أبحاث متنوعة

« | »

رحلة العمرة الدينية التاريخية السياحية

ِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِ بسم الله الرحمن الرحيم      

رحلة العمرة الدينية التاريخية السياحية

عود على بدء   

  في التاسع عشر من نيسان عام 1411م الموافق الخامس عشر من جمادى الأولى لعام 1432هـ   قررت الذهاب لزيارة أبنائي في مدينة الرياض بالمملكة العربية السعودية ، بعد غياب عن المملكة دام عشر سنوات  ( 2001- 2011) م ( 1422- 1432) هـ ، حيث كنت أحد المدرسين المتعاقدين الذين تم الاستغناء عنهم لإحلال كوادر سعودية مكانهم ، بعد خدمة دامت ثمان وثلاثون سنة في وزارة التربية والتعليم .    وكان من الأهداف الرئيسة للزيارة أداء مناسك العمرة وزيارة بيت الله الحرام والمسجد النبوي الشريف ، بعد غياب طويل عنهما ، خصوصا وأنني قد اعتدت على هذه الزيارة مرة أو مرتين كل عام خلال وجودي في المملكة في السنوات السابقة ، وكم كنت في شوق لهذه الزيارة .    يعمل أبنائي الثلاثة في شركات مختلفة في مدينة الرياض ، يعمل صلاح الدين مهندسا في شركة المعمر للاتصالات ، ويعمل علاء الدين مهندسا كيماويا في شركة ( وتكو ) لتحلية المياه ،أما بهاء الدين فيعمل مهندسا في شركة الاتصالات المتكاملة .    لقد سبق لي أن زرت الرياض عام 1976م ، أي قبل خمس وثلاثين سنة تقريبا ، كنت يومها أحضر رسالة ماجستير في الاقتصاد الإسلامي ، وكان يشرف على رسالتي الدكتور/ محمد شوقي الفنجري ، كان أستاذا بجامعة الرياض .  مكثت في الرياض مدة شهر ونصف ، طيلة العطلة الصيفية  المدرسية لذلك العام ، حيث كنت حينها أعمل في مدارس مدينة تبوك ، كنت في تلك الفترة أتردد على مكتبة جامعة الملك سعود في   موقعها القديم بالملز ، ومكتبة معهد الإدارة في نفس الحي على ما أتذكر ، وكنت  لا أخرج من تلك المكتبات إلا مع انتهاء دوام موظفيها ، وكثيرا ما كانوا ينبهونني إلى انتهاء الوقت ، وكانت مكتبات تبوك لا تفي بالغرض ، فكنت حريصا على استغلال وقت تواجدي في الرياض ، حيث المكتبات عامرة بالمراجع القيمة . كنت في تلك الفترة أتردد على منزل الأستاذ الدكتور/ محمد شوقي الفنجري ، على فترات متقاربة أسبوعية ، أعرض عليه ما أعددته من مواضيع الرسالة ، يجيز بعضها ، ويعدل على بعضها ، ويشطب بعضها ، ويرشدني إلى المراجع القيمة ، أهداني بعضا من مؤلفاته ، ومن كتب الاقتصاد الموجودة عنده ، كان جزاه الله خيرا متواضعا كريما ، بسيطا في بيته ، كان أعزبا ، ترك زوجته  عند أبنائه الذين يدرسون بجامعات القاهرة ، لذلك كنا نأخذ راحتنا معه في البيت ، فكنت أرافقه عند عمل الشاي والقهوة ، وأحيانا كنت أغسلها معه ، رغم إصراره ورفضه الشديد لذلك .                   وفي نظرة متأنية لمعالم الرياض اليوم ، وما كانت عليه أيام زيارتي الأولى لها قبل خمسة وثلاثين عاما ، فشتان بيت الأمس واليوم وخاصة من حيث التطور الحضاري والعمراني ، في الماضي لم تكن الرياض بهذا الاتساع في بعديها الأفقي والعمودي ، لم نكن نشاهد تلك الأبراج الشاهقة الارتفاع ، كنا نشاهد أثناء المرور ببعض الأحياء السكنية بعض البيوت المبنية من الطين والتي لم أشاهد أثرا لوجودها الآن .   أذكر من المعالم القديمة التي شاهدتها في زيارتي السابقة ، مبنى وزارة الداخلية بتصميمه المميز والذي يلفت نظرك من مسافة بعيدة ، وكذلك حي السفارات ، حيث كانت حدائق هذا الحي متنفسا ومتنزها جيدا يذهب إليها الناس للراحة والاستحمام ليلا .    في زيارتي السابقة للرياض ، ذهبنا في زيارة تاريخية لمدينة الدرعية ، كانت تبعد عن الرياض مسافة لا بأس بها ، أما اليوم فهي أشبه ما تكون بحي من أحياء الرياضِ فالمباني شبة متصلة ولا تكاد تفصل بينهما ، كانت الدرعية بلدة بسيطة  ، معظم بيوتها من الطين ، أما اليوم فتجد فيها   العمارات الشاهقة ، والشوارع العريضة المنظمة ، وقد طغت المعالم الحضارية الحديثة ، على المعالم التاريخية القديمة فيها .   أتذكر في زيارتي الأولى للرياض أسوق  ( الديرة )و ( البطحاء) لبيع الخضار والتمور، كانت أسواقا شعبية ، ترى ( مكاتل ) التمور بأنواعها المختلفة تعرض على الأرصفة وفي جانبي الشارع   هنا وهناك بدون ترتيب ولا نظام ، أما هذه الأيام فعندما زرتها ، وجدت أسواقا خاصة بالخضار والتمور ، مرتبة ومنظمة تنظيما دقيقا ، في أماكن فسيحة واسعة ، شوارعها عريضة ومنظمة ومضاءة بالكهرباء ، فيها مواقف خاصة لسيارات المشترين ، قريبة من أماكن التسوق ،يقضي الناس حوائجهم بكل يسر وسهولة.   أما محلات بيع التمور فلها أماكن خاصة بها ، تعرض أنواع التمور المختلفة بطرق فنية ، بعبوات مختلفة وزنا وحجما وشكلا وجودة ، أنواعها كثيرة يصعب على غير ذوي الخبرة بالتمور حفظ هذه الأنواع والتمييز بينها ، فمنها البرني والصقعي والخلاص والسكري والحلوة وغيرها كثير أما أسعارها فلكل حسب مقدرته الشرائية ، فبعضها أسعارها عادية يستطيعها كثير من الناس شراءها ، وبعضها أسعارها مرتفعة لا يشتريها إلا أصحاب الدخول المرتفعة ممن لديهم القدرة على شرائها ، وكان موعدنا لزيارة أسواق التمور في غير موسم البلح  ، فقد رأينا ثمار النخيل في شوارع الرياض على الشجر بسرا أخضر ولما ينضج بعد .    ظاهرة الأبراج في الرياض تلفت النظر ، اصطحبني ابني علاء الدين وأفراد عائلته ، لمشاهدة برج المملكة عن قرب ، وقد أعدت صالة زجاجية كبيرة ، صممت بطريقة هندسية عجيبة ، تربط بين شعبتي برج المملكة الشاهقين في عنان السماء ، على ارتفاع مائة طابق ، وقد أعدت هذه الصالة لمشاهدة كافة أنحاء الرياض من خلال هذه الصالة الزجاجية .   وصلنا برج المملكة الساعة التاسعة مساء ، وجدنا الناس يصطفون في طوابير طويلة  أمام مصاعد البرج التي يتسع الواحد منها لأكثر من عشرين شخصا ، في البداية تبدأ بدفع رسوم الدخول   بمقدار خمسة وعشرين ريالا عن كل شخص ، ثم  تأخذ موقعك من الطابور أمام المصعد سريع الحركة ، سرعته مدهشة ، يصل بك المصعد إلى قمة  البرج ، حيث الصالة الزجاجية في ثوان قليلة ، وربما تكون أقل من وقت مصعد في عمارة عادية مكونة من أربعة طوابق، وكذلك لا تشعر بحركة هذا المصعد أثناء سيره.   وفي أعلى البرج توجد الصالة الزجاجية التي تطل على الرياض من جميع نواحيها ، شرفة واسعة تشاهد الناس فيها يقفون خلف البلور الزجاجي الضخم ، متمسكون بقضبان غليظة من الكروم  تفصلك عن الالتصاق بالألواح الزجاجية ولتمنع خطورة العبث بها حال الاقتراب منها، يسير الناس في هذه الصالة من أولها إلى آخرها وهم ينظرون بدهشة وانبهار إلى  الرياض من علٍٍ يشاهدون السيارات تسير في الشوارع كأنها عصافير صغيرة ، والعمارات الشاهقة كأنها أكشاك قميئة لبيع المرطبات والسجائر.   يوجد في نهاية الصالة بوفيه تستطيع شراء ما تريد من المرطبات والعصائر والحلويات والبوظة ويوجد أمامها عددا من الطاولات والكراسي لمن يريد الجلوس ، ويلاحظ على أسعار هذه البوفيه أنها مرتفعة ، فثمن علبة البوظة الصغيرة عشر ريالات !!   إنك تحس وأنت داخل هذه الصالة الزجاجية التي تسبح في الفضاء ، كأنك في عالم آخر ، الرياض أمام ناظريك كأنها كتلة مشتعلة من الأضواء الكهربائية ، استقامات الشوارع الطويلة والعريضة ، كأنها مساطر كهربائية مضاءة منثورة في جميع الاتجاهات ، ولا بد في تلك اللحظة أن يتذكر الإنسان قدرة الله الذي علم الإنسان ما لم يعلم ، ويشكره على هذه النعم الكثيرة التي لا تحصى قال تعالى : " وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها "(1) ، " فبأي آلاء ربكما تكذبان "(2)  .

