أبحاث متنوعة

الأم الدرع البشري الحنون ---- يوميات شاب من فلسطين

 (عرض النص الكامل)

الأم الدرع البشري الحنون ---- يوميات شاب من فلسطين

كانت الشعوب العربية  تعيش في حالة من الخلاف والتمزق والتشرذم ، لا يجتمعون على كلمة واحدة،ولا تحت قيادة جيش واحد تشرف عليه قيادة واحدة ، اثنتان وعشرون دولة عربية يجتمعون نظريا تحت اسم جامعة الدول العربية، توجد بينهم اتفاقية دفاع عربية مشتركة على الورق فقط ، فهي غير فاعلة ، وليس للجامعة قوة تنفيذية ضاربة ، تكون دائما على الاستعداد لتذب عن بيضة الأمة ، في أي موقع ، وأمام أي عدو تسول له نفسه الاعتداء على أي جزء من هذه الأمة ، الغنية بثرواتها وإمكانياتها البشرية والاقتصادية والجغرافية التي حباها بها الله عز وجل .   وكما سبق أن ذكرت ، عدت في إجازة عام 1967م ، ووجدت الأهل قد استأجروا في جبل المريخ ، وبعد أن قمت بتأدية الواجب نحوهم سافرت إلى بيروت لتأدية اختبارات، الجامعة التي كانت قد تأخرت بسبب الحرب ، أديت الاختبارات ورجعت إلى الأهل في عمان.     وبينما نحن جلوس وإذا بالوالدة تقول لي : يا بني إن جيراننا دار أبو صدقي ينتظرون منا الرد لأننا قبل النزوح من أريحا تحدثنا في شأن خطوبة ابنتهم وقد رحبوا بنا .   وأخذت تحسن لي الوضع ، (يا ابني ناس ملاح ) ( طيبين بنعرفهم وبعرفونا ) ( والبنت ما عليها كلام أدب وزين وثم بلا لسان ) . كان هذا الكلام يهز أوتار قلبي ، ولو كنت بجانبي لسمعت عزف ألحانها ، ولا أخفي أنني كنت أميل إليها ،خصوصا بعد قرار الاتفاق على خطبتها رسميا السنة القادمة ، كان هذا الأمر في نهاية عام 1966م أي قبل سنة .    تجاوبت مع طلب والدتي ،ومع نبضات قلبي ، وبدأت أبحث عن مكان سكن العم أبو صدقي الجديد ، ولم تعييني الحيلة في البحث ، فقد وقعت على مكان سكنهم في وقت قصير ، ولم يكن يبعدون عن مكان سكننا أكثر من 2كلم .    كانوا يسكنون خيمة كبيرة بجوار معمل (للبلوك ) يمتلكه أخو أبي صدقي ، وكانا يعملان معا ،  أعددنا هدية مناسبة ، لمثل هذه المناسبة ، وذهبت أنا والوالدة لزيارتهم ، ولنحدثهم في أمر خطوبة    ابنتهم كما نحن متفقون عليه من العام الماضي ،وإذا لم يكن الزمان والمكان مناسبا لذلك ، فعلى الأقل نقرأ الفاتحة ، حتى لا يتقدم غيرنا لخطبة الفتاة ، رحبوا بنا أطيب ترحيب ، ورحبوا كذلك بطلب يد ابنتهم وقال والدها بالحرف الواحد ( ما بنلاقي أفضل من الحاج أحمد لبنتنا )، وإن شاء الله يجيب الذي فيه خير، ثم قال الأب : أنا أريد أن أشاور إخوتي ، وسأرد عليكم بعد ثلاثة أيام .   كان اليوم يوم جمعة ، وسيكون الرد على طلبنا الاثنين ، وما أطولها من أيام ، كنت أنا وزميلي  عبد الله عدوي نذرع شارع البادية / الوحدات حيث يسكنون عدة مرات عصر كل يوم من الأيام الثلاثة ونحن نأكل من ( زعاميط ) الترمس ، نتحسس الأخبار ، وننظر يمينا ويسارا ، عسى أن نرى أو نقابل أحدا من أصحاب الدار ولكننا لم نفلح بشيء من الأسرار .   لم نشك يوما بعدم الموافقة على ما يرام ، فقد كانت الظروف مهيأة منذ أكثر من عام ، ومن جميع الأنام ، وقبل ظهر اليوم الموعود الاثنين ، ِِذهبت إلى مكن سكنهم ، وكلي أمل أن أقابل بالابتسامات الجميلة ، والترحيب العظيم ، رفعت صوتي بالاستئذان ، وإذا بأم الفتاة تخرج من الخيمة ، وعندما وقع بصرها عليََ ، فإذا هي تجهش بالبكاء ، فقلت لها : خير يا عمة ، قالت وعيونها مغرورقة  بالدموع : يا حاج أحمد ( مفيش نصيب )، إن ابن عمها ( تبدى فيها )- ومعنى ذلك أنه أحق بالزواجمنها – وهم الآن جميعا في المحكمة لإتمام عقد الزواج . قلت بألم : بارك الله لهم وبارك عليهم وكل شيء قسمة  ونصيب ولم أزد بحرف وقفلت راجعا .  غادرت المكان وأنا – والحمد لله – مقتنع تماما بأن كل شيء يحدث بقدر الله عز وجل ، وسألت الله أن يجيرني في مصيبتي ويخلف لي خيرا، وقد كان والحمد لله ، وقد ارتفعت نفسي من التعلق بهذه الفتاة امتثالا لقول الله عز وجل" ولا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجا منهم ......"(1)  على اعتبار أنه سيكتب كتابها على رجل آخر هذا اليوم فهي من نصيبه  ، ولا يحق لأحد أن يفكر بها بعد اليوم ، فهي محرمة على جميع المسلمين حرمة مؤقتة بمجرد تم العقد عليها .  سبق أن قلت أن الظروف لم تكن مواتية لا لخطبة ولا لزواج عام 1967م عام النزوح ، ولكن إرضاء لرغبة الوالدة ، وخشية ضياع الفرصة في وقت  ------------------------------------------------------------------------------------------(1) سورة طه ، رقم الآية 133 ضاع فيه الناس ، ربما كانت سرعة اغتنام الفرصة هي أحد أسباب ضياعها ، فأنا أريد ، وأنت تريد ، والله يفعل ما يريد .  طوينا فكرة الزواج مدة ثلاث سنوات أخر حتى عام 1970 ، حتى سنحت فرصة أخرى مناسبة رغم قسوة الظروف المادية حتى تاريخه ، فبعد التجربة عرفت أن الإنسان هو الذي يكيف الظروف وليس الظروف هي التي تكيفه، فالتجربة محك الرجال ، ولن تبلغ المجد حتى تلعق الصبرا .      وفي ليلة جميلة  من ليالي صيف عام  1970م ، كان الأخوة  الثلاثة غير الأشقاء أحمد وعبد الله وعائشة ، وكانت أختي عائشة أكبر سنا من والدتي ، وأخي قريبا فى العمر من الوالدة ، كان الأخوة يسمرون  حتى ساعة متـأخرة  من الليل ، وكانا قد خططا لمقاضاتي ومحاكمتي عن سبب تأخري في الإقدام على الزواج ، رغم مرور سبع سنوات على بداية عملي في السعودية ، الناس يذهبون سنة واحدة للسعودية ثم يعودون ويتزوجون ، وتجرأ أخي وسألني بصراحة : هل عندك نقص معين  أو عيب جسدي  يمنعك من الزواج ، وقال بنبرة حادة : لماذا لا تتزوج ؟؟.    عندها ضحكت ، وقلت لهم : إن ظروفي المادية ، لا تسمح بالزواج ، عندها أجابني، لا عليك .بالنسبة للفلوس ، نحن ندعمك وندبر لك الأمر، وأعقب كلامه قائلا: وإذا كنت لا تريد الزواج فأعطني الفلوس الفائضة معك فأنا أريد أتزوج زوجة ثانية .       وكان قد تم نقلي عام 1968م من منطقة القنفذة  إلى منطقة الطائف التعليمية  مدرسا في مدارسها ، وتم تعييني بمدرسة حداد بني مالك على بعد 130 كلم من الطائف ، منها 90كلم معبدة على طريق أبها – بلجرشي ، و40 كلم غير معبدة ، رملية حجرية تسير مع الوادي بين الجبال وكانت حداد بني مالك ولا زالت مركز المنطقة  وحاضرتها ، ينعقد بها السوق التجاري يوم (الربوع )، ويؤمها التجار والباعة والمتسوقون من كل حدب وصوب .    وفي بلاد بني مالك  استجاب الله دعائي –والحمد لله – ويسر لي التعرف على والد زوجتي العم أبو سليمان ، ثم التعرف على ابنته فيما بعد ، وكانت تعمل مدرسة  ووالدها مرافق لها ، كان الرجل – يرحمه الله – على خلق ودين ، وكنت أنا والحمد لله ملتزما ، أقوم بالخطابة  في المسجد  الجامع يوم الجمعة ، في حال غياب الإمام الراتب ( الشيخ هنيدي ) ، حيث كان تاجرا  وعندما يذهب إلى الطائف لإحضار بضاعته ، يرسل لي كتاب خطب الجمعة ذا الأوراق  الصفراء القديمة ويقول لولده : قل للأستاذ أحمد أن يخطب الجمعة في الناس إذا لم أستطع العودة ، لأن السيارات كانت قليلة ولا بد أن يصادف سيارة تسير على نفس الخط فيركب معها ، وكان الناس يسرون عندما أخطب فيهم ، لأنني أحضر خطبة تناسب الزمن الذي نعيش .    كان هذا الاتجاه الديني هو بداية التقارب والألفة بيني وبين العم أبو سليمان ، رغم فارق السن ، فقد كان أحد طلاب المعهد الديني بعكا في فلسطين ، كان والده وعائلته من سكان مدينة حيفا ، وكان والده وجماعته يعملون بمحطة سكة الحديد بحيفا ، كانت وفاة والده أثناء العمل  سببا في انقطاعه عن الدراسة في المعهد الديني بعكا ، لأنه فقد المعيل ، واضطر للانخراط  في العمل صغيرا . ولقد كانت ابنة هذا الرجل ، والتي أصبحت زوجتي فيما بعد ، تدرس مثلي بكلية التجارة بجامعة بيروت العربية ، أنا في السنة الثانية وهي في السنة الأولى، أنا من مواليد عام 1945م وهي من مواليد عام 1946م ، كانت تعمل مديرة لمدرسة العمشان ببني مالك ، ثم انتقلت المدرسة بطاقمها التعليمي إلى مركز المنطقة حداد ، وكان هذا النقل بمثابة رزق ساقه الله إلينا ، فسبحان مسبب الأسباب ورازق الطير في السماء بغير حساب .    لم  يكن هناك مجال في السعودية للتعرف على هذه الفتاة التي بدأ تفكيري يميل إليها ، وفي بيروت وعلى مقعد الاختبار في الجامعة ، وقبيل بداية الاختبار فاجأتها بوجودي أمامها رغم عدم وجود اختبار عندي في ذلك اليوم ، وإنما جئت لمقابلتها ولأول مرة ، وقلت لها : إنني سأكون بانتظارها في بوفيه الجامعة بعد الاختبار.    جلسنا منفردين لأول مرة في بوفيه الجامعة، تداولنا أطراف الحديث من هنا وهناك ، عن الدراسة ، عن العمل في بني مالك ، عن تعليقات المدرسين عن التقارب الوجداني بيني وبين العم أبو سليمان ، وهم يعلقون : ( جاء عمك أبو سليمان ) ( عمك أبو سليمان لا يحب الجلوس إلا على سريرك ) ( عمك أبو سليمان لا يحب يلعب طاولة الزهر إلا معك ) ، وقد لاحظت علامات السرور  على وجهها وهي تسمع هذه التعليقات ، وقالت إنه يحبك كثيرا ، وكان يحدثني عنك كثيرا ، ومرتاح من تصرفاتك .    في اللقاء الثاني سلمتها رسالة مطولة ، شرحت لها فيها ظروف حياتي العائلية ، وقلت لها بكل صراحة، إني أعيل عائلة كبيرة ، مكونة مني ومن والدتي وخمس من الأخوة والأخوات ، وليس لهم معيل إلا الله ثم أنا ، ولا أستطيع الابتعاد عنهم بتاتا ، وإن ظروفي المادية لا تسمح لي بالتقدم لخطبتها هذا العام .    وفي اللقاء الثالث وبعد أن عرفت حقيقة شعوري نحوها ، وما يرافق هذا الشعور من ظروف صعبة ، قالت : ربنا يأتي بما هو خير ، عند ذلك صارحتها بقولي : إذا تهيأت لك ظروف مناسبة للزواج ، فأنت في حل مما جرى بيننا من حديث .   وعندما انتهت الاختبارات عاد كل منا إلى منزله ، هي إلى مخيم اربد وأنا إلى مخيم البقعة ، ولا وسيلة للاتصال بيننا .  بعد هذه العودة من اختبارات الجامعة عام 1970م ، حدث اللقاء الثلاثي بيني وبين أخي وأختي الأكبر مني سنا، واللذان شكًًا فيه بفحولتي كرجل ، ولم يقدرا مسئوليتي بالإنفاق على الأسرة  والإنفاق على دراستي الجامعية ، والإنفاق أثناء العمل في السعودي ، وكل ذلك والحمد لله  من راتب قليل مقاره 45 دينارا شهريا .    وبفضل تشجيعهم لي على الزواج ماديا ومعنويا ، وكان الفرصة أمامي مهيأة  ، وعقبتها الظروف المادية ، قررت الزواج ولم أكن أملك سوى مائتي دينار ، بنيت بمائة منها غرفة ثالثة لأتزوج بها  ، وذهبت من فوري إلى إربد لأتأكد من خلو البنت من الارتباط بغيري ولأمهد الطريق بأننا سنتقدم رسميا لخطبة ابنتهم بالطريقة المتعارف عليها بين الناس ، بحضور جماعة من أهلي وجماعة من أهلها ، ويتم الطلب والموافقة على الطلب .   أخذت معي هدية مناسبة ، وكان معي عنوان البيت في مخيم اربد ، ركبت سيارة تكسي إلى أول  المخيم ، ثم سرت على قدمي مسافة قصيرة سألت خلالها عن البيت ، وأشاروا لي إلى باب البيت ، هممت بالرجوع لأن هذا ليس عادة من يأتي خاطبا ، ثم أقنعت نفسي بأني زائر ولست خاطبا .   طرقت الباب وأنا خجل من زيارتي المفاجئة لهم ، ولما رأوني رحبوا بي أطيب ترحيب ، فرشوا لنا في المجلس ، وقدموا لنا الشاي ثم القهوة ، وبدءوا في إعداد طعام الغداء فلم أعارضهم في ذلك لأنني  كنت بحاجة إلى وقت أطول حتى أرد أنفاسي وأستطيع التحدث في موضوع حساس وعلى غير العادة أن يبدأ بهذا الشكل.     طلبت من العم أبو سليمان أن نخرج قليلا من البيت ، نمتع النظر بمرأى أربد لأني أول مرة أدخلها، ثم نعود للغداء ، خرجنا خارج مخيم اربد وسرنا في طريق فوعرا مسافة طويلة ، وأنا أقدم رجلا وأؤخر رجلا ، تحشرجت الكلمات في حلقي ولم أدر كيف أبدأ الحديث .            وأسعفني الله بالقدرة على الحديث فقلت : يا عم أبو سليمان أنا جئت لعندكم حتى أعرف ظروف ابنتكم هل تقدم أحد لخطبتها في هذه الفترة التي لم نلتق بها ، فأنا أريد أن أحضر أهلي حتى نتقدم رسميا لخطبتها منكم ، وأريد أن أعرف هل هناك موافقة مبدئية على هذا الأمر .   قال : أهلا وسهلا بكم ، البنت لم يتقدم أحد لخطبتها ، وليس عندي شخصيا مانع ، فأنت من خير الشباب ، ولكن لا بد من أخذ رأيها ، فالآن نعود إلى البيت ونسألها ، فإن سكتت فهو دليل موافقتها وكان الرجل محقا فيما قاله .   دخلنا البيت ، وقلبي يتطاير فرحا ، وطلب منهم أن يعملوا لنا فنجان قهوة، وخرج إلى مطبخ البيت وقال لأهله ولابنته ، إن أحمد قادم لمعرفة ظروفك ، وعندما عرف أنه لم يتقدم أحد لخطبتك في الفترة الماضية ، فإنه سيحضر أهله في يوم نتفق عليه لإعلان الخطبة وكتب الكتاب في يوم واحد ، إذا وافقت على ذلك ، لأن الوقت ضيق ولم يبق للسفر سوى أسبوعين .  طلب من ابنته أن تعمل القهوة وتقدمها لنا ، التقت العيون حينها وتعطلت لغة الكلام ، ردت السلام وقالت أهلا وسهلا وهي خجلة ثم خرجت ، واتفقت معهم على الحضور بعد يومين .   رجعت إلى أهلي وأنا فرح بما اتفقنا عليه ،لم أكن أتصور أن قرار الشروع بالزواج والعرس والزواج ورحلة شهر العسل والسفر إلى السعودية ، كل ذلك سيكون خلال أسبوعين ، ولم يكن في جيبي سوى مائة دينار فقط ، إنه توفيق الله وتيسيره ، والحمد لله انه كان دائما معنا ، ومن كان الله معه فلا خوف عليه .    اتفقنا على المهر أربعمائة دينار مقدما  ومثلها مؤخر الصداق ، وقدرنا تكاليف العرس والغداء والسفر بأربعمائة أخرى ، المطلوب الآن نقدا ثمانمائة دينار ، موجود منها فقط مائة  دينار ، العجز مبلغ سبعمائة دينار، ذهبت إلى أختي وأخي الكبيرين وقلت لهما أنتما سبب هذا الزواج ، بارك الله فيكما ، وعليكما الآن تكملة ما يلزم ، كانا مسرورين لأن جهودهما أثمرت، قالا : نحن لها إن شاء الله ، لم يكونا يملكان ما يتبرعان به ، أو يوفرانه معهما ، ولكنهما استدانا هذا المبلغ على حسابي من المعارف والأقارب ، وحقا ما يقال : إن الله سبحانه وتعالى ييسر أمور الزواج والبناء والتعليم ، وقد مررت بهذه الأمور الثلاثة ، وكان الله سبحانه وتعالى ييسر لنا أمر الاستدانة  وأمر سدادها ، وهذا مصداق لحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم:" من أخذ أموال الناس يريد سدادها سد الله عنه "(1)كان ترتيب البيت في البقعة مكون من ثلاث غرف متراصة  بجانب بعضها ، وكان الناس معتادين    أن يناموا في الصيف في ( الحوطة ) مكان معد للجلوس خارج الغرف ، وقد رأيت من الحرج أن أتزوج في إحدى هذه الغرف ، وقررت السفر إلى الشام لمدة ثلاثة أيام ، وبعدها سأبدأ في إعداد نفسي للسفر لقرب حلول موعد العودة إلى السعودية ، وذلك بعد مراجعة السفارة السعودية ، وتغيير محرم المعلمة من والدها إلى زوجها عند الملحق الثقافي السعودي .      وكانت مفاجأة الموسم في حداد بني مالك ، بالنسبة للمدرسين لأنهم كانوا يعرفون جانبا من مسئولياتي وظروفي المادية التي لا تسمح بالزواج هذا العام ، وكذلك بالنسبة لأهالي حداد بني مالك فقد انتشر الخبر انتشار النار في الهشيم ، بأن الشيخ أحمد قد تزوج مديرة المدرسة .   ومضت الحياة في حداد بني مالك / الطائف هانئة رتيبة ، طاب  بها المقام وطال عشر سنوات تقريبا في الفترة ما بين 1387- 1397هـ  ، رزقني الله خلال هذه الفترة ثلاثة أبناء هم : صلاح الدين ، علاء الدين وعماد الدين ، أما بهاء الدين  وابنتي الوحيدة هديل  فقد رزقني الله بهم في مدينة تبوك في السعودية .   