذهبون إلى وادي السير في الصيف وأثناء العطل المدرسية ،ينتقلون في سكناهم حيث موقع العمل (مكان الحصاد)،يسكنون في بيوت من الخيش أو القماش يطلق عليها (الخرابيش) جمع خربوش ، كان أحمد يذهب عند أخيه عبد الله في عمان ويمارس بعض أعمال المدينة التي تناسب عمره وحجمه . كانت باكورة هذه الأعمال بيع الجرائد ، الصحف اليومية ، كان يصدر في الأردن في ذلك الوقت ، على ما أذكر ، جريدتان هما : الجهاد وفلسطين وهما الأشهر إن وجد غيرهما ، كان يتصدر صحيفة الجهاد وتحت العنوان مباشرة ، بيت الشعر القائل: قف دون رأيك في الحياة مجاهدا إن الحيــــاة عقيدة وجــــــهاد أما جريدة فلسطين فاسمها يجعلها في غنى عن التعريف ، وهل يوجد أحد في العالم لا يعرف فلسطين التاريخ ، فلسطين الجغرافيا ، الأرض المباركة ، أرض ثالث الحرمين الشريفين المسجد الأقصى المبارك ، فلسطين القضية ، فلسطين النكبة ، فلسطين النكسة ، فلسطين المؤامرة ، فلسطين وعد بلفور من بريطانيا ( أعطى فيه من لا يملك حقا لمن لا يستحق )، فلسطين الشعب المشرد ، الصهاينة ودولتهم الوليد على حساب شعب فلسطين ، إنها القضية المستعصية في أروقة الأمم المتحدة من عام الثماني والأربعين وحتى الآن ، وحق شعبها في العودة يسير من سيء إلى أسوأ لأن النخاسين المتاجرين بالقضية أكثر عددا وأقوى من الجادين في المطالبة بالحق الأكيد . كان ثمن الجريدة زهيدا ، وكنا نتقاضى ( تعريفة ) تساوي نصف قرش عند بيع كل جريدة ، فإذا باع أحدنا ثلاثين جريدة ( صحيفة ) كان نصيبه خمسة عشر قرشا ، ينفق منها قرشين أو ثلاثة على أكله وشرابه والباقي يوفره لنفقات أهله ، لأنه يعرف ما وراءه . وعندما كبرنا ، كبرت طموحاتنا في الحصول على تحصيل أكثر ، انتقلنا إلى العمل في بيع الكعك بالسمسم ، كان لكل بائع منا فرش صغير و(حواة) على شكل حلقة من القماش توضع على الرأس لتحميه من التأثر بخشب الفرش وحتى لا يجرح الخشب فروة الرأس، وبيده ( سيبة ) مثلث من الخشب على شكل منصب لتضع عليه الفرش عندما تقف في زاوية ما من السوق وتصيح بأعلى صوتك : كعك بسمسم ، كعك بسمسم ، وكان بيع الحلويات بنفس طريقة بيع الكعك وقد جربنا المجالين طمعا في الوصول إلى تحصيل أكثر ، وكانت الأمور متقاربة مع فوارق بسيطة . وسنة بعد أخرى ، نمت أجسامنا ، وكبرت طموحاتنا في التعب والشقاء للحصول على دخل أفضل ودخلنا في جانب من الأعمال الشاقة والمؤلمة كلما تذكرها أحدنا وجال في خاطره الآن كيف كنا نتحمل ذلك الشقاء ونحن أطفال ولما نصل مبلغ الرجال بعد ،إلا أننا نذكرها بفخر واعتزاز ، لأننا رغم صغر عمرنا وضآلة أجسامنا في تلك المرحلة كنا نقوم بالواجب تجاه أهلنا ونوفر لهم ما يسدون به رمقهم ، لقد كان يجوب أسواق الخضرة على سقف السيل كثير من الشباب الصغار والكبار ، يحملون سلالا مصنوعة من البوص مختلفة الأحجام ، كل حسب حجمه ، ويربط بالسلة حبلان معلقان على الكتف ومربوطان بالسلة يشدانها إلى ظهر حاملها ، وكان هؤلاء الصبية الصغار يحملون أغراض الناس وحوائجهم من خضرة وغيرها ، إلى سياراتهم أو إلى بيوتهم أينما كانت ، وأجر كل مشوار حسب مسافته ، وحسب كرم أو نتانة صاحب الأغراض ، ودخل صاحبنا أحمد في هذا المجال مع من دخل من أصحابه وذوي قرباه ، وكان مقدار التحصيل أعلى من ميادين العمل السابقة رغم مشقة هذا العمل الأخير . أحيانا كان صاحب الأغراض يسير بك مسافات طويلة مرهقة ، فأحينا يصحبك إلى جبل الجوفة وأحيانا أخرى إلى شارع السلط ، أو طريق رأس العين أو يصعد بك درج جبل عمان بطوله الذي يزيد عن مئة درجة متراكبة بعضها فوق بعض حتى تصل إلى شارع الخرفان ، وعندما تصل إلى بيته بعد قطع هذه المسافات الطويلة وأنت تحمل السلة مليئة بكل ما هب ودب من الخضر والفواكه تشم رائحتها ويحرم عليك طعمها ، عندما تصل البيت وتنزل الحمولة ويفرغها داخل البيت ويمد يده إلى جيبه ليحاسبك على تعبك معه تبدأ يده في الارتجاف ، ويبدأ يفكر كم يعطيك قرشين أو ثلاثة أم أربعة ، وإذا أوصلها إلى الشلن ( خمسة قروش ) كان هذا كريما معطاء . وأصر الفتى أحمد على خوض مختلف مجالات العمل المتاحة في عمان ،بحثا عن الدخل الأفضل في كل مرة ، وفي هذه المرة جرََب أشق الأعمال على الإطلاق وهو العمل في الكسارات ، حيث كان أخوه عبدالله يفتح مطعمه ودكانه بجوار هذه الكسارات ، وكان يقدم للعمال وجبات إفطار وغداء ويشربون عنده الشاي ، فكان بمثابة دكان ومقهى ومطعم لهم . وعمل أحمد في الكسارة طمعا في الحصول على الأجر اليومي الثابت ، خمسة وعشون قرشا يوميا ، والعمل طيلة اليوم (من طلعتها إلى مغيبها ) ، وكان أصحاب الكسارات يضربون بقانون العمل عرض الحائط ، والذي لا يعجبه العمل ، مع ألف سلامة معه. كان أبو أحمد الحديثي صاحب الكسارة التي عمل بها