أبحاث متنوعة

مذكرات مدرس في السعودية

بسم الله الرحمن الرحيمالمقدمة :كان عمري لمَّا يتجاوز الثامنة عشر بعد، وأراد الله لي أن اتعاقد مع المملكة العربية السعودية للعمل في سلك التعليم، مدرساً في المرحلة الابتدائية، ولم يمض على تخرجي من الثانوية العامة / القسم العلمي أكثر من شهرين، وكان ذلك عام 1963م –1383هـ، ومنذ ذلك التاريخ وحتى يومنا هذا و أنا لازلت على رأس عملي مدرساً، جبت خلال هذه المدة المملكة العربية السعودية من أقصى الجنوب إلى أقصى الشمال في القنفذة  أربع سنوات، ثم إلى الطائف عشرة سنوات، ثم إلى تبوك اثنتان وعشرون سنة وأخيراً الى ضباء ثلاث سنوات حتىالآن . كنت والحمد لله من أوائل الطلبة في جميع المراحل الدراسية، ولكن ظروف الأهل المادية لم تكن تسمح بتكملة التعليم الجامعي، رغم ولعي الشديد بذلك، كان والدي – رحمه الله – قد توفي وأنا على أبواب المرحلة الثانوية، وقد شاء الله أن أكون الابن الأكبر المسؤول عن عائلة مكونة من ستة أفراد الوالدة وخمسة من الاخوة والأخوات. لم يمنعني العمل أو الانشغال بالإشراف على شأن أفراد العائلة من مواصلة الدراسة الجامعية، كافحت باستماتة وأنا على رأس عملي للحصول على الدرجة الجامعية الأولى عام 1968 م ، بكالوريوس تجارة تخصص الاقتصاد والعلوم السياسية / جامعة بيروت العربية، وكذلك الدرجة الجامعية الثانية عام 1982م ، ماجستير الدراسات الإسلامية / شعبة الاقتصاد والعلوم المالية، وتعثّرت محاولاتي العديدة للحصول على درجة الدكتوراه وأنا على رأس عملي في السعودية، ولا زلت أحلم في الوصول إلى ما أتمناه.  وخلال أربعة عقود من الزمن، قضيتها في التدريس في السعودية، عاصرت أثناءها أربعة ملوك ، طفت خلالها معظم مدن المملكة من جنوبها إلى شمالها ومن غربها إلى شرقها، إما عاملاً وإما زائراً، لاحظت خلالها مدى التطور الكبير التي مرت به مدن المملكة مكة المكرمة والرياض وجدة والطائف والقنفذة وتبوك وضباء وغيرها من المدن الأخرى، وشتان بين اليوم والأمس، تطور كبير من جميع النواحي العمرانية، الاقتصادية، التعليمية وغيرها. قصة واقعية، كنت شاهد عيان على حدوثها، تدل على مدى هذا التطور الكبير، حتى من الناحية الاجتماعية، تصادف أن كنا جلوساً في مجلس سمو أمير منطقة الليث، وصلت إلى المنطقة لجنة وزارية مشكلة من مختلف الوزارات لدراسة حاجات كل منطقة من جميع النواحي، كل عضو في اللجنة يسجل حاجة المنطقة ضمن اختصاص وزارته، وكان في مجلس الأمير عدد من وجهاء مدينة الليث ومشايخها، ودار الحديث واشتد النقاش حول طلب فتح مدرسة للبنات في الليث، وكان عدد المعارضين أكثر من المؤيدين، وتم الاتفاق في المجلس حسب رأي الأكثرية من الأهالي على عدم فتح المدرسة، ولم تفتح فعلاً، وكانت هذه الحادثة عام 1383هـ ، ونظره سريعة الآن إلى ما تشمله منطقة الليث من مدارس ابتدائية ومتوسطة وثانوية ومعاهد للبنات، تدل دلالة واضحة على مدى التطور السريع الذي حصل في المملكة العربية السعودية في جميع المجالات حتى في الناحية الاجتماعية.  شعرت أن هذه السنة هي الأخيرة في العمل في سلك التعليم في السعودية وفقاً لقرارات وزارة الخدمة المدنية بالاستغناء عن المتعاقدين الذين قضوا عشرة سنوات فاكثر في السعودية. فأحببت أن أسجل ذكريات هذه الفترة الجميلة من العمر، زهرة الشباب وربيع العمر، وجانباً من خريفه، ثمانية وثلاثون عاماً بين الثامنة عشر والسادسة والخمسين، خشيت أن تضيع هذه الذكريات ، وتطويها حوادث الزمن، وتمسحها من الشريط، فآثرت تسجيلها في الصفحات التالية على عجالة، عسى أن يكون فيها بعض الفائدة لمن يطلع عليها، وقد عاهدت الله أن أكون صادقاً فيما أرويه حتى لا أظلم أحداً دون قصد مني، فان أصبت فالحمد لله على توفيقه وإن جانبت الصواب فذلك من الشيطان وإنني اعتذر عمن أسأت إليه، إن حدث ذلك . ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة، والحمد لله رب العالمين .                                          احمد صلاح الوادي                                          ضباء / 1421هـ   
الطريق إلى القنفذة:في يوم صيف قائظ في التاسع والعشرين من شهر ربيع الثاني عام ألف وثلاثمائة  وثلاث وثمانين هجرية ، هبطت بنا الطائرة التي أقلتنا من مطار عمان إلى مطار جدة الدولي في موقعه القديم، حيث كان يقع المطار في منتصف مدينة جدة الآن ، وانتقل موقع المطار إلى موقعه الجديد، وكان التطور العمراني والفني ملحوظاً في المطار الجديد من حيث ضخامة الأبنية وصالات الاستقبال وصالات انتظار الركاب ومواقف السيارات وغير ذلك.ولقد فوجئنا بجو الرطوبة المرتفعة في جدة، وذلك في لحظة الآن تقال من جو الطائرة المكيف إلى مكان الحافلة التي نقلتنا إلى صالة الاستقبال في المطار، ولم نكن نعرف عن الرطوبة إلى ما درسناه في مادة العلوم وهو ارتفاع نسبة بخار الماء في الجو،أما أثر هذه الرطوبة فقد لمسناه بالعرق على جلودنا وشعرنا كأن شيئا لزجاً التصق على أجسادنا، ومع مرور الزمن أصبح هذا الجو شيئا عاديا .تعرفت أنا وصديقي المدرس اسحق أبو لبن رفيق الدراسة والتدريس في مطار جدة على اثنين من المدرسين المتجهين معنا للعمل في التدريس في منطقة القنفذة التعليمية، وركبنا سيارة (التاكسي) التي نقلتنا إلى فندق الحرمين الصغير، كنا جميعا شباباً في مقتبل العمر وكنت في ذلك الوقت لم أبلغ الثامنة عشر بعد، شعرنا بالغربة نوعاً ما، في بداية الأمر، ولكن الزمن كان كفيلاً بإزالة آثار هذه الغربة، وكان لمعاملة الناس في ذلك الوقت أثراً كبيراً أيضاً، حيث لا تشعر بالغربة بينهم، نشاركهم أفراحهم واتراحهم، يدعونك إلى مجالسهم، وكنا في مقدمة المدعوين إلى مناسباتهم، وكانت الحباة بسيطة، وكانت النقود في أيدي الناس قليلة، وكان القليل الذي يكفي خير من الكثير الذي يلهي.إن جدة مدينة عريقة، وكان طابع العمران القديم هو الغالب بين مبانيها، تلك البيوت القديمة الجملة التي كانت تبنى من حجارة البحر وبفصل بين جدرانها ألواح من الخشب ونوافذها وشرفاتها ومشربياتها مصنوعة من الخشب المزخرف الجميل، وعرض الجدار يصل إلى المتر أو يزيد حيث الآن سان فراشاً داخل الشباك ويجلس فيه بكل راحة، ولكن في هذه الأيام بدأ يطغى الطراز العمراني الجديد وذلك على حساب الطراز القديم، وأشد ما لفت انتباهنا في مدينة جدة ظاهرة وجود الكلاب بكثرة وسط مدينة جدة، تسير في شوارع المدينة دون أي ينغص عليها أحد أو تنغص على احد، فلا تتحرش بالمار ولا تنبح عليه وديعة جداً، تنبطح تحت السيارات وأمام المطاعم وكأن هناك قراراً غير مكتوب بعدم التعرض لها أو ايذائها وبقيت هذه الظاهرة لسنوات، ولكن بعد مدة تحولت إلى ظاهرة غير صحية وغير حضارية كذلك، فلم نعد نراها كالمعتاد والظاهر ان بلدية جدة اتخذت قراراً بالقضاء عليها وابعادها عن المدينة .