لقد سبق كتابة هذه المذكرات ،مشروع كتاب  بعنوان " مذكرات مدرس في السعودية خلال أربعة وأربعة ملوك " لم أذكر فيها شيئا عن أيام الطفولة والصبا والشباب والشيخوخة التي أعيشها الآن ، وإنما اقتصرت على ذكريات الثماني وثلاثين سنة التي عملتها مدرسا في السعودية ، وكل هذه الذكريات مستوحاة من شريط الذكريات الذهني ، ولم أدون منها شيئا في حينه ، وإني لا أزال أحتفظ بهذه الذكريات وكأنني أعيشها ، وكم وكم ذرفت عيني من الدموع ، وأنا أدون هذه الذكرياتحلوها ومرها ، كيف أنسى ذكرياتي وهي أحلام حياتي ، وهل يملك النهر تغييرا لمجراه ؟؟    وسأقفز ألان عن ذكريات الفترة التي قضيتها في السعودية لأنها مدونة في كتاب سابق ، وهي تنشر الآن في هذه الأيام على حلقات في مجلة المعرفة السعودية التي تصدرها وزارة المعارف منذ سنة تقريبا وقد نشر منها حتى كتابة هذه السطور إثنتا عشرة حلقة ولمن يريد الإطلاع عليها يمكن فتح ( مجلة المعرفة الأرشيفية ) عن طريق الإنترنت ، فكل الحلقات موجودة تباعا .  وعندما عاد أحمد إلى الأردن عام 2001م الموافق 1422هـ ، لم يكن يخطر بباله العمل في التعليم بعد هذه الرحلة الطويلة ، ثمان وثلاثين سنة ، تحولنا فيها من شبان على شيبان ، كانت الحياة في بدايتها صعبة ، الحياة قاسية ، والمواصلات ذات طرق غير معبدة ، لم يستطع كثير من المدرسين على الاستمرار أكثر من سنة أو سنتين ، وكان بعضهم يعود في نفس السنة ، خاصة إذا كان من أهل المدن ولم يتعود خشونة الحياة ، وبعضهم كان يبكي ويقول أعيدوني إلى  بلدي .   لقد تحملنا كثيرا من المشاق ، فقد كنا نعلم ما ينتظرننا إذا عدنا ، فمجالات العمل التي مارسناها ونحن طلاب ، أصعب كثير من وضعنا الآن ، ونحن نعمل مدرسين محترمين     فأربع سنوات في منطقة القنفذة  التعليمية في مدارس الليث وحدبة بني عاصم  والمخواة  ، وعشر سنوات في منطقة الطائف كلها في مدرسة واحدة هي حداد بني مالك ، حتى أن مدير تعليم بنات الطائف الأستاذ قاسم الفالح رحمه الله  كان يناديني مداعبا : أهلا بالأستاذ احمد المالكي بدلا من أحمد الوادي ، لأنه عندما كان يأتي ليزور مدرسة البنات ويطلع على سجلاتها بعد دوام الطالبات والمعلمات كان يتصل بي بصفتي زوجا للمديرة حتى أدخل معه المدرسة ويشرف على سجلاتها وأحوالها .         كان في كل مرة يأتي إلى حداد ، أرافقه لنتناول طعام الغداء في الأمارة ، وكنت كل مرة أدعوه هو والأمير لتناول طعام الغداء عندي ، فكان يأخذني جانبا ويسُُر إلي بأن هذا الطعام على حساب الدولة ، فهناك حساب خاص لإطعام ضيوف الإمارة فلا تتحرج من ذلك ، ويكفيك من تستقبلهم      من ضيوف المدرسة من المدرسات الجدد وأولياء أمورهن ، فإنهم دائما يسألون عن بيت مديرة المدرسة وينزلون عندكم حتى يستأجروا بيتا ، وتقومون أنتم بتقديم الواجب لهم ، أعانكم الله ، والحمد لله كنا خير من يطبق حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: " من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه "(1) .    عندما عاد أحمد من السعودية كان معه بعض المدخرات والحمد لله ، وكانت مكافأة نهاية الخدمة مبلغ خمسين ألف ريال بحد أقصى ، ولو لم تكن محدودة لكان نصيبي عن هذه الخدمة الطويلة يتجاوز المائة  ألف ريال سعودي، وقد كتبت موضوعا عنوانه ( مكافأة نهاية خدمة المدرسين المتعاقدين تفتقر إلى الكفاية والعدالة والمساواة) ، وقد تم نشره في مجلة المعرفة السعودية ، ولكن لم يحدث أثر يذكر لهذه المطالبة ، وكنا نشعر بالظلم إذا قارنا أنفسنا بدول الخليج الأخرى .    والحمد لله أنني عدت ومعي بعض التوفير بالإضافة إلى مكافأة نهاية  الخدمة والتي صرفت بمبلغ تسعة ألاف دينار أردني لا غير ، دفعتها في شراكة  مع أخي محمد ، وأضفت عليها ألفا أخرى حتى وصل المبلغ إلى عشرة ألاف دينار .                                                          كان أخي محمد يعمل في توزيع قطع السيارات عن طريق مستودع في البيت ، وحافلة متوسطة يقوم بواسطتها توزيع بضائعه ، وكان وقتها يتعافى من نكسة أصابته في التجارة ، حيث رجع له  -------------------------------------------------------------------------------------------  (1) رواه البخاري ومسلم / متفق عليه .   شيكات بما يعادل 45000 دينارا أردنيا ،استطاع بعون من الله أن يسدد جميع ما عليه من الديون لأنه أخذها من الناس يريد سدادها فسد الله عنه .  كان لا يزال يعاني بعض الشيء من أثار النكسة التجارية ، فعندما عرض علي أن أعمل شريكا معه، لم يخطر ببالي العمل ولا الشراكة ، ويشهد الله أن هدفي كان مساعدته بطريقة غير مباشرة ،ليقف على قدميه من جديد ، فأعطيته خمسة ألاف دينار على أن أكون معه شريكا برأس المال ولا أمارس أي عمل تجاري .   بدأ عمله في الانتعاش واشترى سيارة أخرى للتوزيع ، ثم وسع بناء المستودع ، وبدأ العمل في التحسن ، وزدت  تمويلي في رأس المال حتى بلغ عشرة ألاف دينارا ، وكان التقدم واضحا والعمل يسير من حسن إلى أحسن .    في السنة  الثانية من ترك العمل في السعودية ، تقدمت  بطلب توظيف لديوان الخدمة المدنية في الأردن ، لأنني علمت أن وزارة التربية والتعليم الأردنية بحاجة إلى مدرسين في تخصصات مختلفة    وبعد شهرين اتصل بي صديقي / محمد جميل هاتفيا يقول لي : مبروك الوظيفة ، قلت له: ومن أين عرفت ذلك ، قال: اسمك في الجريدة معين في منطقة اربد الأولى ، وكانت الجريدة أمامي ولما أقرأها بعد ، فتحت الجريدة ، ووجدت اسمي فعلا معينا لتدريس مادة الشريعة الإسلامية ، وكنت قد  أرفقت طلبي بأعلى مؤهل دراسي حصلت عليه وهو ماجستير الدراسات الإسلامية / تخصص اقتصاد إسلامي ، مما  أهلني لتدريس مادة الشريعة الإسلامية .  وعند تقديم أوراقي إلى مديرية تعليم اربد الأولى ، كان تعييني في مدرسة بيت راس الثانوية ، وبيت راس هي البلدة المجاورة لحي حنينا في قصبة اربد ، فلا تبعد المدرسة أكثر من ثلاث كلم عن البيت ، وكان هذا من لطف الله وقدره ، ثم رضاء الوالدين والحمد لله . عملت في مدرسة بيت راس الثانوية الشاملة مدة ثلاث سنوات مع ثلاثة مدراء ، كان مع كل واحد منهم قصة أو أكثر:    تعينت لأول مرة في مدرسة  بيت راس الثانوية عام 2001م ، وكان مديرها يومئذ الأستاذ / وصفي الهزايمة ، وكان مديرا يملأ مكانه بحق، ذا شخصية قوية ، متألق بلباسه الجذاب ، وتعامله الإنساني مع جميع مرؤوسيه .   كنت أريد أن أطلب منذ بداية العام إعفائي من الإشراف اليومي ، لأنني أعاني من خشونة في صابونة الرجل اليسرى ، وأشعر بالألم إذا استمر وقوفي يوما كاملا ، في الفصل خمس أو ست حصص يوميا بالإضافة إلى الوقوف في الممرات خلال الخمس دقائق بين الحصتين ، ونصف ساعة في الفسحة الكبيرة بعد الحصص الثلاث الأولى لمتابعة الطلاب في ساحة المدرسة ، ومثل هذا الوقوف المتواصل يزيد من شدة الألم ، وقد نصحني الطبيب بعدم الإجهاد، وأرشدني أن تكون الصلاة على الكرسي ، نظرا لصعوبة القيام والقعود عند السجود .                                         كنت في تلك السنة أكبر مدرسي المدرسة عمرا، وأثقلهم وزنا حوالي  120كلغم ، وأحصل على تقرير طبي بمراعاة الظروف الصحية .        قبل أن أحدث المدير وأطلب إعفائي من الإشراف اليومي ، أصدر المدير جدول الإشراف اليومي ، ووضعه داخل لوحة الإعلانات ليطلع عليه المعلمون ، وقفت أمام الجدول نادما أنني لم أحدث المدير بظروفي .      لم أجد اسمي في الجدول ، نظرت حولي فوجدت المدير الإنسان ينظر إلي  مبتسما ، وقال: لا تتعب نفسك فأنت بمثابة والد الجميع ، وعمره لا يقل عن خمس وأربعين ، لقد كبر في عيني شكرته على حسن صنيعه واحترمته كثيرا في المدرسة وخارج المدرسة ولا زلت أذكره بالخير دائما .  أما المدير الثاني فهو الأستاذ / عبد القادر أبو الهيجا ، مخلص في عمله ، نشيط لا يكل ولا يمل من العمل يتحرك باستمرار، لا يعتمد على أحد في إنجاز عمله ، واعتقادي أنه لا يثق بأحد، أتعب نفسه وأتعب الآخرين من حوله ، غير جرئ في اتخاذ القرار . حدثته قبل عمل جدول الإشراف اليومي في السنة الجديدة عن ظروفي الصحية ، وأعاني من خشونة في صابونة الرجل اليسرى مما يضطرني إلى  الصلاة على الكرسي ، وطلبت إعفائي من  الإشراف اليومي الكامل لأنه مرهق بالنسبة لي ولا أستطيع القيام به ، وإذا نزل اسمي في جدول الإشراف فإنني  أخجل من زملائي أن لا أقف بجانبهم لأساعدهم في  العمل الذي أنا جزء منه بحكم وجود اسمي في الجدول ، أما عدم ورود اسمي في الجدول فيعرف الجميع أن هناك تقرير طبي ينصح بإزالة الخشونة في العظم ويحتاج ذلك لعملية جراحية غير مضمونة  النتائج .    وشتان بين موقف المديرين ، الأول يراعي الظروف بمجرد ملاحظته الشخصية ، ومعرفته بأقدار الناس وظروفهم ، وبين شخص تضع الحقيقة بين يديه وتطلب منه المساعدة ، فيقول أنا سأنزل اسمك في الإشراف ، وقم بالعمل قدر استطاعتك .                                                      لقد كان هذا التصرف في نظري تعامل غير إنساني ، كان يريد أن يظهر بأنه يعدل بين المدرسين ،ويريد مني أن أحتك بزملائي المدرسين وأظهر أمامهم بأني مقصر في أداء عملي .    لم أراجعه فيما عمل عندما نزََل اسمي في جدول الإشراف اليومي ، واتخذت قرارا شخصيا بعدم الإشراف طيلة العام الدراسي ولو لدقيقة  واحدة مهما كلف الأمر ، وشرحت  لزملائي المدرسين ما حصل بيني وبين المدير من طلب الإعفاء ، ولكنه لم يعر الأمر اهتماما ، وقد قررت عدم المشاركة في الإشراف دقيقة واحدة ولو وصل الأمر لإدارة التعليم .    والحق أقول : كان زملائي في الإشراف اليومي حسب الجدول  ، أكثر كرما وبعد نظر من المدير، فقالوا لا عليك نحن نكفيك الإشراف ، ونقوم مكانك خير قيام ، وشكرتهم على حسن صنيعهم  حيث لم يتضجر منهم أحد . عرفت فيما بعد أن المدير قد عرف بقراري باني لن أباشر الإشراف اليومي أبدا ، وعرف بقرار زملائي المشرفين بأنهم  سيسدوا مكاني فلم يراجعني في الأمر طيلة العام،وكأنه سكت على مضض  موقف آخر مع هذا المدير الثاني : في أحد الأيام كان يقوم بنفسه على عملية التفتيش على نظافة غرف الفصول الدراسية ، وخاصة صفوف الثاني الثانوي العلمي والأدبي ، حيث كانوا غالبا ما يتقاعسون عن نظافة فصولهم ويقولون سرا وجهرا إن هذا ليس من عملنا إنه عمل مستخدمي المدرسة وليس عمل الطلاب .     دخل عليََ المدير في بداية الحصة وأنا في أحد صفوف الثاني الثانوي ، وأنا متوجه بوجهي إلى اللوح  وأكتب البسملة كما اعتدت في بداية كل حصة وأضع تحتها خطا أقسمه نصفين بخط عمودي عليه ، أكتب في اليمين اسم المادة / علوم إسلامية ، وجه اليسار عنوان الدرس الجديد ، لم انته بعد من الكتابة ، وإذا بالمدير يدخل مندفعا إلى الصف ويبدأ في سباب الطلاب وتهديدهم بصوت مرتفع ويقول لهم سأحرمكم من شهادة حسن السيرة والسلوك من المدرسة وسأعمل كذا وكذا ،  ولم يأخذ اعتبارا لوجودي داخل الفصل لا من قريب ولا من بعيد ولم يطرح علي السلام كالمعتاد  بين الزملاء .   استغربت الموقف واستنكرته بشدة في نفسي  ، لأن هذا مخالف للنظام أولا ، ومخالف لما اعتدنا عليه من احترام متبادل بين الهيئة التدريسية خصوصا أمام الطلاب ، ضبطت أعصابي وحملت كتبي وما يختص بي ، وانسحبت من الفصل بهدوء دون أن يشعر بخروجي ، وهو لا يزال بانفعاله الشديد وصياحه في وجه الطلاب يسب ويشتم ويهدد إذا لم يقوموا بجمع القمامة وتنظيف الصف ، تصورته في تلك اللحظة مشرفا على عمال نظافة ، لا مديرا للمدرسة .  قابلني وأنا خارج من الفصل الأستاذ عبد الله الزيتاوي / المرشد الطلابي بالمدرسة ، وقال لي :   ما بالك ؟ هل أخطأت مكان حصتك   قلت له : لا ، وبدون تفكير وبغضب ظاهر ، هناك زبال في الفصل ، يحافظ على نظافة المدرسة ولن أعود إلى الفصل حتى ينتهي درس النظافة، إن مدير المدرسة تصرف معي تصرفا غير صحيح ، وسأحاسبه على ذلك .    قابل الأستاذ عبد لله المدير وهو خارج من الفصل وقال له : إن الأستاذ أحمد عاتب عليك ، دخلت عليه الفصل ، وأنََبت الطلاب وصحت في وجوههم ، دون أن تستأذنه أو تطرح عليه السلام  قال له : وهل كان الأستاذ أحمد في الفصل عندما دخلت على الطلاب ؟!   وجاءني فورا إلى غرفة المدرسين ، وكان فيها خمسة أو ستة مدرسين ، كنت أشرح لهم ما حصل مع  المدير ، وإذا به يدخل علينا فجأة وهو يضحك ، ويأتي لعندي ويقف أمام الطاولة التي أجلس خلفها وقال لي : هل هناك شيء بيني وبينك ، أنت كبيرنا ، والكل يحترمك ويقدرك ، وأمسك بالقرآن الكريم التي كان فوق الطاولة التي أجلس خلفها وأقسم أنه لم يرني داخل الفصل ، وهل من المعقول أني رأيتك ولم أبادرك بالسلام ، وهل سبق أن دخلت الفصل على أي مدرس منكم دون استئذان ، أو دون رد السلام عليه .    بعد أن أقسم يمينا على القرآن دون أن يطالبه أحد بذلك ، قلت في نفسي ربما غضبه وتفكيره في معاقبة الطلاب وتأديبهم  ، أشغله عن رؤيتي .    قلت له انتهى كل شيء، والله إني كنت عاتبا عليك عتبا شديدا ، وحملت كتبي وعدت إلى الفصل وعندما دخلت على الطلاب وجدتهم يضحكون بمجرد دخولي عليهم ، وحاول أحدهم بخبث أن يستدرجني في الحديث عن المدير  فلم يفلح  .    حاولت أن أنهي ما حدث وبسرعة ، قلت لهم : لقد أزعجتني رائحة القمامة في الفصل فلم أطيقها وعندما خفت الرائحة عدت إلى الفصل ، ضحك بعضهم من حسن التخلص ، وعاجلتهم بقولي لم يبق من وقت الحصة إلا القليل وسنحاول أن نشرح الدرس فيما تبقى من  الوقت .    والموقف الثالث مع هذا المدير أيضا :  كان المدير يعتقد أنه كان يتصرف في المدرسة كما يريد ولا يعارضه في تصرفه أحد ، فكيف يوجد في المدرسة من يتصرف دون الرجوع إليه . حدث في إحدى حصص العلوم الإسلامية ، وبعد كتابة العناصر الأساسية في الدرس الجديد على شكل ثلاث أو أربع نقاط كتبتها على السبورة ، ثم طلبت من الطلاب إغلاق كتبهم والانتباه إلى شرح الدرس عن طريق الإلقاء والحوار والمناقشة  ، وهذه هي العادة المتبعة في كل حصة.     في هذه الحصة لم يستجيب لطلبي أحد الطلاب وهو الطالب / إبراهيم الحموري ، فعينته باسمه وقلت له : لماذا لم تغلق كتابك يا إبراهيم  ؟ قال وبنوع من الجلافة : أنا يا أستاذ لا أفهم إلا إذا كان الكتاب مفتوحا ، وألخص الشرح على الكتاب ، وللحق كان إبراهيم من أفضل طلاب الفصل أدبا واجتهادا ، ولكن هذه المرة أخذته العزة بالإثم ، وأحب أن يعاند أستاذه .   قلت له : إذا كنت لا تريد أن تنتبه إلى الشرح ، ولا تسمع لنصح مدرسك ، فلا داعي لوجودك في الفصل ، خذ كتابك واخرج إلى ساحة المدرسة وهناك افتح كتابك واقرأ فيه كيفما تشاء ، هل أنت أفضل من طلاب الفصل حتى تشذ عنهم ؟!! ، لا تحضر حصة العلوم الإسلامية حتى آخر العام إلا إذا التزمت بالطريقة التي أخبرتك بها .    خرج الطالب إبراهيم حاملا كتبه دون أن ينبس ببنت شفة، وكان الإجراء الصحيح في مثل هذه الحالة أن أحيله إلى إدارة المدرسة ولم أفعل ، وتماديت في الخطأ ، فقلت للطالب وهو خارج ، والله لن تدخل الفصل حتى لو أتى مدير المدرسة  أو مدير التعليم  أو وزير التربية إلا بعد أن تلتزم بتوجيهات معلمك .لم يكن عندي أي خلفية عن هذا الطالب أو والده ، ولكن عرفت فيما بعد أن والده من أصحاب النفوذ وله مركز ذو شأن .  في المساء حدث الابن أباه عما حدث معه في المدرسة ، ونقل له حرفيا أن الأستاذ قال :والله لو أن الوزير حضر لن تدخل الفصل إلا بعد أن تلتزم بالتعليمات مثل زملائك في الفصل .             