أحمد ، كان رجلا سياسيا وذو حنكة إدارية فائقة ، فإذا جاء وقت الانصراف ( عند مغيبها ) وجاءت سيارة في آخر الوقت تريد تعبئة رمل وكان الرمل غير كاف لتعبئة السيارة ، أوعز إلى أهل بيته المجاور للكسارة قائلا: لهم اعملوا براد شاي كبير ، يكفي جميع العمال ، يسقينا كاس شاي ويطلب تحضير رمل لتعبئة السيارة . وما كان اليوم الذي كنا نعمل فيه بالكسارة ينتهي ، حتى يأخذ التعب منا كل مأخذ ، حتى أن أحدنا يجر نفسه جرا وهو في طريقه إلى البيت ، وعندما يغسل وجهه ويستنشق يخرج أثار دقيق غبار الكسارة من أنفه لأنه كان يعمل داخل زوبعة من غبار الكسارة حيث طحن الحجارة مستمر طيلة ساعات النهار رغم كل هذا التعب ، فقد كنا نستمرئ العمل الشاق لأنه يحقق لنا دخلا ثابتا ويجعلنا قادرين على أن نمير أهلنا بحاجاتهم ونحقق لهم حياة أفضل . بينما كان الصحابة يجلسون حول رسول الله صلى الله عليه وسلم في المسجد ، إذا بشاب يحمل معوله على كتفه ويتوجه إلى عمله نشيطا ، فقال أحد الصحابة لو كان هذا النشاط في سبيل الله، فقال عليه الصلاة والسلام بما معناه أو كما قال : " إنه إن كان يسعى على أبويه كبارا فهو في سبيل الله ، وإن كان يسعى على أولاده صغارا فهو في سبيل الله ، العمل عبادة " (1). ومن الأحداث الجديرة بالذكر وأنا أعمل في عمان ، حدث ذات يوم أن كنت سائرا قريبا من بناية البنك العربي وسط عمان ، كان موظفو شركة قمصان التاج – ماركة قمصان أردنية في ذلك الزمن – يثبتون ( كارمة ) لوحة إعلانية خشبية كبيرة لإنتاج الشركة أبعادها (3×1)م ، على شرفة العمارة التي يعملون بها في الطابق الثاني ، وشاء قدر الله أن تسقط اللوحة من أيديهم على الشارعتحتهم ، وكان من نصيبي في تلك اللحظة أن أكون أحد المارين في الشارع ، فأصابت أحد الشرطة المارين على كتفه وكان أطول مني ، وأصابتني بشكل مائل فأزاحت معظم غطاء جلدة رأسي عن مكانه ، وخفف عني طول الشرطي قليلا لأن اللوحة وصلته أولا بسبب طوله ، وسال الدم غزيرا ولم أدر عن نفسي إلا وأنا تحت الفحص في أحد المراكز الصحية وسط البلد ، وبمجرد أن شاهد الطبيب كبر الجرح وغزارة الدم النازل من مؤخرة الرأس طلب تحويلي فورا لمستشفى البشير لخطورة الحالة ، ولحظتها بدأ الخوف يتملكني وبدأت دموعي تنهار غزيرة ، خصوصا أنه لم يوجد معي أحد من أهلي يشد من أزري في تلك اللحظة الحرجة ،وللحق أقول كان يرافقني مسئول الشركة وبعض موظفيها وأحد الشرطة ، وفور دخولنا قسم الطوارئ بدءوا فورا في إعطائي بنج موضعي وبدءوا يحلقون الشعر حول الجرح وفحصوا عظام الجمجمة ، وبعد أن انتهى الطبيب من فحص عظام الجمجمة بدقة ، حمد الله قائلا : عظام الجمجمة سليمة والإصابة في الجلد فقط ، عندها عادت الطمأنينة إلى نفسي وحمدت الله كثيرا ، وبعد أن انتهت إجراءات الإسعافات الأولية بخياطة جلدة الرأس تسع غرز لا يزال أثرها باق في مؤخرة حتى الآن، سألوني عن أهلي وعنوانهم وبعد فترة بسيطة جاء والدي وأخي عبد الله إلى المستشفى وسجلوا شكوى ضد شركة قمصان التاج ، وكان المسئول لا زال موجودا ، اعتذر لوالدي وقال له الحمد لله على سلامة الشاب ونحن على استعداد لمعالجته ولأي شيء تطلبونه ، وفي المحكمة تنازل والدي – رحمه الله -عن القضية وقال الحمد لله الذي سلم لنا ولدنا ولا نريد شيئا .-------------------------------------------------------------------------------------------- (1) رواه الطبراني ، حديث صحيح . بعد وفاة الوالد عام ألف وتسعمائة وستين ، كان أحمد لم ينه الصف الثالث الإعدادي بعد ، وجد نفسه رجل البيت بصفته أكبر الأبناء الذكور ، وكان هذا قدره ، أن يكون المعيل لهذه الأسرة بعد الله ، رغم أن الوالد كان كبير السن ، ولا يقوى على العمل، إلا إنه كان مظلة لهذا البيت يشرف عليه ويتدبر أمرها بالطريقة التي كان يراها مناسبة .فكر أحمد طويلا في الأمر ، وأخيرا قرر أن يتخذ قراره الصعب والذي لم يخطر على بال أحد ، والذي يلغي كل طموحاته وآماله التي كان يبنيها في الهواء ، بأنه سيكون ذلك الطبيب أو المهندس خصوصا وأنه كان من الطلبة المتفوقين دائما . قرر أحمد ترك المدرسة والدراسة ، جمع كتبه المدرسية والتي كانت بمثابة عهدة في ذمته تستلمها المدرسة آخر كل عام دراسي ، لتوزع على من بعده من الطلاب ، جمع كتبه واغتنم فرصة عدم وجود والدته في البيت ، وضع الكتب أمام أخته التي تكبره بسنتين وقال لها : غدا أعيدوا هذه الكتب إلى المدرسة، فأنا سأترك المدرسة وسأذهب الآن إلى عمان للبحث عن عمل ، أستطيع بأجره أن أوفر لكم الحد الأدنى من العيش الكريم . أجهشت أختي بالبكاء ، وأمسكت بي بشدة ، بكينا معا بكاء مرا ، أفلت من بين يديها ، وخرجت مسرعا حتى لا تراني أمي وأنا خارج من البيت ، فإنها ستقيم الدنيا ولا تقعدها ، خصوصا أنني كنت من أوائل الطلبة في المدرسة ويعقدون علي آمالا كبيرة . خرجت مسرعا وسرت عكس اتجاه الحافلة التي تنقل الناس إلى مدينة أريحا ، حتى لا يتبعني أحد ويجبرني على العودة إلى البيت ، وعندما ركبت الحافلة لم يراني أحد ، وكنت أحاول أن أتوارى خلف المقعد حتى لا يراني أحد ، وقلت في نفسي إذا وصلت أريحا وركبت في (باص) عمان تنتهي مشكلة البحث عني ولن يستطيع أحد العثور عليََ في عمان ، وإن شاء الله يرزقني بعمل أستطيع أن أعيل من أجره أمي وإخوتي الخمسة .