 ------------------------------------------------------------------------------------------------------ (1)  سورة إبراهيم ، الآية رقم (3  

 (2) سورة الرحمن ، الآية رقم الآية (13)

 .   في زيارتي الأولى للرياض قبل خمس وثلاثين سنة تقريبا عام 1976م ، كانت المقاهي الشعبية  منتشرة داخل الرياض ، مقاعدها من الكراسي الخشبية العالية المشدودة من الحبال وسعف النخيل   وتسمى ( القعادة ) ، كنا نذهب للاستراحة بها ليلا سيرا على الأقدام . أما هذه الأيام فقد منع وجود مثل هذه المقاهي داخل الرياض ، وسمح بإنشاء مقاهي خارج الرياض على بعد 20 -30 كلم ، وفرق شاسع بين هذه وتلك ، مقاهي اليوم عبارة عن استراحات مغلقة ومكيفة ، فيها جلسات مريحة مفروشة بالسجاد وتحيط بجدرانها المراكي  والمساند الوثيرة     وجلسات أخرى طاولات وكراسي مريحة  ، والورود الطبيعية المزروعة بين تلك الجلسات تضفي على الجو بهاء وجمالا، وهكذا أصبح المقهى يحمل طابع الاستراحة أكثر من كونه مقهى .   أصر عليََ أحد أبنائي وهو بهاء الدين أن يصطحبني معه في أحد الأيام إلى هذه  المقاهي، وشجعني على ذلك ، فأنا ليس من رواد المقاهي ، ولا أحب الجلوس في هذه الأماكن ، ويوم مباراة كرة القدم بين (ريال مدريد وبرشلونة ) ، قال تعال معي وستشاهد أمما هناك إنه عالم آخر ، نعم إنه عالم آخر من اللهو واللعب ، وحبذا لو استُغل فيما هو أفضل وأكثر نفعا .   وبالفعل كما قال رأيت عالما آخر ، تحجز فيه المقاعد حجزا من الظهر أو العصر على الهاتف ،   لكل طاولة تلفاز خاص بها ، وكذلك لكل من الجلسات الرومانسية الأرضية الأجهزة الخاصة بها   ويطوف بين هذه وتلك النادلون يخدمون رواد المقهى فيقدمون الشاي والقهوة والعصير والشيش (والأراجيل) على  اختلاف أنواعها وأشكالها ، وحملة الجمر يذرعون القهوة ذهابا وإيابا يزودون الشيش بالنار عند الحاجة إليها .   كان البعض يلعب الورق ، وآخرون يلعبون الزهر ، وآخرون يجلسون لمشاهدة التلفاز ، وآخرون يتجاذبون أطراف الحديث من هنا وهناك ، عالم لهو وصخب كله ، جنبنا الله وإياكم الاعتياد على زيارة هذه الأماكن فإنها مضيعة للوقت .   وللحق وللأمانة لا بد من ذكر مشاهدة طيبة وسط هذا الجو المشحون ، يوجد مسجد كبير لأداء الصلاة في وقتها ، تسمع الأذان وإقامة الصلاة ، ويكون الناس في المسجد بالمئات يؤدون الصلاة في وقتها ، وكثير منهم من يتكاسل عن أداء الصلاة في وقتها ، وقد شاهدت المقاهي مقفولة أثناء تأدية الصلاة .   وفي أحد الأيام وأنا بالرياض اتصل بي ابن أخي / عمر عبد العزيز ، وهو يعمل بشركة (نادك)  للألبان بمدينة الخرج ، وقال لي أريدك أن ترافقني في نزهة لإحدى استراحات الرياض ، وكان اسمها ( الضوء الخافت ).    بمجرد دخولنا الاستراحة شعرنا ببرودة رذاذ الماء المنطلق من أنابيب تعلو هاماتنا على طول الممر الذي يؤدي إلى مكان الجلسات الهادئة المعدة بشكل متقن ، والمفروشة بالسجاد ومحاطة من جانبها بالمراكي والمساند الوثيرة ، ومن حولك أشجار الورود بعبقها الشذي، ومن أمامك بركة واسعة مليئة بالأسماك المتنوعة التي تسبح باتجاهات مختلفة ، وفي وسط البركة نافورة ماء ذات دفع قوي يرتفع ماؤها عدة أمتار في الهواء  الطلق ، وإذا ما هبت نسمات  من الهواء تشعر برذاذ الماء البارد ناعما على جسمك ، ومن حولك النوادل يعرضون عليك  تقديم خدماتهم من شاي أو قهوة أو عصائر مختلفة ، أو عشاء إذا كنت ترغب في تناول الطعام .   وشتان بين هذه الاستراحات أو المقاهي ، وبين تلك المقاهي التي كانت منذ زمن داخل الرياض  فالكراسي الخشبية متراصة بجانب بعضها ، والناس يجلسون عليها كتفا لكتف ، وكل الجالسين مدخنون سواء تدخينا طوعيا أم سلبيا ، فرائحة (الجراك ) المحترق تكاد تخنقك ، والضجيج يوشك أن يصم أذنيك . نموذج آخر من نماذج هذه الاستراحات الممتازة خارج مدينة الرياض ومحيطها ، هو انتشار ظاهرة الاستراحات النموذجية المتكاملة الخدمات ، فبعض المستثمرين اتجه إلى هذا المجال،    اشتروا قطعا واسعة من الأراضي ، وقسموها إلى قطع أصغر على شكل مر بعات أو مستطيلات ، مساحات القطعة الواحدة 2000 م  مربع ، وعمل منها استراحات منفصلة عن بعضه البعض بأسوار عالية يصل ارتفاعها إلى ثلاثة أمتار ، وبداخل كل منها مبنى مكون من غرفتين واسعتين ومرافق عامة وتشطيب جيد ، وأمام هذا المبنى خيمة عربية واسعة مفروشة بالسجاد والمساند تتسع لأكثر من خمسين شخصا ، وعلى جوانبها أماكن معدة للطبخ وأماكن أخرى  معدة للشواء ، في الوسط مسبح نظامي مصغر (10×6) ويوجد به (فلاتر) لتغيير الماء وتعقيمة ، وفي الجهة الأخرى من الاستراحة يوجد ملعب مصغر أيضا لكرة القدم مزروع بالإنجيل ، وهنا وهناك طاولات وكراسي  ومظلات  شمسية ، وسعر هذه الاستراحات بين 500 -700 ريالا حسب العرض والطلب عليها.   استضافني أصهاري من آل الخطيب لقضاء يوما كاملا في هذه الاستراحة ، وكان يوما جميلا حقا ، بما تخلله من نشاطات وفعاليات ومسابقات رياضية وثقافية وشعرية ، وتوزيع جوائز للفائزين بهذه المسابقات ، وكانت هذه الجوائز أيضا تحمل طابعا مضحكا ففيها شوك وسكاكين وأحذية ، وأجمل ما كان في الاستراحة أننا تناولنا طعام الغداء من المشاوي ، ونحن الأربعة الكبارعمرا من الرجال كنا نجلس على الكراسي والطاولة داخل المسبح في الجزء المعد لسباحة الأطفال ، وكان يوما لا ينسى ، لولا ما نغص علينا من إصابة بسيطة لأحد أصهاري وهو / محمد نمر الخطيب حيث أصيب بشد عضلي شديد أقعده عن العمل عدة أيام وبقي مدة طويلة يعاني من هذا الألم شفاه الله وعافاه . .    حاول كل من أبنائي الثلاثة أن أقضي عنده أطول فترة ممكنة أثناء زيارتي لهم ، ولكني قلت لهم: أقضي فترة أسبوع عند كل واحد منكم بالترتيب حسب العمر ، ورضي جميعهم بهذا الحل.، اللهم ارض عنهم جميعا ووفقهم لما يحبه الله ويرضاه ، فقد رحبوا بي ترحيبا فوق العادة ، وحملوني على أكف الراحة .  وقت الزيارة المسموح به رسميا شهر من تاريخ دخول المملكة ، وقد قارب الشهر على الانتهاء  ولم تتهيأ لنا الظروف لأداء مناسك العمرة أنا وأبنائي الثلاثة معا ، لاختلاف طبيعة أعمالهم ،ثم مددنا مدة الزيارة شهرا آخر . وعندما لم يتمكن أبنائي من أخذ إجازة في وقت واحد ، قررت السفر أنا واثنين منهم وهما علاء الدين وبهاء الدين . بدأت رحلة العمرة المباركة يوم الأربعاء عصرا برا بسيارة خاصة مريحة – جيب انفنتي حديث – من الرياض إلى المدينة المنورة لزيارة المسجد النبوي الشريف والسلام على الحبيب المصطفى عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم ، والصلاة في روضته الطاهرة ، ونسأل الله أن يسقينا جميعا من حوض نبيه يوم القيامة ، شربة لا نظمأ بعدها أبدا .   