في صباح اليوم ذهبنا إلى ادارة تعليم منطقة جدة، حيث كان يصرف بدل السكن قبل التوجه إلى مناطقنا التعليمية ، دخلنا إلى أحد لمكاتب لإنهاء اجراءتنا، فقال لنا الموظف لابد من توقيع مدير التعليم، خرجنا إلى ساحة ادارة التعليم وجلسنا تحت أشجار الساحة في انتظار وصول مدير التعليم.وكان وصول موظفي إدارة التعليم متتابعاً واحداً بعد الآخر، وكان كلما يصل أحد الموظفين بسيارته الفارهة وثوبه الأبيض، والمشلح على يده، نقول اهذا مدير التعليم؟ فيقولوا لا، وهكذا نكرر السؤال، ويتكرر الجواب، حيث لا فرق بين الجميع في الزي أو الشكل، وكان مدرسو منطقة جدة هم فقط الذين يعرفون شخص مدير التعليم وعندما وصل دلفنا غرفته للتوقيع على معاملاتنا لصرف بدل السكن، وكان في ذلك الوقت راتب شهرين وكان معظمنا خريجي الثانوية العامة براتب شهري قدره أربعمائة وثمانون ريإلا ، وكنا لانستطيع ان نخفي فرحتنا بإستلام أول راتب في حياتنا ورغم إنخفاض الراتب إلى ان قيمة النقود الشرائية كانت عالية وعلى ما تقول جداتنا " كان فيها بركة"، على خلاف نقود اليوم .لم تكن الطريق معبدة بين جدة والقنفذة، وبدأت المرحلة الاولى في البحث عن سيارة تنقلنا إلى القنفذة، وكان موقف السيارات الشاحنة الكبيرة التي تسلك تلك الطريق تقع في جنوب جدة وذهبنا إلى هناك ووجدنا ان الاجرة تختلف إلى الضعف بين من يركب في (الغمارة) - وهي الغرفة التي بجانب السائق- وبين من يركب على طبقة الخشب التي توضع بين خشب صندوق الشاحنة الخلفي، لتعمل مسطح علوي فوق صندوق البضائع، خاصة لجلوس الركاب، وكان يربط بين خشب الصندوق الخشبي سلاسل من حديد قوي يمسك بها الركاب، خشية السقوط المفاجئ من فوق السيارة عندما تكون مسرعة، وتمر بشكل مفاجئ فوق مطب رملي أو حفرة وسط الطريق، وكان الذي يتعب أو يغالبه النعاس يتكأ بظهرة على السلسلة الحديدة، ولايشعر بألم هذا الإتكاء إلى بعد ان يستريح ويضع يده على ظهرة مكان السلسلة ليجد جرحاً والدماء قد سالت وجفت دون ان يشعر أو يجد لوناً أحمر مائلاً إلى الزرقة ويبقى هذا الألم لأكثر من اسبوع أو اسبوعين .المسافة بين جدة والقنفذة حوالي 380 كم على ما اذكر كنا نجلس فيها ثلاثة ايام بلياليها، الطريق إما رملية كثيفة الرمال وإما (سبخة) قريبة من البحر، يعمل مع كل سائق مع الشاحنة معاون له، ويوجد مع كل شاحنة اربع صاجات طويلة، فإذا غرزت الشاحنة في الرمال ينزل المعاون وينزّل ( الصيجان) - جمع صاج  وهو قطعة طويلة من الحديد المثقب- فيحفر الرمال تحت كل كفر (عجل) من العجلات الاربعة ويضع الصيجان تحت العجلات الأربعة فتتحرك السيارة، وتشير مسافة طويلة أو قصيرة ثم يبدأ التغريز مرة ثانية، وتعود عملية انزال الصيجان مرة ثانية وثالثة وعاشرة ……..الخ إلى ان تتجاوز السيارة منطقة الرمال وأحياناً تجلس السيارة الساعات الطوال في مسافة قصيرة، وينزل المدرسون من فوق السيارة ليساعدوا المعاون في حفر الرمال واحياناً في حمل الصيجان من مكان الغراز إلى السيارة وقد تصل هذه المسافة إلى أكثر من 50-100 متر في بعض الاحيان.وإذا وصل السائق إلى قرية أو مقهى يحطّ الرحال، ويصيح بأعلى صوته، ايها المدرسون انزلوا نريد ان نتغدى، هل تريدون دجاجاً ام تيساً؟ ويشترك الجميع في قرار ماذا يكون الغداء ، فنتغدى ونرتاح قليلاً، ثم يتحرك الموكب في الطريق الصحراوي الرملي أو الساحلي السبخي حسب معرفة السائق، وعندما يحل الظلام ويرخي سدوله، فيقف السائق عند محطة اخرى ويصيح هيا انزلوا، وبدون استشارة يطلب من صاحب المقهى أن يذبح تيساً صغيراً أو كبيراً بما يتناسب مع عدد الركاب ويشترك الجميع في تكاليف العشاء، وبعد العشاء يكون النوم على    ( القعّادة) الكرسي المصنوع من الخشب ومكان النوم إما فناء المقهى فوق رمال الصحراء أو في داخل العشش لأصحاب العائلات، حيث يسترون أنفسهم افضل من النوم في الصحراء.وإذا حدث وكان السائق مسرعاً، وكان الدجاج غير متوفر في المكان فيطلب عمل الكبسة الاكلة الشعبية المشهورة في السعودية على علب من التونة وكانت هذه الاكلة أول مرة نأكل فيها الكبسة بالتونة، استنكرناها في البداية ثم استمرأنا اكلها في الاوقات التي لم يتوفر فيها اللحم أو السمك أو الدجاج، وكانت طبخة سريعة وسهلة الطهو وخاصة للمدرس عندما يعود من مدرسته تعباً ولا يريد ان يأخذ معه الطبخ وقتاً طويلاً.وفي اليوم الثالث وصلنا مدينة القنفذة، وكانت مدينة صغيرة، بيوتها الأسمنتية قليلة، وغالبية بيوتها من العشش- جمع عشة- والعشة غرفة من عيدان الأشجار تغرز في الارض وتربط بينها الحبال ثم تكتسي بأغصان الشجر الكثيفة وتشد شداً جيداً بالحبال كذلك وتوضع حجارة من أسفلها وتليس بالطين من الداخل وخاصة من أسفلها- وتفرش من داخلها بالبسط والسجاد وتجمل جدرانها بالصحون الملونة ، وتكون هذه الصحون معلقة على شكل دوائر في العشة، ومربوطة بحبل قصير ومدلاة إلى جانب بعضها على شكل دوائر قريبة من بعضها بحيث إذا هبت الرياح سمعت لها رنيناً وصوتاً مثل صوت الموسيقى كنا نطلق عليها (الموسيقى الصحنية)، وكانت تذكرنا هذه الأصوات بقصة ميسون الكلبية – مطلقة معاوية بن ابي سفيان – في قصيدتها الشهيرة التي مطلعها :  لبيت تخفق الأرياح فيه                       أحب إلىَّ من قصر منيف ولبس عباءة وتقر عيني                     أحب إلى من لبس الشفوف  إلى أن قالت وأصوات الرياح بكل فج                أحبُّ إلى من نقر الدفوف فكانت هذه ( الموسيقى الصحنية) أوقع عند أصحابها من الموسيقى العصرية ومن نقر الدفوف ؟!توجهنا في صبيحة اليوم الثالث إلى إدارة تعليم القنفذة وكان مدير تعليمها آنذاك الأستاذ/ احمد الاهدل دخلت عليه أنا ورفيق الدراسة والتدريس الاخ المدرس / اسحق ابو لبن وطلبنا توجيهنا إلى مدرسة واحدة، فوافق على ذلك وصدر توجيهنا إلى مدينة الليث وكانت مركزا لإمارة الليث ، وكان أميرها الحازم في ذلك الوقت هو الأمير سعد بن مقرن. 