هرولت أختي تبحث عن أمي لتخبرها بالنبأ الذي اقض مضاجع الجميع ، وبمجرد علمها بالخبر ، سارعت إلى خالي محمود الهودلي وهي تبكي وتقول له :( الحقني يا خوي ، أحمد رمى الكتب وترك المدرسة وراح يشتغل في عمان هيك قال لأخته ) .وما هي إلا لحظات حتى قرر خالي محمود اللحاق بي إلى أريحا ، عسى أن يدركني قبل السفر إلى عمان فتكون المهمة أسهل ، ويا للصدف ركب خالي محمود نفس الباص الذي كنت أركبه وبمجرد أن صعد في الباص وقعت عينه على عيني فجاء وجلس إلى جانبي ، بكيت لما رأيته وبكى لبكائي،حاول جاهدا أن ينزلني من الباص فرفضت بشدة ، وبكينا بكاء مرا ، فرق لحالي وتركني حتى وصلنا أريحا أصر بإلحاح أن يحمل ( صرة ) ملابسي الصغيرة ، كان والله وما يزال حنونا جدا عليََ وعلى كل من يعرفه ، وقد فطر على محبة الناس ومساعدتهم ، فكيف وأنا ابن أخته. وبقينا في شد وجذب ، يحاول إقناعي وأنا أرفض الفكرة ،وقلت له : يا خالي أنا أصبحت الآن رجل البيت ولا معيل لنا غير الله ، وهذا قدري أن أكون مسئولا عن أسرتي ، أعمل وأنفق عليهم والله لن يضيعنا . عندها قال لي : لا تتصور يا أحمد كيف تركت حال والدتك ، إنها تبكي وتقول ولدي ولدي وإذا لم ترجع ، فإنها ستترك البيت وتذهب للبحث عنك في كل مكان . يا خالي اسمعني وافهم ما سأقوله لك : يا خالي إنك طالب شاطر في المدرسة ، وبقي عليك ثلاث سنوات حتى تأخذ التوجيهي ، وبعدها إن شاء الله تعمل في وظيفة محترمة ، وتنفق على والدتك وإخوانك . وأنا الآن مستعد أن أنفق عليكم قدر استطاعتي ، وأسجل ما أنفقه عليكم ليكون دينا عليك ، ارجع معي فلن أخذلكم إن شاء الله ، والله يعينني على ذلك . وأمام إصرار خالي الذي كنت أحبه كثيرا وهو جدير بذلك ، ولا زلت أحبه وأقدره وسأبقى كذلك ما حييت لأنه صاحب الفضل علي بكل ما وصلت إليه بعد الله عز وجل . عدت إلى البيت فحضنتني أمي بشدة فرحة باكية لعودتي هي وإخواني من حولي وبفضل من الله أولا ثم بتعاون خالي محمود معنا تم جمع شمل العائلة ، كان أصغر أخوتي لا زال رضيعا ، فقد ولد بعد وفاة والدي بثلاثة شهور، فقد كانت أمي حاملا في شهرها السادس عند وفاة والدي رحمه الله ، وقبل خروج جنازة والدي من البيت ، وقفت والدتي أمام الرجال وقالت اشهدوا أنني حامل وأنا الآن في الشهر السادس ، وهذا الأمر من عادات العرب . وللحق أقول لقد وفى خالي محمود بوعده ، وبما سمحت به إمكانياته وزيادة على ذلك فقد كان نعم الخال والأخ والأب الحاني ، وأشهد الله وأشهد التاريخ بأن خالي محمود كان يمد يده على درج دكانه ( ويكبش لي كبشة ) من النقود الحمراء والبيضاء التي بداخل الدرج ، لا يدري كم عددها ويضعها في جيبي وأنا ذاهب إلى المدرسة ، وكنت أجد فيها القروش ( والتعاريف ) أنصاف القروش ، ( والقرطات) ، والقرطة تساوي قرشان ، (والشلنات) والشلن يساوي خمسة قروش ، (والبرايز) والبريزة تساوي عشرة قروش في وقت كانت فيه القروش عزيزة . جزى الله خالي محمود خير الجزاء، على كل ما قدمه لنا من إحسان ، وأنا شخصيا مدين له بعد توفيق الله بكل ما وصلت إليه من نجاح والحمد لله . ومن فضل الله على خالي محمود ثم بفضل إحسانه وصلته لحرمه ، أن بسط الله عليه في رزقه ولم يشعر بالفاقة قط رغم الظروف الصعبة التي مر بها الناس ، ودائما ولا زال المفضل والمقدم في جماعته، فالله تعالى لن يضيع أجر المحسنين ، لقد أحسن لنا ، ولكثير من الناس غيرنا ،ولا يزال رجلا محسنا ، احتضن عددا من أبناء أخيه وزوجهم بناته وأسكنهم في ملكه وبجواره ، أصلح الله شأنه وشأن من حوله،ونسأل الله أن يجازيه عنا خير الجزاء، ولن ننسى فضله ما حيينا .