تحركت في الأب شهوة استغلال نفوذه ،وجربها بداية مع مدير المدرسة عن طريق التلفون، وكأني به يخاطب المدير بقوله : من هذا المدرس الذي يعاقب الطلاب في المدرسة  كيفما يريد ،    وازداد غضب المدير بأنه لم يدر بما حدث مع الطالب إلا عندما كلمه والد الطالب ، وأتخيل أنهما اتفقا في الرأي على أن الأستاذ مخطئ ، وغدا سيدخل الطالب الصف رغم أنف الأستاذ .   مجرد تخيل بدا لي صوابه من تصرف المدير في اليوم التالي ، دخلت الفصل في اليوم التالي ، لم يكن الطالب موجودا في الفصل ، وبعد قليل من بداية الحصة ، وإذا بالمدير والطالب يرافقه ، يدخلان الفصل ، وقبل أن ينطق المدير بأي كلمة ، وإذا بالطالب شامخا رأسه عاليا وذهب ليجلس مكانه دون إذن مني ، اعترضت طريقه وقلت له : إلى أين ؟ قال : أريد أن أجلس مكاني قلت له : اخرج خارج الفصل ، وتوجهت بكلامي للمدير قائلا : هل تعرف ماذا عمل هذا الطالبكيف يدخل الطالب الفصل بهذه الطريقة ، على شكل تحدي للمدرس وكأنه داخل رغم أنف المدرس قال : يا أستاذ أنت ما تركت لي مجالا للحديث .قلت له : الحديث يكون قبل جلوس الطالب لا بعد جلوسه ، ويجب أن يعتذر للمدرس ويطلب منه الإذن بالجلوس .    خرج المدير من الفصل غير راض عن تصرفي معه ، وبعد فترة بسيطة أقل من خمس دقائق ، حضر للفصل زميلي الأستاذ / أحمد أبو نصير مدرس الثقافة الإسلامية بالمدرسة ويرافقه الطالب / إبراهيم الحموري .  بدأ حديثه بكلام طيب أمام طلاب الصف وإبراهيم يقف بجانبه خجلا هذه المرة ، ومن ضمن ما قاله : الأستاذ أحمد يعتبر أبا للجميع مدرسين وطلاب ، ويجب علينا جميعا أن نحترمه ونقدره ، وأنا أعتذر عن تصرف الطالب إبراهيم  ، وأنا أتيت به ليعتذر إليك ويجلس في الفصل كما تريد ويلتزم بجميع التوجيهات .  عندها توجهت للطالب وقلت له : اجلس مكانك ، وشكرت الأستاذ أبو نصير على حسن تصرفه وحله للمشكلة بطريقة صحيحة ، وقلت له : إنني لم أطرد الطالب ، وإنما قلت له : اخرج من الفصل وحتى تقتنع بالطريقة التي نعمل بها  تعود إلى الفصل .   بعدها علم المدير بحل المشكلة عن طريق الأستاذ / أبي نصير ، وعندما قابلني عاتبني على تصرفي معه ، وقال لي :إنك خالفت أنظمة الوزارة فلا يجوز لك طرد طالب من المدرسة أو الصف دون الرجوع إلى إدارة المدرسة .        قلت له : إنني لم أطرده ، وإنما قلت له : اخرج من حصة العلوم الإسلامية ، وعندما تقتنع بالطريقة التي أرشدتك إليها ، تعود إلى الحصة وقتما تشاء ، وجاءني مع الأستاذ / أحمد أبو نصير  اعتذر عن تصرفه والتزم بالطريقة التي طلبتها منه ، كان من خيرة طلاب الصف ، واستمر كذلك حتى نهاية العام .     وفي نهاية العام الدراسي ، وقبل أن يبدأ طلاب الثاني الثانوي من التغيب عن الحضور للمدرسة سلمني الطالب / إبراهيم  الحموري رسالة مطولة يشكرني فيها على الجهد المبذول لتدريس الطلاب بأمانة وإخلاص ، ويعتذر لي فيها مرة أخرى عن تصرفه في بداية العام معي ، ويؤكد لي بأنه ثبت لديه عمليا جدوى الطريقة التي أرشدته إليها .  وحتى لا يبقى في نفس المدير شك بسلامة الطريقة التي أتعامل فيها مع الطلاب ، ناولته الرسالة ، فقرأها بتمعن ، وعقََب قائلا : هنيئا لكم أنتم تحصلون على الشكر ونحن نحصل على العتاب واللوم من أولياء  أمور الطلبة على تصرفاتكم .  أما ما حدث مع المدير الثالث لهذه المدرسة ، التي عملت بها ثلاث سنوات فقط ، وهو الأستاذ عبد الرحيم أبو الهيجا الذي حدث النقاش الحاد بينه وبينه  قبل أن يأتي مديرا لمدرسة بيت راس الثانوية   الشاملة  .  حضر ألأستاذ / عبد الرحيم إلى مدرسة بيت راس الثانوية  آخر العام الذي سبق العام الذي تم تعيينه مديرا للمدرسة ، حضر بصفته رئيس لجنة امتحان الشهادة الثانوية الذي يعقد في ثانوية بيت راس كل عام .     ومن العادة أن يتسلم رئيس اللجنة غرفة إدارة المدرسة من المدير لاحتياجه استعمال جهاز الهاتف الموجود داخلها ، وصادف أول يوم اختبار الثانوي ، إعلان وزير التربية ضرورة عودة المدرسين إلى مدارسهم لإدخال درجات الطلاب في برنامج الكمبيوتر التي تم فيه ربط المدارس بإدارات التعليم بالوزارة وذلك لإخراج النتائج بطريقة آلية سريعة ، ويستطيع ولي الأمر في البيت أن يطلع على درجات ولده وهو جالس في البيت .ذهبت إلى المدرسة في نفس اليوم الذي بدأ فيه اختبار التوجيهي ، بناء على  إعلان الوزير واتصال هاتفي من مدير المدرسة  ، وجدت في إدارة المدرسة عند وصولي الأستاذ / بشار مدرس الكمبيوتر  وأحد مستخدمي المدرسة الذي سكب لنا كأسين من الشاي ، وجلسنا في الإدارة نشرب الشاي ونتجاذب أطراف الحديث ، وكيف سنبدأ عملنا في إدخال بيانات الطلاب ودرجاتهم .   دخل علينا رئيس اللجنة وهو غاضب ، وقال لنا بلهجة استفزازية : ممكن تخرجوا من الإدارة ، عندنا لجنة امتحانات وليس مكان للجلوس ، بدأ كأس الشاي يرقص في يدي ، لأنني لم أتحمل إهانة هذا الرجل فكأنه يطردنا من إدارتنا طردا ، فقلت له احترم نفسك يا أستاذ - ولم يكن لي سابق  معرفة به – فنحن مدرسين أصليين في هذه المدرسة ، وأنت ضيف علينا ، فالمفروض أن تكون مؤدبا ، ونحن حضرنا بناء على إعلان الوزير ، واتصال هاتفي من مدير المدرسة .   لقد جن جنونه وأخذ يهذي بما لا يدري ، وذهب غاضبا وأحضر الشرطي الذي يقف بباب المدرسة وطلب منه إخراجنا من إدارة المدرسة  - والذي يفصلها عن قاعات اختبار الطلاب ثلاثة أبواب اثنان من الخشب وثالثهما باب حديدي كبير وهو باب رئيسي  .  وكان الشرطي أكثر حكمة من رئيس اللجنة ، فجاءنا مبتسما وقال : ما هو الإشكال ؟ ورئيس اللجنة يقف بالباب متوقعا من الشرطي أن يدفعنا دفعا إلى  خارج الغرفة ، فحدثناه عن سبب مجيئنا إلى المدرسة ، وقلت له بالحرف الواحد : استدعوا لنا مدير التعليم ومدير الشرطة ، حتى نعرف من صاحب الحق في هذه الإدارة ، الموظف الرسمي فيها أم الموظف الزائر .     قال الشرطي الحكيم : ليس هناك داع للاختلاف ، اشربوا الشاي واتفقوا على ما تريدون عمله ، تركنا رئيس اللجنة  مع الشرطي وذهب يخطط لأمر آخر .    اتفقت أنا ومدرس الكمبيوتر أن نخرج من المدرسة ولن نعود إليها حتى بداية العام القادم ، حيث كنا في إجازة قانونية ، ولكن دافع النشاط والمصلحة العامة هما العاملان اللذان جعلانا نتواجد في المدرسة ، نحن الاثنان من أصل ستة وثلاثون مدرسا .وأثناء خروجنا اختياريا من المدرسة ، وإذا به مع اثنين من زملائه جاء بهم ليشهدوا علينا ، وعندما تقابلنا أشار إلينا أثناء الخروج  بيده ، وقال لزميليه هذان هما ، فأجبته على الفور وأنا غاضب :       والله إنك رجل قليل الحياء ، ولا تستحي أبدا ، عندها قال لمن معه : اشهدوا عليه، وفي نفس اليوم تقدم بشكوى إلى إدارة التعليم ، علم بها مدير مدرستنا فطلب منا أن نتقدم بشكوى نشرح فيها جميع ما حدث .    حاول بعض العقلاء من الزملاء عندما علموا بما حدث التدخل لإصلاح ذات البين ، وعلى رأسهم أخينا وصديقنا الأستاذ / تيسير الغول ، ذهب إلى بيته وكلمه بما فيه الكفاية عما يعلم من  أخلاقنا ، وبأننا ليس من أصحاب المشاكل ، وأقنعه بسحب شكواه ونحن أيضا قمنا بسحب شكوانا من إدارة المدرسة .  وفي العام التالي لهذه المشكلة ، عُيََن الأستاذ عبد الرحيم مديرا لمدرسة بيت راس الثانوية الشاملة  وتفاجأ المدرسون به في أول دراسي ، وعندما دخلت أنا المدرسة وجدت ثلة منهم يقفون  بباب المدرسة وهم يضحكون ، وقالوا لي : إن صاحبك أبا  الهيجا  عُين مديرا للمدرسة .   قلت لهم : أهلا وسهلا  ، إن أراد بنا خيرا فأهلا به  ويبشر بكل خير، وإن أراد بنا شرا فسنرد كيده إلى  نحره .    دخلت إدارة المدرسة وكانت مليئة بالمدرسيين ،بدأت السلام عليهم وغالبيتهم كان العناق بالأحضان لطول زمن العطلة الدراسية ، وكنت أنوي مصافحة المدير الجديد باليد ، لأنني لم أتقابل معه بعد حادثة الملاسنة بيننا آخر العام السابق .     لقد كان هذا المدير خيرا مني، فوقف واستقبلني مرحبا وأخذني بالأحضان  وعانقني بالقبلات، وكأن شيئا لم يحدث بيننا ، وقد أثار هذا الموقف دهشة الزملاء الذين كانوا يسيرون خلفي ليروا ماذا سيحدث عندما نلتقي .    كانت مقابلته لي بهذا الشكل دليل نية طيبة منه على طي صفحة الماضي ، كان تعاملنا في بداية الأمر رسميا عاديا ، ثم تحول إلى صداقة وتقارب، وحاول أن يساعدني فعلا لإتمام دراسة الدكتوراه في معهد الدراسات العربية الذي يحضر فيه رسالته للدكتوراه ، وقد وفقه الله ونجح في الحصول على شهادة الدكتوراه ، ولم أوفق في التسجيل بهذا المعهد لإكمال دراستي .  عينت عام 2001م بوزارة التربية والتعليم الأردنية مدرسا في ثانوية بيت راس الشاملة للبنين ،   لتدريس العلوم الشرعية ، في صفوف المدرسة المختلفة ، الثامن ، التاسع ‘ العاشر ، الأول الثانوي والثاني الثانوي العلمي والأدبي .     كان يعمل معي بالمدرسة نخبة من المدرسين ذوي الأخلاق العالية ، والإمكانيات العلمية  الممتازة ، عشت معهم سنوات ثلاث ما بين ( 57- 60 ) من العمر . كنت خلالها كبير مدرسي المدرسة عمرا وأثقلهم وزنا،وكانت أسرة التعليم بالمدرسة نموذجية .                                   كنت بصفتي مدرسا للعلوم الشرعية بالمدرسة مشرفا على الطلاب الذين يتلون آيات من القرآن الكريم أثناء طابور الصباح في الإذاعة المدرسية ، اختيار الآيات المناسبة  ، اختيار الطلاب الذين يجيدون التلاوة وتدريبهم أثناء الحصص الدراسية، والوقوف بجانبهم عند التلاوة وتصويب أخطائهم الفورية ، وكذلك في الأحاديث النبوية الشريفة  كنت أحيانا ألقي بعض الكلمات في طابور الصباح وخاصة في المناسبات الدينية : المولد النبوي الإسراء والمعراج ، الهجرة النبوية وغيرها.   وفي إحدى المرات ، بمناسبة الهجرة النبوية  ، ألقيت كلمة عنوانها " دروس من الهجرة النبوية " واخترت درسين فقط للحديث عنهما :      الدرس الأول : حسن اختيار الصحبة .     الدرس الثاني : حب الوطن .   تحدثت في الدرس الأول : عن حسن اختيار الرسول صلى الله عليه وسلم لصاحبه أبي بكر الصديق رفيقه في الهجرة  " ثاني اثنين إذ هما في الغار إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا "(1) فمن كان مع الله كان الله معه ، ومن كان الله عليه فمن معه ؟!!   أبو بكر الصديق رضي الله عنه كان أول من آمن من الرجال ، يقول عنه الرسول صلى الله عليه وسلم  : " ما طلعت الشمس ولا غربت بعد النبيين على أفضل من أبي بكر "(2) ، فهل بعد هذا القول قول ، وهل بعد هذا الوصف وصف ، يعجز البلغاء والفصحاء على أن يأتوا بمثله ، وهو الذي نزل فيه قول الحق جل وعلا: " وما لأحد عنده من نعمة تجزى * إلا ابتغاء وجه ربه الأعلى*  ولسوف يرضى " (3) .                                                                                                           --------------------------------------------------------------------------------------------------------------------  (1)  سورة التوبة ، الآية رقم (40) .                             (2) رواه النسائي                       (3) سورة الليل ، رقم الآيات ( 19-20-21)                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                              رضي الله عن أبي بكر الصديق فقد كان نموذجا فذا في زمانه ، وصلى الله على سيدنا محمد الذي أعطانا درسا عمليا في حسن اختيار الصحبة ، وذلك عندما اختار أبا بكر الصديق رفيقه في الهجرة من مكة  إلى  المدينة .    ولنا في رسول الله أسوة حسنة عند اختيار الأصدقاء ، فيجب علينا اختيار الأصدقاء ذوي السمعة الطيبة والأخلاق الفاضلة ، والابتعاد عن الأشرار وأصدقاء السوء ، وقد شبه لنا عليه الصلاة والسلام هذين الفريقين بحامل المسك ونافخ الكير في الحديث بما معناه أو كما قال : " مثل الجليس الصالح والجليس السوء ، كحامل المسك ونافخ الكير ، فحامل المسك إما أن يحذيك أو تشتم منه رائحة طيبة ، وحامل الكير إما أن يحرق ثوبك أو تشتم منه رائحة خبيثة "(1) ، وفي الحديث الآخر : " المرء على دين خليله فينظر أحدكم من يخالل "(2) .     أما الدرس الثاني: فكان عن حب الوطن – وأنا من العشاق المغرمين بهذا الحب – وقد ضرب لنا الرسول عليه الصلاة والسلام المثل الأعلى في ذلك ،عند خروجه من مكة مهاجرا إلى المدينة ، تلفت نحو مكة وهو خارج منها وقال بما معناه : " والله إني أعلم أنك أحب البلاد إلى الله  وأحب البلاد إلي ، ولولا أن أهلك أخرجوني منك ما خرجت "(3)    ولقد عملت من هذا الدرس إسقاطا تاريخيا عن هجرتنا من فلسطين إلى الأردن ، ونحن الآن –بين الأنصار - في مدرسة بيت راس الثانوية فوق هذه الربوة المشرفة على جبال فلسطين ، نراها بأعيننا ، ماثلة أمامنا قاب قوسين أو أدنى ، فأشرت إليها بيدي واستعنت بقول الشاعر:                       هناك بذلك العـــــــــلم              مرابعنا من الــقدم                                                      ترى عيني مرابعها                 ولا تسعى لها قدم                                ------------------------------------------------------------------------------------------  (1) متفق عليه ، رواه الشيخان البخاري ومسلم .                                                                                  (2)  أخرجه أحمد في مسنده ، وأبو داود في صحيحه .                                                                              (3) رواه البهقي وابن حجر العسقلاني .                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                   وضج الطلاب وضجت المدرسة كلها بالتصفيق الحاد الذي طال أكثر من دقيقة ، حتى رفعت صوتي متبعا هذه بأبيات لشاعر آخر يقول فيها :                    بلاد باعها بالســـــحت            سمسار وخـــــــوان                                                    وأهل شردوا في الأرض         لولا الغدر ما هانوا     وارتجت المدرسة بالتصفيق الحاد مرة أخرى ، تحرك مدير المدرسة الأستاذ/ عبد القادر أبو الهيجا مارا أمام  (الميكروفون ) جيئة وذهابا ، وهو ينظر إلى ساعته ، طالبا بطريقة  غير مباشرة إنهاء الكلمة .    وقد شجعني حماس الطلاب على الاستمرار في الحديث عن حب الوطن الذي يملأ شغاف قلبي ،  كانت الكلمة ارتجالية غير مكتوبة ، وللأسف كانت آخر كلمة يسمح لي فيها بالحديث في طابور الصباح  ، دون أن أعلم سببا لذلك ، أو يعلمني أحد عن السبب .    ففي العام التالي أعددت كلمة بمناسبة الهجرة  النبوية إعدادا ذهنيا ، وأبلغت المدير بذلك ، واشترط عليََ عدم الإطالة حرصا على وقت الحصص ، فأجبته : إن شاء الله لن أطيل .    وفي صبيحة يوم إلقاء الكلمة ، تأخر قرع جرس الطابور الصباحي خمس دقائق ، وزاد التمرين الرياضي على غير العادة خمس دقائق أخرى ، لم يبق وقت لإلقاء الكلمة واعتذروا لي بطريقة مواربة  لم أكن راضيا عنها .     وقد علمت بعد التحري والبحث ، أن تأخير قرع الجرس كان متعمدا ، وأن إطالة وقت التمرين الرياضي كان مقصودا أيضا  ، لمنعي من إلقاء الكلمة ، وإنا لله وإنا إليه راجعون .              ويشهد الله أنني كنت أنوي الاستمرار في مناقشة موضوع حب الوطن ، وبالتحديد مناقشة الشعار الذي كان متداولا آنذاك وهو شعار " الأردن أولا ""وأجبت بنعم : " الأردن أولا : انتماء وعطاء وإخلاصا " و" فلسطين أولا جهادا وتضحية وفداء" ، شعاران لا يتعارضان ولا  يتقاطعان ويسيران معا جنبا إلى جنب دون إفراط ولا تفريط .                       