(( منطقة الليث ))وفي اليوم الرابع ركبنا السيارة ورجعنا اكثر من نصف الطريق التي سلكناها بالأمس متجهين إلى الليث، حيث كلنت منطقة الليث تتبع القنفذة تعليميا وتتبع مكة المكرمة من الناحية الإدارية وفي الطريق بينما كنا متجهين إلى الليث وقفنا أمام أحد مراكز الشرطة في الطريق وسأل الشرطي السائق! ماذا تحمل فقال بعفوية أو بخبث الله أعلم بمراده- أساتذة وأغنام؟! فضحك هو وضحك الشرطي، فتنبها إلى سوء المقصد حيث أن العبارة تحمل بعض الغمز واللمز حيث عطف الاغنام على الاساتذة فأفادة الواو المشاركة الحقيقية في الحمل حيث كان يحمل السائق في الصندوق تحت الخشب الذي نجلس عليه من أعلى وكان نصيبنا في كل مرة نركب فيها ان نتنازل عن الركوب في (الغمارة )لإحدى العائلات حيث لاتستطيع المرأة الركوب في أعلى الخشب، وصلنا إلى الليث وكانت بلدة كبيرة نسبيا فمعظم بيوتها من العشش أيضاً، وقليل من بيوتها مبني بالإسمنت وخاصة الدوائر الحكومية؛ الإمارة، الشرطة، المحكمة، الجمارك، مكتب البريد، المدرسة مبنى قديم مستأجر ، والمدرسة الحكومية مبنية والعمل بها متوقف لخلاف بين الشركة ووزارة المعارف على المواصفات.وجدنا أمامنا أربعة من الزملاء المدرسين الأردنيين واثنين من الزملاء المدرسين السعوديين مدير المدرسة ووكيلها، وسكنا نحن الأردنيين الستة في عزبة واحدة وسكن المدير والوكيل في عزبة أخرى.وكانت العزبة تجمع بين فئات الشعب الأردني الاجتماعية الثلاث الحضر، والبدو، والفلاحين وبدأ نوع معيشة كل فئة من هذه الفئات الثلاثة بدَق أول إسفين في نعش هذه العزبة المثالية في الغربة، حيث يجب ان يسود التعاون والتآلف والمحبة وأن يسود حب العمل الجماعي والتعاون بين افرادها، ويجب ترك الأثرة والأنآنية حتى تنجح هذه التجمعات. كنا ستة وكنا نقوم بتشكيل وزارة في مطلع كل شهر ولكن هذه الوزارات كنت بلا رئيس دائماً وربما أدركنا الآن الخطأ الذي كنا نقع فيه، حيث لم نكن على علم ودراية بحديث الرسول صلى الله عليه وسلم بما معناه أو كما قال " اذا كنتم ثلاثة فأمّروا أحدكم" ونحن لم نجعل لنا أميراً؟!.وكانت الوزارة تتكون من وزير التموين لتوفير المشتريات وحاجات البيت من الخارج ووزير الطبخ لإعداد الطعام ووزير النظافة لترتيب البيت وتنظيمه ووزير الجلي لتنظيف أدوات الطبخ وصحون الطعام ووزير الشاي والقهوة وهكذا يبدأ تغيير الوزارة آخر كل شهر وتتغير المراكز بها مع عدم الأخذ في الاعتبار للخبرة المكتسبة من جراء العمل وكما قلت كان الإسفين الأول في تعثر العزبة عاداتنا الاجتماعية في الأكل في الأردن حيث يركز البدو على اللحم ومشتقاته ويركز الحضر على الخضروات والسلطات بأنواعها المختلفة أما الفلاحون فهم بين هذا وذاك، واستطعنا تجاوز هذه المشكلة بتوفير جميع لمتطلبات في البيت حيث يعمل كل شخص ما يريده، ومن حسن الحظ كان هناك قصابا في البلد وكان استعمال الكيلو غرام لم يعمل به بعد، وتباع الأشياء الوزنية مثل السكر والفواكه بالأقة أما الأشياء الكيلية مثل الحبوب القمح والرز والشعير فمنها ما يباع بالكيس أو بالصاع والمد والرورو فالصاع أربعة أمداد والمد أربع (رورات) وهكذا .أما اللحم فكان من يريد شراء اللحم يذهب إلى القصاب ويحجز قسمه ربع ذبيحة أو نصفها أو ثمنها أو نصف الثمن فكان اللحم رخيصا في ذلك الوقت وكنا كل يوم نحجز ( ثمن ذبيحة) ويأتي  الجزار بقسمنا إلى المدرسة ونعلقه في شباك الادارة حتى نعود إلى البيت، ولطالما قلنا له لا تضع نصيبنا من الكرشة بين اللحم لانه يؤثر على رائحة اللحم وخصوصاً وإننا نؤخّر الطبخ لساعة العودة إلى البيت، ولكن كثيراً ما كان ينسى ذلك لان الأهالي يحاسبوه على نصيب كل منهم من الكرشة، وكان يشك اللحم في سعفة من سعف النخل فيسهل تعليقها في الشباك بعد وضعها داخل كيس حتى لا يلوثها الذباب . أما الأسفين الثاني في نعش العزبة فكانت خصوصيات بعض الزملاء، فكان أحدهم لا يحب البصل على الطبيخ وكان يطلب ان تكون قطع البصل صغيرة جداً بحيث لا تظهر في الطعام، أما الآخر فكان لا يحب القرفة من أنواع البهارات ان توضع على الطبخ ووقع عنادا بين هذين الاخوين فكان احدهما يقطع البصل بحجم اكبر من المعهود والآخر بالمقابل يضع قرفة على الطعام اكثر من اللازم.استمرت العزبة ثلاثة أو أربعة اشهر على الأكثر ثم انفصلت إلى ثلاثة عزب، كل اثنين متقاربين انفصلا في عزبة خاصة، ومن الطرائف التي كانت تحدث في العزبة السابقة ان عارض أحد الأخوة – وهو من طبقة الفلاحين في العزبة- أغنية أم كلثوم والتي هي بعنوان ( ذكريات) ومن كلماتها الأصلية:  بين شجو وحنين                  وبكاء وأنيــن          وانا ابكي مع اللحن الحزين             كيف انسى ذكرياتي    وهي أحلام حياتيكيف انساها وقلبي       لم يزل يسكن جنبي        انها قصة حبي        انها قصة حبيوقد عارضها بقوله :-             بين طبخ ومقالي         وخضار وكلاوي                     كيف أنساها وبطني               لم يزل يسكن جنبي                                        إنها قصة آكلي                                        إنها قصة أكلي بدا دوام المدرسين قبل دوام الطلاب بأسبوع وذلك للإعداد لاختبارات الدور الثاني، وفي اليوم الأول من الدوام استشارنا المدير في عمل الجدول، وتوزيع الحصص الدراسية على المدرسين، ولم يتقدم أحد من المدرسين لاختيار مادة التربية البدنية.سألني المدير، ما رأيك في تدريس التربية البدنية بالمدرسة فأجبته انه ليس لدى أي علم أو إلمام بتدريس هذه المادة ولا أستطيع تحمل نتائجها لعد معرفتي بمستلزماتها.تم توزيع الجدول في اليوم التالي، وكان يرافق جدولي خطاباً رسميا نصه:-نظرا للياقتك البدنية لذلك أعمدك بتدريس التربية البدنية، وفور استلامي الخطاب مزقته دون التوقيع على استلامه، حضر المدير إلى غرفة المدرسين وقال : اشهدوا عليه مزّق الخطاب ورفض استلامه.ولا مناص للمدرسين من أمرين إما الشهادة على زميلهم أو الخلاف مع المدير لانه طلب منهم أمرا واقعاً، وقمت أنا بالطلب منهم التوقيع على المحضر وعدم الخلاف مع المدير وقلت لهم أنى اتخذت هذا الأمر وأتحمل نتائجه.وكان الأستاذ / ماجد تفاحة، أقدمنا في التدريس في السعودية حاول إقناعي بان تصرفي خاطئ، وهم سيعملون حلاً وسطاً، المدير يكتب الخطاب مرة ثانية واقوم أنا باستلامه والتوقيع على ذلك، ثم اقدم كتاباً آخر أرفض فيه تدريس مادة التربية البدنية، ويرسل هذا الخطاب لإدارة التعليم، على ان أقوم بتدريس المادة لغاية وصول رد إدارة التعليم . فمضى اكثر من شهر ولم يصل الرد من إدارة التعليم، وكانت تصل النشرات والتعاميم من قسم التربية البدنية لعمل خطة سنوية متكاملة لما يقوم به المدرس من نشاطات وبالمصادفة كان لي ابن أخت اكبر مني سناً تخرج من معهد المعلمين نفس العام الذي تعاقدت فيه مع المملكة العربية السعودية وتعاقد هو مع البحرين، طلبت منه المحاضرات التي درسها في كلية المعلمين لاتعلم منها كيفية تدريس جميع المواد وكان من ضمنها محاضرات في التربية البدنية أخرجتها من حقيبة كتبي ودرستها وعملت خطة سنوية بالأنشطة التي سأقوم بها طيلة أسابيع السنة الدراسية ألصقت أربعة فروخ في بعضها وكانت الخطة إلى ورقة كبيرة أشبه بصفحة الجريدة وقد ذيلت هذه الخطة بالعبارة التالية :-" وإننا نهيب بسعادة مدير تعليم منطقة القنفذة بتزويدنا بالأدوات اللازمة لممارسة هذه الأنشطة".