وقبل أن ينتقل الطالب أحمد من مدرسة عقبة جبر الثانوية إلى مدرسة هشام بن عبد الملك بأريحا لا بد من ذكر قصة غريبة وعجيبة حدثت معه في هذه المدرسة وخلاصتها : في نهاية العام الدراسي في الصف الأول الثانوي ، كان بعض المدرسين يطلبون من بعض الطلاب المجتهدين والمؤدبين ، أن يأتوا إلى المدرسة ، ليساعدوا المدرسين في نقل الدرجات وجمعها وعمل شهادات الطلاب . وقد طلب مني الأستاذ عبدالله شبيب مدرس مادة الدين أن أحضر إلى المدرسة لمساعدته ، وكل أستاذ في غرفة المدرسين كان عنده طالب أو طالبان على الأقل . وبمجرد دخولي غرفة المدرسين قابلني الأستاذ شاهر حيمور مدرس مادة الوطن العربي ، وقال لي : أنت ممتاز في الاختبار وحصلت على درجة 95 من مئة ، لم أستغرب ذلك فقد كانت مادة الوطن العربي من المواد السهلة وحجمها صغير كذلك ، وقلت له شكرا يا أستاذ . ومضيت في طريقي إلى عند الأستاذ عبد الله شبيب وكان رائد صفنا ، وعنده تجتمع جميع علامات فصله لكتابة شهادات الطلاب ، وجلست بجانبه لأساعده في إعداد الدرجات ، وعندما وصلت إملاء مادة الوطن العربي ، وكان أسمي في مقدمة الأسماء ، وجدت أن درجتي ستون من مئة وليس خمسا وتسعين كما قال الأستاذ شاهر، ومعنى ذلك أن يتأخر ترتيبي في الفصل عدة مراتب، وظننت أنه أخطأ في نقل الدرجة على دفتره ، وأنا أعرف ماذا أجبت والمادة سهلة . توجهت إليه لأسأله عن حقيقة هذه الدرجة ، وعندما رآني متوجها نحوه ، قام من مكانه غاضبا وصرخ في وجهي بصوت مرتفع ، أخرج من الغرفة ، ونظر إلى حجر كبير كان يرتكز عليه باب غرفة المدرسين ، وهجم عليََ يريد أن يضربني بالحجر، وقام جميع المدرسين وتوجهوا نحونا وقالوا لي أخرج من الغرفة يا أحمد، فخرجت ، إلا أنه قذف الحجر نحوي، لولا أنني انحرفت عنه لآذاني. عندها لم أتمالك نفسي ، فحتى تلك اللحظة لم يكن بيني وبين هذا المدرس إلا كل الاحترام بين الطالب ومعلمه ، وقبل دقائق بشرني بحصولي على درجة خمسة وتسعين من مئة . لم أتمالك نفسي وهجمت عليه متفلتا من بين أيدي المدرسين الذين حاولوا منعي بقوة من الوصول إليه، عندها هجم علي ومد ساقه يريد أن يركلني بها ، كانت رجلي أطول من رجله ، فرددتها إليه وأنا بين يدي المدرسين ، وأنا نادم الآن على التصرف الأحمق مني تجاه أستاذ كان يجب علي احترامه مهما أخطأ بحقي . وعندما سمع مدير المدرسة الأستاذ / توفيق الحمد جلبة وضوضاء قريبة من إدارته ، وكانشديدا حازما على الجميع، وعندما رآنا على هذا الحال ، صاح بي موبخا وقال لي : اذهب وقف خارج الإدارة واصطحب الأستاذ شاهر معه للإدارة ، وذهب كل مدرس إلى عمله . خرج الأستاذ من عند المدير غاضبا مهددا ، وطلب مني المدير الدخول، وسألني عما حدث، فأخبرته بما حصل بالضبط ، وأخبرته بنا تسرب لنا من كلام عل لسان بعض الطلاب المقربين إليه وأنه لا يصحح الأوراق ويضع الدرجات مزاجيا ، وأن الطلبة الذين كتبوا أغاني أم كلثوم على ورقة الإجابة حصلوا على درجات كاملة أو مرتفعة . كان مدير المدرسة يعرف عنه الكثير من التصرفات الفوضوية الهوجاء وغير المتزنة، طلب مني أن أكتب شكوى أضمنها ما حصل معي ، وأطلب إعادة تصحيح مادة الوطن العربي . جاءني الأستاذ عبد الله شبيب وأنا أكتب الشكوى ضد المدرس فانزعج وطلب مني التنازل عن هذه الشكوى لأنه وحسب قوله : ستخرب بيته ، فإذا جرى التحقيق سيدان بأشياء كثيرة كانت بادية من تصرفاته غير السليمة ، أخذ من الشكوى ومزقها . شكرني الأستاذ عبد الله وطلب مني أن أعود إلى البيت ولا داعي للحضور لغرفة المدرسين حتى لا يحدث الاحتكاك مرة ثانية ، وبالنسبة لترتيبك فلن يؤثر عليك هذا العام فأنت ناجح ومن أوائل الطلبة ، وأنا سأقنع المدير بسحب الشكوى ، وسيعمل المدير على نقله من المدرسة إلى مدرسة أخرى وهذا يكفيه ، ولا أريد أن يأخذ عنك المدرسون أنك شكوت معلمك يوما ما . ومن غريب الصدف أن أتقابل مع هذا المدرس في السعودية في منطقة الطائف، حيث كان كلانا يعمل مدرسا متعاقدا في الطائف ، تقابلنا بالأحضان ، ورحبت به أجمل ترحيب ، ودعوته لضيافتي ودعاني هو كذلك ، ونسي كل منا ما حدث بيننا ولسان حالنا يردد قول الشاعر: من اليوم تعارفنا ونطوي ما جرى منا فلا كان ولا صار ولا قلتم ولا قلنـــــــــا في السنة الثانية الثانوية صدر قرار الحكومة الأردنية بأن تكون جميع المدارس الثانوية في المملكة تحت إشراف وزارة التربية والتعليم ، ويبقى إشراف وكالة الغوث على تعليم أبناء اللاجئين الفلسطينيين لنهاية المرحلة الإعدادية فقط . خُصصت مدرسة هشام بن عبد الملك بأريحا كمدرسة ثانوية للتوجيهي العلمي ، ومدرسة عقبة جبر الثانوية للتوجيهي الأدبي ، وأصبحت مدرسة حكومية وليست تابعة لإشراف وكالة الغوث . ومما هو جدير بالذكر ونحن في بداية هذه المرحلة في المدارس الحكومية ، كانت هذه السنة الأولى التي يدرََس في مدرسة هشام بن عبد الملك التوجيهي العلمي ، فلم يكن يوجد في المدرسة مدرسون متخصصون لتدريس التوجيهي العلمي خاصة في تخصصات الرياضيات والفيزياء والكيمياء والأحياء، حسب النظام المعمول به في ذلك الوقت . كان الطلبة المحولون لهذه المدرسة لدراسة التوجيهي العلمي هم نخبة النخبة من كل طلاب منطقة أريحا من مخيمات عقبة جبر ، عين السلطان ، النويعمة ، الكرامة ، العوجا ، فضلا عن طلاب سكان مدينة أريحا نفسها ، ومعظمهم بل غالبيتهم من أوائل