وصلنا المدينة مساء الأربعاء ، ويسر الله لنا فندقا بجوار المسجد النبوي الشريف ، تطل نوافذه على فناء المسجد ، اغتسلنا وتوضأنا ثم نزلنا للصلاة في المسجد والسلام على الرسول عليه الصلاة والسلام .    وعند خروجنا من المسجد، سألنا عن مطعم نتناول فيه طعام العشاء ، وبعد مشاورة اتفقنا على البحث عن مطعم   ( البيك ) ، قال الشباب أن أكله طيب ونظيف ، وعند السؤال عن  مكانه قالوا لنا إنه قريب من هنا ومشينا حتى حفيت أقدامنا من المشي ، ونحن متعبون أصلا من عناء السفر .    وما إن وصلنا مطعم البيك حتى شاهدنا الناس طوابير لأخذ طلباتهم ،ولا مجال للجلوس على الطاولات المشغولة بالزبائن ، وبجانب كل طاولة زبون ينتظر قيام الزبون الأول ، جلسنا على إحدى الطاولات أنا وعلاء وذهب بهاء لإحضار العشاء ، وما أحسبني إلا غفيت عدة غفوات قبل مجيء الطعام ، وكان العشاء لذيذا وطيبا حقا وخاصة مع الجوع.    عدنا أدراجنا إلى الفندق ، ونمنا نوما عميقا من أثر وعثاء السفر ، استيقظنا جميعا على صوت المؤذن لصلاة الفجر ، بعد أداء صلاة الفجر اتجهنا  نحو ضريح الرسول عليه السلام وصاحبيه الكريمين أبو بكر وعمر بن الخطاب رضي الله عنهما للسلام عليهم جميعا . بذلنا جهدا للحصول على مكان لنصلي ركعتين أو أكثر في الروضة ، ويا لشدة الزحام هناك، فالكل حريص على أن يصلي بها ،وكثير من يحجز المكان ويبقى جالسا في الروضة للاستراحة أو لقراءة  القرآن ، ونسي أن غيره يريد أن يصلي على الأقل ركعتين في هذا المكان الذي أكد الرسول صلى الله عليه وسلم أفضليته بقوله في الحديث الشريف بما معناه أو كما قال: " ما بين بيتي ومنبري روضة من رياض الجنة "(1) .، وهل هناك أفضل من أن يرتع الإنسان في مثل هذه الأماكن الطاهرة  .  بقينا في المسجد نصلي ونقرأ القرآن حتى وقت صلاة الضحى ، صلينا الضحى وخرجنا من المسجد ، وعند وصولنا إلى باحة المسجد الخارجية فاجئنا منظر المظلات الشمسية المتحركة كهربائيا ، كبيرة في حجمها ، غريبة في شكلها ،رائعة في حركتها الهادئة  وتداخل كل مجموعة منا على حده ، لتشكل وحدة متكاملة ، يستظل المصلون في ظلالها حيث تقيهم حر الشمس الساطعة في وضح النهار، وتعود المظلات إلى أغمادها عند زوال حرارة الشمس وهكذا دواليك .    ما أروعه من منظر وما أبهجها من حركة ، فكرة رائعة ، وتصميم بديع ، وجزى الله حكومة المملكة العربية السعودية على هذا الإنجاز الرائع ، من ضمن توسعة الحرمين الشريفين ، وكانت آخر زيارة لي للمسجد النبوي الشريف قبل عشر سنوات وقبيل مغادرتي المملكة حال إنهاء عملي بها فكانت التوسعة الحديثة للمسجد تحت التشغيل، بعض الأعمال منجزة وبعضها لما يتم إنجازه بعد     وأذكر في الزيارة الأخيرة وقبل العودة إلى الأردن ، كان برفقتي صهري الكريم /محمد توفيق  وكنا منفردين وفراشنا داخل سيارتنا فهي الفندق المتنقل لنا ، وكانت ساحات المسجد الخارجية غاصة بورشات العمل المختلفة ، وقررنا المبيت في تلك الساحات الخارجية ، اخترنا إحدى الجرافات العملاقة  ووضعنا فراشنا بين أذرع هذه الجرافة العملاقة ، ونمنا في فندق الجرافة حتى قبيل الأذان لصلاة الفجر ، ولم ينغص علينا سوى صوت حجر ارتطم بشدة في حديد هيكل الجرافة فاستيقظنا مرعوبين  ظانين بأن سائق الجرافة قد جاء ليحركها ولم يدر بوجودنا بين أذرعها ، فقلنا في أنفسنا (رحنا في ورطة ) ؟!                                                                            ------------------------------------------------------------------------------------------- (1) متفق عليه ، رواه الشيخان البخاري ومسلم .     نظرنا حولنا فوجدنا أحد المصلين القادمين إلى المسجد النبوي قبل الأذان قد روعه منظر كلب يسير إلى جانبه في الشارع ، خاف منه وقذفه بحجر انتهى في دحرجته حتى اصطدم في جسم الجرافة  مما سبب لنا الهلع ، وأطار النوم من أعيننا ، وعندما ثبنا إلى رشدنا ضحكنا كثيرا لعدم محافظة الفندق على راحتنا التامة ، لملمنا فراشنا ووضعناه داخل سيارتنا التي تقف قميئة بجانب فندقنا الضخم (الجرافة ).    أخذنا بعض الصور التذكارية أثناء حركة فتح المظلات الشمسية العملاقة في الصباح ، ثم غادرنا المسجد بنية الاتجاه إلى بيت الله الحرام لأداء مناسك العمرة .    اتفقنا قبل مغادرة المدينة أن نعمل جولة في المدينة المنورة لزيارة الأماكن الدينية  والتاريخية فيها : جبل أحد ، المساجد السبعة ، مسجد القبلتين ، والصلاة في مسجد قباء .   استأجرنا حافلة صغيرة على أن يقوم بتمريرنا على جميع هذه الأماكن ونقف على كل منها ما فيه الكفاية لآداب الزيارة  ، كان السائق رجلا طيبا من أهل المدينة ،وفضلا عن أنه كان يقود السيارة  كان يقوم بعمل المرشد السياحي الديني ، وكان في أثناء سيره في الطريق يشرح لنا عن كل معلم من المعالم المتجهين إليها ، رغم معرفتنا السابقة لهذه الأماكن ، إلا أن الرجل كان على علم ومعرفة حقه بتاريخ وقدسية معالم المدينة فجزاه الله خيرا ، وصدق من قال : أهل مكة أدرى بشعابها .   اغتسلنا وأحرمنا للعمرة قبل مغادرة  الفندق ، ثم اتجهنا إلى آبار علي ميقات أهل المدينة ، صلينا ركعتين في المسجد  ، نوينا العمرة واتجهنا بعون الله إلى مكة .     عند وصولنا مكة اتجهنا إلى فندق القدس ، وكان ولدي بهاء يعرف مكانه  لأنه سبق أن نزل به في مرة سابقة ، فندق درجة  أولى من ذات النجوم الخمسة ، تجاوزنا النقاش في أجرة الغرفة لأننا لن نمكث إلا ليلة واحدة ، كان الفندق فخما ومريحا ، وخاصة الحافلات الصغيرة التي تنقل الزوار والعمار من الفندق إلى الحرم ليلا نهارا على مدار الساعة ،وتعتبر هذه الحافلة من ضمن الخدمات الفندقية التي تريح المعتمرين والحجاج .                                                                                                                                                                                                                                  