فجاء الرد كالتالي فوراً :-" نظراً للخطة المذيلة بإمضائكم والتي تدل على إلمامكم بهذا النشاط، نشكركم على إعداد هذه الخطة ونعمدّكم بتدريس هذه المادة"رغم كل ذلك استمر الخلاف مع المدير بعد الصدام الأول من اول يوم بدأ فيه الدوام، وقد بدا الخلاف حول الجدول ( وزاد الخلاف لعدم التوافق في أمور كثيرة قد تكون شخصية ولاعلاقة لها بالتعليم، حاول استغلال مركزه كمدير مدرسة لفرض أوامره وإرضاء لغروره وقد قوبل مني ذلك بالرفض، واتسعت شقة الخلاف لدرجة عدم طرح السلام وعدم المصافحة، وكان يدخل ويصافح جميع المدرسين ماعداي، وكنت أنا أفعل كذلك رغم قناعتي بعدم صحة ذلك الأمر من الناحية الدينية لأنه لا يجوز للمسلم أن يهجر أخاه المسلم فوق ليال ثلاث فيعرض هذا ويعرض هذه وخيرهما الذي يبدأ بالسلام.ولكن الجهل وقلة الخبرة والعناد والمكابرة كانت تدفع كلينا إلى الابتعاد عن الآخر، وحاول ان يستغل خطأ قمت به ليضخمه ويجعل منه قضية كبيرة.والموضوع بدا كالتالي: لاحظ المدرسون عدم النظافة في رؤوس الطلاب وشعورهم وقد قرروا ان يطلبوا من جميع طلاب المدرسة حلق رؤوسهم كإجراء من إجراءات النظافة المدرسية، وقد وكل كل مدرس الإشراف على طلاب فصله الذي يشرف عليه، وقد حلق جميع طلاب الفصل الذي اشرف عليه بما فيهم ابن أمير المنطقة، ماعدا طالب وأحد كان من طلاب الفصل الخامس كبير الحجم والسن نسبيا عن أقرانه، وقد حلق من هو اكبر منه سناً، وعندما سألته لماذا لم تحلق شعرك فأجابني بجلافة ، أنا حلقت يا أستاذ ، وكان قد حلق شعره من الجوانب وترك شعره من الأعلى كما هو ، عند ذلك طلبت منه أن يحزم كتبه ، وأخرجته من المدرسة وعند الباب دفعته بيدي وقلت له ؛ لا ترجع إلى المدرسة حتى تحلق رأسك وكل ذلك بدون الرجوع إلى إدارة المدرسة . وكان هذا بالطبع تصرف خاطىء مني أعترف به الآن ، لاعتقادي الجازم أن المدير كان متفقاً مع هذا الطالب لعمل مشكلة .       وما كان من مدير المدرسة إلا أن لحق بالطالب وكتب له شكوى بخط يده وأنا أرى ذلك بنفسي وأنا أقف باب المدرسة وهو يجلس مع الطالب المطرود في المقهى أمام المدرسة وكان يعلم يقيناً أنه لا يستطيع تمكين الطالب من دخول المدرسة لأنني كنت – أمام العناد – سأمنعه هو والطالب من دخول المدرسة مهما كلف الأمر .    وبناء على الشكوى التي كتبها المدير للطالب وجه لي خطاباً رسميا يطلب فيه مني بيان الأسباب لطرد الطالب من المدرسة ولماذا لم يستشار مدير المدرسة في هذا الأمر .    وقد رددت على ذلك خطيا وبكل صراحة ولم أنكر أي تصرف قمت به وأنا مستعد لتحمل النتائج .إن الله سبحانه وتعالى يدافع عن الذين آمنوا ، والله وحده يعلم بحسن النوايا ، وإن قرارنا بالحلق في تلك الفترة كان لنظافة الطلاب  والمحافظة على صحتهم ، وأن القمل ينتقل بالعدوى من طالب إلى آخر عن طريق شعورهم وملابسهم ومجاورتهم لبعضهم على مقعد وأحد في ذلك الوقت حيث كان يستعمل المقعد المزدوج .    بعد ذلك أقنع مدير المدرسة ولي أمر التلميذ بالشكوى للأمير حتى يمكن الطالب من دخول المدرسة قبل رد إدارة التعليم، حيث كان البريد السيّار في ذلك لوقت يأتينا مرة كل أسبوع.ذهب ولي أمر الطالب واشتكاني للأمير، وكان الأمير سعد بن مقرن رجلاً حازماً وعادلاً يهابه الجميع، استدعاني إلى الإمارة عن طريق أحد الاخوياء وسألني عن سبب طرد هذا الطالب من المدرسة فأجبته بان هذا الطالب في الصف الخامس وقد لاحظ جميع المدرسين عدم نظافة رؤوس التلاميذ وقررنا ان نطلب منهم ان يحلقوا رؤوسهم وقلت له أن ابنك محمد أحد هؤلاء التلاميذ وقد حلق رأسه رغم علمنا نظافته، أرجو منك ان تطلب منه لن يرفع غترته عن رأسه، إن هذا الطالب لم يحلق شعره وقد رأينا بأم أعيننا القمل وهو يمشي فوق رقاب الطلاب، وقد حاول هذا الطالب ان يتحداني امام الطلاب وقال لي بجلافة : انه حلق شعره واتهمت المدير في لحظتها بأنه هو الذي حرض الطالب على ذلك وكتب له الشكوى بخط يده.وكان حل الأمير – وقرار الأمير لا رجعة فيه- أن يحلق الطالب شعره ويعود غداً إلى المدرسة ويعتذر للأستاذ احمد الوادي أمام التلاميذ في طابور الصباح ويقرر له العقاب اللازم ويعاقبه أمام التلاميذ.وفي الصباح تقدم الطالب معتذراً أمام زملائه وكان قد حلق شعره، القيت كلمة سريعة في طابور الصباح قلت لهم ان كل طالب سيخالف مدرسيه سيلقى مصير هذا الطالب وقد قررنا معاقبته بعشر جلدات، وعندما امتثل للعقاب وفتح يده قررت الاعفاء عنه، فضج طلاب المدرسة جميعهم بالتصفيق.وكان مدير المدرسة يقف أمام هذا المشهد مشدوها لاحول له ولاقوة، وقد نسي قوله تعإلى " ولاتحسبن الله غافلا عما يفعل الظالمون"(1)ويوم الاثنين وصل البريد من ادارة تعليم وكان يحمل الرد على ما نفثه مدير المدرسة ضدي في موضوع طرد الطالب وهو المحرض الرئيسي في الموضوع وجاء الرد من إدارة التعليم كالتالي:-"  نظراً لإصرار المدرس احمد محمد صلاح الوادي على عدم تمكين الطالب من دخول المدرسة. نرجو تمكين الطالب من دخول المدرسة بأي طريقة ممكنه، والمدرس الذي يعارض ذلك نرجو إخلاء طرفه وتوجيهه حالا لإدارة التعليم لإجراء اللازم معه.وكان الأمر قد فلت من بين يدي المدير، فكان محزوناً ومخذولاً، وقد أرسل لي الخطاب مع فراش المدرسة للتوقيع عليه بالعلم، قال تعالى " ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين".(1)وقد بقي الأمر بيني وبين المدير بين شدّ وجذب حتى تصور الأستاذ احمد الاهدل مدير تعليم القنفذة ان المدرس احمد الوادي هو شيطان كبير، فقد تصادف ان قابل أحد مدرسي المدرسة في موسم الحج فقال له بعد التعرف عليه وانه أحد مدرسي الليث وقال له : هل كلكم شياطين مثل المدرس احمد الوادي ؟! احب أن يتعرف وطلبني شخصيا واجلسني إلى جواره وقال كلاما لن انساه، يابني إن الطفل كالعجينه تستطيع ان تتكيف به كيفما تشاء، فلا تكن قاسيا مع الطلاب ، وعاملهم بالرفق يحبوك، وقلت له :- إن ما وصلك عني من معلومات لا تمت للواقع بصلة، وإنما نتاج خلافات شخصية بيني وبين مدير المدرسة.واستمر مدير المدرسة في حبك المؤامرات ضدي، ولم يكتف بما حدث في السابق، واستعان هذه المرة بأصدقائه من رؤساء الدوائر الحكومية الأخرى وهم مدير المالية ومدير الشرطة.وفي ليلة ليلاء، وفي إحدى جلساتهم الليلية حاكوا لي مؤامرة شنيعة، شاء الله ان يشاركهم الجلسة مدرس سعودي يسكن مع مدير المدرسة في عزبة واحدة، واسمه/ عابدين قرامش ، وبعد شهر من بداية العام الدراسي انتقل الأستاذ عابدين مديراً لمدرسة جديدة تم افتتاحها حديثاً، وهي مدرسة غميقة تبعد 40 كيلومترا عن الليث وهي منطقة مياه معدنية حارة.وبعد أكثر من شهرين من بداية الدوام قررنا القيام برحلة مدرسية إلى منطقة غميقة يشترك بها المدرسون ومجموعة من طلاب المدرسة وتقرر ان اكون مشرفاً على الرحلة بصفتي مدرساً للتربية البدنية، كانت الطريق صحراوية، وقد أستاجرنا سيارة(لوري) كبيرة لنقل الطلاب والمدرسين إلى غميقة وقد قررنا المبيت هناك.وعندما وصلنا إلى منطقة المياه الحارة في غميقة حططنا رحالنا تحت أشجار النخيل، وبدأ الطلاب والمدرسون أول وصولهم يتحسسون درجة حرارة المياه التي تسيل على سطح الارض من نبع مجاور، تصل درجة حرارتها إلى 70-80 درجة مئوية قريباً من درجة الغليان، ولا ادري ماذا حدث بهذه المنطقة الآن ولكني آرى وانصح بان تكون هذه المنطقة منتجعاً صحيا أو سياحيا يذهب إليه الناس للسياحة وللبحث عن علاج بعض الأمراض بهذه المياه المعدنية الحارة.وقبل الغداء وجهنا دعوة إلى زميلنا السابق مدير مدرسة غميقة الأستاذ/ عابدين قرامش، وحضر مشكوراً ليشاركنا، وبعد الغداء أخذني جانباً وقال لي:أريد ان أبوح لك بسر كنت شاهداً عليه عندما كنت اسكن مع مدير المدرسة، هوه ان مدير المدرسة ومدير المالية ومدير الشرطة حاكوا لك شركاً لعيناً، من الصعب ان تنجو من حبائله إلا بإرادة الله، فقد اختاروا طالباً معيناً – وذكر اسمه- يتحين فرصة أن تذهب إلى دورة المياه لقضاء الحاجة أو الوضوء، ويتبعك هذا الطالب ويدخل الحمام ثم يخرج صائحاً وهو يرفع ثوبه ويقول الأستاذ احمد يريد ان يفعل بي الفاحشة وعندها يحضر المدير ويستدعي المدرسين ويقوم بعمل محضر بالحادثة ويحوله إلى الأمير والشرطة وكذلك تبلغ إدارة التعليم بالواقعة وبعد ذلك ستكون العواقب وخيمة.