الأردن أولا انتماء : حيث يفتخر كل منا بأنه يحمل هذه الجنسية وينتمي إليها ، ولا يتنكر لها ، وقد وقفت يوما ما موقفا مشرفا للدفاع عن هذا الانتماء لكل من الأردن وفلسطين ، وكان ذلك وقت أزمة الخليج ، حيث كنت أعمل مدرسا في السعودية ، تغيرت في تلك الفترة نفسيات كثير من الناس وانعكست سياسات دول المنطقة ، على تصرفات بعض أفراد شعوبها ، وحصلت بعض التجاوزات أحيانا ، ففي أحد الأيام دخل علينا أحد الزملاء الذين يعملون معنا بمدرسة سعد بن أبي وقاص بتبوك وهو يسب ويشتم حكومات الأردن وفلسطين بألفاظ بذيئة وغير محتملة .    رددت عليه ردا أفحمه وألجمه ، وكاد النقاش يتحول إلى عراك بالأيدي ، لولا وجود بعض الأخوة العقلاء الذين منعوا تفاقم الأمر ، أدانوا تصرفه وأخرجوه من الغرفة  ، وقالوا لي أأنت مجنون حتى تقول ما قلت ؟؟!!   وقد اعتذر لي هذا الأخ فيما بعد عن تصرفه الانفعالي ، وأصبحنا فيما بعد أصدقاء حميمين ، لا يزال يزورني باستمرار في الأردن ، ولطالما أهداني أنواعا من التمور الجيدة (من حلوة حايل ) ،  ونحن على اتصال هاتفي مستمر .    والأردن أولا عطاء :  فيجب على كل منا أن يبذل قصارى جهده لخدمة هذا الوطن المعطاء ، الذي عششنا في ظله وأكلنا من خيراته .    والأردن أولا إخلاصا :  لأن من لا يخلص لبلده فليس له حق العيش فيه ، والحق ليس له وجهان فإما أبيض أو أسود ، وذو الوجهين لا يكون عند الله وجيها .  وفلسطين أولا جهادا وتضحية وفداء :       وأقصد بذلك أنه ما دام هناك شبر واحد محتل من أرض فلسطين ، فالجهاد فريضة على كل مسلم ومسلمة ، وليس على أهل فلسطين فقط ، وإنما حسب المفهوم الشرعي  يوجب على المسلمين جميعا الدفاع عن كل شبر من أرض المسلمين ومن كل مكان ، الأقرب فالأقرب .                       وقد ردََ صلاح الدين الأيوبي عندما سئل عن سبب عدم رؤيته مبتسما ، قال: كيف أبتسم والقدس محتلة من قبل الصليبيين !!! .   هل يحق لنا أن نبتسم ونلهو ونلعب وإسرائيل تعلو راية  في حمى المهد وظل الحرم ؟؟!!   هذان الشعاران لا يتقاطعان وإنما يسيران في خطين متوازيين لا تفضيل بينهما ولا ترجيح كفة على أخرى : الأردن أولا انتماء وعطاء وإخلاصا ، وأيضا فلسطين أولا جهادا وتضحية وفداء.إنهما شعاران متكاملان ، وقد أدرك من أبرز الشعار الأول على حساب الشعار الثاني ، أدرك خطأه بعد حين عندما جاء بشعار آخر ( كلنا الأردن ) لا فرق بيننا ، رغم اختلاف المنابت والأصول .    ويجب أن لا أنسى أن أذكر بكل الفخر والاعتزاز طلاب مدرسة بيت راس الثانوية - طلاب الأنصار - معظمهم من أصول أردنية وعائلاتهم معروفة : حموري ، طعاني، شوحه ، هيلات  وعنبر ويعيش بينهم كثير من العائلات – المهاجرين- التي من أصل فلسطيني ، التحمت هذه العائلات معا بعلاقات نسب ومصاهرة  ومجاورة فشابهوا بتعاونهم وترابطهم المهاجرين والأنصار  عندما آخى بينهم الرسول صلى الله عليه وسلم في المدينة المنورة .     إن أكف هؤلاء الطلاب التي ضجت بالتصفيق عند سماع الكلمة الأولى ، كانت عقولهم تعي حقا ما حدثتهم به ، والحقيقة لا تُغطى بغربال .   وهناك أصوات نشاز تخرج بين الفينة والفينة، تحاول التفريق بين هذا التلاحم الوطني الكبير، بين المهاجرين والأنصار، بين الأردنيين والفلسطينيين ، وإنها لأصوات شاذة حقا وقد تصدى لهم نخبة موفقة من الوطنيين الأحرار أمثال دولة / أحمد عبيدات ودولة فيصل الفايز والسيد نقيب المهندسين السابق/ ليث شبيلات  وفي مقدمة هؤلاء الملك المفدى / عبد الله الثاني ، الذي يدعو باستمرار وفي كل مناسبة إلى أهمية اللحمة  الوطنية بين جميع أفراد الشعب الأردني مع مختلف وشتى المنابت والأصول ، وناكر الجميل جدير بأن لا يكون له مكان بين الجميلين، ويجب أن نكون جميعا دعاة وحدة لا دعاة فرقة واختلاف قال تعالى: " ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم "(1)                 ---------------------------------------------------------------------------------------------------------          (1) سورة الأنفال ، الآية (46) .                                                                                                                                                                                                                 في 1/1/2005 م جاءني كتاب وزارة التربية ، بإنهاء خدمتي في الوزارة لبلوغ السن القانوني للخدمة المدنية ستين عاما ، لم استحق راتبا تقاعديا ، ولا ضمانا اجتماعيا ، لقلة عدد سنوات خدمتي داخل المملكة ، وسحبت مني كذلك بطاقة التأمين الصحي ، لعدم وجود راتب تقاعدي يحسم منه رسوم التأمين الصحي .      خرج الإنسان من عمله – والحمد لله – صفر اليدين ( لا وراه ولا قدامه ) ، وذلك من نتائج الغربة الطويلة خارج الوطن ، يدفع الإنسان ضريبة الغربة دون أن يدري ، يعود من الغربة بدريهمات قليلة لا يدري كيف أنفقها هنا وهناك ، وقد وجد أترابه الذين كانوا معه  على مقاعد الدراسة ، وبقوا يعملون داخل الوطن ، أسسوا أنفسهم ، وحصلوا على راتب تقاعدي أو راتب من الضمان الاجتماعي وكذلك تأمين الصحي ، فضلا عن أنهم يعرفون مداخل ومفاتيح البلد ومخارجها علاقاتهم الاجتماعية قوية، أما المغترب- أعانه الله – فيبدأ حياته من جديد ، ويوكل أمره إلى الله .

     عملت برفقة أخي محمد بعض الوقت في شركة الوادي  لبيع قطع السيارات والتي كنت شريكا فيها ، لم يناسبني العمل في الشركة لأنني ألفت العمل بالتدريس خلال أربعين عاما ، في التدريس كان الراتب محددا ، وتخطط لنفقاتك ضمن حدود هذا الراتب ( تمد رجليك على قدر فراشك )، أما في التجارة ، فسيعتاد التاجر رغم أنفه (أحيانا) وربما (غالبا ) أن يمد  رجليه خارج السرير ، وربما يتركهما في البرد بدون غطاء فيحس بالبرد ، وربما يتجمدان قبل أن يحس ببرودتهما ، كنت دائما قلقا عير مطمئن وأنا أعمل بالتجارة ، وخاصة عندما كنت أكتب الشيكات البنكية للتجار آخر كل شهر ، كنت أبلغ أخي محمد بنذير الخطر عندما يكون مجموع الشيكات الصادرة من الشركة أكثر من مجموع المبيعات الشهرية ، كان أخي محمد أكثر طمأنينة مني ، وفي كل مرة يقول لي توكل على الله ربنا يسهل الأمر، وكنت أرد عليه دائما ، والله يا أخي إنني رجل مؤمن مثلك ومتوكل على الله ، ولكن الرسول صلي الله عليه وسلم يقول بما معناه : " اعقلها وتوكل "(1) ، وتحت ضغط الشيكات النفسي، وعدم قدرتي على تحمل المديونية الزائدة التي لم أعتدها تركت العمل بالشركة.     ______________________________________________________ 

الأم الدرع البشري الحنون ---- يوميات شاب من فلسطين

أخي محمد رجل عملي ومكافح وأمين ، يتعامل مع كثير من الناس ، بنفس الثقة والأمانة التي نشأ عليها وتطبع بها ، وبعض الناس لا يستحقون هذه الثقة ، واكتشف هذا الأمر مؤخرا بعد أن ضبطهم متلبسين بالخيانة .   قد لا تصدق ، أو لا تتصور أن أحد الأشخاص الذين وثق بهم ، وعملوا عنده لمدة سنتين ، عندما ضبطوه متلبسا بالجريمة ، داهموا منزله فجأة وهو يرافقهم رغما عنه إلى البيت ، وجدوا الأجهزة الكهربائية التي يتاجرون بها مكدسة في خزانة ملابسة ليبيعها بمعرفته خارج وقت الدوام .    إن أحد أساليب السرقة الشيطانية التي يتعامل بها هذا الموظف اللص ، حيث كان من ضمن عمله المحافظة على نظافة المحل وعمل الشاي والقهوة بعد انتهاء الأعمال الخاصة بحافلات التوزيع ، كان يعمل الشاي أو القهوة لأخي وشريكه وهما يعملان في المكتب ويتجاذبان أطراف الحديث ، ويعد لهما الأرجيلة ( الشيشة ) ، وعندما يراهما منسجمين في الحديث مع القهوة والأرجيلة ، كان يخرج بكرتون القمامة من أمامهم رافعه إلى  الأعلى متظاهرا بتعبئته بالقمامة ، وكان يضع في كل غدوة وروحة إلى حاوية القمامة جهازا كهربائيا أو اثنين ويمر على سيارته التي تقف بشكل متعمد قريبة من الحاوية ليخبئ بداخلها مسروقاته ، وقد نسي اللعين أن الله رقيبا عليه في كل حركة يقوم بها : " يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور"(1) .                    وبالصدفة المحضة مررت على  أخي بالشركة وأنا في طريقي إلى  عمان ، وكان ذلك في نفس يوم اكتشاف  هذا الرجل اللص ، وبمجرد أن رآني دخلت المكتب رمى نفسه عليََ وهجم علي يقبل رأسي قائلا : أنا داخل عليك يا عم أبو صلاح ، قلت له : تدخل علي بعد أن  ارتكبت هذا العمل المشين ؟؟!!  لقد خنت الأمانة وعضضت اليد التي امتدت لتساعدك ،  قام إليه شريك أخي بانفعال ، وصفعه كفا ، وضربه بحذائه ، فمنعته من الاستمرار ، وكتبوا عليه إقرارا يعترف فيه بالسرقة ، وأنه استلم كافة حقوقه من الشركة ، فالشركة الجديدة كانت في طور الإنشاء والترخيص، ولا جدوى من تسليمه للعدالة ما دامت الشركة غير مرخصة بعد .      _______________________________________________________ (1) سورة غافر ، رقم الآية (19) .                                                                                                                                                                                            إن الثقة بالناس يجب أن تكون ثقة منضبطة بمعايير محددة ، تمنع الانفلات ، وتمنع ضعاف النفوس الذين ربما تسول لهم نفوسهم الضعيفة استباحة أموال الآخرين ، بحجة أنه مظلوم ، أو أن راتبه قليل أو غير ذلك من التبريرات التي تحلل له الحرام !! .     بعد أن تركت العمل في التدريس لبلوغ السن القانوني للعمل، وكذلك العمل في الشركة طوعا لعدم القدرة على تحمل أعباء العمل الذي لم أعتاده ، اتصل بي أبنائي حفظهم الله جميعا وقالو لي :  لقد آن لك أن تستريح ، عملت بما فيه الكفاية ، ربيتنا أفضل تربية ، وعلمتنا أحسن تعليم ، وبنيت لنا سكنا مريحا ، وتزوجنا جميعا والحمد لله ، وكلنا يعمل في وظائف مناسبة ، وهذا كله بفضل الله ثم بفضل جهودكم المتواصلة أنتم والوالدة الكريمة .    استرح في البيت يا والدنا الكريم ، وانقطع للعبادة ما بين البيت والمسجد ، زر الأقارب وصل الأرحام ، وتجولا أنتما والوالدة في بقاع الأرض وأنتم مرتاحون الآن ، بعد أن سبق لكم وتجولتم في بقاع الأرض وأنتم متعبون تحملون هموم الدنيا كلها على أكتافكم .    نحن إن شاء الله سنكفيكم بكل ما تطلبون ، أنتم تأمرون ونحن علينا تلبية طلباتكم ، ولا نطلب منكم إلا أن تبقوا راضين عنا ، وتدعوا لنا بالسداد والتوفيق ، أنتم ووالدتنا الحنونة التي تعبت وجاهدت معكم ، معلمة في المدارس ومديرة لها على  مدى عشرين عاما ، ومربية وحاضنة لنا في البيت ، وباعترافك يا والدي كانت ولا زالت خير زوجة  تقوم على رعاية حقوق زوجها وتلبية طلباته ، وبالطبع كنت أنت لها كذلك خير راع يحافظ على حقوق الزوجية ويطبقها ، نعم كنت لها كأبي زرع لأم زرع  .   لقد آن لنا أن نسد بعض هذا الدين الذي طوقتم به أعناقنا ، استريحوا  كفاكم الشقاء والتعب على مدى أربعين عاما ، لقد جاء دورنا حتى نوفر لكم أسباب الراحة ، ما بقي لكم من حياة إن شاء الله ، وربنا يطيل في أعماركم حتى تستمروا في الدعاء ، فنحن بفضل الله ثم بفضل دعائكم موفقين في أعمالنا وحياتنا ، والله يحفظكم لنا ذخرا وسندا .      نعم لقد آن لهذا الفارس أن يستريح من عناء العمل ، بعد  أن عمل إحدى وأربعين سنة في مهنة التعليم ، ولا يعرف مشقة مهنة التعليم إلا من جربها ، فقد جربها الشاعر الفلسطيني / إبراهيم طوقان حين عارض أمير الشعراء /أحمد شوقي بقوله :             شوقي يقول وما درى بمصيبتي                 قم للمــعلم وفه التبـــجيلا                               لو جرب التــعليم شوقي  ساعة                 لقضى الحياة شقاوة وخمولا   وجربها عميد الأدب العربي د. طـه حسين ، أستاذ الجامعة ، ووزير المعارف المصري ، حيث قال عبارته الشهيرة في عيد تكريم المعلمين حاثا على تحسين أوضاع المعلمين المادية والاجتماعية قال : " المعلمون أكثر الناس إجهادا وإملاقا " .   وانحط الواقع الاجتماعي في فترة من الزمن عند كثير من الناس حتى صار بعض ضعاف العقول  ينظرون إلى المعلم نظرة غير لائقة  بسبب ضآلة دخله  وفقره ، حتى أن بعض الفتيات رفضت الزواج من المعلم حسام ، لا لعيب فيه سوى أنه كان يعمل مدرسا ، فيقول الشاعر على لسان تلك الفتاة الجاحدة لفضل المعلم ، وغير مقدرة لظلم المجتمع له  :         أنا لا أريد حسام لست أريده              أنا لا أريد حسام فهو معلم ولو كنت مكان حسام لامتشقت حسامي وعاجلتها بطعنة من حسامي قطعت به أنفاسها قبل أن أقطع لسانها ، الذي تحرك ليجرح كرامة هذا المعلم الذي ورث رسالة الأنبياء .  وقد أراحني الشاعر الفذ ، وخلصني من وزر ارتكاب جريمة القتل ، بدفاعه عن هذا المعلم المجروح بقوله :         إن الذي يبني الوجود بكفه             أضحى بكف الجاهلات يهدم ويقول الشاعر الآخر :       أرأيت أشرف أو أجل من الذي          يبني وينشئ أنفســـــا وعقولا           نعم لقد آن لنا نستريح أنا وزوجتي الشريفة المناضلة بجانبي ، والتي رافقتني رحلة العمر ، رحلة الكفاح الطويلة بحلوها ومرها ، ساهمت معي وساعدتني في التغلب على ظروف هذه الحياة القاسية التي عشناها ، في الإنفاق على العائلة ،وفي الإنفاق على دراستنا معا في جامعة بيروت العربية، وفي شراء قطعة الأرض وبناء البيت الذي نسكن فيه على مراحل عدة ابتداء من عام 1980ولغاية عام 1989 سنة نبني العظم ، وسنة نكسيه باللحم ، وأخرى نسد فيها الدين الذي لحقنا من جراء عملية البناء ما بين اللحم والعظم .    وقد نفذنا الخطة التي رسمناها لأنفسنا ، وهي أن ينتهي بناء البيت قبل أن يتخرج أول أبنائنا من الثانوية العامة،لأنه سيدخل في الحساب مصاريف مستجدة هي مصاريف الدراسة الجامعية( والحبل على الجرار) ، أعمار الأبناء متقاربة ويمكن أن يجتمع ثلاثة منهم في مرحلة الدراسة  الجامعية ، وهكذا كان ، ومصاريف الجامعة وما أدراك ما مصاريف الجامعة ، وأيضا هذه المهمة لا يشعر بها إلا من جربها خصوصا إذا كان واحد أو اثنين من الأبناء يدرسون حسب نظام التعليم الموازي ، ولم يحصلوا على مقاعد جامعية وفق نظام التنافس العام المعمول به في الأردن ، أو أن الابن لم يعجبه مجال الدراسة الذي كان يتوافق مع درجاته في التنافس العام ، وأصر على أن يدرس المجال الذي يفضله ، أو يبقى بدون دراسة ، عندها يضطر الأب إلى إدخال ابنه قسم التعليم الموازي ، حرصا على  مصلحة ابنه ، حتى ولو تحمل فوق طاقته من الإنفاق ، لأن لديه قناعة تامة بأن بناء الإنسان أهم بكثير من بناء القصور والعمارات ، ولأن الإنسان هو الذي يبني القصور ، ولا تبني القصور الإنسان أو تعلمه .    وقد ثبت صحة  هذا الكلام عمليا بمثال من واقع حياتنا المعاش ، لم يحصل ابني الأول  صلاح الدين على الاختيار المناسب في التنسيق العام ، وكان يفضل دراسة الحاسب الآلي ، وفتحت أول جامعة أهلية في الأردن وهي جامعة عمان الأهلية وكان صلاح من أوائل الطلبة الذين سجلوا في هذه الجامعة وكان الرسم السنوي لأبناء المغتربين بالدولار ويبلغ خمسة ألاف دولار ، خُفض في السنة الثانية إلى أربعة ألاف دولار لحدوث حرب الخليج وعودة الأردنيين من الكويت .                                                                                                                                                                        