الطلبة على صفوفهم ، ويطمحون في الحصول على معدلات مرتفعة لإكمال دراستهم الجامعية . بدأت الوزارة بالفعل في توجيه بعض المدرسين المتخصصين في المواد العلمية ، وكان في طليعتهم الأستاذ / محمد وصوص تخصص فيزياء من الجامعة الأمريكية في بيروت ، وكان نعم المدرس أخلاقا وإجادة لمادته العلمية ، وعيََن الأستاذ/ إيميل تخصص كيمياء خريج الجامعات الأمريكية ، كان نعم المدرس أخلاقا وحياء ، ولكن تبين لنا بعد مدة بسيطة أنه لا يعرف من الكيمياء إلا اسمها ، حاول في البداية أن يشرح لنا بعض دروس الكيمياء ، ذات المستوى العلمي المرتفع ، ولكنه لم يوفق من إيصال المعلومة للطلاب ، كان يقرأ من الكتاب الذي بين يديه ثم يشرح فقرة فقرة، ويعود للقراءة ثانية وهكذا بدون ربط بين الفقرات . حاول تبرير موقفه لنا من عدم قدرته على شرح الدرس بشكل جيد ، فقال أنا درست في أمريكا باللغة الإنكليزية ، وكتاب المدرسة باللغة العربية ، وأنا حضرت بالطائرة وشحنت كتبي بالباخرة وعندما تصل سأحضر الدروس منها بشكل جيد ، ضحك كثير من الطلاب من هذا التبرير وأخذوا يفكروا بطريقة للخلاص من هذا المدرس الذي سيقضي على طموحاتنا. وكان هذا المدرس يحاول أن يقضي وقت الحصة ( بالسواليف ) عن الحياة في أمريكا ، ريثما تأتي الكتب في الباخرة من أمريكا ، ظنا منه بأننا اقتنعنا بهذا الأمر، وكنا نحطط لغيره ، وفي إحدى المرات قال لنا : إنه كتب قصيدة وهو في الطائرة باللغة الإنجليزية يصف ( يتغزل ) فيها بمضيفة الطائرة وقد أسقط على قصيدته الغزلية دراسته الكيميائية، فشبه المضيفة بالالكترونات التي تدور حول النواة في التركيب الذري ، فشبه المضيفة وهي تتحرك بين المقاعد لخدمة الركاب بالالكترونات وهي تدور حول نواة الذرة ، وكان لنا زميل في الصف صاحب نكته يحب المزاح كثيرا ، كان في كل حصة كيمياء ، ينقذ الأستاذ من ورطته في شرح الدروس ، فيقول له إذا سمحت يا أستاذ إيميل أقرأ لنا قصيدة المضيفة ، فيحمر وجهه خجلا ويبدأ في قراءة القصيدة والطلاب يضحكون ، فشر البلية ما يضحك ، فالحقيقة أنهم يبكون من داخلهم على هذا الابتلاء ويتمنون الخلاص منه في كل لحظة ، لأن كل لحظة تمر تؤثر في طموحات نخبة النخبة . وكان مدرسو المواد العلمية الأخرى من المعلمين المعينين سابقا في المدرسة ، الأستاذ وديع الخوري / مترك قديم ، الأستاذ /عمر السريسي - دار معلمين ، الأستاذ / الباشا – دار معلمين يدرس الرياضيات ولم يسبق له أن درس موضوع الهندسة الفراغية فكيف سيدرسها ، وقد صرح لبعض المقربين منه بأنه سيذهب ليدرسها عن مدرس متخصص ثم يدرسها للطلاب . اجتمع طلاب الصف الثالث الثانوي العلمي بمدرسة هشام ، وكان من بينهم الطالب أحمد وقرروا أن يبعثوا خطاب مفتوح لوزير التربية ، ومدير التعليم بمنطقة القدس ، يطلبوا فيه تعيين مدرسين أكفاء بالمدرسة لتدريس المواد العلمية . لم يكن التجاوب كاملا مع خطاب وزير التربية ، وخطاب مدير تعليم بالقدس ، فما زال معلم الكيمياء ، ومعلم الرياضيات موجودين ويدرسان موادهم للقسم العلمي ، وأوجه ملاحظتي هذه إلى المسئولين في أي موقع، بأن لا يهملوا أو يتجاهلوا طلبات الشباب ، خصوصا إذا شعر الشباب بالظلم، فالظلم لا يولد الثورة ولكن الشعور بالظلم هو الذي يولد الثورة . نعم شعرنا نحن طلاب الصف الثالث الثانوي العلمي بمنطقة أريحا بالظلم ، فاتفق جميع طلاب الصف على عمل إضراب عن دراسة يوم كامل حتى يأتي أحد المسئولين الكبار ورفع مظلمتنا إليه وتسليمه طلباتنا المشروعة في نظرنا . وفي صبيحة ذلك اليوم المتفق ، أغلقنا باب غرفة عن طريق صف المقاعد الدراسية خلف الباب، حيث لا يستطيع أحد أن يفتحه من الخارج وكلما يحضر مدرس للفصل يجده مغلقا ويعود من توه لإدارة المدرسة . تفاجأ مدير المدرسة والمعلمون بهذا العمل المنظم ، وحاولوا الحديث معنا من الشبابيك ، وكنا جميعا ندير وجوهنا عنهم وحتى لا تقع عيون أحدنا في عيونهم ، ولنثبت لهم بأن عملنا جماعي وليس عملا فرديا . كنا قد سجلنا مظلمتنا ومطالبنا على ورقة كبيرة ، وقع عليها جميع طلاب بدون استثناء أحد ، كان الطالب عبد الفتاح غانم أحد العناصر الأقوياء في قيادة هذا الإضراب ، مسك ورقة المطالب وقذف بها من الشبابيك العليا الصغيرة بعد أن طواها عدة طيات وثبتها على رأس مسطرة وقذف بها إلى خارج الصف . مضت الحصة الأولى والثانية والثالثة ونحن لا نزال معتصمين داخل الفصل ، وندير ظهورنا لمن يطرقون علينا النوافذ ، ولاحظنا بعد فترة وجود أناس كثيرين من خارج المدرسة ، ثم جاءت قوات الأمن وانتشرت في ساحات المدرسة .