لقد هالني الأمر ووقع عليّ كالصاعقة، ارتعدت فرائصي وارتجفت ركبي من شدة الموقف، وشكرت الأستاذ عابدين على حسن صنيعه ومعروفه الذي لن أنساه ما حييت.بدأت أفكر في التخلص من حبائل هذا الشرك، والتي ربما يحدث هذه الليلة التي نبيت فيها في الخلاء، والولد أداة التنفيذ موجود معنا في الرحلة، ورئيس العصابة الظالمة موجود في الرحلة، والفريسة- الذي هو انا- مشرف على الرحلة وسابقى سهراناً على راحة الطلاب أطول فترة ممكنه حتى لا يمسهم سوء، ومعظم أولياء أمورهم راجعوني شخصيا ليوصوا على اولادهم.فكرت طويلاً للتخلص من هذا الشرك، والتي ربما ان تلتف حبالها حول رقبة الفريسة هذه الليلة والجو مناسب للتنفيذ، وقد هداني تفكيري إلى ان ادعي المرض كذباً، و أسررت بذلك إلى أحد زملائي المخلصين رفيق الدراسة والتدريس الأستاذ / اسحاق ابو لبن، وقلت له أنني سأدعى أنه أصابني مغص شديد، واضطررت إلى استئجار سيارة للذهاب إلى مستوصف الليث، وفي الليث طلبت من السائق الوقوف باب إمارة الليث، ودخلت فور وصولي على الأمير فاستغرب وجودي في الليث، وهو يعلم انني مشرف على الرحلة، وكان ابنه أحد الطلاب المشاركين في الرحلة، قال لي ما لذي جاء بك من غميقة؟ فأجبته ان الذي احضرني هو الشديد القوي ؟! وطلبت منه الآن فراد به فاوعز إلى من عنده بالخروج من المجلس .واعدت له سرد الموضوع الذي اسر به إلى الأستاذ عابدين قرامش، فاستغرب هذا الأمر بشدة، وقال هل من المعقول ان يصل بهم الحقد إلى هذا الحد. وقال لي هل عابدين يثبت على مثل هذا الكلام ؟ فقلت له : والله لا اعلم؟ ولكن هذا ما حدثني به، وأنا خفت على نفسي ، وجئتك سريعاً، مدعيا المرض والمغص الشديد فأنا غير امين على نفسي في هذه الغربة الظالم أهلها، واريدك ان تساعدني في السفر إلى إدارة تعليم القنفذة لنقلي من المدرسة. صاح الأمير بصوته، يا فرج – وهو أحد أخويا الأمير – جهز السيارة      ( الونيت الأحمر)، وذهب بنفسه إلى مركز غميقه، ذهب لوحده وطلب مني العودة إلى البيت بعد ان طمأنني بانه لن يحدث إلا خير ان شاء الله .وهناك استدعى الأستاذ عابدين، وساله عما حدث في بيت المدير، وأعاد له عابدين القصة بالتفصيل، وقفل الأمير عائداً إلى الليث.وفي اليوم التالي، أرسل لنا أحد الاخوياء إلى المدرسة وطلب حضور المدرس احمد الوادي ومدير المدرسة إلى الأمير واستغرب المدرسون ذلك، وتكهنوا بوجود شكوى من أحد أولياء الأمور في الإمارة . جلسنا بين يدي الأمير، وكان وجهه غاضباً، وتوجه بالحديث إلى المدير، هو صحيح يا(فلان) ما اتفقت عليه أنت ( وفلان وفلان) في بيتكم ضد الأستاذ أحمد وهل وافق معكم الطالب (فلان) على ذلك، طأطأ رأسه ولم ينبس ببت شفه تأكد الأمير من صدق الحادثة، تفل عليه الامير، وأجهش المدير في البكاء، بعد أن قال له الامير، وآحسفاه؟ حرام ان تكون ابن فلان، التفت اليَّ الأمير وقال: يا أستاذ احمد، والله ان أباه رجلٌ شهمٌ كان مديراً لخفر السواحل في الليث، وكان صديقي الحميم ثم نقل إلى مدينة جدة وأوصاني بولده (فلان) خيراً وقال لي بالحرف الواحد اعتبره مثل ولدك يا أبو محمد. وقال لي: إذهب إلى مدرستك يا استاذ، ولاتخش على نفسك سوءاً فلن يستطيع ان يضرك بشئ ما دمت موجوداً في هذه البلد، أما مدير المالية ومدير الشرطة فسيكون لي معهم شأناً آخر، ولم ادر ما نوع الحديث الذي دار بينهم لأنه لم يستدعهم في وجودي .لم يهدأ المدير رغم كل ما حدث ، وحوّل سلاحه من العلن إلى السرية، واستغل منصبه الإداري، ليشوه سمعتي في إدارة التعليم واخذ يكيل لي الاتهامات بأنني فوضوي ومهمل وضعيف الآن تاج، ولم يطاوعه القلم فيما تبقى من بنود التقرير السري الذي أرسله لإدارة التعليم فيكتب في التقرير، الناحية الدينية : جيدة جداً ، ما هذا التناقض كيف يكون الآن سان ملتزماً ويخاف الله ومهملاً في عمله أو ان إنتاجه ضعيف وهو يعلم انه على ثغرة من ثغر الإسلام فيجب ان لا تؤتى من قبله .ربما يسال سائل، كيف عرفت بتفاصيل هذا التقرير السري فعندما كنا في القنفذة سأل عني أحد الأخوة المتعاقدين في إدارة التعليم يريد ان يتعرف علي، فقال له أحد معارفي هذا هو احمد الوادي، فقال : أخي لقد اشغلت إدارة التعليم بكثرة الرسائل منك ومن مدير المدرسة، ما الذي بينك وبينه، فقلت له خلافات شخصية استغل مركزه كمدير مدرسة للإساءة إلي.وكذلك شاء الله ان يمرض المدير في السنة الثالثة، ويذهب إلى جدة للعلاج، ويتسلم الإدارة مكانه الأستاذ- ابو طالب فوله وكان رجلاً مستقيماً، أطلعني على التقرير السري الذي كتبه مدير المدرسة إلى إدارة التعليم، وكانت تفاصيله التي سبق ذكرها. ودفاعاً عن نفسي، وإحقاقا للحق، كتبت إلى مدير التعليم بمنطقة القنفذة مبتدأً بقول الله عز وجل (( بأيها الذين آمنوا ان جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا ان تصيبوا قوماً بجهالة …..))(1) وسكتُّ عن باقي الآية " فتصبحوا على مافعلتم نادمين" حتى لايفهم فيها التهديد والوعيد لمدير التعليم كما هدد الله سبحانه وتعإلى الفاسقين الذين ينقلون الأحاديث الكاذبة ويتهمون الناس بالباطل.وقبل ان أنهى حديثي عن السنة الاولى في الليث عام ألف و ثلاثمائة وثلاثة وثمانين هجرية، لابد من الحديث عن موقف طريف حصل هذا العام، داخل مجلس الأمارة، وبحضور سعادة الأمير سعد بن مقرن ومفاده: كان عادة الناس في الليث، كبار أهالي الليث، رؤساء الدوائر الحكومية ، ومدرسي المدرسة، الذهاب إلي مجلس الأمارة بعد صلاة الجمعة للسلام على الأمير والجلوس معه، يشربون الشاي والقهوة، ويسألهم عن أوضاعهم وشؤونهم ويجري الحديث من هنا وهناك، والحديث ذو شجون.وفي أحد الجمع، ونحن جالسون بين يدي الأمير ويجلس القاضي إلى جانبه وهو رجل كبير السن وكان يرأس المحكمة الشرعية، وكان موضوع الحديث التمائم والحجب والحكمة من تحريمها، أدلى كل بدلوه، وتحدث القاضي أولا، ولم يقل إلا خيراً ، وعقبت على الحديث بقولي ويشهد الله اني ما أقول إلا الصدق، ولن أحرف ما قلت: " إن بعض الناس يدجّلون ويبتزون أموال الناس بعمل الحجب والتمائم، وهذا لا يجوز شرعاً والرسول صلى الله عليه وسلم يقول بما معناه(( من أتى كاهناً أو عرافاً فصدقه بما يقول فقد كفر بما انزل على محمد)).اعتدل القاضي في مجلسه، ووجه الكلام إلي وقال: ما الدجال إلا انت؟! وكان هذا بشكل مفاجئ، وبصوت غاضب، لم يستنكر أحد من حديثي شيئاً غير الشيخ، فإني اعتقدت ومازلت اعتقد حتى الآن ، أنني ما قلت إلا حقاً. وكان الشيخ فهم غير ذلك، أو فهم أنني اعنيه بالحديث.قال البعض" ربما ان الشيخ نفسه يمارس مثل هذا العمل وفهم انك تعنيه بالذات فغضب، والحقيقه انني لم اعلم عنه الاخيراً ولا استطيع ان اثبت أو انتفي مايقوله الناس، وانا غير مسئول عن ذلك ولكن شعرت من كلامه وكأن رجلاً لطمني على خدي امام الناس بدون حق، فكبر ذلك علىَّ، فقمت من فوري وبدون تفكير " للأسف كنت افكر أنني أخاطب انساناً يفهم معنى الكلام" وقمت من مجلسه بسرعة وأستاذنت الأمير في الخروج، لقد عرف أنني غضبت لما رماني به الشيخ من فرية الدجل فأذن لي واستأذن جميع المدرسين معي وخرجنا جميعاً من الأمارة. إن الأمير سعد بن مقرن كان رجلاً مهاباً وحازماً وعادلاً – وما احسبه إلا كذلك – وله علي أياد بيضاء، فلم أرد ان أتجاوز حدي واسيء الأدب في مجلسه ، ولكن سالت الله بيني وبين نفسي ان ينصفني من ذلك الرجل . وما إن أبعدنا قليلاً عن باب الإمارة حتى انطلقت ضحكات زملائي المدرسين، وقال أحدهم : والله يا عم هذا أسلوب قصر ، قصر الدجل كله الدجل عليك يا أستاذ احمد، وقال آخر: والله هذا القاضي رجل خرف كبر سنه اكثر من اللازم، أما رأيت فنجان القهوة وهو يرتجف في يده والله ما فهم ما قاله الأستاذ احمد، وقد ظن انه يتهمه بالدجل.