بعد أن استرحنا قليلا في الفندق ، اتجهنا إلى بيت الله الحرام لإتمام مناسك العمرة ، ويا له من منظر رائع وأنت ترى من بعيد مآذن الحرم المرتفعة وهي تشق عنان السماء ، ويبهرك منظر الحرم بروعة تصميمه وجمال بنائه ، وعندما تدخل من أحد أبواب الحرم وتقع عينك على الكعبة تشعر بالهيبة والجلال والخشوع لله عز وجل ، وترى الناس من حولك ما بين راكع وساجد وتال للقرآن ورافع يديه إلى السماء ، وكل يدعو الله بما يتيسر من الدعاء .    بدأنا فور دخول الحرم بالطواف حول الكعبة سبعة أشواط ، كان صحن الكعبة مليء بالناس ولكن بدون زحام والحمد لله ، دعونا الله وسألناه العفو والعافية والمعافاة الدائمة في الدين والدنيا والآخرة،كان ابني علاء الدين يمسك بيدي أثناء الطواف ، قال لي : لا تنسانا من الدعاء يا أبي ، ورفعت يدي إلى السماء قائلا : اللهم وفق أولادي جميعا لما تحبه وترضاه ، اللهم وفقهم وسدد خطاهم ، وابعد عنهم شر الضلال والفساد والعناد ، وقهم شر أنفسهم ، اللهم أرنا جميعا الحق حقا وارزقنا إتباعه وأرنا الباطل باطلا وارزقنا اجتنابه ، اللهم إني أشهدك أني راض عنهم فارض عنهم ، واحفظهم من كل شر يا أرحم الراحمين .     وفي نهاية الشوط السابع وقفنا عند باب الملتزم ، ودعونا الله ما شاء لنا من الدعاء ، ثم صلينا ركعتين عند مقام إبراهيم عليه السلام ثم اتجهنا للسعي بين الصفا والمروة سبعة أشواط كذلك ، وأحمد الله الذي أعانني على سعي الأشواط السبعة مشيا على الأقدام ، فقد كنت أظن أنني لم أقوى عليها ، نتيجة لخشونة في صابوني الرجلين ، وربما أحتاج للركوب في العربة الخاصة بذلك ، والحمد أني سعيت جميع الأشواط مشيا وكنت أهرول في كل شوط بين علامتي الهرولة في المسعى وفي نهاية الشوط السابع قصرنا من شعرنا ، وبذلك نكون قد أنهينا مناسك العمرة بخير وسلام  والحمد لله .   عدنا إلى الفندق ، وفي الطريق اشترينا عشاءنا من الوجبات الجاهزة ( كودو) وما أدراك ما الكودو  ، تسمع بالمعيدي خير من تراه ، الجوع يجعلك تأكل بعض الأشياء التي تحبها وأحيانا التي  لا تحبها ، ما أحببت أن أحرج أبنائي الذين جاءوني بالعشاء ، فأكلت ما قسم الله لنا ، وبعد الأكل قلت لهم : والله إن شطيرة الفلافل أحسن بدرجات من هذا الكودو الذي يزيد سعره عن ثمن شطيرة الفلافل بعشرة أضعاف .     ارتحنا تلك الليلة بالفندق ، واستيقظنا لأداء صلاة الفجر في المسجد الحرام ، وبقينا في المسجد نصلي ونقرأ القرآن حتى بعد شروق الشمس بثلث ساعة  تقريبا ، بداية موعد صلاة الضحى  فصلينا ، ثم طفنا بالكعبة طواف الوداع  وغادرنا البيت الحرام .    كنت قد أبديت رغبتي لأبنائي أكثر من مرة ، إن شاء الله إن تهيأت لي الظروف ، سأزور المناطق التعليمية التي خدمت بها قبل خمسين عاما تقريبا منذ عام 1963م – 1383هـ وهي : الليث المخواة ، حدبة بني عاصم ، حداد بني مالك / الطائف ، تبوك ، ضباء  من أقصى الجنوب إلى أقصى الشمال .    وكم كنت حقا في شوق لرؤية تلك الأماكن التي عشت فيها أجمل سنوات العمر زهرة الشباب ،  ولنا فيها من المعارف والأصحاب ومن طلابنا الكثير ، كنت أحدث نفسي أحيانا لو رأيتهم الآن ، هل يعرفونني ، هل أعرفهم  ، هل يتنكرون لنا أو يقابلونا بالأحضان ؟؟!!     وفاجئني أبنائي الأحباء علاء الدين وبهاء الدين بأنهم يريدون تحقيق حلمي بالعودة لزيارة  الأماكن التي كنت أعمل فيها  منذ بداية قدومي إلى السعودية عام 1383هـ  ، وكم كان سروري عظيما عندما سمعت منهم استعدادهم لزيارة تلك الأماكن التي لا يعرفون طرقها ، وهل يستطيعون القيام بهذه الرحلة فيما يتبقى معهم من الوقت لمباشرة عملهم في الرياض ، قالوا : سنبذل قصارى جهدنا من أجل تحقيق رغبتك القوية لهذه الزيارة .   عقدنا العزم وتوكلنا على الله وسألناه أن يسهل لنا هذه الرحلة ويطوي لنا الأرض طيا ، انطلقنا بسيارتنا بعد أن سألنا عن بداية الطريق إلى الليث ، وشغلنا خارطة ( جي .بي .أس ) لتحدد لنا   سلامة سيرنا في الطريق ، وفي هذه الرحلة تبين عظيم فائدة وجود مثل هذه الخارطة في السيارة خصوصا في السفريات الخارجية ، بمجرد أن تحدد الجهة التي تريدها يُرسم سهم أمامك على الخارطة يحدد اتجاه سيرك ، وتنطق الخارطة المبرمجة : استمر في نفس الاتجاه ، خذ المسرب اليمين ، أو خذ المسرب  اليسار ، أخطأت الاتجاه ، عد إلى  الخلف وخذ الاتجاه الآخر ، على بعد 300م خذ اليمين ، أو خذ اليسار وهكذا حتى تقف على المكان المراد .    بدأنا السير في طريق الليث ، أولى المدارس التي عملت بها في المملكة عام 1383هـ ، ويا للفرق الشاسع بين هذا الطريق المزدوج ( اوتو – ستراد ) وبين طريق (الغراز) الصحراوي أو بين طريق ( السبخة ) بمحاذاة البحر ، وكلا الطريقين أحلاهما مر !!    كنا نمكث في الطريق بين جدة ومركز عملنا في القنفذة ( 380كلم ) مدة يومين أو ثلاثة أيام ، أما هذه الأيام فلا تستغرق نفس المسافة أكثر من ساعتين أو ثلاثة ، حسب مهارة السائق ونوع السيارة .   بعد ساعة تقريبا من انطلاقنا من مكة وصلنا مدينة الليث الحديثة وليس بلدة الليث القديمة ، لقد تغيرت معالم الليث القديمة تغيرا كليا ، ولم تقع عيني على أثر من المعالم القديمة ، كانت معظم البيوت القديمة من العشش التي لا أثر لوجودها ، كانت البلدة القديمة تبعد حوالي ثلاث كيلومترات عن شاطئ البحر .    مدينة الليث الآن تقع على شاطئ البحر مباشرة ، وقد اجتثت شجيرات النخيل التي كانت منتشرة على شاطئ البحر هنا وهناك ، وأصبح مكانها كورنيشا مضاء بالكهرباء ، وتخترقه خطوطا معبدة ، وتنتشر فيه الجلسات المظللة ، والاستراحات ، ومراجيح ألأطفال المتنوعة .  اتجهنا إلى الشاطئ ، شاهدنا بعض الشباب من أهالي الليث ، يقفون فوق لسان بحري يدخل إلى مسافة مائة متر داخل البحر، أوقفنا السيارة على الكورنيش قريبا من اللسان ، ونزلنا لنستمع بمنظر البحر الجميل وأحسست بنفسي تخاطبه قائلة : أتذكرني يا بحر عندما كنت أجلس وحيدا منفردا على شاطئك وكانت وسيلة تنقلي بين الليث والبحر دراجة هوائية اشتريتها جديدة بثلاثين ريالا .                                                                                                                                                                                                                                    