قال لي أبو برهان وهو احد الزملاء الذين يعملون معي في المدرسة ، يا رجل أأنت مجنون حتى تدفع رسوم جامعية على تعليم الولد مبلغ 13000 دولار، غير مصاريف السكن والمصاريف الأخرى بما يعادل 150 دينارا شهريا ، يا رجل لو فتحت له (سوبر ماركت ) بالمبلغ لدر عليك دخلا أفضل من راتب الوظيفة التي سيعمل بها .    قلت له : إن الواجب علينا أن نؤدب الابن ونحسن تأديبه ، ونعلمه ونحسن تعليمه ، أما الوظيفة والأرزاق فهي بيد من لا يغفل ولا ينام يقسمها كيف يشاء ، وقد جاء في الحديث القدسي فيما يرويه الرسول عن ربه عز وجل قال بما معناه أو كما قال:" إن من عبادي من لا يصلحه إلا الفقر ولو أغنيته لأفسدت عليه دينه،وإن من عبادي من لا يصلحه إلا الغنى ولو أفقرته لأفسدت عليه دينه "(1) .    وكم من الناس لم يكملوا تعليمهم ، كانوا معنا على  مقاعد الدراسة ، وهم اليوم من الأثرياء ، وكم من الناس الذين أكملوا تعليمهم وعملوا في وظائف عديدة ويعيشون الكفاف وحالهم مستور ويحمدون الله على كل حال ، قال تعالى : " نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا ... "(2)     ودارت الأيام وباعدت بيني وبين زميلي السابق الذكر ( أبو برهان )، تخرج ابنه من الثانوية العامة ، وظلت فكرة ( السوبر ماركت ) تدغدغ أفكاره ، وفتح لابنه مكتبة ليعمل فيها قبل أن يكمل دراسته الجامعية ، واستمر فيها ثلاث سنوات حتى أدرك فشل مشروعه التجاري ، وتلاشى راس المال ، لأنه كان يأكل من جلده ، وباع ما بقي في المكتبة بتراب الفلوس ، بعدها أستدرك ما فاته ، دخل ابنه جامعة اليرموك / قسم الإعلام وهو الآن موظف كبير في شركة بترا الأردنية للإعلام .     وجمعتنا الأيام مؤخرا في مناسبة فرح لابن أحد أصدقائنا ، وجلسنا على طاولة واحدة بعد عناق وقبلات حارة ، وكنا مجموعة من الأصدقاء القدامى ، التفت إلي أبو برهان قائلا : والله إنك كنت   -------------------------------------------------------------------------------------------- (1))رواه الطبراني . .                                                                                                                  (2) سورة الزخرف ، رقم الآية (32)  على حق يا أبا صلاح عندما أدخلت أبناءك في الجامعة من بداية الطريق ، وسرد لنا قصته السابقة مع المكتبة وكيف ضاعت الفلوس ، وضاعت ثلاث سنوات من عمر الابن كذلك بين جدران المكتبة مقهورا بدون فائدة ، وكل ميسر لما خلق له ، والحمد لله على كل حال .       ولله در الشاعر حيث يقول :               تعلم فليس المرء يولد عالما             وليس أخو علم كم هو جاهل                                    وإن كبير القوم لا علم عنده            صغير إذا التفت عليه المحافل                     ويكفي طالب العلم خيرا ما يبشره به رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديث الشريف بما معناه أو كما قال : " من سلك طريقا يلتمس به علما سهل الله له به طريقا إلى الجنة ... "(1) .        إنني قد بلغت الآن السادسة والستين ، ولا زلت أطمح في إكمال دراستي الجامعية والحصول على درجة الدكتوراه فهي أمنية طالما حلمت بتحقيقها ، وأحمد الله أنني لم أتمنى أمنية في حياتي إلا وحققها الله لي ، إلا هذه الأمنية لحكمة أرادها الله وربما يكون في ذلك خير لي  " وعسى أن تحبوا شيئا وهو شر لكم ... " (2) ، غير أني لم أيأس ولن أقنط من رحمة الله .   وكانت آخر أمنية سألت الله أن يحققها لي هي أن يرزقنا  بعشرة أحفاد من الذكور ، وقلت في نفسي سأذبح إن شاء الله عجلا عند تحقيق هذه الأمنية ، نأكل منه ونوزع الباقي على الأرحام والأصدقاء والمساكين ، وقد تحققت الأمنية وذبح العجل وتم توزيعه والحمد لله .    إنني أعتز وأفتخر بجميع أفراد عائلتي الصغيرة ، فنحن سبعة ، الأب والأم وخمسة من الأبناء: أربعة من الذكور ووحيدتنا هديل ( ست إخوتها ) كما تحب أن تلقبها أمها بذلك ، جميعنا والحمد لله من حملة الشهادات الجامعية:                                                                               ------------------------------------------------------------------------------------------   (1)رواه مسلم .                                         (2) سورة البقرة ، الآية رقم (216) .  الأب : يحمل خمس شهادات جامعية : ثلاثا منها بكالوريوس تجارة ، تخصص اقتصاد ، تخصص          محاسبة وتخصص إدارة أعمال ، الرابعة دبلوم الدراسات الإسلامية العليا ، والخامسة               ماجستير دراسات إسلامية تخصص اقتصاد وعلوم مالية .الأم : بكالوريوس تجارة / تخصص إدارة أعمال .صلاح الدين : بكالوريوس حاسب آلي / تخصص نظم واتصالات علاء الدين : بكالوريوس هندسة / تخصص هندسة كيماوية .عماد الدين : بكالوريوس طب / تخصص باطني .بهاء الدين : بكالوريوس حاسب آلي / تخصص اتصالات .هديــــــــل : بكالوريوس لغـــــــــــــــــــة إنجليزية .    جميعهم متزوجون ومستقرون في بيوتهم وأعمالهم والحمد لله ، ورزقني الله وإياهم حتى الآن أحد عشر حفيدا منهم عشرة ذكور وطفلة واحدة ، وأسأل الله أن يصل عددهم إلى الرقم خمسة وعشرين، إن شاء الله يرزق كل واحد من أبنائي الخمسة ، خمسة من الأبناء كما رزق أباهم خمسة من قبل ونسأل الله أن يحفظهم جميعا ويبارك فيهم .   أقضي معظم وقتي والحمد لله بين البيت والمسجد ، أذهب إلى السوق كل يومين أو ثلاثة لشراء بعض لوازم البيت من مختلف الحاجيات ، خضار وفواكه ، لحوم ودجاج وأسماك وغيرها .    أذهب كل أسبوع أو أسبوعين للمبيت عند الوالدة  ، وأصطحب معي في كل مرة أختي الصغرى  تبيت معي عند الوالدة ، تقوم بترتيب شؤون البيت وتنظيفه وعمل كل ما يلزم ، وأقوم أنا بتوفير الحاجات اللازمة للبيت من ألفها إلى يائها ، قاربت الوالدة على المائة عام ، وأصبحت غير قادرة    على القيام بأعمال الطبخ والغسل ، يقوم دار أخي عبد  العزيز بعمل كل ما يلزم في حال عدم وجودنا عندها ، ولا زالت الحاجة ترفض البقاء عند أحدنا في منزله أكثر من يومين أو ثلاثة ، وأحيانا ترفض الذهاب مع أي واحد منا ، وتردد لنا المثل الذي تحفظه عن ظهر قلب ولطالما سمعناه منها : ( حبيبي رآني ورأيته ، وباقي عليََ خزوق بيته ) ، ( أنا شفتكم يامه ، وأنتم تأتون لعندي باستمرار) ( وما في داعي أتعب نفسي في الذهاب عند أحدكم ) ( أنا في بيتي بستريح أكثر من كل البيوت )    وأمام إصرارها نضطر إلى تركها عند دار أخي عبد العزيز ، يرعون شؤونها ، وتبقى عندها واحدة من بنات أخي عبد العزيز ، تؤنس وحشتها ، وتقدم لها ما تريد ,    إن هذه الأم الصابرة المصابرة ، مهما قدمنا لها من خدمات ، فإنها لن تعادل عشر  معشار التضحيات العظيمة التي قدمتها لنا في شبابها ، عندما كنا أطفالا صغارا ، كانت تسعى سعي الرجال  لتقوم بتأمين احتياجاتنا .      وكما سبق أن أشرت لا زالت هذه الأم ترفض العيش في بيت أحد أبنائها مع العائلة ، لأنها ترفض أن تعيش في ظل امرأة أخرى رغم شيخوختها وضعف قدراتها العقلية والجسدية وتقول دائما : " أنا هيك مستريح أكثر " .      لن أنسى في يومياتي هذه ، ذكر صحبة المسجد ، ورفقاء صلاة الفجر وصلاة الضحى وبداية وقتها بعد شروق الشمس بثلث ساعة ، وقد تعودنا ما بين صلاة الفجر ووقت الضحى على قراءة القرآن  وسماع درس من التفسير أو الحديث أو  سيرة أحد الصحابة أو التابعين أو  قصص الأنبياء وقصص الصالحين  وذلك للتأسي بهم ، واقتباس المواعظ والعبر من أخبارهم.    وفي نهاية الجلسة وبعد أداء صلاة الضحى ، نجلس مرة أخرى ليأكل كل واحد منا سبع حبات من التمر عملا بحديث الرسول صلى الله عليه وسلم بما معناه أو كما قال : " من تصبح بسبع تمرات عجوة ، لم يضره سم ولا سحر "(1)                                                                   ---------------------------------------------------------------------------------------- (1) رواه البخاري .                                                       أما هؤلاء الأخوة الأفاضل الذين يرافقونني باستمرار ومنذ ثلاث سنوات تقريبا وهم ، السادة / أبو عاطف الجمرة  ، أبو حسن الجادوري ، أبو محمد أبو حطب ، أبو نضال ، أبوبسام  الجوابره وأبو محمود ، والأستاذ / جهاد جردات، والأخ/ حسين جردات ، ومن الطلاب : الطالب محمد والطالب خالد .   إن العلاقة والأخوة التي تربط بين أفراد هذه المجموعة ، هي علاقة قوية تسودها المحبة والأخوة في الله ، والذين آمنوا أشد حبا في الله ، غير مبنية على المصلحة  أو المنافع الدنيوية ، إذا غاب أحد أفراد هذه المجموعة عن صلاة الفجر ، فإن الجميع يسأل عنه ، ويقابلونه بالسؤال وهم يبتسمون قائلين له : هل ضحك عليك أبو مرة البارحة ؟؟!! ويعنون بذلك الوسواس الخناس الذي يوسوس في صدور الناس ، ويضرب على آذانهم فلا يستيقظون وتفوتهم الصلاة ، لذلك فأفضل طريقة وبمجرد أن يستيقظ الإنسان يقوم من فراشه على الفور، وبذلك يكون قد قهر وسوسة الشيطان .    وما هو جدير بالذكر تقديم الشكر الجزيل لإمام المسجد الشيخ / محمد خالد الطيطي ، ومؤذن المسجد السيد /مالك لإتاحتهم لنا فرصة المكوث في المسجد بعد صلاة الفجر حتى يحين وقت صلاة الضحى ، وأحيانا يشاركوننا البقاء في المسجد والمكوث فيه للعبادة  جزاهم الله خيرا .    والحمد لله على كل حال ، أجزل علينا نعمه وعطاءه ، وأكرمنا بنعمة الأمن والأمان ، والصحة والعافية ، وأفاء علينا من خيراته التي لا تحصى ، ونسأله تعالى أن يديم علينا هذه النعمة والفضل والعطاء ، وأن يبقي ألسنتنا رطبة بذكره وشكره في السراء والضراء وحين البأس ، إنه على كل شيء قدير وبالإجابة جدير والحمد لله رب العالمين .         ِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِرحلة العمرة الدينية التاريخية السياحيةعود على بدء     في التاسع عشر من نيسان عام 1411م الموافق الخامس عشر من جمادى الأولى لعام 1432هـ   قررت الذهاب لزيارة أبنائي في مدينة الرياض بالمملكة العربية السعودية ، بعد غياب عن المملكة دام عشر سنوات  ( 2001- 2011) م ( 1422- 1432) هـ ، حيث كنت أحد المدرسين المتعاقدين الذين تم الاستغناء عنهم لإحلال كوادر سعودية مكانهم ، بعد خدمة دامت ثمان وثلاثون سنة في وزارة التربية والتعليم .    وكان من الأهداف الرئيسة للزيارة أداء مناسك العمرة وزيارة بيت الله الحرام والمسجد النبوي الشريف ، بعد غياب طويل عنهما ، خصوصا وأنني قد اعتدت على هذه الزيارة مرة أو مرتين كل عام خلال وجودي في المملكة في السنوات السابقة ، وكم كنت في شوق لهذه الزيارة .    يعمل أبنائي الثلاثة في شركات مختلفة في مدينة الرياض ، يعمل صلاح الدين مهندسا في شركة المعمر للاتصالات ، ويعمل علاء الدين مهندسا كيماويا في شركة ( وتكو ) لتحلية المياه ،أما بهاء الدين فيعمل مهندسا في شركة الاتصالات المتكاملة .    لقد سبق لي أن زرت الرياض عام 1976م ، أي قبل خمس وثلاثين سنة تقريبا ، كنت يومها أحضر رسالة ماجستير في الاقتصاد الإسلامي ، وكان يشرف على رسالتي الدكتور/ محمد شوقي الفنجري ، كان أستاذا بجامعة الرياض .  مكثت في الرياض مدة شهر ونصف ، طيلة العطلة الصيفية  المدرسية لذلك العام ، حيث كنت حينها أعمل في مدارس مدينة تبوك ، كنت في تلك الفترة أتردد على مكتبة جامعة الملك سعود في    موقعها القديم بالملز ، ومكتبة معهد الإدارة في نفس الحي على ما أتذكر ، وكنت  لا أخرج من تلك المكتبات إلا مع انتهاء دوام موظفيها ، وكثيرا ما كانوا ينبهونني إلى انتهاء الوقت ، وكانت مكتبات تبوك لا تفي بالغرض ، فكنت حريصا على استغلال وقت تواجدي في الرياض ، حيث المكتبات عامرة بالمراجع القيمة . كنت في تلك الفترة أتردد على منزل الأستاذ الدكتور/ محمد شوقي الفنجري ، على فترات متقاربة أسبوعية ، أعرض عليه ما أعددته من مواضيع الرسالة ، يجيز بعضها ، ويعدل على بعضها ، ويشطب بعضها ، ويرشدني إلى المراجع القيمة ، أهداني بعضا من مؤلفاته ، ومن كتب الاقتصاد الموجودة عنده ، كان جزاه الله خيرا متواضعا كريما ، بسيطا في بيته ، كان أعزبا ، ترك زوجته  عند أبنائه الذين يدرسون بجامعات القاهرة ، لذلك كنا نأخذ راحتنا معه في البيت ، فكنت أرافقه عند عمل الشاي والقهوة ، وأحيانا كنت أغسلها معه ، رغم إصراره ورفضه الشديد لذلك .                   وبنظرة متأنية لمعالم الرياض اليوم ، وما كانت عليه أيام زيارتي الأولى لها قبل خمسة وثلاثين عاما ، فشتان بين الأمس واليوم وخاصة من حيث التطور الحضاري والعمراني ، في الماضي لم تكن الرياض بهذا الاتساع في بعديها الأفقي والعمودي ، لم نكن نشاهد تلك الأبراج الشاهقة الارتفاع ، كنا نشاهد أثناء المرور ببعض الأحياء السكنية بعض البيوت المبنية من الطين والتي لم أشاهد أثرا لوجودها الآن .   أذكر من المعالم القديمة التي شاهدتها في زيارتي السابقة ، مبنى وزارة الداخلية بتصميمه المميز والذي يلفت نظرك من مسافة بعيدة ، وكذلك حي السفارات ، حيث كانت حدائق هذا الحي متنفسا ومتنزها جيدا يذهب إليها الناس للراحة والاستجمام ليلا ، وقد تجاوزتها متنزهات الرياض الآن .    في زيارتي السابقة للرياض ، ذهبنا في زيارة تاريخية لمدينة الدرعية ، كانت تبعد عن الرياض مسافة لا بأس بها ، أما اليوم فهي أشبه ما تكون بحي من أحياء الرياضِ فالمباني شبة متصلة ولا يكاد يفصل بينهما فاصل ، كانت الدرعية بلدة بسيطة  ، معظم بيوتها من الطين ، أما اليوم فتجد فيها   العمارات الشاهقة ، والشوارع العريضة المنظمة ، وقد طغت المعالم الحضارية الحديثة ، على المعالم التاريخية القديمة فيها .   أتذكر في زيارتي الأولى للرياض أسواق  ( الديرة )و ( البطحاء) لبيع الخضار والتمور، كانت أسواقا شعبية ، ترى ( مكاتل ) التمور بأنواعها المختلفة تعرض على الأرصفة وفي جانبي الشارع   هنا وهناك بدون ترتيب ولا نظام ، أما هذه الأيام فعندما زرتها ، وجدت أسواقا خاصة بالخضار والتمور ، مرتبة ومنظمة تنظيما دقيقا ، في أماكن فسيحة واسعة ، شوارعها عريضة ومنظمة ومضاءة بالكهرباء ، فيها مواقف خاصة لسيارات المشترين ، قريبة من أماكن التسوق ،يقضي الناس حوائجهم بكل يسر وسهولة.   أما محلات بيع التمور فلها أماكن خاصة بها ، تعرض أنواع التمور المختلفة بطرق فنية ، بعبوات مختلفة وزنا وحجما وشكلا وجودة ، أنواعها كثيرة يصعب على غير ذوي الخبرة بالتمور حفظ هذه الأنواع والتمييز بينها ، فمنها البرني والبرحي والصقعي والخلاص والسكري والحلوة وغيرها كثير أما أسعارها فلكل حسب مقدرته الشرائية ، فبعضها أسعارها عادية يستطيعها كثير من الناس شراءها ، وبعضها أسعارها مرتفعة لا يشتريها إلا أصحاب الدخول المرتفعة ممن لديهم القدرة على شرائها ، وكان موعدنا لزيارة أسواق التمور في غير موسم البلح  ، فقد رأينا ثمار النخيل في شوارع الرياض على الشجر بسرا أخضر ولما ينضج بعد .    ظاهرة الأبراج في الرياض تلفت النظر ، اصطحبني ابني علاء الدين وأفراد عائلته ، لمشاهدة برج المملكة عن قرب ، وقد أعدت صالة زجاجية كبيرة ، صممت بطريقة هندسية عجيبة ، تربط بين شعبتي برج المملكة الشاهقين في عنان السماء ، على ارتفاع مائة طابق ، وقد أعدت هذه الصالة لمشاهدة كافة أنحاء الرياض من خلال هذه الصالة الزجاجية .   وصلنا برج المملكة الساعة التاسعة مساء ، وجدنا الناس يصطفون في طوابير طويلة  أمام مصاعد البرج التي يتسع الواحد منها لأكثر من عشرين شخصا ، في البداية تبدأ بدفع رسوم الدخول   بمقدار خمسة وعشرين ريالا عن كل شخص ، ثم  تأخذ موقعك من الطابور أمام المصعد سريع الحركة ، سرعته مدهشة ، يصل بك المصعد إلى قمة  البرج ، حيث الصالة الزجاجية في ثوان قليلة ، وربما تكون أقل من وقت مصعد في عمارة عادية مكونة من أربعة طوابق، وكذلك لا تشعر بحركة هذا المصعد أثناء سيره.   وفي أعلى البرج توجد الصالة الزجاجية التي تطل على الرياض من جميع نواحيها ، شرفة واسعة تشاهد الناس فيها يقفون خلف البلور الزجاجي الضخم ، متمسكون بقضبان غليظة من الكروم  تفصلك عن الالتصاق بالألواح الزجاجية ولتمنع خطورة العبث بها حال الاقتراب منها، يسير الناس في هذه الصالة من أولها إلى آخرها وهم ينظرون بدهشة وانبهار إلى  الرياض من علٍٍ يشاهدون السيارات تسير في الشوارع كأنها دمى أطفال صغيرة ، والعمارات الشاهقة كأنها أكشاك قميئة لبيع المرطبات والسجائر.   يوجد في نهاية الصالة بوفيه تستطيع شراء ما تريد من المرطبات والعصائر والحلويات والبوظة ويوجد أمامها عددا من الطاولات والكراسي لمن يريد الجلوس ، ويلاحظ على أسعار هذه البوفيه أنها مرتفعة ، فثمن علبة البوظة الصغيرة عشر ريالات !!   إنك تحس وأنت داخل هذه الصالة الزجاجية التي تسبح في الفضاء ، كأنك في عالم آخر ، الرياض أمام ناظريك كأنها كتلة مشتعلة من الأضواء الكهربائية ، استقامات الشوارع الطويلة والعريضة ، كأنها مساطر كهربائية مضاءة منثورة في جميع الاتجاهات ، ولا بد في تلك اللحظة أن يتذكر الإنسان قدرة الله الذي علم الإنسان ما لم يعلم ، ويشكره على هذه النعم الكثيرة التي لا تحصى قال تعالى : " وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها "(1) ، " فبأي آلاء ربكما تكذبان "(2)  . ------------------------------------------------------------------------------------------------------ (1)  سورة إبراهيم ، الآية رقم (34)                           