وقال آخر: ربما كان يمارس هذا العمل، فظن الاتهام موجه اليه فحاول الدفاع عن نفسه أمام أهل البلد. وانا صامت أكاد انفجر من الغيظ، لأنني لم استطع ان أرد الكيل كيلين، ولا الصاع صاعين، وكيف يكون ذلك كذلك ونحن امرنا ان يوقر صغيرنا كبيرنا، وان نحترم علمائنا ………….وحدث أيضا في العام الأول كذلك ان ضرب مدير المدرسة بعض طلاب الصف السادس عشرين عصا على أرجلهم بالخيزرانه لانهم لم يحفظوا مادة الاجتماعيات التي كان يدرسها لهم وفي اليوم التالي انتفخت ارجل الطلاب بعضهم لم يحضر إلى المدرسة لعدم استطاعته المشي، وبعضهم انتفخت أرجلهم وصارت تنزف صديداً ابيضاً فتأذى من ذلك أولياء أمور الطلاب وبعثوا برقية ساخنة إلى وزير المعارف فابرق إلى مدير تعليم القنفذة برقية عاجلة فحواها " حققوا مع الطاغية المتجبر فلان مدير مدرسة الليث" وقد اطلعنا على ذلك الموجه الذي جاء ليحقق في الامر. كان يزور المنطقة في ذلك الوقت الموجهان التربويان وهما: 1-                    الأستاذ سليمان العبيدان.2-                    الأستاذ ربيع الاوبري وقد أداناه بجرمه المشهود وشاهدوا بام أعينهم ارجل الطلاب الدامية، وبدون مبرر. ولقد أشاع في تلك الفترة بين أهالي القرية بعد ان كتب تقريره السري بكل ما فيه من اتهام، بانه سيلغي عقدي آخر العام وانه كتب إلى الوزارة بذلك.ولقد اغتنمت فرصة وجود هذين الموجهين وكتب اليهم معروضاً لمعرفة مستوى طلابي في الصف السادس في مادتي العلوم والرياضيات، وقلت لهم أنا والطلاب بين أيديكم للاختبار حيث يدعي مدير المدرسة بأنه سيلغي عقدي آخر العام وكتب إلى الوزارة يطلب ذلك، وأشاع في كل الليث بانه سيلغي عقدي آخر العام ويعرف هذا الصغير قبل الكبير في البلد.قرا الخطاب الأستاذ- سليمان العبيدان – وقال لي بالحرف الواحد: هل هو ممن أذا قال فعل !؟ قلت : لا قال: سيكون للوزارة رأي آخر في ذلك، وكان هذا الحديث أمام مدير المدرسة وهو يسمع ما نقول .انتهت السنة الأولى في الليث، بحلوها ومرها ، وبدأت السنة الثانية ، وكانت بدايتها غير حسنة فقد وجدت أثر التقرير السّري الذي كتبه مدير المدرسة.فعندما راجعت الملحق الثقافي في عمان لعمل إقرار المغادرة واستلام تذاكر السفر قال لي الموظف ، راجع الملحق الثقافي في الداخل ، بعد أن أعطاني الموظف ورقة كتب فيها اسمي ورقماً بجانبه.    دخلت إلى الملحق الثقافي ، سلمته الورقة بعد أن رددت عليه السلام ، فأشار إلي بالجلوس أمامه ، وفتح كتاب الحركة العامة للمدرسيين  في السعودية حتى عثر على رقمي واسمي وقد كتب بجانبه في الحركة العامة ! ينقل إلى مدرسة أخرى وينبه عليه . وطلب مني أ، أكتب إقراراً خطيا بالالتزام بالأخلاق الفاضلة والجد والاجتهاد في العمل .قلت له : هل تسمح بأن أدافع عن نفسي ، قال تفضل : قلت له : إنني أدرس مادتي الرياضيات والعلوم للصف السادس وهي من أصعب المواد كما تعلم ، ولعلك قرأت نتيجة الليث المكتوبة على اللوحة المعلقة في صالة الملحق الثقافي ، إن نسبة نجاح مدرسة الليث في السادس مائة بالمائة ؛فهل يعني ذلك أنني غير مجتهد في عملي ؟! إنها خلافات شخصية بيني وبين مدير المدرسة ، فقال لي : أكتب الإقرار ونحن سننقلك إلى مدرسة أخرى وسنرى ماذا يحصل بعد ذلك .  سافرت إلى القنفذة وفي الطريق توقفنا في الليث ، وشربنا العصير من دكان شخص يقال له / أحمد حنكس ، فقال لي باستغراب ، أنت رجعت يا أستاذ أحمد ، إن (فلاناً) قال بأنه ألغي عقدك ولن تعود .وفي إدارة تعليم القنفذة حاولوا نقلي من الليث وطلبت العودة إلى الليث ، وقلت للموجه الأستاذ / حسن الفقيه  وكان مسؤولاً عن التوجيه ، هل أخطأت حتى أنقل من المدرسة وأنت الذي حضرت إلى المدرسة وحققت في مشاكلها ؛ قال : إن بقاءك في المدرسة يا أستاذ أحمد ليس من صالحك إنه رئيسك المباشر ويستطيع أن يضرك ، وحاولت إقناعه بكل طاقتي ورجوته في العودة إلى الليث لا لشيء إلا لأقهر مدير المدرسة وأشهر كذبه أمام الناس .    أعترف الآن بعد ثمانية وثلاثين عاما أن هذا الموقف كان خاطئاً ، فمالي وللمشاكل ، أما كان من الأفضل أن أبتعد عن هذا المدير الذي سبب لي كثيراً  من وجع الرأس .    أكتب هذه المذكرات لينتفع بها أبنائي وإخواني من المدرسين المبتدئين وأنصحهم بأن يكونوا عقلانيين منذ بداية حياتهم العمليّة بعيداً عن العناد وعليهم بالصّبر وتحمّل المشاق فإن ذلك في ميزان حسناتهم يوم القيامة .   لقد عرفت كل هذا الآن ،  وبعد فوات الأوان ركبت وعدت إلى الليث ، خلافاً لتوجيهات الوزارة بالنقل إلى مدرسة أخرى .   فلمّا رآني موجهاً إلى المدرسة ، كأني كابوساً قد حللت عليه ولكنه تظاهر بالفرحة ورحب بنا، حاول أن يطوي الصفحة الماضية ودعانا إلى الغداء ، وكأن لسان حاله يقول :من اليوم تعارفنا                    ونطوي ما جرى منا ولا كان ولا صار                  ولا قلتم ولا قلنا لم يكن في المدرسة متوسطة ، وكان في الليث موظفون يريدون أن يدرسوا المرحلة المتوسطة وطلبوا مني عن طريق المدير  أن أدرسهم  مواد الرياضيات والأنجليزي وقواعد اللغة العربية واستعد المدير أن  يفتح لي المدرسة ليلاً ويشعل ( الأتريك ) المصباح الذي يعمل بالكاز ، وقال إني سأدرس مع الطلاب . وصل عدد الطلاب سبعة وكان المدير أحدهم ، وكان نشيطاً في البداية يشعل الضوء ويفتح المدرسة يوميا ، وفي اليوم الأول وبصفته مدير المدرسة ، أراد أن يشعل سيجارة داخل الفصل ، منعته من ذلك وقلت له : إذا أردت أن تدخن فاخرج خارج المدرسة ، وحاول أن يظهر نفسه بأنه أقوى وأذكى من كل الطلاب المتواجدين في الفصل وكان بعضهم رؤساء دوائر في الشرطة والإمارة واللاسلكي والمالية وغيرها ، فكنت أنتقي له المسائل الصعبة في النسبة والتناسب في مادة الحساب وأخرجه إلى السبورة لحلها وعندما يخطئ الحل كنت أوقفه إلى جانب السبورة أمام زملائه ، وهكذا جملة القواعد الصعبة التي أعرف أنه لا يعرف حلها ، وأقول له خطأ ، من يعربها بعده  .. وهكذا . لم يكن همي الفلوس ، بقدر ما كان همي أن أقهر هذا الرجل لكثرة ما أساء إلي ، ولم يطل عمر هذه المدرسة أكثر من شهرين ثم أقفلت لأن كل وأحد منهم قال أنا أريد أن تدرسني لوحدي  وكانوا يخجلون من أخطائهم أمام بعضهم البعض وهم من هم في دوائرهم وأعمالهم .ومضت الأمور عادية في السنة الثانية ، حتى قدر الله على هذا المدير أن يصاب بمرض القولون ، وأخذ على أثرها إجازة مرضية طويلة لأنه أجريت له عملية في المستشفى في جدة ، واستلم الإدارة من بعده الأستاذ / أبو طالب فوله  وكان رجلاً عاقلاً مستقيماً ، أدار المدرسة بحكمة ونشاط .وقد أنجانا الله سبحانه وتعإلى من براثن ومكر المدير الأول ، حيث كتب وكيل المدير التقارير السرية الوزارية فأعطى كل إنسان ما يستحق، دون النظر إلى علاقته الخاصة به ، وقرب المدرس أو بعده عن المدير ، وكان الرجل يضع تقوى الله نصب عينيه.وكان من الذكريات الجميلة في السنتين التي قضيتها في الليث أنني اشتهرت في تلك المدينة بأنني المترجم أو الترجمان الأول بين المدرسين ، فكان كلما يأتي  أو يمر رجل أجنبي في البلدة سواء أمريكي أو بريطاني أو باكستاني ولا يفهم العربية ، يأتون لاستدعائي إلى مركز الإمارة أو مركز الشرطة للتفاهم مع ذلك الأجنبي حتى ولو كان الوقت متأخراً في الليل .