سألت أحد الشباب عن بعض الأسماء التي أتذكرها من أهالي الليث مثل : أحمد حنكس ، عبدالله باسالم ، يحيى البركاتي ، حمد البطاح الدعيجي ، قال لي : لا أعرف أحدا وحاول الابتعاد مستنكرا، توجهت نحو اثنين من الأخوة العرب الذين كانوا يمارسون هواية صيد الأسماك ، وسألتهم إذا كانوا يعملون في مدينة الليث ، وسألتهم عن عملهم فقالوا نعمل في التدريس ، قلت إنني عملت مدرسا في الليث منذ خمسين سنة وأحب أن أتعرف على بعض الأشخاص إذا كانوا موجودين الآن في الليث ، قالوا : ( ما بنعرفش حد ) وحاولوا أن يجمعوا سنانيرهم  وهموا بمغادرة المنطقة التي كنا نقف فيها  لم يستضيفونا على عادة العرب ولم (يتمعذروا ) معنا بكلمة تنم عن أنهم من أصول عربية.      عندها تقدم مني ولدي بهاء الدين وقال لي ضاحكا : أنت من خلال سؤالك هؤلاء جعلت منا أناسا مشبوهين ، الناس ينظرون إلينا بريبة وشك ،ولقد شبهت هذا الموقف بفتية أهل الكهف الذين آمنوا بربهم ، الذين لبثوا في كهفهم ثلاثمائة سنة وازدادوا تسعا ، بعد ذلك عاد أحدهم إلى المدينة التي خرجوا منها ليشترى لهم أزكى طعاما بورقهم الذي كان معهم منذ ذلك الزمن البعيد، والذين قال فيهم عز وجل: " لو اطلعت عليهم لوليت منهم فرارا ولملئت منهم رعبا "(1) )    تصورت نفسي في تلك اللحظة وأنا أسأل أهل الليث ، أنني خارج من الكهف الذي كنت أعمل فيه قبل خمسين سنة ، وقد انتقل إلى رحمة الله جميع الناس القدامى .   لم أيأس من كثرة السؤال ، فليس من المعقول أن أغادر الليث قبل أن أتعرف على بعض الناس   ومعرفة أخبار من أعرفهم ، شاهدت رجلا كبيرا في السن يجلس مع أهله وأولاده يلعبون على المراجيح من حوله ، اتجهت نحوه ، حاول ابني بهاء أن يثنيني عن سؤال الرجل بحجة أن أهله معه، قلت له : ( إنك لن تستطيع معي صبرا )(2) ، وأومأت للرجل من بعد بأنني محتاج إلى محادثته ، فجاءني وسألته عن معارفي القدامى فقال : إن أحدهم قد مات ، والآخر قد غادر البلد ، وأما أحمد حنكس فتجده الآن يقرأ القرآن في الجامع الكبير وأشار إليه ، وكان سروري عظيما بوجود أحد الأشخاص الذين أعرفهم .                                                                ---------------------------------------------------------------------------------   (1) سورة الكهف ، رقم الآية ( 18) .        (2) سورة الكهف ، رقم الآية (67) .    كان الوقت ظهرا توضأنا ودخلنا المسجد للصلاة وكذلك للسؤال عن أحمد حنكس ،بعد صلاة تحية المسجد ، توجهت إلى  المؤذن وسألته عن أحمد حنكس ، تلفت يمينا ويسارا وقال : كل يوم مثل هذا الوقت يتواجد في المسجد واليوم غير موجود وربما يأتي بعد قليل ، وبعد أن صلينا الظهر جماعة ، أعدت سؤال الرجل ، فقال لي غير موجود ، كان هناك أحد المصلين قريبا منا وسمع سؤالي فقال : إن أحمد سالم حنكس قد صلى معنا وخرج بعد الصلاة ، وإن كنتم  بحاجة  إليه تجدونه الآن في ( السوبر ماركت ) الخاص به في الشارع العام .     بعد بحث ليس باليسير وقفنا أمام محله ، ونزل أحد أبنائي ليسأل عنه فوجده حاضرا ، وقال له إن أبي يريد التعرف عليك ، جاءنا رجل كبير السن ذو لحية بيضاء، وعندما رآني لم يعرفني لأول وهلة لطول الزمن ، فقلت له : ألا تعرفني !! قال: لا ، من أنت ؟! قلت له : أنا الأستاذ أحمد الوادي ، درستك في الصف السادس الابتدائي ، أيام كان الأستاذ حمد البطاح مديرا للمدرسة ، تفرس في وجهي وهجم علي يقبلني ويقبل رأسي ، وحاول جاهدا أن يستضيفنا عنده للغداء ، اعتذرنا منه وقلنا له : إن أمامنا رحلة  طويلة ، استوقفنا قليلا وانطلق إلى محله وعاد لنا يحمل كيسا مليئا بالمياه الصحية والعصائر المختلفة وأصر على أن نأخذها وقال : إن هذا أقل الواجب ، سألته عن بعض الناس الذين كانوا معنا في ذلك الزمن ، فقال بعضهم توفي ، وبعضهم ترك إلليث وذهب إلى مكة أو إلى جدة  ودعناه وغادرنا الليث إلى المخواة .   اتجهنا إلى الطريق الرئيسي المؤدي إلى القنفذة ، وصادفنا وجود أحد الركاب على الطريق ، وقفنا بجواره وسألناه عن الطريق إلى  المخواه ، فقال : هناك طريقان الأول والأقرب طريق الشاقة  والطريق الثاني طريق القنفذة .     أركبناه معنا إلى الشاقة ، وأشار لنا إلى بداية الطريق المؤدي إلى المخواة ، شغلنا خارطة الجي بي إس وعلم مؤشرها في الاستمرار بالاتجاه الصحيح ، وفي خلال أقل من ساعة ونصف كنا نقف على أطلال بلدة حدبة بني عاصم القديمة التي هجرها أهلها إلى المباني الحديثة والعمارات الشاهقة   وكذلك مررنا بالمخواة فرأيت معظم المباني حديثة ، ولم استطع التعرف على شيء من المعالم القديمة ، كان الوقت بين الظهر والعصر وكان الطقس حارا ومعظم الناس يقيلون في بيوتهم ، شاهدنا مبنى ضخم اتجهنا نحوه فكان مبنى كلية البنات ، وجدنا موظف في غرفة خارجية  عند الباب ، سألته عن بعض الأشخاص فلم يعرف منهم ، غير الأستاذ عبدالله عطران مدير مدرسة الحدبة وقال لي : لقد تقاعد من العمل وهو الآن في قريته المجاورة للحدبة ، ويعرف رقم هاتف ولده لأنه من أصحابه ، أخذت رقم هاتف الابن ، علني أستطيع محادث  الأب ، لكنني لم أفلح رغم الاتصال المتكرر .   غادرنا المخواة ونحن آسفين أننا لم نر أحدا من معارفنا ، ولم نشف غليلنا بالتعرف على كل الأماكن القديمة فقد غطت عليها المباني الحديثة ، ولكنني استطعت أن أقف أمام المجمع السكني الكبير والقديم والتي كانت تسكنه عائلة الشيخ عوض وإخوانه حاسن وصالح وعلي وأقاربه ، إنه أشبه ما يكون بالحصن ، قالوا لنا قبل خمسين عاما أن عمر هذا المبنى أكثر من مائتي سنة ، حجارته من صفائح الصخور السوداء الداكنة ، وعرض جدار المبنى يقارب المتر ، بحيث تستطيع أن تجلس وتتربع داخل النافذة .      شاهدت البيت القديم الذي كنت أسكنه ، وكان أحد الحصون الصغيرة في القرية ، يتألف من ثلاث طوابق ، وقد استأجرت أنا الطابق الثاني بثلاثين ريالا ، وكان أصحاب البيت يسكنون الطابق الثالث ، وكان لي سرير فوق سطح البيت  عليه فراش وتجلله ناموسية لكي أنام عليه ليلا طلبا لبرودة الجو، تذكرت وأنا أنظر إليه قول الشاعر الجاهلي عندما مر على أطلال قومه المهجورة فقال :           قل لمن يبكي على رسم درس             واقفا ما ضر لو كان جلس                                    يصف الربع ومن كان بـــــــه            مثل سلمى ولبينى  وخنــس       سألنا في المخواة عن الطريق إلى حداد بني مالك/ الطائف ، لزيارة البلد التي جلست فيها عشر سنوات بالتمام والكمال ولي فيها من الذكريات ما لا يحصى ، فقالوا لنا إما أن تعودوا إلى مكة ثم   الطائف وبعدها إلى حداد ، وإما أن تصعدوا العقبة في طريقه الجبلي الجديد والممتع ، فيوصلكم إلى الباحة ومنها إلى حداد بني مالك ثم تذهبون أخيرا إلى  الطائف .   