قررنا جميعا ترتيب مقاعد الدراسة والجلوس عليها وفتح الباب ، واخترنا المتحدثين باسم طلاب الصف ، وكان عبد الفتاح غانم على رأس هؤلاء المتحدثين ، وكان قد وصل المدرسة حتى تلك اللحظة ، مدير منطقة القدس التعليمية ، حيث كانت أريحا تتبع القدس تعليميا ، ووصل قائد منطقة أريحا العسكرية - ولا أدري رتبته العسكرية – السيد/ فضل الدلقموني فقد كانت النجوم والتيجان تغطي كتفيه ، ووصلت المدرسة لجنة علمية من وزارة التربية والتعليم برئاسة الأستاذ/ جريس قمصية ، كانت مهمتها تقصي حاجات المدارس من المدرسين الأكفاء . دخل علينا مجموعة منهم بمجرد أن فتحنا باب الفصل، دخلوا وعلامات الغضب بادية على وجوههم ، وبعضهم كان لا يزال ينفخ بقايا لفافة تبغه – رغم منع التدخين أمام الطلبة – تكلم مدير التعليم أولا وأدان اعتصامنا بهذه الطريقة ، وقال : إن معظمكم أتى من مدارس الوكالة ولأول مرة يدرس في المدارس الحكومية ، وهناك فرق في الأنظمة بين هذه المدارس ، اطلبوا ما تريدون بهدوء ولا تعودوا للشغب مرة ثانية ، وتحدث قائد المنطقة العسكرية بلهجة شديدة ، لقد أخطأتم بتصرفكم بهذه الطريقة ، ولو لم تفتحوا الباب بأنفسكم لفتحناه بالقوة وتعرضتم جميعكم إلى طائلة العقاب ، عليكم بإتباع الطرق الرسمية للوصول إلى ما تريدون ، ولا تعودوا لمثل هذا التصرف وإلا تحرموا من حسن السيرة والسلوك ، وهو المفتاح الذي يساعدكم في الدخول إلى الجامعات والعمل بالوظائف الحكومية . أما الأستاذ جريس قمصية فقال : نحن لجنة تقصي حاجات المدارس من المدرسين ، نطوف بمناطق المملكة للتعرف على احتياجات المدارس ولو صبرتم لتحققت مطالبكم دون ارتكابكم لهذا التصرف المخالف للنظام . وطلب منا مدير تعليم منطقة القدس سماع ما نريد ونطلب ، فوقف فورا الطالب عبدالفتاح غانم فسأله مدير التعليم : من فوضك في التحدث باسم طلاب الصف ؟ قلنا جميعا وبصوت واحد : نحن فوضناه بالتحدث باسمنا ، وذهل الجميع من دقة تنظيم الإضراب . تكلم مندوبنا عبد الفتاح غانم بكل جرأه وقال : نحن طلاب القسم العلمي بمنطقة أريحا ونخبة النخبة من جميع طلاب المنطقة ، وجميعنا من أوائل الصفوف في مدارسهم ، ونطمع بالحصول على معدلات مرتفعة في اختبار الثانوية العامة لإكمال دراستنا الجامعية . وقد لاحظنا أن بعض المدرسين الذين تعينوا لتدريسنا في المدرسة ، غير قادرين على أداء هذه المهمة فمثلا مدرس الكيمياء يقول لنا أنه درس في أمريكا وعاد بالطائرة وشحن كتبه بالباخرة ، وعندما تصل الكتب سيشرح لنا الدروس بشكل جيد. وأستاذ مادة الرياضيات خريج دار المعلمين ولم يسبق له أن درس موضوع الهندسة الفراغية خلال حياته الدراسية ، فكيف سيدرس هذا الموضوع دون أن يدرسه سابقا . بعد ذلك سأل مدير التعليم هل من طلبات أخرى غير الذي ذكر في معروضكم ، وقال : إن شاء الله سندرسها بعناية ، وسيصلكم قريبا المدرسون المناسبون . وبالفعل لم تمض إلا أيام قليلة ، حتى وصلنا الأستاذ منذر صلاح، مدرسا لمادة الرياضيات ، كان يدرس بالمدرسة الرشيدية بالقدس ، وكان من مؤلفي الكتاب المقرر تدريسه بالمرحلة الثانوية ، وكان جدير بحق بتدريس المادة ، يسبق أدبه علمه ، وعلمه لا يُعلى عليه . وبعده وصل الأستاذ / هشام مدرسا لمادة الكيمياء ، وكان يدرس هذه المادة بالمدرسة الثانوية المأمونية بمدينة رام الله ، وكان نعم المدرس علما وخلقا ، وشتان بين الثرى والثريا . وانتدب الأستاذ / محمد الفتياني ، صاحب صيدلية الفتياني بأريحا ، كمدرس غير متفرغ لتدريس مادة الأحياء في ثانويتي البنين والبنات ، وكان جديرا بالاحترام لعلمه ولخلقه العالي . وهكذا اكتمل نصاب المدرسة من مدرسي المواد العلمية ، أما المواد الأدبية ، فقد بقي مدرسو المدرسة القدامى حيث كانوا من كبار السن وأصحاب خبرات كبيرة ، وهكذا نستطيع القول أن إضرابنا نجح بجدارة في وصول المدرسة نخبة ممتازة من مدرسي المواد العلمية . اخترت أنا وصديقي اسحق أبو لبن منطقة العروب للسكن بها حيث نكون قريبين من مركز لجنة اختبار التوجيهي في المدرسة الإبراهيمية بمدينة الخليل ، حيث جرت العادة على توزيع طلاب الثانوية العامة بمنطقة أريحا لشدة الحر فيها صيفا على مناطق ولجان المملكة المختلفة ، كل حسب المنطقة التي يختارها . تعرضت أنا وأخي اسحق لمحنة قاسية في أول يوم من اختبارات الثانوية العامة ، بينما كنا متوجهين في الصباح الباكر من العروب إلى مدينة الخليل والتي تبعد أكثر من عشرة كيلومترات وقفنا على الشارع مدة طويلة ونحن نحاول إيقاف إحدى الحافلات لنركب إلى مدينة الخليل لتقديم الاختبار الأول ولكن لا جدوى ، وبدا اضطراب باديا على وجوهنا ونحن نسير على الشارع حتى وصلنا إلى مدينة حلحول ، وقلنا جاءنا الفرج وبمجرد صعودنا في الحافلة ، توقف السائق عن القيادة وقال : إن هناك زيادة في عدد الركاب ويجب عليهم أن ينزلوا من الحافلة وإلا فلن أتحرك مترا واحدا ، حاولنا أن نشرح للسائق ولركاب الحافلة بأننا طلاب توجيهي وموعد الاختبار قد قرب ,إذا تأخرنا أكثر من عشرة دقائق عن وقت الاختبار فنحرم من تقديم الاختبار ، وكان الرد وبصوت جماعي من غالبية الركاب : انزلوا انزلوا وبصوت مرتفع وبدون رحمة ولا شفقة ، ونحن نكاد نتمزق من الألم والحسرة عما سيحدث لنا حتى وصول مكان الاختبار ، وبدأت حرارتنا ترتفع ، ونزلنا من الحافلة بعد أن فقدنا الأمل برحمة هؤلاء الناس . وقد ذكرنا صياح شباب الربيع العربي : ارحل ...