 (2) سورة الرحمن ، الآية رقم الآية (13)

 .   في زيارتي الأولى للرياض قبل خمس وثلاثين سنة تقريبا عام 1976م ، كانت المقاهي الشعبية  منتشرة داخل الرياض ، مقاعدها من الكراسي الخشبية العالية المشدودة من الحبال وسعف النخيل   وتسمى ( القعادة ) ، كنا نذهب للاستراحة بها ليلا سيرا على الأقدام . أما هذه الأيام فقد منع وجود مثل هذه المقاهي داخل الرياض ، وسمح بإنشاء مقاهي خارج الرياض على بعد 20 -30 كلم ، وفرق شاسع بين هذه وتلك ، مقاهي اليوم عبارة عن استراحات مغلقة ومكيفة ، فيها جلسات مريحة مفروشة بالسجاد وتحيط بجدرانها المراكي  والمساند الوثيرة     وجلسات أخرى طاولات وكراسي مريحة  ، والورود الطبيعية المزروعة بين تلك الجلسات تضفي على الجو بهاء وجمالا، وهكذا أصبح المقهى يحمل طابع الاستراحة أكثر من كونه مقهى .   أصر عليََ أحد أبنائي وهو بهاء الدين أن يصطحبني معه في أحد الأيام إلى هذه  المقاهي، وشجعني على ذلك ، فأنا ليس من رواد المقاهي ، ولا أحب الجلوس في هذه الأماكن ، ويوم مباراة كرة القدم بين (ريال مدريد وبرشلونة ) ، قال تعال معي وستشاهد أمما هناك إنه عالم آخر ، نعم إنه عالم آخر من اللهو واللعب ، وحبذا لو استُغل فيما هو أفضل وأكثر نفعا .   وبالفعل كما قال رأيت عالما آخر ، تحجز فيه المقاعد حجزا من الظهر أو العصر على الهاتف ،   لكل طاولة تلفاز خاص بها ، وكذلك لكل من الجلسات الرومانسية الأرضية الأجهزة الخاصة بها   ويطوف بين هذه وتلك النادلون يخدمون رواد المقهى فيقدمون الشاي والقهوة والعصير والشيش (والأراجيل) على  اختلاف أنواعها وأشكالها ، وحملة الجمر يذرعون القهوة ذهابا وإيابا يزودون الشيش بالنار عند الحاجة إليها .   كان البعض يلعب الورق ، وآخرون يلعبون الزهر ، وآخرون يجلسون لمشاهدة التلفاز ، وآخرون يتجاذبون أطراف الحديث من هنا وهناك ، عالم لهو وصخب كله ، جنبنا الله وإياكم الاعتياد على زيارة هذه الأماكن فإنها مضيعة للوقت .   وللحق وللأمانة لا بد من ذكر مشاهدة طيبة وسط هذا الجو المشحون ، يوجد مسجد كبير لأداء الصلاة في وقتها ، تسمع الأذان وإقامة الصلاة ، ويكون الناس في المسجد بالمئات يؤدون الصلاة في وقتها ، وكثير منهم من يتكاسل عن أداء الصلاة في وقتها ، وقد شاهدت المقاهي مقفولة أثناء تأدية الصلاة .   وفي أحد الأيام وأنا بالرياض اتصل بي ابن أخي / عمر عبد العزيز ، وهو يعمل بشركة (الصافي/ دنون)  للألبان بمدينة الخرج ، وقال لي أريدك أن ترافقني في نزهة لإحدى استراحات الرياض ، وكان اسمها ( الضوء الخافت ).    بمجرد دخولنا الاستراحة شعرنا ببرودة رذاذ الماء المنطلق من أنابيب تعلو هاماتنا على طول الممر الذي يؤدي إلى مكان الجلسات الهادئة المعدة بشكل متقن ، والمفروشة بالسجاد ومحاطة من جانبها بالمراكي والمساند الوثيرة ، ومن حولك أشجار الورد بعبقها الشذي، ومن أمامك بركة واسعة مليئة بالأسماك المتنوعة التي تسبح باتجاهات مختلفة ، وفي وسط البركة نافورة ماء ذات دفع قوي يرتفع ماؤها عدة أمتار في الهواء  الطلق ، وإذا ما هبت نسمات  من الهواء تشعر برذاذ الماء البارد ناعما على جسمك ، ومن حولك النوادل يعرضون عليك  تقديم خدماتهم من شاي أو قهوة أو عصائر مختلفة ، أو عشاء إذا كنت ترغب في تناول الطعام .   وشتان بين هذه الاستراحات أو المقاهي ، وبين تلك المقاهي التي كانت منذ زمن داخل الرياض  فالكراسي الخشبية متراصة بجانب بعضها ، والناس يجلسون عليها كتفا لكتف ، وكل الجالسين مدخنون سواء تدخينا طوعيا أم سلبيا ، فرائحة (الجراك ) المحترق تكاد تخنقك ، والضجيج يوشك أن يصم أذنيك . نموذج آخر من نماذج هذه الاستراحات الممتازة خارج مدينة الرياض ومحيطها ، هو انتشار ظاهرة الاستراحات النموذجية المتكاملة الخدمات ، فبعض المستثمرين اتجه إلى هذا المجال،    اشتروا قطعا واسعة من الأراضي ، وقسموها إلى قطع أصغر على شكل مر بعات أو مستطيلات ، مساحات القطعة الواحدة 2000 م  مربع ، وعمل منها استراحات منفصلة عن بعضها البعض بأسوار عالية يصل ارتفاعها إلى ثلاثة أمتار ، وبداخل كل منها مبنى مكون من غرفتين واسعتين ومرافق عامة وتشطيب جيد ، وأمام هذا المبنى خيمة عربية واسعة مفروشة بالسجاد والمساند تتسع لأكثر من خمسين شخصا ، وعلى جوانبها أماكن معدة للطبخ وأماكن أخرى  معدة للشواء ، في الوسط مسبح نظامي مصغر (10×6) ويوجد به (فلاتر) لتغيير الماء وتعقيمة ، وفي الجهة الأخرى من الاستراحة يوجد ملعب مصغر أيضا لكرة القدم مزروع بالإنجيل ، وهنا وهناك طاولات وكراسي  ومظلات  شمسية ، وسعر هذه الاستراحات بين 500 -700 ريالا حسب العرض والطلب عليها.   استضافني أصهاري من آل الخطيب لقضاء يوما كاملا في هذه الاستراحة ، وكان يوما جميلا حقا ، بما تخلله من نشاطات وفعاليات ومسابقات رياضية وثقافية وشعرية ، وتوزيع جوائز على الفائزين بهذه المسابقات ، وكانت هذه الجوائز أيضا تحمل طابعا مضحكا ففيها شوك وسكاكين وأحذية ، وأجمل ما كان في الاستراحة أننا تناولنا طعام الغداء من المشاوي ، ونحن الأربعة الكبار عمرا من الرجال كنا نجلس حول الطاولة داخل المسبح في الجزء المعد لسباحة الأطفال ، وكان يوما لا ينسى ، لولا ما نغص علينا من إصابة بسيطة لأحد أصهاري وهو / محمد نمر الخطيب حيث أصيب بشد عضلي شديد أقعده عن العمل عدة أيام وبقي مدة طويلة يعاني من هذا الألم شفاه الله وعافاه . .    حاول كل من أبنائي الثلاثة أن أقضي عنده أطول فترة ممكنة أثناء زيارتي لهم ، ولكني قلت لهم: أقضي فترة أسبوع عند كل واحد منكم بالترتيب حسب العمر ، ورضي جميعهم بهذا الحل.، اللهم ارض عنهم جميعا ووفقهم لما تحبه الله ويرضاه ، فقد رحبوا بي ترحيبا شديدا ، وحملوني على أكف الراحة .  وقت الزيارة المسموح به رسميا شهر من تاريخ دخول المملكة ، وقد قارب الشهر على الانتهاء  ولم تتهيأ لنا الظروف لأداء مناسك العمرة أنا وأبنائي الثلاثة معا ، لاختلاف طبيعة أعمالهم ،ثم مددنا مدة الزيارة شهرا آخر . وعندما لم يتمكن أبنائي من أخذ إجازة في وقت واحد ، قررت السفر أنا واثنين منهم وهما علاء الدين وبهاء الدين . بدأت رحلة العمرة المباركة يوم الأربعاء عصرا برا بسيارة خاصة مريحة – جيب انفنتي حديث – من الرياض إلى المدينة المنورة لزيارة المسجد النبوي الشريف والسلام على الحبيب المصطفى عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم ، والصلاة في روضته الطاهرة ، ونسأل الله أن يسقينا جميعا من حوض نبيه يوم القيامة ، شربة لا نظمأ بعدها أبدا .   وصلنا المدينة مساء الأربعاء ، ويسر الله لنا فندقا بجوار المسجد النبوي الشريف ، تطل نوافذه على فناء المسجد ، اغتسلنا وتوضأنا ثم نزلنا للصلاة في المسجد والسلام على الرسول عليه الصلاة والسلام .    وعند خروجنا من المسجد، سألنا عن مطعم نتناول فيه طعام العشاء ، وبعد مشاورة اتفقنا على البحث عن مطعم   ( البيك ) ، قال الشباب أن أكله طيب ونظيف ، وعند السؤال عن  مكانه قالوا لنا إنه قريب من هنا ومشينا حتى حفيت أقدامنا من المشي ، ونحن متعبون أصلا من عناء السفر .    وما إن وصلنا مطعم البيك حتى شاهدنا الناس طوابير لأخذ طلباتهم ،ولا مجال للجلوس على الطاولات المشغولة بالزبائن ، وبجانب كل طاولة زبون ينتظر قيام الزبون الأول ، جلسنا على إحدى الطاولات أنا وعلاء وذهب بهاء لإحضار العشاء ، وما أحسبني إلا غفيت عدة غفوات قبل مجيء الطعام ، وكان العشاء لذيذا وطيبا حقا وخاصة مع الجوع.    عدنا أدراجنا إلى الفندق ، ونمنا نوما عميقا من أثر وعثاء السفر ، استيقظنا جميعا على صوت المؤذن لصلاة الفجر ، بعد أداء صلاة الفجر اتجهنا  نحو ضريح الرسول عليه السلام وصاحبيه الكريمين أبو بكر وعمر بن الخطاب رضي الله عنهما للسلام عليهم جميعا . بذلنا جهدا للحصول على مكان لنصلي ركعتين أو أكثر في الروضة ، ويا لشدة الزحام هناك، فالكل حريص على أن يصلي بها ،وكثير من يحجز المكان ويبقى جالسا في الروضة للاستراحة أو لقراءة  القرآن ، ونسي أن غيره يريد أن يصلي على الأقل ركعتين في هذا المكان الذي أكد الرسول صلى الله عليه وسلم أفضليته بقوله في الحديث الشريف بما معناه أو كما قال: " ما بين بيتي ومنبري روضة من رياض الجنة "(1) .، وهل هناك أفضل من أن يرتع الإنسان في مثل هذه الأماكن الطاهرة  .  بقينا في المسجد نصلي ونقرأ القرآن حتى وقت صلاة الضحى ، صلينا الضحى وخرجنا من المسجد ، وعند وصولنا إلى باحة المسجد الخارجية فاجأنا منظر المظلات الشمسية المتحركة كهربائيا ، الكبيرة في حجمها ، الغريبة في شكلها ،الرائعة في حركتها الهادئة  وتداخل كل مجموعة منها على حده ، لتشكل وحدة متكاملة ، يستظل المصلون في ظلالها حيث تقيهم حر الشمس الساطعة في وضح النهار، وتعود المظلات إلى أغمادها عند زوال حرارة الشمس وهكذا دواليك .    ما أروعه من منظر وما أبهجها من حركة ، فكرة رائعة ، وتصميم بديع ، وجزى الله حكومة المملكة العربية السعودية على هذا الإنجاز الرائع ، من ضمن توسعة الحرمين الشريفين ، وكانت آخر زيارة لي للمسجد النبوي الشريف قبل عشر سنوات وقبيل مغادرتي المملكة حال إنهاء عملي بها فكانت التوسعة الحديثة للمسجد تحت التشغيل، بعض الأعمال منجزة وبعضها لما يتم إنجازه بعد     وأذكر في الزيارة الأخيرة وقبل العودة إلى الأردن ، كان برفقتي صهري الكريم /محمد توفيق  وكنا منفردين وفراشنا داخل سيارتنا فهي الفندق المتنقل لنا ، وكانت ساحات المسجد الخارجية غاصة بورشات العمل المختلفة ، وقررنا المبيت في تلك الساحات الخارجية ، اخترنا إحدى الجرافات العملاقة  ووضعنا فراشنا بين أذرع هذه الجرافة العملاقة ، ونمنا في فندق الجرافة حتى قبيل الأذان لصلاة الفجر ، ولم ينغص علينا سوى صوت حجر ارتطم بشدة في حديد هيكل الجرافة فاستيقظنا مرعوبين  ظانين بأن سائق الجرافة قد جاء ليحركها ولم يدر بوجودنا بين أذرعها ، فقلنا في أنفسنا (رحنا في ورطة ) ؟!                                                                            ------------------------------------------------------------------------------------------- (1) متفق عليه ، رواه الشيخان البخاري ومسلم .     نظرنا حولنا فوجدنا أحد المصلين القادمين إلى المسجد النبوي قبل الأذان قد روعه منظر كلب يسير إلى جانبه في الشارع ، خاف منه وقذفه بحجر انتهى في دحرجته حتى اصطدم في جسم الجرافة  مما سبب لنا الهلع ، وأطار النوم من أعيننا ، وعندما ثبنا إلى رشدنا ضحكنا كثيرا لعدم محافظة الفندق على راحتنا التامة ، لملمنا فراشنا ووضعناه داخل سيارتنا التي تقف قميئة بجانب فندقنا الضخم (الجرافة ).    أخذنا بعض الصور التذكارية أثناء حركة فتح المظلات الشمسية العملاقة في الصباح ، ثم غادرنا المسجد بنية الاتجاه إلى بيت الله الحرام لأداء مناسك العمرة .    اتفقنا قبل مغادرة المدينة أن نعمل جولة في المدينة المنورة لزيارة الأماكن الدينية  والتاريخية فيها : جبل أحد ، المساجد السبعة ، مسجد القبلتين ، والصلاة في مسجد قباء .   استأجرنا حافلة صغيرة على أن يقوم بتمريرنا على جميع هذه الأماكن ونقف على كل منها ما فيه الكفاية لآداب الزيارة  ، كان السائق رجلا طيبا من أهل المدينة ،وفضلا عن أنه كان يقود السيارة  كان يقوم بعمل المرشد السياحي الديني ، وكان في أثناء سيره في الطريق يشرح لنا عن كل معلم من المعالم المتجهين إليها ، رغم معرفتنا السابقة لهذه الأماكن ، إلا أن الرجل كان على علم ومعرفة حقه بتاريخ وقدسية معالم المدينة فجزاه الله خيرا ، وصدق من قال : أهل مكة أدرى بشعابها .   اغتسلنا وأحرمنا للعمرة قبل مغادرة  الفندق ، ثم اتجهنا إلى آبار علي ميقات أهل المدينة ، صلينا ركعتين في المسجد  ، نوينا العمرة واتجهنا بعون الله إلى مكة .     عند وصولنا مكة اتجهنا إلى فندق القدس ، وكان ولدي بهاء يعرف مكانه  لأنه سبق أن نزل به في مرة سابقة ، فندق درجة  أولى من ذات النجوم الخمسة ، تجاوزنا النقاش في أجرة الغرفة لأننا لن نمكث إلا ليلة واحدة ، كان الفندق فخما ومريحا ، وخاصة الحافلات الصغيرة التي تنقل الزوار والمعتمرين من الفندق إلى الحرم ليلا نهارا على مدار الساعة ،وتعتبر هذه الحافلة من ضمن الخدمات الفندقية التي تريح المعتمرين والحجاج .                                                                                                                                                                                                                                  بعد أن استرحنا قليلا في الفندق ، اتجهنا إلى بيت الله الحرام لإتمام مناسك العمرة ، ويا له من منظر رائع وأنت ترى من بعيد مآذن الحرم المرتفعة وهي تشق عنان السماء ، ويبهرك منظر الحرم بروعة تصميمه وجمال بنائه ، وعندما تدخل من أحد أبواب الحرم وتقع عينك على الكعبة تشعر بالهيبة والجلال والخشوع لله عز وجل ، وترى الناس من حولك ما بين راكع وساجد وتال للقرآن ورافع يديه إلى السماء ، وكل يدعو الله بما يتيسر من الدعاء .    بدأنا فور دخول الحرم بالطواف حول الكعبة سبعة أشواط ، كان صحن الكعبة مليء بالناس ولكن بدون زحام والحمد لله ، دعونا الله وسألناه العفو والعافية والمعافاة الدائمة في الدين والدنيا والآخرة،كان ابني علاء الدين يمسك بيدي أثناء الطواف ، قال لي : لا تنسانا من الدعاء يا أبي ، ورفعت يدي إلى السماء قائلا : اللهم وفق أولادي جميعا لما تحبه وترضاه ، اللهم وفقهم وسدد خطاهم ، وابعد عنهم شر الضلال والفساد والعناد ، وقهم شر أنفسهم ، اللهم أرنا جميعا الحق حقا وارزقنا إتباعه وأرنا الباطل باطلا وارزقنا اجتنابه ، اللهم إني أشهدك أني راض عنهم فارض عنهم ، واحفظهم من كل شر يا أرحم الراحمين .     