اخترنا الطريق الجبلي الأقصر والأصعب طمعا في التعرف على بلدان جديدة لم نراها ، وكان نعم الاختيار بتوفيق من الله عز وجل .    أيام كنت أعمل في المخواة كانت هذه الطريق غير سالكة ولا آمنة ، يسلكها الناس سيرا على الأقدام أو ركوبا على الحمير والجمال ، ويقطعونها بمشقة وخطورة ، ولا بد أن يكونوا مسلحين خشية من الوحوش المفترسة مثل النمور والضباع كما كانوا يقولون لنا ، وكانت الطريق تسمى عقبة السبت أو عقبة الباحة على ما أذكر .  أما اليوم فإن هذا الطريق يعتبر معلما من معالم الحضارة والتطور ، ولولا أن أبالغ في الوصف لقلت : إنه يعتبر من العجائب على الأقل على مستوى العالم العربي فقد زرت من البلدان العربية : سوريا ، لبنان ، الأردن ، فلسطين ، السعودية ، مصر فلم أر أروع ولا أجمل من هذا الطريق ، الطريق الذي يربط بين تهامة الساحل والباحة  عبر سلسلة الجبال الشاهقة ، تسير الساعات الطوال صاعدا قمم الجبال ، في طريق متعرج ما بين جسور كثيرة تصل بين الجبال ، أو أنفاق عديدة  تخترق جوف الجبال ، فتغيب خلالها وقتا لا بأس به ، تخرج من نفق إلى نفق آخر لا يبعد عنه مسافة كبيرة ، وتنتقل من جسر إلى جسر ، تحفك الأشجار التي تغطي تلك الجبال الشاهقة بمنظرها الخلاب التي يريح النفس ويبهر العيون .     ومما يلفت الانتباه في هذه الطريق كثرة وجود القرود على جوانب الطريق ، توجد في أعالي الجبال وعلى الخط المعبد مساحات جانبية متباعدة ، عملت خصيصا لوقوف المسافرين على جوانب الطريق ليقفوا فيها ويستمتعوا بالمناظر الجميلة والخلابة ، خاصة وأنت ترى الأعماق السحيقة للوديان البعيدة عنك وأنت معلق بين السماء والأرض على رؤوس تلك الجبال.      وبمجرد أن تقف السيارة في إحدى الاستراحات الجانبية ، وخلال ثوان يتكاثر وجود هذه القرود التي تعودت على تناول الأطعمة والفواكه التي يقدمها لها المسافرون ذهابا وإيابا عبر تلك الطريق ، لم نعتاد التعامل مع القرود ، فقد خفنا من اقترابها منا في بداية الأمر ، لم ننزل من السيارة ، فصعدت القرود فوق السيارة ومدت أيديها من خلال فتحة الشبابيك الصغيرة التي تركناها لنقدم لها ما معنا من خضار وفواكة ، وكانت إحدى القرود تحمل ولدها وتطعمه أمامنا من بعض ما تحصل عليه من الفواكة ، وكان نصيبها من الطعام أكثر من غيرها رحمة بصغيرها .    الحقيقة أننا لم نحسب حساب هذه القرود ، حيث لم نكن نتوقع وجودها ، بصفتنا نسلك هذا الطريق لأول مرة ، وبعد قليل جاءت سيارة ثانية ووقفت بجوارنا ، ولاحظنا أنهم جلبوا معهم موزا لإطعام القرود فهي تحب الموز ، وتأكله كالإنسان تقشره أولا ثم تأكل الثمرة وترمي القشرة ، تأكله بشراهة وتستمتع بأكله ثم تعود لتحصل على قرن موز آخر.     أخذنا صورا تذكارية للقرود وهي فوق السيارة  تتناول منا ثمار الجزر ، وأسوأ ما في هذه القرود ، أنها لا تعرف الحياء وخاصة الذكور منها فهي تعرض ( بضاعتها بلا حياء) ، وكأنها تستعرض الأمر أمام الناس متعمدة هذا الفعل الشنيع ، وخاصة في حضرة النساء .    كانت درجة الحرارة في مكة عندما غادرناها صباح يوم الخميس ثاني أيام الرحلة ، تقارب خمسا وأربعين درجة ، بدأت الحرارة تنخفض منذ بداية صعود العقبة ، وما كدنا نصل منتصف الطريق ونحن ننتقل من جسر إلى جسر ، ونخترق الجبال من نفق إلى نفق ، وإذا بالسماء تبرق وترعد والمطر ينهمر غزيرا جدا ، ماسحة الزجاج تعمل بأقصى سرعتها ، والطريق تكاد لا تبين من شدة المطر المنهمر بغزارة ، ما أروعه من منظر ، وما أجملها من رحلة ، شاهدنا فيها ما لم نكن نتوقعه من مناطق جميلة ، نظرنا إلى ميزان الحرارة يشير إلى درجة 26 درجة مئوية ، قبل ساعات فقط كانت درجة الحرارة في مكة 45م ، سبحان من بيده ملكوت كل شيء وهو على كل شيء قدير .    وصلنا الباحة وهي مدينة جميلة حقا ، في بيوتها الفخمة التي تحيط بها الأشجار  الكثيفة ، ومناخها اللطيف حتى في فصل الصيف ، الزهور والورود الطبيعية تنبت على جوانب الطرق فسبحان الله الذي حباها هذا الجمال .لم نمكث كثيرا في الباحة ، تزودنا بالوقود من إحدى المحطات ، وشربنا القهوة من أحد الأكشاك الموجودة في المحطة والمتخصصة لبيع القهوة ، كنا نطمح في أن نصل حداد بني مالك قبل غروب الشمس ، فهي آخر مرحلة في مخططنا السياحي ، وكانت من أهم الأماكن التي كنا نريد مشاهدته في وضح النهار ، فهي البلد التي مكثنا بها عشر سنوات بالتمام والكمال ولنا فيها من الذكريات والأصحاب الكثير الكثير  ، وهي مسقط أحد أبنائي الذي يرافقني رحلة العمرة علاء الدين ، وقد سُر كثيرا بمشاهدة البيت الذي ولد فيه .    انطلقنا نحو حداد بني مالك من الباحة ، كانت الطريق بينهما لا تقل روعة وجمالا عن طريق العقبة – تهامة / الباحة – وهي متعرجة  ومحفوفة بالأشجار من كلا الجانبين ، وصلنا حداد بني مالك قبل غروب الشمس ، ولاحظنا أن معظم بيوت البلدة القديمة قد هجرت إلى البيوت الجديدة خارج البلدة القديمة والتي بقيت على وضعها السابق دون تغيير شيء يذكر.   سألنا عن بيت محمد عمر المالكي ، مدير المدرسة الذي عملت معه ، والذي كان أحد طلابي يوما ما ، فأشاروا لنا إلى بيت فوق هضبة قريبة ، وقالوا هناك بيت محمد عمر ، وعندما وصلنا قريبا من البيت  ، خرج علينا رجل سألناه عن محمد عمر ، أهلا بكم أنا محمد عمر ، فقلت له باستغراب أأنت محمد عمر؟؟ الذي كان مديرا لمدرسة حداد ، عندها ابتسم الرجل ورحب بنا مرة أخرى ، إن الأستاذ محمد عمر الذي تسألون عنه قد ترك الإقامة بحداد ، تقاعد من التعليم  ، واشترى عمارة في الطائف ويسكن هناك ، وحاول الرجل أن يستضيفنا بشدة ، سألناه  عن مسفر بن جبر وهو أحد الزملاء السعوديين الذين عملت معهم بحداد وكان أحد طلابي يوما ما ، فقال : لقدتقاعد من التعليم ، وهو الآن إمام مسجد ، وأشار لنا إلى المسجد الذي يؤم الناس فيه ، انطلقنا نحوه  وكان الوقت وقت غروب الشمس ، وعند وصولنا المسجد كانت الصلاة قد أقيمت ، قصدنا نحو دورات المياه لتجديد وضوئنا ، فكانت مقفلة ،توضأنا سريعا بالمياه الصحية المعدة للشرب ،وأدركنا صلاة الجماعة .    