ارحل ، بأصحابنا ركاب الحافلة في حلحول وهم يصرخون بأعلى أصواتهم : انزلوا .....انزلوا . تعرضنا لأول سيارة خاصة تسير في الشارع ورجونا صاحبها بأن يرحمنا بعد أن شرحنا له ظرفنا والدموع تكاد تنفجر من عيوننا ، فقال تفضلوا أنا سأوصلكم إلى باص عين سارة الذي بدوره سينقلكم إلى الخليل ، ركبنا معه وشكرنا على حسن صنيعه ، وعندما أنزلنا قرب موقف باص عين سارة ، وكان الباص واقفا ، وفي اللحظة التي نزلنا فيها من السيارة الصغيرة ونحن نتجه إلى الباص ، تحرك الباص دون أن يرانا ، وأخذنا نركض خلف الباص بكل ما أوتينا من قوة ونصيح بأعلى أصواتنا ونحن نؤشر للباص بأن يتوقف ، ولحسن الحظ شاهدنا أحد الركاب الذين يركبون في مؤخرة الباص ، فأشار للسائق أن يقف ، صعدنا الباص وصوت لهاث أنفاسنا كأنه ضبح العاديات في ميدان السباق وقد أجهدها التعب ، وتدخلت رحمة الله الواسعة لنصل المدرسة خلال فترة الدقائق العشرة الذي يسمح بالتأخير فيها ، قابلنا رئيس لجنة الاختبار وشرحنا له ظروف خروجنا من العروب من وقت صلاة الفجر ولم نتمكن من الوصول حتى الآن وقد عانينا الكثير ورجونا كثيرا من الناس، فارحمونا يرحمكم الله ، سمحوا لنا بدخول الاختبار في الوقت الذي كانت توزع فيه أوراق الاختبار على الطلاب ، كنا في حالة إرهاق وأرق شديدين ، ولم نستطع في البداية من الكتابة والإجابة على أسئلة الاختبار إلا بعد مرور أكثر من ربع ساعة على بداية الاختبار، ومرت هذه المحنة بسلام والحمد لله ، وتعد بحق من أصعب اللحظات في تاريخ حياتنا . وما دمنا في مخيم العروب وذكرى فترة الاختبارات الثانوية التي قضيناها على ثرى الأرض الطاهرة في مدينة الخليل وما حولها من القرى ، من الأمور الغريبة المبكية المضحكة التي واجهناها وعايشناها على أرض الواقع ، أن أهالي تلك القرى المحيطة بمدينة الخليل وبعض أهالي مدينة الخليل كانوا ينظرون إلى اللاجئين نظرة غير لائقة ، واستحيي أن أقول نظرة دونية ، ومن بعض الأمثلة على ذلك أن أحد الساذجين وغير المثقفين والمتعلمين ، كان يخاطب حماره وهو يحثه على سرعة المشي : ( حا حا وجهك مثل وجه اللاجئ المقطوع كرته ) ، إشارة إلى غضب هذا اللاجئ المحروم من بطاقة التموين التي يستلم عن طريقها مخصصاته من الإغاثة ، وكان أبناء تلك القرى يتندرون ويضحكون عندما نمر من أمامهم ونحن نراجع دروسنا بين بساتينهم وكان من عباراتهم الشهيرة والسخيفة التي يتغنون بها : ( شفت اللاجئ على الحدود وثوبه عن (عورته ) مقدود ) ويستعملون الكلمة التي يخجل الإنسان من ذكرها في هذه المذكرات . وللحق والإنصاف يجب أن نقول : هذه الشريحة من الناس السذج غير المتعلمين والذين يهرفون بما لا يدرون مدى الأضرار النفسية التي تسببها هذه الكلمات لسامعيها ، كانوا قلة ، أما غالبية سكان تلك المناطق فكانوا يعاملوننا بكل احترام وتقدير ولم نر منهم إلا كل خير. انتهت سنة التوجيهي وحصل أحمد في نهايتها على شهادة الثانوية العامة ، وكان معدله في السبعينات ، ولم يكن المعدل الذي كان يطمح إليه للحصول على بعثة دراسية ، واتجهت أنظاره الآن إلى البحث عن عمل ، ليدعم به أسرته المكونة من والدته وخمسة من أخوته ، ثلاث من البنات واثنين من البنين هما عبد العزيز وعبد الكريم . ذكرني أخي وصديق رحلتي في الحياة ، صديق الدراسة والتدريس اسحق أبو لبن ، حادثة في رحلة البحث عن عمل أو وظيفة ، ذهبنا في أحد الأيام إلى مدينة القدس بعد تخرجنا من الثانوية العامة بنجاح ، وذلك لتقديم طلبات التحاق بالكلية العسكرية ، ولمقابلة لجنة الفحص والقبول العسكرية ، وللأسف رُفض طلبانا معا ولم نستطع اجتياز فحص القبول ، خرجنا بعد المقابلة ضاحكين ينظر أحدنا إلى الآخر وكأنه يقول " ما فيش حد أحسن من حد " " سيم سيم صديق " ، لم يرد الله لنا أن نكون عسكريين ، فكل ميسر لما خلق له . أغرب ما في الأمر هو سبب رفض طلب كل منا : رُفض طلبي لقصر قامتي فكان الحد الأدنى للقبول مئة وسبعين سنتيمترا وكان طولي 168 سم حافي القدمين ، ورُفض طلب صديقي اسحق ولم يجتاز المقابلة بنجاح وذلك بسبب نحافة جسمه - فلم تنفعه زغاليل أم اسحق لاكتساب بعض السمنة - كان طويلا ممشوقا مثل قلم الرصاص ، لا يعيبه شيء غير نحافة الجسم ونسوا قول الشاعر : ترى الرجل النحيف فتزدريه وفي أثوابــــــه أسد هصـــور