وفي نهاية الشوط السابع وقفنا عند باب الملتزم ، ودعونا الله ما شاء لنا من الدعاء ، ثم صلينا ركعتين عند مقام إبراهيم عليه السلام ثم اتجهنا للسعي بين الصفا والمروة سبعة أشواط كذلك ، وأحمد الله الذي أعانني على سعي الأشواط السبعة مشيا على الأقدام ، فقد كنت أظن أنني لن أقوى عليها ، نتيجة لخشونة في صابونتي الرجلين ، وربما أحتاج للركوب في العربة الخاصة بذلك ، والحمد أني سعيت جميع الأشواط مشيا وكنت أهرول في كل شوط بين علامتي الهرولة في المسعى وفي نهاية الشوط السابع قصرنا من شعرنا ، وبذلك نكون قد أنهينا مناسك العمرة بخير وسلام  والحمد لله .   عدنا إلى الفندق ، وفي الطريق اشترينا عشاءنا من الوجبات الجاهزة ( كودو) وما أدراك ما الكودو  ، تسمع بالمعيدي خير من تراه ، الجوع يجعلك تأكل بعض الأشياء التي تحبها وأحيانا التي  لا تحبها ، ما أحببت أن أحرج أبنائي الذين جاءوني بالعشاء ، فأكلت ما قسم الله لنا ، وبعد الأكل قلت لهم : والله إن شطيرة الفلافل أحسن بدرجات من هذا الكودو الذي يزيد سعره عن ثمن شطيرة الفلافل بعشرة أضعاف .     ارتحنا تلك الليلة بالفندق ، واستيقظنا لأداء صلاة الفجر في المسجد الحرام ، وبقينا في المسجد نصلي ونقرأ القرآن حتى بعد شروق الشمس بثلث ساعة  تقريبا ، بداية موعد صلاة الضحى  فصلينا ، ثم طفنا بالكعبة طواف الوداع  وغادرنا البيت الحرام .    كنت قد أبديت رغبتي لأبنائي أكثر من مرة ، إن شاء الله إن تهيأت لي الظروف ، سأزور المناطق التعليمية التي خدمت بها قبل خمسين عاما تقريبا منذ عام 1963م – 1383هـ وهي : الليث المخواة ، حدبة بني عاصم ، حداد بني مالك / الطائف ، تبوك ، ضباء  من أقصى الجنوب إلى أقصى الشمال .    وكم كنت حقا في شوق لرؤية تلك الأماكن التي عشت فيها أجمل سنوات العمر زهرة الشباب ،  ولنا فيها من المعارف والأصحاب ومن طلابنا الكثير ، كنت أحدث نفسي أحيانا لو رأيتهم الآن ، هل يعرفونني ، هل أعرفهم  ، هل يتنكرون لنا أو يقابلونا بالأحضان ؟؟!!     وفاجئني أبنائي الأحباء علاء الدين وبهاء الدين بأنهما يريدان تحقيق حلمي بالعودة لزيارة  الأماكن التي كنت أعمل فيها  منذ بداية قدومي إلى السعودية عام 1383هـ  ، وكم كان سروري عظيما عندما سمعت منهما استعدادهما لزيارة تلك الأماكن التي لا يعرفون طرقها ، وهل يستطيعون القيام بهذه الرحلة فيما يتبقى لديهم من الوقت لمباشرة عملهم في الرياض ، قالا : سنبذل قصارى جهدنا من أجل تحقيق رغبتك القوية لهذه الزيارة .   عقدنا العزم وتوكلنا على الله وسألناه أن يسهل لنا هذه الرحلة ويطوي لنا الأرض طيا ، انطلقنا بسيارتنا بعد أن سألنا عن بداية الطريق إلى الليث ، وشغلنا خارطة ( جي .بي .أس ) لتحدد لنا   سلامة سيرنا في الطريق ، وفي هذه الرحلة تبين عظيم فائدة وجود مثل هذه الخارطة في السيارة خصوصا في السفريات الخارجية ، بمجرد أن تحدد الجهة التي تريدها يُرسم سهم أمامك على الخارطة يحدد اتجاه سيرك ، وتنطق الخارطة المبرمجة : استمر في نفس الاتجاه ، خذ المسرب اليمين ، أو خذ المسرب  اليسار ، أخطأت الاتجاه ، عد إلى  الخلف وخذ الاتجاه الآخر ، على بعد 300م خذ اليمين ، أو خذ اليسار وهكذا حتى تقف على المكان المراد .    بدأنا السير في طريق الليث ، أولى المدارس التي عملت بها في المملكة عام 1383هـ ، ويا للفرق الشاسع بين هذا الطريق المزدوج ( اوتو – ستراد ) وبين طريق (الغراز) الصحراوي أو بين طريق ( السبخة ) بمحاذاة البحر ، وكلا الطريقين أحلاهما مر !!    كنا نمكث في الطريق بين جدة ومركز عملنا في القنفذة ( 380كلم ) مدة يومين أو ثلاثة أيام ، أما هذه الأيام فلا تستغرق نفس المسافة أكثر من ساعتين أو ثلاثة ، حسب مهارة السائق ونوع السيارة .   بعد ساعة تقريبا من انطلاقنا من مكة وصلنا مدينة الليث الحديثة وليس بلدة الليث القديمة ، لقد تغيرت معالم الليث القديمة تغيرا كليا ، ولم تقع عيني على أثر من المعالم القديمة ، كانت معظم البيوت القديمة من العشش التي لا أثر لوجودها ، كانت البلدة القديمة تبعد حوالي ثلاث كيلومترات عن شاطئ البحر .    مدينة الليث الآن تقع على شاطئ البحر مباشرة ، وقد اجتثت شجيرات النخيل التي كانت منتشرة على شاطئ البحر هنا وهناك ، وأصبح مكانها كورنيشا مضاء بالكهرباء ، وتخترقه خطوطا معبدة ، وتنتشر فيه الجلسات المظللة ، والاستراحات ، ومراجيح ألأطفال المتنوعة .  اتجهنا إلى الشاطئ ، شاهدنا بعض الشباب من أهالي الليث ، يقفون فوق لسان بحري يدخل إلى مسافة مائة متر داخل البحر، أوقفنا السيارة على الكورنيش قريبا من اللسان ، ونزلنا لنستمع بمنظر البحر الجميل وأحسست بنفسي تخاطبه قائلة : أتذكرني يا بحر عندما كنت أجلس وحيدا منفردا على شاطئك وكانت وسيلة تنقلي بين الليث والبحر دراجة هوائية اشتريناها جديدة أنا وصديقي اسحق بثلاثين ريالا ، وكنا نستعملها بالتناوب حسب حاجة كل منا لاستعمالها.                                                                                                                                                  سألت أحد الشباب عن بعض الأسماء التي أتذكرها من أهالي الليث مثل : أحمد حنكس ، عبد الله باسالم ، يحيى البركاتي ، حمد البطاح الدعيجي ، قال لي : لا أعرف أحدا وحاول الابتعاد مستنكرا، توجهت نحو اثنين من الأخوة العرب الذين كانوا يمارسون هواية صيد الأسماك ، وسألتهم إذا كانوا يعملون في مدينة الليث ، وسألتهم عن عملهم فقالوا نعمل في التدريس ، قلت إنني عملت مدرسا في الليث منذ خمسين سنة وأحب أن أتعرف على بعض الأشخاص إذا كانوا موجودين الآن في الليث ، قالوا : ( ما بنعرفش حد ) وحاولوا أن يجمعوا سنانيرهم  وهموا بمغادرة المنطقة التي كنا نقف فيها  لم يستضيفونا على عادة العرب ولم (يتمعذروا ) معنا بكلمة تنم عن أنهم من أصول عربية.      عندها تقدم مني ولدي بهاء الدين وقال لي ضاحكا : أنت من خلال سؤالك هؤلاء جعلت منا أناسا مشبوهين ، الناس ينظرون إلينا بريبة وشك ،ولقد شبهت هذا الموقف بفتية أهل الكهف الذين آمنوا بربهم ، الذين لبثوا في كهفهم ثلاثمائة سنة وازدادوا تسعا ، بعد ذلك عاد أحدهم إلى المدينة التي خرجوا منها ليشترى لهم أزكى طعاما بورقهم الذي كان معهم منذ ذلك الزمن البعيد، والذين قال فيهم عز وجل: " لو اطلعت عليهم لوليت منهم فرارا ولملئت منهم رعبا "(1) )    تصورت نفسي في تلك اللحظة وأنا أسأل أهل الليث ، أنني خارج من الكهف الذي كنت أعمل فيه قبل خمسين سنة ، وقد انتقل إلى رحمة الله جميع الناس القدامى .   لم أيأس من كثرة السؤال ، فليس من المعقول أن أغادر الليث قبل أن أتعرف على بعض الناس   ومعرفة أخبار من أعرفهم ، شاهدت رجلا كبيرا في السن يجلس مع أهله وأولاده يلعبون على المراجيح من حوله ، اتجهت نحوه ، حاول ابني بهاء أن يثنيني عن سؤال الرجل بحجة أن أهله معه، قلت له : ( إنك لن تستطيع معي صبرا )(2) ، وأومأت للرجل من بعد بأنني محتاج إلى محادثته ، فجاءني وسألته عن معارفي القدامى فقال : إن أحدهم قد مات ، والآخر قد غادر البلد ، وأما أحمد حنكس فتجده الآن يقرأ القرآن في الجامع الكبير وأشار إليه ، وكان سروري عظيما بوجود أحد الأشخاص الذين أعرفهم .                                                              -----------------------------------------------------------------------------------------  (1) سورة الكهف ، رقم الآية ( 18) .        (2) سورة الكهف ، رقم الآية (67) .    كان الوقت ظهرا توضأنا ودخلنا المسجد للصلاة وكذلك للسؤال عن أحمد حنكس ،بعد صلاة تحية المسجد ، توجهت إلى  المؤذن وسألته عن أحمد حنكس ، تلفت يمينا ويسارا وقال : كل يوم مثل هذا الوقت يتواجد في المسجد واليوم غير موجود وربما يأتي بعد قليل ، وبعد أن صلينا الظهر جماعة ، أعدت سؤال الرجل ، فقال لي غير موجود ، كان هناك أحد المصلين قريبا منا وسمع سؤالي فقال : إن أحمد سالم حنكس قد صلى معنا وخرج بعد الصلاة ، وإن كنتم  بحاجة  إليه تجدونه الآن في ( السوبر ماركت ) الخاص به في الشارع العام .     بعد بحث ليس باليسير وقفنا أمام محله ، ونزل أحد أبنائي ليسأل عنه فوجده حاضرا ، وقال له إن أبي يريد التعرف عليك ، جاءنا رجل كبير السن ذو لحية بيضاء، وعندما رآني لم يعرفني لأول وهلة لطول الزمن ، فقلت له : ألا تعرفني !! قال: لا ، من أنت ؟! قلت له : أنا الأستاذ أحمد الوادي ، درستك في الصف السادس الابتدائي ، أيام كان الأستاذ حمد البطاح مديرا للمدرسة ، تفرس في وجهي وهجم علي يقبلني ويقبل رأسي ، وحاول جاهدا أن يستضيفنا عنده للغداء ، اعتذرنا منه وقلنا له : إن أمامنا رحلة  طويلة ، استوقفنا قليلا وانطلق إلى محله وعاد لنا يحمل كيسا مليئا بالمياه الصحية والعصائر المختلفة وأصر على أن نأخذها وقال : إن هذا أقل الواجب ، سألته عن بعض الناس الذين كانوا معنا في ذلك الزمن ، فقال بعضهم توفي ، وبعضهم ترك إلليث وذهب إلى مكة أو إلى جدة  ودعناه وغادرنا الليث إلى المخواة .   اتجهنا إلى الطريق الرئيسي المؤدي إلى القنفذة ، وصادفنا وجود أحد الركاب على الطريق ، وقفنا بجواره وسألناه عن الطريق إلى  المخواة ، فقال : هناك طريقان الأول والأقرب طريق الشاقة  والطريق الثاني طريق القنفذة .     أركبناه معنا إلى الشاقة ، وأشار لنا إلى بداية الطريق المؤدي إلى المخواة ، شغلنا خارطة الجي بي إس وعلم مؤشرها في الاستمرار بالاتجاه الصحيح ، وفي خلال أقل من ساعة ونصف كنا نقف على أطلال بلدة حدبة بني عاصم القديمة التي هجرها أهلها إلى المباني الحديثة والعمارات الشاهقة   وكذلك مررنا بالمخواة فرأيت معظم المباني حديثة ، ولم استطع التعرف على شيء من المعالم القديمة ، كان الوقت بين الظهر والعصر وكان الطقس حارا ومعظم الناس يقيلون في بيوتهم ، شاهدنا مبنى ضخم اتجهنا نحوه فكان مبنى كلية البنات ، وجدنا موظف في غرفة خارجية  عند الباب ، سألته عن بعض الأشخاص فلم يعرف منهم ، غير الأستاذ عبد الله عطران مدير مدرسة الحدبة وقال لي : لقد تقاعد من العمل وهو الآن في قريته المجاورة للحدبة ، ويعرف رقم هاتف ولده لأنه من أصحابه ، أخذت رقم هاتف الابن ، علني أستطيع محادث  الأب ، لكنني لم أفلح رغم الاتصال المتكرر .   غادرنا المخواة ونحن آسفين أننا لم نر أحدا من معارفنا ، ولم نشف غليلنا بالتعرف على كل الأماكن القديمة فقد غطت عليها المباني الحديثة ، ولكنني استطعت أن أقف أمام المجمع السكني الكبير والقديم والذي كانت تسكنه عائلة الشيخ عوض وإخوانه حاسن وصالح وعلي وأقاربه ، إنه أشبه ما يكون بالحصن ، قالوا لنا قبل خمسين عاما أن عمر هذا المبنى أكثر من مائتي سنة ، حجارته من صفائح الصخور السوداء الداكنة ، وعرض جدار المبنى يقارب المتر ، بحيث تستطيع أن تجلس وتتربع داخل النافذة .      شاهدت البيت القديم الذي كنت أسكنه ، وكان أحد الحصون الصغيرة في القرية ، يتألف من ثلاث طوابق ، وقد استأجرت أنا الطابق الثاني بثلاثين ريالا ، وكان أصحاب البيت يسكنون الطابق الثالث ، وكان لي سرير فوق سطح البيت  عليه فراش وتجلله ناموسية لكي أنام عليه ليلا طلبا لبرودة الجو، تذكرت وأنا أنظر إليه قول الشاعر الجاهلي عندما مر على أطلال قومه المهجورة فقال :           قل لمن يبكي على رسم درس             واقفا ما ضر لو كان جلس                                    يصف الربع ومن كان بـــــــه            مثل سلمى ولبينى  وخنــس       سألنا في المخواة عن الطريق إلى حداد بني مالك/ الطائف ، لزيارة البلد التي جلست فيها عشر سنوات بالتمام والكمال ولي فيها من الذكريات ما لا يحصى ، فقالوا لنا إما أن تعودوا إلى مكة ثم   الطائف وبعدها إلى حداد ، وإما أن تصعدوا العقبة في طريقه الجبلي الجديد والممتع ، فيوصلكم إلى الباحة ومنها إلى حداد بني مالك ثم تذهبون أخيرا إلى  الطائف .   اخترنا الطريق الجبلي الأقصر والأصعب طمعا في التعرف على بلدان جديدة لم نراها ، وكان نعم الاختيار بتوفيق من الله عز وجل .    أيام كنت أعمل في المخواة كانت هذه الطريق غير سالكة ولا آمنة ، يسلكها الناس سيرا على الأقدام أو ركوبا على الحمير والجمال ، ويقطعونها بمشقة وخطورة ، ولا بد أن يكونوا مسلحين خشية من الوحوش المفترسة مثل النمور والضباع كما كانوا يقولون لنا ، وكانت الطريق تسمى عقبة السبت أو عقبة الباحة على ما أذكر .  أما اليوم فإن هذا الطريق يعتبر معلما من معالم الحضارة والتطور ، ولولا أن أبالغ في الوصف لقلت : إنه يعتبر من العجائب على الأقل على مستوى العالم العربي فقد زرت من البلدان العربية : سوريا ، لبنان ، الأردن ، فلسطين ، السعودية ، مصر فلم أر أروع ولا أجمل من هذا الطريق ، الطريق الذي يربط بين تهامة الساحل والباحة  عبر سلسلة الجبال الشاهقة ، تسير الساعات الطوال صاعدا قمم الجبال ، في طريق متعرج ما بين جسور كثيرة تصل بين الجبال ، أو أنفاق عديدة  تخترق جوف الجبال ، فتغيب خلالها وقتا لا بأس به ، تخرج من نفق إلى نفق آخر لا يبعد عنه مسافة كبيرة ، وتنتقل من جسر إلى جسر ، تحفك الأشجار التي تغطي تلك الجبال الشاهقة بمنظرها الخلاب الذي يريح النفس ويبهر العيون .     ومما يلفت الانتباه في هذه الطريق كثرة وجود القرود على جوانب الطريق ، توجد في أعالي الجبال وعلى الخط المعبد مساحات جانبية متباعدة ، عملت خصيصا لوقوف المسافرين على جوانب الطريق ليقفوا فيها ويستمتعوا بالمناظر الجميلة والخلابة ، خاصة وأنت ترى الأعماق السحيقة للوديان البعيدة عنك وأنت معلق بين السماء والأرض على رؤوس تلك الجبال.      وبمجرد أن تقف السيارة في إحدى الاستراحات الجانبية ، وخلال ثوان يتكاثر وجود هذه القرود التي تعودت على تناول الأطعمة والفواكه التي يقدمها لها المسافرون ذهابا وإيابا عبر تلك الطريق ، لم نعتد التعامل مع القرود ، فقد خفنا من اقترابها منا في بداية الأمر ، لم ننزل من السيارة ، فصعدت القرود فوق السيارة ومدت أيديها من خلال فتحة الشبابيك الصغيرة التي تركناها لنقدم لها ما معنا من خضار وفواكه ، وكانت إحدى القرود تحمل ولدها وتطعمه أمامنا من بعض ما تحصل عليه من الفواكه ، وكان نصيبها من الطعام أكثر من غيرها رحمة بصغيرها .    الحقيقة أننا لم نحسب حساب هذه القرود ، حيث لم نكن نتوقع وجودها ، بصفتنا نسلك هذا الطريق لأول مرة ، وبعد قليل جاءت سيارة ثانية ووقفت بجوارنا ، ولاحظنا أنهم جلبوا معهم موزا لإطعام القرود فهي تحب الموز ، وتأكله كالإنسان تقشره أولا ثم تأكل الثمرة وترمي القشرة ، تأكله بشراهة وتستمتع بأكله ثم تعود لتحصل على قرن موز آخر.     أخذنا صورا تذكارية للقرود وهي فوق السيارة  تتناول منا ثمار الجزر ، وأسوأ ما في هذه القرود ، أنها لا تعرف الحياء وخاصة الذكور منها فهي تعرض ( بضاعتها بلا حياء) ، وكأنها تستعرض الأمر أمام الناس متعمدة هذا الفعل الشنيع ، وخاصة في حضرة النساء .    