قبل أن ندخل إلى المسجد قلت لأبنائي ، إن هذا الصوت الذي أسمعه يؤم الناس هو صوت مسفر لم يتغير ، أدركنا الركعة الثالثة من الصلاة وأتممناها بعدهم ، تغير شكل مسفر كثيرا ، كبر وطالت لحيته وخالط شعرها البياض ، حاولت مداعبته قبل أن أعرفه بنفسي ، فقلت له : يا شيخ نحن أناس مسافرون ، وعرجنا على المسجد القريب من الشارع العام لنشارككم في تأدية الصلاة ، وللأسف وجدنا دورة المياه مقفلة مما اضطرنا لاستعمال مياه الشرب لنتوضأ بها ، قال : إنها مفتوحة وهذا المفتاح معلق  ويأخذه من يريد استعمال دورة المياه .   اقتربت منه وسلمت عليه ، فقال نحن متأسفين وحقكم علينا ، قلت له : ألا تعرفني ؟ ألم تسمع بهذا الصوت قبل الآن ؟!  تفرس في وجهي قليلا ثم قال : الأستاذ أحمد الوادي  ثم هجم علي يقبلني وسلم عليََ من جديد . وأصر على استضافتنا في بيته ، وقبل أن نذهب معه ، اشترطنا القهوة فقط ، لأننا على عجلة  من أمرنا ، وأمامنا رحلة  طويلة فقبل شرطنا  ، ولكن بعض الأخوة من أهالي حداد الذين كانوا موجدين في المسجد وتعرفوا علينا ، لم يعجبه هذا الشرط وأصروا أن يستضيفونا للعشاء عندهم فاعتذرنا لهم  .   وأخص بالذكر منهم السيد / مسفر بن جارالله متعهد البريد السيار في ذلك الزمن الغابر ، اكفهر وجهه وغضب لأننا رفضنا العشاء عنده وقبلنا القهوة عند مسفر بن جبر، قال لي وهو يقف إلى جانبي بعفوية واضحة، هؤلاء أولادك ما شاء الله ، وأولاد سهام يعني زوجتي ، حدق به أحد أبنائي غاضبا ، كيف يأتي على ذكر اسم والدته صريحا أمام الناس !! كان رجلا كبير السن ذو لحية  بيضاء ، أدركت الموقف وأنا أضحك وقلت له يا ولدي : إن هذا الرجل يعرف اسم والدتك قبل أن أعرفه أنا ، إن هذا الرجل كان متعهد للبريد ، وكان يتعامل مع والدتك أسبوعيا عن طريق فراش المدرسة ، يسلمها البريد ويستلم منها البريد الرسمي بصفتها مديرة المدرسة .       كنا نقف باب المسجد ساعة الغروب  ، وبجانبنا مدرسة حداد بني مالك القديمة التي عملت بها تسع سنوات ، وهي مهجورة وعلى وضعها القديم ، وانتقلت المدرسة إلى مبناها الحديث أثناء وجودي بها في السنة الأخيرة ، وكذلك كان يوجد أمامنا مبنى مدرسة البنات على الطابق الثاني ، وكان الطابق الأول محلات تجارية وباب المدرسة في منتصف السوق ، صوَر أبنائي مبنى المدرسة القديم وأرسلوه لأمهم في أمريكا ، وكانت في زيارة لابنتنا هناك ، وسألوها إن كانت تعرف هذه الصورة ، فأجابتهم على الفور إنها صورة مدرسة البنات في حداد بني مالك ، وهي     لا تعرف أننا متواجدون في حداد نفس لحظة إرسال الرسالة لها .                                                                                                                                                         ذهبنا لتناول القهوة عند الشيخ مسفر بن جبر ، وبرفقتنا بعض رواد المسجد الذين أحبوا البقاء معنا ، قال لي أحدهم أنه كان من طلابي ولكنني لم أذكره لطول الزمن وتغيير الملامح ، فعشر سنوات في بني مالك مر عليََ فيها آلاف الطلاب ، شاخوا الآن وتغيرت أشكالهم .    لقد بالغ الشيخ مسفر في إكرامنا وتقديرنا ،وقدم لنا القهوة يرافقها اللوز البجلي مع الزبيب على عادة أهل المنطقة ، فبلاد بني مالك تسمى منطقة بجيلة ، ومن أهالي تلك المنطقة  الصحابي الجليل جرير بن عبد الله البجلي ، واللوز البجلي من إنتاج تلك المنطقة ،ويقدمون هذا اللوز للضيوف مع القهوة والزبيب .    ومن الكلمات التي لا زلت أحفظها منهم والمرافقة لتلك العادة كلمة ( اقدع يا أستاذ اقدع ) وتعني كُل من اللوز والزبيب ، وبمجرد أن قدم الشيخ مسفر اللوز والزبيب مع القهوة ، قلت أنا لأبنائي اقدعوا يا شباب اقدعوا  ، ضحك مسفر والحاضرون وقالوا: بعدك ذاكر يا أستاذ أحمد ما نسيت القدع ، قلت لهم وكيف ينسى الإنسان ذكريات سنين طويلة ، قدعنا فيها كثيرا من اللوز والزبيب في بلاد بجيلة .    سألت مسفر بن جابر عن هاتف الأستاذ / محمد عمر المالكي ، فقال : إنه موجود معي وحاول   الاتصال به ،وبعد محادثته قال له : عندي صديق يريد التحدث معك ، سلمت عليه وسألته عن حاله وعن العيال والأولاد ، فأجابني بخير والحمد لله  ، لم يعرفني ، قلت له :  ألم تسمع هذا الصوت من قبل  ؟؟ قال : بلى ولكنني نسيت صاحبه ، قلت له : عد بذاكرتك إلى الوراء عندما كنت طالبا في متوسطة مدرسة حداد بني مالك ، ثم عندما عدت إليها مدرسا ثم أصبحت مديرا لها ، درسك وعمل معك أناس كثيرون وأنا أحدهم .  أجابني فورا : أبو صلاح ، الأستاذ / أحمد الوادي أهلا وسهلا وألف مرحبا ، تراحيب السيل، أين أنت الآن ؟ قلت له : أسأل عنك في حداد  وأنت هارب منا إلى  الطائف ، قال أنا بانتظارك في الطائف بمجرد دخولك الطائف تترك الإشارة الأولى والثانية وتدخل يمينا قبل الثالثة تجدك واقفا أمام بنك الرياض ، اتصل بي وبعد دقائق سأكون عندك إن شاء الله .                                         غادرنا حداد إلى الطائف عشاء ، كان الليل قد أرخى سدوله ، ولم أتمكن من أخذ أبنائي إلى مكان المواريد ، مجرى الماء وغدير (أبو سبعة ) والذي لنا عنده كثير من الذكريات وقد سمع به أبنائي ولكنهم لم يروا مكانه ، تذكرت قول الشاعر وأنا أمر بالقرب من المكان :         أمر على الديار ديار سلمى            أقبل ذا الجدار وذا الجدار                                         وما حب الديار شغفن قلبي            ولكن حب من سكن الديار أدركنا الوقت وخيم الليل ، وقد شاهدنا من المعالم ما لم  نكن نحلم أن نراه ، من مكة إلى الليث ، ومنها إلى المخواة فحدبة بني عاصم ومنها إلى الباحة ثم إلى بلاد بني مالك ثم إلى الطائف ، رحلة طويلة وموفقة والحمد لله  وفي يوم واحد .     لم تستغرق الرحلة من بني مالك إلى الطائف أكثر من ساعة  في طريق معبد وجميل،  كنا نجلس فيها الساعات الطوال ونعاني ما نعانيه من رمال وحجارة وصخور الوادي الذي تسير فيه السيارة بعد مفرق غزايل .    بمجرد وقوفنا أمام بنك الرياض حسب الوصف ، اتصلت بالأخ / أبو عمر ، خلال دقائق كان أمامنا بلحمه ودمه ، لم يتغير شكله كثيرا سوى تلك اللحية البيضاء ، وبعض لآثار مرض قد أصابه وعافاه الله منه .    