ويعجبك الطرير فتبتليـــــــــه فيخلف ظنك الرجــل الطرير والحقيقة أنهم لم يروا عيبا في الورد فعابوه قائلين : " أحمر الخدين " ، أما أنا فأقول : " عشان الشوك الذي في الورد أحب الورد "؟؟!! . كانت البعثات التعليمية تأتي من دول الخليج وتطلب معلمين للعمل لديها في التدريس ، وكانت أنظار الجميع متجه نحو هذه البعثات وتقديم الطلبات لها . وقبل تقديم الطلب للبعثات لا بد من الحصول على جواز سفر ، والعقبة الأولى في طريق عمل هذا الجواز، هو أنني لم أكمل سن الثامنة عشر بعد ، وإذا أراد من لم يكمل الثامنة عشر عمل جواز سفر فلا بد من الحصول على إذن من والده ، وإذا كان والده مُتوفَى، فلا بد من الحصول على شهادة من دوائر وزارة الصحة تشهد بأن والده مُتوفى . وعندما ذهبت لدائرة الوفيات للحصول على شهادة وفاة والدي ، كان خالي قد سجله باسم /محمد صلاح حيمور ، واسم حيمور هذا اسم شهرة للعائلة الأكبر، أما أسم العائلة الصغرى فينتهي باسم الوادي وليس حيمور فشهادة المدرسة الثانوية اسمي / أحمد محمد صلاح الوادي، وكذلك في شهادة الميلاد ، وكذلك في (كرت المؤن) بطاقة وكالة الغوث لتشغيل اللاجئين الفلسطينيين . ولاسم حيمور قصة طويلة ، اسم عام لعائلة كبيرة ، التحق بها كثير من العائلات الصغيرة طمعا في الحصول على بعض المكاسب ،منها أن يكونوا تحت مظلة عائلة كبيرة، وفي نفس الوقت كان هناك رجلان من عائلة حيمور ولهما مراكز هامة في الدولة ‘ أحدهما الحاج خليل حيمور نائب في البرلمان عن منطقة الزرقاء ، وابن عمه خليل بك حيمور وكان قائد منطقة عسكريه ، حاول كثير من الناس أن ينضموا إلى اسم العائلة الكبيرة حيمور طمعا في الحصول على بعض المكاسب من هذا الاسم ، وذلك على حساب التخلي عن أسماء عائلاتهم التي عرفوا بها على مدار سنين طويلة ، فقبل الهجرة عام 1948 م لم يكن أحد من أقاربنا ينتسب لهذا الاسم . لم يقتنع أحمد باستبدال اسم عائلته الوادي باسم حيمور رغم توفر الدليل بيده من دائرة الوفيات بوزارة الصحة ، وطفق يبحث عن دليل رسمي فيه اسم أبيه /محمد صلاح الوادي ، ووجد هذا الدليل عند زوجة عمه محمود ، في وثيقة فلسطينية صدرت في عهد حكومة الانتداب ، وفيها اسم محمد صلاح وادي وقد أضفت أنا أل التعريف على كلمة وادي لتصبح الوادي أكثر تعريفا ، وكانت وثيقة الانتداب البريطاني مكتوبة بلغات ثلاث: العربية ، الإنجليزية والعبرية . ذهبت إلى دائرة الجوازات وبحوزتي وثيقة رسمية تثبت اسم الوادي ، ووثيقة من وزارة الصحة تثبت وفاة والدي ، وبالفعل حصلت على جاوز سفر ولما يكتمل عمري الثامنة عشر سنة بعد . وبعد خمسين سنة ونيف ، حصل اجتماع في زمن قريب عام 2010م بين مجموعة من العائلات وهي : حيمور ،الحموري ، حمور ، مرقة ، الحسنات ، وهدفهم إنشاء رابطة باسم هذه العائلات تجمعهم تحت اسم واحد يتفقوا عليه ، وقد نشروا إعلانات في الصحف اليومية يدعون أفراد هذه العائلات لتداول الأمر . قرأت الإعلان في الجريدة ولم أعره اهتمامي ، لأنهم لم يذكروا عائلة الوادي مثل بقية العائلات المدعوة ، وعند السؤال عن ذلك قالوا لأن عائلة الوادي منضوية تحت اسم حيمور ، وهذا الأمر مرفوض بالنسبة لنا منذ البداية ، وحسب معلوماتي أن هذا التجمع لم ينجح . وعندما حاول آل حيمور عمل تجمع تحت اسم ديوان آل حيمور، يجمع عائلات البلدات الثلاث قزازة ، جليا واذنبه دعينا نحن آل الوادي لنكون إحدى لبنات هذا التجمع . دعيت شخصيا إلى أحد هذه الاجتماعات ، وكان الاجتماع في عين الباشا وفي منزل ابن العم محمد جبرين ، وكان هدف الاجتماع دعوة الناس للانضمام لهذا التجمع ، وقد انصبت مناقشتي لهؤلاء المجتمعين على اسم حيمور ، لماذا الإصرار على هذا الاسم وترك جميع أسماء عائلاتنا الأساسية ، وقد سألت جميع المدعوين وبكل صراحة : هل يستطيع أحد منكم أن يثبت أن في عائلته اسم حيمور بوثيقة رسمية أيام حكومة الانتداب البريطاني على فلسطين أو أيام الحكم التركي ، لم يجبني أحدهم على سؤالي مباشرة ،وذهبوا يبررون أن المقصد من التجمع هو رفع شأن العائلة حتى تصبح ذا شأن أمام العائلات، الكبيرة الأخرى ونحن في عصر التجمع، لم أشترك بهذا التجمع لعدم قناعتي بأهدافه ولأنه يلغي أسماء عائلاتنا الأصيلة ، ومع تباعد الزمن ينسى الإنسان أصله وفصله وصلات الناس وقرابتهم تكون على درجات ، فمنهم القريب القريب ، ومنهم القريب بعيد القرابة، منهم من يدفع معك في الدم ومنهم من لا يدفع معك ، وهل كل آل حيمور يشتركون في دية رجل واحد ، سيموت الكبار وسيضيع بعدهم الصغار ، والله من وراء القصد . ولا أدري سبب عدم الاتفاق والاختلاف الدائم والمتكرر في جمعية آل حيمور ، فقد تجمع ناشطون من هذه العائلة عدة مرات ، وفي كل مرة يضعون أسس لجمع شتات هذه العائلة ، وفي كل
تعليقات