كانت درجة الحرارة في مكة عندما غادرناها صباح يوم الخميس ثاني أيام الرحلة ، تقارب خمسا وأربعين درجة ، بدأت الحرارة تنخفض منذ بداية صعود العقبة ، وما كدنا نصل منتصف الطريق ونحن ننتقل من جسر إلى جسر ، ونخترق الجبال من نفق إلى نفق ، وإذا بالسماء تبرق وترعد والمطر ينهمر غزيرا جدا ، ماسحة الزجاج تعمل بأقصى سرعتها ، والطريق تكاد لا تبين من شدة المطر المنهمر بغزارة ، ما أروعه من منظر ، وما أجملها من رحلة ، شاهدنا فيها ما لم نكن نتوقعه من مناطق جميلة ، نظرنا إلى ميزان الحرارة يشير إلى درجة 26 درجة مئوية ، قبل ساعات فقط كانت درجة الحرارة في مكة 45م ، سبحان من بيده ملكوت كل شيء وهو على كل شيء قدير .    وصلنا الباحة وهي مدينة جميلة حقا ، في بيوتها الفخمة التي تحيط بها الأشجار  الكثيفة ، ومناخها اللطيف حتى في فصل الصيف ، الزهور والورود الطبيعية تنبت على جوانب الطرق فسبحان الله الذي حباها هذا الجمال .لم نمكث كثيرا في الباحة ، تزودنا بالوقود من إحدى المحطات ، وشربنا القهوة من أحد الأكشاك الموجودة في المحطة والمتخصصة لبيع القهوة ، كنا نطمح في أن نصل حداد بني مالك قبل غروب الشمس ، فهي آخر مرحلة في مخططنا السياحي ، وكانت من أهم الأماكن التي كنا نريد مشاهدتها في وضح النهار ، فهي البلد التي مكثنا بها عشر سنوات بالتمام والكمال ولنا فيها من الذكريات والأصحاب الكثير الكثير  ، وهي مسقط رأس أحد أبنائي الذي يرافقني رحلة العمرة علاء الدين ، وقد سُر كثيرا بمشاهدة البيت الذي ولد فيه .    انطلقنا نحو حداد بني مالك من الباحة ، كانت الطريق بينهما لا تقل روعة وجمالا عن طريق العقبة – تهامة / الباحة – وهي متعرجة  ومحفوفة بالأشجار من كلا الجانبين ، وصلنا حداد بني مالك قبل غروب الشمس ، ولاحظنا أن معظم بيوت البلدة القديمة قد هجرت إلى البيوت الجديدة خارج البلدة القديمة والتي بقيت على وضعها السابق دون تغيير شيء يذكر.   سألنا عن بيت محمد عمر المالكي ، مدير المدرسة الذي عملت معه ، والذي كان أحد طلابي يوما ما ، فأشاروا لنا إلى بيت فوق هضبة قريبة ، وقالوا هناك بيت محمد عمر ، وعندما وصلنا قريبا من البيت  ، خرج علينا رجل سألناه عن محمد عمر ، أهلا بكم أنا محمد عمر ، فقلت له باستغراب أأنت محمد عمر؟؟ الذي كان مديرا لمدرسة حداد ، عندها ابتسم الرجل ورحب بنا مرة أخرى ، إن الأستاذ محمد عمر الذي تسألون عنه قد ترك الإقامة بحداد ، تقاعد من التعليم  ، واشترى عمارة في الطائف ويسكن هناك ، وحاول الرجل أن يستضيفنا بشدة ، سألناه  عن مسفر بن جبر وهو أحد الزملاء السعوديين الذين عملت معهم بحداد وكان أحد طلابي يوما ما ، فقال : لقدتقاعد من التعليم ، وهو الآن إمام مسجد ، وأشار لنا إلى المسجد الذي يؤم الناس فيه ، انطلقنا نحوه  وكان الوقت وقت غروب الشمس ، وعند وصولنا المسجد كانت الصلاة قد أقيمت ، قصدنا نحو دورات المياه لتجديد وضوئنا ، فكانت مقفلة ،توضأنا سريعا بالمياه الصحية المعدة للشرب ،وأدركنا صلاة الجماعة .    قبل أن ندخل إلى المسجد قلت لأبنائي ، إن هذا الصوت الذي أسمعه يؤم الناس هو صوت مسفر لم يتغير ، أدركنا الركعة الثالثة من الصلاة وأتممناها بعدهم ، تغير شكل مسفر كثيرا ، كبر وطالت لحيته وخالط شعرها البياض ، حاولت مداعبته قبل أن أعرفه بنفسي ، فقلت له : يا شيخ نحن أناس مسافرون ، وعرجنا على المسجد القريب من الشارع العام لنشارككم في تأدية الصلاة ، وللأسف وجدنا دورة المياه مقفلة مما اضطرنا لاستعمال مياه الشرب لنتوضأ بها ، قال : إنها مفتوحة وهذا المفتاح معلق  ويأخذه من يريد استعمال دورة المياه .   اقتربت منه وسلمت عليه ، فقال نحن متأسفين وحقكم علينا ، قلت له : ألا تعرفني ؟ ألم تسمع بهذا الصوت قبل الآن ؟!  تفرس في وجهي قليلا ثم قال : الأستاذ أحمد الوادي  ثم هجم علي يقبلني وسلم عليََ من جديد . وأصر على استضافتنا في بيته ، وقبل أن نذهب معه ، اشترطنا القهوة فقط ، لأننا على عجلة  من أمرنا ، وأمامنا رحلة  طويلة فقبل شرطنا  ، ولكن بعض الأخوة من أهالي حداد الذين كانوا موجدين في المسجد وتعرفوا علينا ، لم يعجبه هذا الشرط وأصروا أن يستضيفونا للعشاء عندهم فاعتذرنا لهم  .   وأخص بالذكر منهم السيد / مسفر بن جار الله متعهد البريد السيار في ذلك الزمن الغابر ، اكفهر وجهه وغضب لأننا رفضنا العشاء عنده وقبلنا القهوة عند مسفر بن جبر، قال لي وهو يقف إلى جانبي بعفوية واضحة، هؤلاء أولادك ما شاء الله ، وأولاد سهام يعني زوجتي ، حدق به أحد أبنائي غاضبا ، كيف يأتي على ذكر اسم والدته صريحا أمام الناس !! كان رجلا كبير السن ذو لحية  بيضاء ، أدركت الموقف وأنا أضحك وقلت له يا ولدي : إن هذا الرجل يعرف اسم والدتك قبل أن أعرفه أنا ، إن هذا الرجل كان متعهد للبريد ، وكان يتعامل مع والدتك أسبوعيا عن طريق فراش المدرسة ، يسلمها البريد ويستلم منها البريد الرسمي بصفتها مديرة المدرسة .       كنا نقف بباب المسجد ساعة الغروب  ، وبجانبنا مدرسة حداد بني مالك القديمة التي عملت بها تسع سنوات ، وهي مهجورة وعلى وضعها القديم ، وانتقلت المدرسة إلى مبناها الحديث أثناء وجودي بها في السنة الأخيرة ، وكذلك كان يوجد أمامنا مبنى مدرسة البنات على الطابق الثاني ، وكان الطابق الأول محلات تجارية وباب المدرسة في منتصف السوق ، صوَر أبنائي مبنى المدرسة القديم وأرسلوه لأمهم في أمريكا ، وكانت في زيارة لابنتنا هناك ، وسألوها إن كانت تعرف هذه الصورة ، فأجابتهم على الفور إنها صورة مدرسة البنات في حداد بني مالك ، وهي     لا تعرف أننا متواجدون في حداد نفس لحظة إرسال الرسالة لها .                                                                                                                                                         ذهبنا لتناول القهوة عند الشيخ مسفر بن جبر ، وبرفقتنا بعض رواد المسجد الذين أحبوا البقاء معنا ، قال لي أحدهم أنه كان من طلابي ولكنني لم أذكره لطول الزمن وتغيير الملامح ، فعشر سنوات في بني مالك مر عليََ فيها آلاف الطلاب ، شاخوا الآن وتغيرت أشكالهم .    لقد بالغ الشيخ مسفر في إكرامنا وتقديرنا ،وقدم لنا القهوة يرافقها اللوز البجلي مع الزبيب على عادة أهل المنطقة ، فبلاد بني مالك تسمى منطقة بجيلة ، ومن أهالي تلك المنطقة  الصحابي الجليل جرير بن عبد الله البجلي ، واللوز البجلي من إنتاج تلك المنطقة ،ويقدمون هذا اللوز للضيوف مع القهوة والزبيب .    ومن الكلمات التي لا زلت أحفظها منهم والمرافقة لتلك العادة كلمة ( اقدع يا أستاذ اقدع ) وتعني كُل من اللوز والزبيب ، وبمجرد أن قدم الشيخ مسفر اللوز والزبيب مع القهوة ، قلت أنا لأبنائي اقدعوا يا شباب اقدعوا  ، ضحك مسفر والحاضرون وقالوا: بعدك ذاكر يا أستاذ أحمد ما نسيت القدع ، قلت لهم وكيف ينسى الإنسان ذكريات سنين طويلة ، قدعنا فيها كثيرا من اللوز والزبيب في بلاد بجيلة .    سألت مسفر بن جابر عن هاتف الأستاذ / محمد عمر المالكي ، فقال : إنه موجود معي وحاول   الاتصال به ،وبعد محادثته قال له : عندي صديق يريد التحدث معك ، سلمت عليه وسألته عن حاله وعن العيال والأولاد ، فأجابني بخير والحمد لله  ، لم يعرفني ، قلت له :  ألم تسمع هذا الصوت من قبل  ؟؟ قال : بلى ولكنني نسيت صاحبه ، قلت له : عد بذاكرتك إلى الوراء عندما كنت طالبا في متوسطة مدرسة حداد بني مالك ، ثم عندما عدت إليها مدرسا ثم أصبحت مديرا لها ، درسك وعمل معك أناس كثيرون وأنا أحدهم .  أجابني فورا : أبو صلاح ، الأستاذ / أحمد الوادي أهلا وسهلا وألف مرحبا ، تراحيب السيل، أين أنت الآن ؟ قلت له : أسأل عنك في حداد  وأنت هارب منا إلى  الطائف ، قال أنا بانتظارك في الطائف بمجرد دخولك الطائف تترك الإشارة الأولى والثانية وتدخل يمينا قبل الثالثة تجدك واقفا أمام بنك الرياض ، اتصل بي وبعد دقائق سأكون عندك إن شاء الله .                                         غادرنا حداد إلى الطائف عشاء ، كان الليل قد أرخى سدوله ، ولم أتمكن من أخذ أبنائي إلى مكان المواريد ، مجرى الماء وغدير (أبو سبعة ) والذي لنا عنده كثير من الذكريات وقد سمع به أبنائي ولكنهم لم يروا مكانه ، تذكرت قول الشاعر وأنا أمر بالقرب من المكان :         أمر على الديار ديار سلمى            أقبل ذا الجدار وذا الجدار                                         وما حب الديار شغفن قلبي            ولكن حب من سكن الديار أدركنا الوقت وخيم الليل ، وقد شاهدنا من المعالم ما لم  نكن نحلم أن نراه ، من مكة إلى الليث ، ومنها إلى المخواة فحدبة بني عاصم ومنها إلى الباحة ثم إلى بلاد بني مالك ثم إلى الطائف ، رحلة طويلة وموفقة والحمد لله  وفي يوم واحد .     لم تستغرق الرحلة من بني مالك إلى الطائف أكثر من ساعة  في طريق معبد وجميل،  كنا نجلس فيها الساعات الطوال ونعاني ما نعانيه من رمال وحجارة وصخور الوادي الذي تسير فيه السيارة بعد مفرق غزايل .    بمجرد وقوفنا أمام بنك الرياض حسب الوصف ، اتصلت بالأخ / أبو عمر ، خلال دقائق كان أمامنا بلحمه ودمه ، لم يتغير شكله كثيرا سوى تلك اللحية البيضاء ، وبعض لآثار مرض قد أصابه وعافاه الله منه .    تقابلنا بالأحضان وطال عناقنا ، وأصر على أن يقبل رأسي عدة مرات ، وعرف ابنه عليََ قائلا له : هذا والدي وأستاذي أحمد الوادي / أبو صلاح  ، أهلا وسهلا وألف مرحبا ، هيا إلى البيت ، قلنا له قبل أن نذهب إلى  البيت لنا شرط ، القهوة فقط .     قال حياكم الله على الرحب والسعة ، عندنا عمارة من خمس طوابق ، أحد هذه الطوابق مفروش ولا يوجد به أحد البتة ، فهو مخصص للضيوف ، فخذوا راحتكم به ولا تنزعجوا من شيء فلا أحد حولكم . رحب بنا السيد / محمد عمر ترحيبا كثيرا ، وبالغ في إكرامنا أشد الكرم ، جمع أولاده الخمسة وهم ما شاء الله شباب في ريعان الشباب جميعهم متعلمون فمنهم الطبيب ومنهم المهندس وكلهم موظفون في وظائف جيدة ، بارك الله فيهم جميعا ، وعندما جمعهم قال لهم : هذا والدي وأستاذي ، والله لو أن والدي خرج من القبر الآن ، ما سررت به سروري بمشاهدة أستاذي أبو صلاح ، سار المسافات الطويلة ، وجاء يبحث عنا في بني مالك ، أي إنسان هذا ؟ !!                                                                                                                                                                 جند أولاده جميعا لخدمتنا بعضهم يحضر الماء وبعضهم يحضر الشاي والقهوة ، وآخر يحضر الزبيب واللوز ، انسجم الشباب مع بعضهم ، وجلس أبو عمر  بجانبي يحدثني بأسى عن رحلته الطويلة مع المرض المستعصي ، وقد عافاه الله منه والحمد لله بعد جلسات كيماوية عديدة .    كان ينظر إلي كما ينظر الابن إلى والده حقا ، ويقوم بين الفينة والفينة ليقبل رأسي مرة تلو أخرى ، وقد أحرجني  تصرفه هذا أمام أبنائه ، وفي كل مرة يقول لهم إنه أبي وليس أستاذي فقط .    وبعد شرب القهوة والشاي والقدع من الزبيب واللوز البجلي ، طلبنا الإذن بالمغادرة ، فقال هيهات هيهات ، والله بمجرد اتصالكم بدأنا بإعداد العشاء وبعد قليل سيكون أمامكم ، والله إن واجبكم عندنا كبير .    وبعد قليل دخل العشاء ، وكان الرجل قد أرسل ذبيحته إلى المطعم لطبخها ، وكان الرز مطبوخا بطريقة السليق ، وعند خروجنا سألني أبنائي عن طعم الرز المطبوخ على غير ما اعتادوا عليه ، قلت لهم هذا الرز السليق يوضع عليه حليب أثناء طبخه .    جلس محمد عمر بجانبي على السفرة ، وكأني به لم يذق طعم الأكل ، طيلة جلوسه وهو يقطع اللحم ويضعه أمامي وأمام أبنائي ، وعدة مرات يصر على وضع قطعة اللحم في فمي ، حتى أن أبنائي دهشوا من شدة  احترامه لي .    وبعد الانتهاء من طعام العشاء ، وشرب الشاي والقهوة بعد العشاء ، طلبنا الإذن بالمغادرة ، وإذا أبو عمر يرمي عقاله علينا وهو يقول : داخل على الله ثم عليكم أن تبيتوا عندنا هذه الليلة ، الحقيقة كان لي رغبة البقاء عنده ، لكن سبقني ابني بهاء إلى  العقال ، ووضعه على  رأس أبو عمر وقبل رأسه مرارا وقال له : لقد حجزنا في الفندق على الهاتف ، وبارك الله فيكم وأنتم لم تقصروا ، وكلفتم أنفسكم كثيرا وجزاكم الله خيرا .     قال : والله إن الطابق كله غير مسكون ، وأنه محجوز للضيوف الأعزاء من أمثالكم  ، وأخيرا سمحوا لنا بالخروج تحت إصرارنا الشديد ، وجميعهم رافقونا حتى أوصلونا إلى باب السيارة ، وأرسل أحد أبنائه معنا بسيارته ليدلنا على  الطريق الرئيسي .    لم ندخل مدينة الطائف وإنما تابعنا سيرنا إلى منطقة الهدى ،المنتجع السياحي للطائف ، والمصيف لجميع مناطق المملكة العربية السعودية، تجدها في الصيف تعج بالمصطافين من كل حدب وصوب ، حيث يوجد بها الفنادق الفخمة ذات الخمسة نجوم ، وفيها الشقق الفندقية المتنوعة في درجاتها ، وفيها محطة تلفريك تنقلك من أعالي الجبال الشاهقة إلى الأراضي السهلية في سفوح تلك الجبال .  عندما وصلنا الهدى كان الوقت متأخرا ، وقد بلغ منا التعب مبلغه ، وقابلتنا أثناء سيرنا عمارة كبيرة كتب عليها شقق فندقية ، وقفنا أمامها وسألنا الرجل المسئول فيها ، عن إحدى الشقق الفارغة قال : عندنا شقق لذوي العائلات فقط ، وعندما رآني رجلا كبير السن ، قال : لا عليكم ما دام معكم هذا الحاج ، وأعطانا مفتاح أحد الشقق الأرضية .    أنزلنا متاعنا من السيارة ، وأخذ كل واحدا منا حماما ساخنا ، بعد يوم ديني في بدايته في مكة ، ثم سياحي تاريخي في بقيته ، حيث طفنا بلاد الله الواسعة ، وأصبح الحلم حقيقة بمشاهدة جميع المناطق التي عملت بها عدا تبوك وضواحيها ، وإن شاء الله إن كان في العمر بقية سنمر عليها ، فلنا فيها كثير من الأصحاب والأحباب والذكريات .وفي صبيحة  اليوم الثالث من أيام الرحلة ، وكان يوم جمعة ، سألنا عن وقت تشغيل محطة (التلفريك) ،عسى نستطيع استعماله قبل سفرنا ، قالوا لنا إنه يبدأ عمله بعد ظهر كل يوم حتى المساء  كنا على  سفر ولا نستطيع المكوث في الهدى لغاية الظهر .    حزمنا أمتعتنا ونوينا العودة إلى الرياض من حيث انطلقنا ، شغلنا خارطة الجي بي اس التي في السيارة لتدلنا على طريق الرياض فأشار السهم إلى طريق مختصر يوصل إلى الرياض دون العودة   إلى مدينة الطائف ، فسلكنا هذا الطريق ، وقبل التوغل في ذلك الطريق الصحراوي ، مررنا بإحدى محطات الوقود ، ملأنا السيارة بالوقود ، وتزودنا من (السوبرماركت ) المجاور بالوقود الآدمي  من مياه صحية وشطائر مختلفة وعصائر متنوعة .    أدركنا صلاة الجمعة في أحد المساجد على طريق الرياض  ، يقع المسجد ضمن محطة محروقات كبيرة ، وفيها (سوبر ماركت ) كبير ، ومرافق صحية ودورات مياه للرجال وللنساء     تستطيع القول أنها حقا متكاملة الخدمات ، وأن صاحبها بعيد النظر ، وذو عقلية تجارية فذة ، حيث تشاهد مئات السيارات تقف أمام المسجد لأداء الصلاة ، وبعد الصلاة تقف طوابير السيارات أمام المحطة للتزويد بالوقود ، وبالحاجيات المختلفة من ( السوبرماركت ) .   وصلنا الرياض مع غروب شمس اليوم الثالث ، بعد أن أدينا مناسك العمرة والحمد لله ، وطفنا بلاد الله الواسعة من المدينة المنورة في شمال المملكة إلى مكة المكرمة في غربيها  إلى القنفذة والباحة في جنوبها ثم إلى الطائف ، وأخيرا عدنا إلى الرياض وسط المملكة .     كانت رحلة دينية  تاريخية سياحية موفقة ، بكل ما تحمله الكلمة من معنى ، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين ، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين . .  
 
A service provided by Al Bawaba