تقابلنا بالأحضان وطال عناقنا ، وأصر على أن يقبل رأسي عدة مرات ، وعرف ابنه عليََ قائلا له : هذا والدي وأستاذي أحمد الوادي / أبو صلاح  ، أهلا وسهلا وألف مرحبا ، هيا إلى البيت ، قلنا له قبل أن نذهب إلى  البيت لنا شرط ، القهوة فقط .     قال حياكم الله على الرحب والسعة ، عندنا عمارة من خمس طوابق ، أحد هذه الطوابق مفروش ولا يوجد به أحد البتة ، فهو مخصص للضيوف ، فخذوا راحتكم به ولا تنزعجوا من شيء فلا أحد حولكم . رحب بنا السيد / محمد عمر ترحيبا كثيرا ، وبالغ في إكرامنا أشد الكرم ، جمع أولاده الخمسة وهم ما شاء الله شباب في ريعان الشباب جميعهم متعلمون فمنهم الطبيب ومنهم المهندس وكلهم موظفون في وظائف جيدة ، بارك الله فيهم جميعا ، وعندما جمعهم قال لهم : هذا والدي وأستاذي ، والله لو أن والدي خرج من القبر الآن ، ما سررت به سروري بمشاهدة أستاذي أبو صلاح ، سار المسافات الطويلة ، وجاء يبحث عنا في بني مالك ، أي إنسان هذا ؟ !!                                                                                                                                                                 جند أولاده جميعا لخدمتنا بعضهم يحضر الماء وبعضهم يحضر الشاي والقهوة ، وآخر يحضر الزبيب واللوز ، انسجم الشباب مع بعضهم ، وجلس أبو عمر  بجانبي يحدثني بأسى عن رحلته الطويلة مع المرض المستعصي ، وقد عافاه الله منه والحمد لله بعد جلسات كيماوية عديدة .    كان ينظر إلي كما ينظر الابن إلى والده حقا ، ويقوم بين الفينة والفينة ليقبل رأسي مرة تلو أخرى ، وقد أحرجني من تصرفه هذا أمام أبنائه ، وفي كل مرة يقول لهم إنه أبي وليس أستاذي فقط .     وبعد شرب القهوة والشاي والقدع من الزبيب واللوز البجلي ، طلبنا الإذن بالمغادرة ، فقال هيهات هيهات ، والله بمجرد اتصالكم بدأنا بإعداد العشاء وبعد قليل سيكون أمامكم ، والله إن واجبكم عندنا كبير .    وبعد قليل دخل العشاء ، وكان الرجل قد أرسل ذبيحته إلى المطعم لطبخها ، وكان الرز مطبوخا بطريقة السليق ، وعند خروجنا سألني أبنائي عن طعم الرز المطبوخ على غير ما اعتادوا عليه ، قلت لهم هذا الرز السليق يوضع عليه حليب أثناء طبخه .    جلس محمد عمر بجانبي على السفرة ، وكأني به لم يذق طعم الأكل ، طيلة جلوسه وهو يقطع اللحم ويضعه أمامي وأمام أبنائي ، وعدة مرات يصر على وضع قطعة اللحم في فمي ، حتى أن أبنائي دهشوا من شدة  احترامه لي .    وبعد الانتهاء من طعام العشاء ، وشرب الشاي والقهوة بعد العشاء ، طلبنا الإذن بالمغادرة ، وإذا أبو عمر يرمي عقاله علينا وهو يقول : داخل على الله ثم عليكم أن تبيتوا عندنا هذه الليلة ، الحقيقة كان لي رغبة البقاء عنده ، لكن سبقني ابني بهاء إلى  العقال ، ووضعه على  رأس أبو عمر وقبل رأسه مرارا وقال له : لقد حجزنا في الفندق على الهاتف ، وبارك الله فيكم وأنتم لم تقصروا ، وكلفتم أنفسكم كثيرا وجزاكم الله خيرا .     قال : والله إن الطابق كله غير مسكون ، وأنه محجوز للضيوف الأعزاء من أمثالكم  ، وأخيرا سمحوا لنا بالخروج تحت إصرارنا الشديد ، وجميعهم رافقونا حتى أوصلونا إلى باب السيارة ، وأرسل أحد أبنائه معنا بسيارته ليدلنا على  الطريق الرئيسي .    لم ندخل مدينة الطائف وإنما تابعنا سيرنا إلى منطقة الهدى ،المنتجع السياحي للطائف ، والمصيف لجميع مناطق المملكة العربية السعودية، تجدها في الصيف تعج بالمصطافين من كل   حدب وصوب ، حيث يوجد بها الفنادق الفخمة ذات الخمسة نجوم ، وفيها الشقق الفندقية المتنوعة في درجاتها ، وفيها محطة تلفريك تنقلك من أعالي الجبال الشاهقة إلى الأراضي السهلية في سفوح تلك الجبال .  عندما وصلنا الهدى كان الوقت متأخرا ، وقد بلغ منا التعب مبلغه ، وقابلتنا أثناء سيرنا عمارة كبيرة كتب عليها شقق فندقية ، وقفنا أمامها وسألنا الرجل المسئول فيها ، عن إحدى الشقق الفارغة قال : عندنا شقق لذوي العائلات فقط ، وعندما رآني رجلا كبير السن ، قال : لا عليكم ما دام معكم هذا الحاج ، وأعطانا مفتاح أحد الشقق الأرضية .    أنزلنا متاعنا من السيارة ، وأخذ كل واحدا منا حماما ساخنا ، بعد يوم ديني في بدايته في مكة ، ثم سياحي تاريخي في بقيته ، حيث طفنا بلاد الله الواسعة ، وأصبح الحلم حقيقة بمشاهدة جميع المناطق التي عملت بها عدا تبوك وضواحيها ، وإن شاء الله إن كان في العمر بقية سنمر عليها ، فلنا فيها كثير من الأصحاب والأحباب والذكريات .وفي صبيحة  اليوم الثالث من أيام الرحلة ، وكان يوم جمعة ، سألنا عن وقت تشغيل محطة التلفريك ،عسى نستطيع استعماله قبل سفرنا ، قالوا لنا إنه يبدأ عمله بعد ظهر كل يوم حتى المساء  كنا على  سفر ولا نستطيع المكوث في الهدى لغاية الظهر .    حزمنا أمتعتنا ونوينا العودة إلى الرياض من حيث انطلقنا ، شغلنا خارطة الجي بي اس التي في السيارة لتدلنا على طريق الرياض فأشار السهم إلى طريق مختصر يوصل إلى الرياض دون العودة   إلى مدينة الطائف ، فسلكنا هذا الطريق ، وقبل التوغل في ذلك الطريق الصحراوي ، مررنا بإحدى محطات الوقود ، ملأنا السيارة بالوقود ، وتزودنا من (السوبرماركت ) المجاور بالوقود الآدمي  من مياه صحية وشطائر مختلفة وعصائر متنوعة .    أدركنا صلاة الجمعة في أحد المساجد على طريق الرياض  ، يقع المسجد ضمن محطة محروقات كبيرة ، وفيها (سوبر ماركت ) كبير ، ومرافق صحية ودورات مياه للرجال وللنساء      تستطيع القول أنها حقا متكاملة الخدمات ، وأن صاحبها بعيد النظر ، وذا عقلية تجارية فذة ، حيث تشاهد مئات السيارات تقف أمام المسجد لأداء الصلاة ، وبعد الصلاة تقف طوابير السيارات أمام المحطة للتزويد بالوقود ، وبالحاجيات المختلفة من ( السوبرماركت ) .   وصلنا الرياض مع غروب شمس اليوم الثالث ، بعد أن أدينا مناسك العمرة والحمد لله ، وطفنا بلاد الله الواسعة من المدينة المنورة في شمال المملكة إلى مكة المكرمة في غربيها  إلى القنفذة والباحة في جنوبها ثم إلى الطائف ، وأخيرا عدنا إلى الرياض وسط المملكة .     كانت رحلة دينية  تاريخية سياحية موفقة ، بكل ما تحمله الكلمة من معنى ، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين ، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .   

تعليقات

اضافة تعليق
authimage
رمز التأكيد
 
A service provided by Al Bawaba