كان ذلك بالمصادفة ، وكنت حديث التخرج من الثانوية وكانت لا زالت معلوماتي باللغة الأنجليزية حية ، واستفدت من ذلك الأمر كثيراً حيث كنت أحاول أن أُنَمِي معلوماتي ، والفرق شاسع بين التعليم في الصفوف المدرسية ، والتعلم من مدرسة الحياة العملية فالحياة مدرسة كبيرة ، غير محدودة بجدران ، أو بسنوات معينة فطلب العلم من المهد إلى اللحد ، وكل يوم يتعلم الآن سان من هذه الحياة درساً جديداً ولله دَرُ الشاعر حيث قال :-ومن يحي يوماً ولم يستفد           أعمى البصيرة أعمى البصر وبدأت الشهرة بالترجمة عندما زار الإمارة ، مهندس ألماني يعمل في إحدى الشركات الكبيرة ، وكان يقوم بعملية تسويق ( لماتورات ) ومولدات كهربائية كبيرة تغذى البلدان والقرى المتوسطة والصغيرة ولغته العربية بسيطة ، فأرسل الأمير أحد الأخوياء إلى بيت المدرسين لاستدعاء أحدهم للتفاهم مع ذلك المهندس ومعرفة الغرض من زيارته للإمارة وبلدة الليث وكنت أنا الذي فتح الباب لهذا الخوي فاستشرت إخواني من المدرسين في الغرفة فأجمعوا على أن أكون مندوبهم إلى الإمارة ، كان المهندس ألمانيا والأنجليزية ليست لغته الأصلية .استطعت أن أتفاهم معه وعرفت سبب مجيئه إلى الليث ، وأوضحنا للأمير الغرض التجاري الذي يقوم المهندس بتسويقه ، وقوة المولد وثمنه ، ومدة الضمان التي تتعهد الشركة فيها بتركيبه وصيانته والإشراف عليه .تناولنا طعام العشاء على مائدة الأمير ، ورغب هذا المهندس أن يذهب ليبيت معي في البيت لأنه لا يستطيع التفاهم مع من حوله ، وفي البيت تجاذبنا أطراف الحديث ، وفهمت أنه أعلن إسلامه في الرياض ، وكان يصلي معنا وقد أشتكى لي من صعوبة اللغة العربية وضرب لي مثلاً على ذلك بسورة الناس وكثرة ما فيها من السينات وكان يحاول ان يحفظ سوراً من القران فساعدناه على ذلك . أما الحادثة الثانية فكان مهندساً أمريكياً يعمل في وزارة البترول والثروة المعدنية وكان يركب في سيارة للوصول إلى مقر الشركة التي يعمل بها، تعطلت السيارة وتركه السائق في إحدى المقاهي وعاد لإصلاح السيارة ثم العودة اليه، عثر عليه رجال خفر السواحل في القهوة، حاولوا التفاهم معه بالعربية فلم يستطيعوا لان وصوله إلى المملكة للعمل فيها كان حديثاً، وكان لا يحمل جواز سفر لان جوازه أرسل للجوازات لعمل اقامه له داخل المملكة وكان يحمل ورقة تعريف بشخصه من الوزارة التي يعمل بها وقد كتبت باللغة الأنجليزيه.شك رجال خفر السواحل في أمره لانه في نظرهم بدون جواز سفر ولا يحمل إثباتاً لشخصه فحملوه إلى مركز خفر السواحل في الليث، وارسلوا من يستدعيني إلى المركز.ذهبت إلى المركز تفاهمت معه، قرأت ورقة التعريف التي يحملها والتي تبين انه مهندس يعمل في وزارة البترول والثروة المعدنية كان حزيناً لأنه كان يظن انهم سيضعونه في السجن حتى يتعرفوا على شخصه انفرجت أساريره وتناولنا الشاي عند المسؤول عن مركز خفر السواحل وكتبوا على الفور برقية للاتصال بمرجعه وإرسال من يستلمه من المركز طمأنته على وضعه وأن سيارة جديدة ستصل ليسافر معها إلى مقر عمله .وكانت الحادثة الثالثة وصول مهندس باكستاني للإشراف على مشروع مياه الليث الذي سيصلهم من منطقة غميقة التي تبعد 40 كيلوامتراً عن ساحل البحر ومياهها عذبة أما المياه التي كانت تستخرج من آبار الليث فهي مياه مالحة وذلك لقربها من البحر فلا تبعد اكثر من ثلاث كيلومترات عن البحر وكان قبل هذا المشروع تنقل المياه إلى البلدة عن طريق صهاريج نقل المياه.كان المهندس الباكستاني مشرفاً على مشروع تنفيذ شبكة مياه الليث من قبل وزارة الزراعة والمياه وكان أحد الأخوة اليمنيين مشرفاً على العمال والتنفيذ من قبل الشركة صاحبة عطاء تنفيذ المشروع، وكان هذا الاخ اليمني لا يتكلم الأنجليزية والمهندس الباكستاني جديداً في العمل في السعودية، يفهم بعض الكلمات العربية لانه رجل كبير السن في ذلك الوقت، كان تاريخ تخرجه من الجامعة عام 1926م بينما كان تخرجي من الثانوية عام 1963م كان يقراً القرآن بشكل جيد ولكنه لا يفهم معاني الكلمات إلى بالترجمة إلي الأردية أو الأنجليزية .     ان هذا المهندس حريصاً على تعلم اللغة العربية، لفهم لغة القرآن أو كما قال، ثم ليستطيع التفاهم مع من يعمل معهم، ثم لانه كان يريد أن يستمر بالعمل في بلد عربي وهي السعودية.وكنت أنا أشد حرصاً منه على تعلم اللغة الأنجليزية، فقد كنت اطمح في ذلك الوقت، وأنا حديث عهد بالتخرج من الثانوية، إلى إكمال دراستي في الطب أو الهندسة، والحمد قد حقق أبنائي بعض هذا الطموح الذي كنت أطمح به ولا أزال.اتفقت مع هذا المهندس على أن اعلمه العربية، كل يوم حصة بعد صلاة العصر، وانا في نفس الوقت أكون قد كسبت المراجعة معه والمحادثة بطلاقة، وشرح دروس العربية بإنجليزية- قدر الإمكان كان ذكيا ولبقاً وذا ثقافة عالية. وبدانا التدريس من الصف الأول الابتدائي، ولمجرد اطلاعه على مقرر الصف الأول الابتدائي، ومن اول يوم قرر الآن تقال إلى مقرر الصف الثاني الابتدائي، فهو كما قلت يقراً القرآن بشكل جيد، وبدأنا في الصف الثاني وكان كلما يمر بفعل من الافعال يعرف معناه، يكتبه ويترجمه إلى الآن جليزية ويكتب تصريفاته الثلاث، ماضي، مضارع، اسم مفعول، ويكتبه في دفتر خاص.ومن الطرائف التي حصلت أثناء تدريس هذا المهندس الباكستاني، كان يوجد في قراءة الصف الثاني في ذلك الوقت، درس بعنوان ( الحلوى المكشوفة) ووصلنا في الترجمة إلى عبارة مكتوبة بين قوسين(( حلّي يا حلولو)) ووقفت قليلاً أمام ترجمة هذه العبارة وأخيراً تخلصت من ترجمتها بقولي:- إنها لهجة عامية ينادي بها البائع لتروج بضاعته، هز راسه وقبل حسن تخلصي من عدم معرفة الترجمة الحرفية للعبارة، وعلى مضض. ومن الطرائف التي حدثت أيضاً أثناء تدريس العربية لهذا المهندس، كان يسكن معي في البيت رفيق الدراسة والتدريس، قام، جزاه الله خيراً، بعمل الشاي ونادى علىّ من المطبخ : أجيب الشاي، فقلت له جيب الشاي، فسألني فوراً، ما معنى كلمت جيب، فقلت له إنها كلمة عامية، ولهجة متداولة، ومعناها بالفصحى أجلب أو أحضر، صمت قليلاً، وردّ علىّ بأسلوب مهذب، وقال " وجابوا الصخر بالواد"(1). وكانه يقول لي بطريقة غير مباشرة ان كلامك خطأ فهذه ليست لهجة عامية، وغنما هي قمة الفصحى لإنها وردت في القرآن في سورة الفجر.وصمت انا، وقبلت الإحراج من طالبي الذكي لإنه كان مفهومي لمعنى الآية بان جابوا بمعنى أحضروا وبعد ان قرأت تفسير هذه الآية في القرآن الكريم تبين لي أن معنى جابوا الصخر بالواد أي قطعوا الصخر بالواد واتخذواها بيوتاً.ومن الطرائف التي حدثت مع هذا المهندس الباكستاني والمشرف اليمني انه في اول لقاء للترجمة بينهما، قال اليماني : إن أمي قال كذا وكذا، وكنا حدثاء عهد بلهجة اهل اليمن فقلت له: وما دخل أمك في العمل؟ فقال : ليست أمي ولكن أمَّي يعني صاحب المؤسسة المتعهدة بتنفيذ العمل، ضحكت وقتها، وقلت له : الظاهر أننا نحتاج إلى مترجم آخر بيني وبينك، سال المهندس الباكستاني عن الحديث الذي دار بيني وبين المشرف اليمني، فقلت له أنني لم أفهم ما قال، فضحك بدوره وقال: كيف تريدني أنا أن أفهم ما يقول. وقبل ان اترك الليث إلى بلدة اخرى في منطقة القنفذة لابد من الإشارة إلى بعض النواحي التعليمية والاجتماعية والاقتصادية فمن الناحية التعليمية كانت مدرسة الليث الابتدائية هي المدرسة الوحيدة في منطقة الليث عام 1383 هـ، وتم في ذلك العام افتتاح مدرسة غميقة الابتدائية، كان مبنى المدرسة مستأجراً ومبنيا من الطين والخشب ولا يصلح للدراسة، وكان بعض الطلبة يجلس على مقاعد مزدوجة في الصفوف العليا، أما الفصول الدنيا فكانوا يجلسون على الحنابل – والحنبل بساط من القطن الملون والمخطط غالباً من اللون الأحمر والازرق وكان استعماله منتشرا بكثرة في تلك الأيام، وكنا نستعمله في البيوت كذلك. أما التعليم الآن فقد قفز قفزة كبيرة في المنطقة، فقد أصبح في الليث إدارة تعليم كاملة وأكثر من خمسون مدرسة بين ابتدائية وثانوية ومعاهد معلمين، وزودت المدارس الآن في جميع انحاء المملكة بالوسائل التعليمية الحديثة، مختبرات ومعامل علمية، ومختبرات لتدريس اللغة، وقاعات مجهزة بالأجهزة الحديثة لتعليم الحاسب الآلي، أصبحت هذه الشبكة ترتبط بالوزارة مباشرة، وللوزارة موقع على الإنترنت بستطيع الاتصال به من يشاء فشتان بين الأمس واليوم. أما بالنسبة للناحية الاجتماعية في الليث، فلأستطيع ان أقول ان المجتمع كان مغلقاً بالنسبة لنا، كان احتكاكنا بالناس قليلاً إلا في المناسبات الرسمية كالأفراح والأتراح فكنا نشاركهم ونلبي دعواتهم، وكان غالبية تعاملنا مع الأمير، كان يحب الاجتماع بنا، ويدنينا من مجلسه، ويناقشنا في كثير من الأمور المختلفة. أما بالنسبة للناحية الاقتصادية فكانت نسبة كبيرة من السكان يعتمدون في معيشتهم على صيد الأسماك، والبادية حول المدينة يعتمدون على رعي الأغنام والإبل. وقليل منهم من كان يعمل في التجارة لتلبية حاجات الناس، فقد كانت المحلات التجارية قليلة ومعدودة على الأصابع. أما ميناء الليث فقد كان عامراً بالبواخر الصغيرة التي تحمل البضائع التجارية إلى المنطقة، قبل ازدهار ميناء جدة وقبل أن يصبح الميناء الرئيسي للمملكة على البحر الأحمر، وازدهرت حركة النقل البري، لنقل البضائع وهذا قلل أهمية الموانئ غير الرئيسية مثل الليث والقنفذة وجازان.أما الحركة الزراعية فكانت بسيطة أيضا، وغالبيتها تعتمد على مياه الأمطار والسيول لزراعة الذرة والدخن، وكانت هناك بعض البساتين الصغيرة لزراعة بعض الخضروات كالفجل والجرجير والكرات والنعناع والبامية واللوبيا وكانت بالكاد تكفي حاجة الناس.ورغم كل هذا كانت الروابط الاجتماعية بين الناس كبيرة، ويسود بينهم التعاون والمحبة ويستعينون على شظف الحياة بالقناعة والصبر.كانت السيارات قليلة، ولا يصلح لتلك المناطق إلا السيارات الكبيرة أو الجيبات الصغيرة ( ذات الدبل) الذي يستطيع تحريك العجلات الأربعة في آن وأحد فتزداد قوة الدفع، وتتجاوز الرمال والغراز.كان البحر يبعد حوالي ثلاثة كيلومترات وكنت من هواة البحر، احب الجلوس على الشاطئ ساعة الغروب، وأحبها لحظة عناق قرص الشمس لأمواج البحر، وهو يختفي رويداً رويداً بين أمواج البحر المتلاطمة .اشتريت دراجة هوائية جديدة وكان ثمنها في ذلك الوقت خمسة وثلاثين ريالاً، كنت اركب الدراجة يومياً، وأضع على مقعدها الخلفي ديوان المتنبي بشرحه النحوي القديم، وكنت املك مذياعاً من نوع ( توشيبا) ذو وجه املس مائل إلى الأمام وكنت عندما أصل إلى شاطئ البحر قبل ساعات الغروب، أشمر عن ساقيَّ لغاية الركبة، وأتمشى في مياه البحر حتى اعتلي أحد زوارق الصيادين المشدودة بحبل إلى الشاطئ، وقد تركت تتهادى فوق مياه البحر. اركب داخل أحد الزوارق، أفتح المذياع يوميا على برنامج ما يطلبه المستمعون في إذاعة المملكة العربية السعودية، وكان مذيع هذا البرنامج والمشرف عليه هو الإذاعي يحيى كتوعه، وقد حفظت اسمه من كثرة حرصي على سماع هذا البرنامج يوميا على شاطئ البحر، وأنا أقرأ في ديوان المتنبي أحيانا، أحيانا أخرى أتأمل غروب الشمس وقت المغيب، وما أروعه من منظر، وما أحلاها من لحظات كنت أخلو فيها إلى نفسي ، أتذكر فيها قدرة الله العظيمة من خلال عجائب مخلوقاته في هذا البحر العميق وهذه السماء العالية، وهذه الأرض المترامية الأطراف، متذكراً قوله تعالى " الذي خلق سبع سمات طباقاً ما ترى في خلق الرحمن من تفاوت، فارجع البصر هل ترى من فطور ثم ارجع البصر كرتين ينقلب إليك البصر خاسئاً وهو حسير" .(1) 
(( منطقة المخواه)) وفي بداية السنة الثالثة عام 1385هـ تم توجيهنا انا ورفيق الدراسة والتدريس الأستاذ / إسحق أبو لبن إلى بلدة حدبة بني عاصم من ضواحي منطقة المخواه.ركبنا في سيارة كالعادة إلى حدبة بني عاصم وكان أول شخص استقبلنا في البلدة مدير المدرسة الأستاذ/ عبد الله عطران أنزلنا في المدرسة مؤقتاً ريثما نجد بيتاً نستاجره للسكن فيه، وكان بالصدفة في البلدة دعوة لأحد الضيوف عند شيخ القرية / الشيخ عوض فأرسلوا لنا دعوة لتناول طعام الغداء معهم، نحن والمدير فقال لنا مارأيكم، وافقنا على الدعوة وذهبنا لتناول طعام الغداء معهم.وكان طريقة الاكل مفاجأة لنا، قام الضيف وتناول جزء من الخروف ناوله لصاحب الدعوة ليرسله إلى أهل البيت من النساء وانقض عدد من الأشخاص بخناجرهم على الذبيحة ليقسموها إلى اجزاء صغيرة، ويوزعوها على الحضور، كل وأحد يعطى قسمه في يده، وياكل اللحم وهو يجلس في مكانه، وقد ملت بنفسي على المدير وكان بجانبي وقلت له : إن هذه الطريقة عندنا عيب، ولانعملها إلا مع الصبيان في الافراح حتى لا يعتدي احدهم على الآخر وياكل الكبار نصيب الصبية الصغار.فقام – جزاه الله خيراً- وهمس في اذن صاحب الدعوة فوضعوا نصيبنا نحن والضيف في صحن متوسط وضعوه أمامنا وقال صاحب الدعوة : تفضلوا حياكم الله على ذبيحة فلان وانتم الضيوف الجدد إن شاء الله نصيبكم قادم، شكرناه وأكلنا اللحم لوحده بدون ارز وعجبنا لذلك، وبعد فترة قال صاحب الدعوة، تفضلوا أشار بيده إلى (المقلط) وهو مكان وضع الطعام، وكان صحون الرز موضوعة بدون أي لحم عليها وهذه من العادات الغريبة التي صادفناها.تقع حدبة بني عاصم في منطقة ( العرضي) وهي المنطقة المعترضة بين تهامة فس الساحل وجبال عسير ، الحياة الاجتماعية في القرى عادية، حياة الناس تشبه كثيراً الحياة في القرى الاردنية والفلسطينية النساء لاتغطي وجوهها، يذهبن إلى البئر لنقل المياه إلى البيوت عن طريق القرب التي يحملنها على ظهورهن، ويذهبن إلى الأرض المزروعة لصرم الذرة والحشائش والأعشاب لتقديمها للماشية والرجال يزورننا باستمرار في البيوت، يجلسون معنا بعد صلاة المغرب والعشاء في مكان مكشوف على الرمال ويحيط به بعض الحجارة وقد عمل له أيضا محراب من الحجارة كذلك، ويطلق عليه (برزة) وكنت – والحمد لله- إمأما لهم في هذا المسجد.عاملونا بكل احترام وتقدير، وكانوا يرسلون لنا السمن أحيانا ( والحقينة) بشكل يومي، والحقينة هي اللبن المخيض بعد أن تستخلص منه عادة الزبدة، وكان ياتينا بارداً وكنا نستلذ بشربه فجزاهم الله عنا كل خير . كان موعد السوق في مركز المنطقة، مدينة المخواه الآن ، وقد كانت بلدة بسيطة في ذلك الزمن 1385هـ ، وكان أهالي حدبة بني عاصم يعدون لنا       ( المشدود) وهو الحمار الكبير القوي بعد ان يضعوا عليه ( البرذعة) ( والخرج) مكان وضع البضاعة التي ستشترى من سوق الربوع، وكانوا يأتوننا بالمشاديد إلى البيت، وكانت هي وسيلة النقل في المناطق ذات الطرقات غير المعبدة.وكان المدرسون يسيرون إلى السوق وهم يركبون( مشاديدهم) زرافات ووحدانا، والكل يفتخر بان حماره هو الاجود والأسرع، وإذا ابتلي أحدنا بحمار صغير قميء، كان مثار الضحك ولسخرية منه، وكان يستعين علينا بحديث الرسول صلى الله عليه وسلم بما معناه " سيروا بسير أضعفكم" .ومضت الحياة في السنة الأولى في الحدبة رتيبة عادية ، كان مدير المدرسة رجلا     ً مؤدباً يحترم مرؤوسيه ويقدرهم، وكان التعاون بين المدرسة والمدرسين ملحوظاً، وترك بصمات مؤثرة على المستوى التعليمي للطلاب.كنا اربعة مدرسين في القرية اثنان متزوجان، واثنان عازبان، وانا وصديقي، رفيق الدراسة والتدريس الأستاذ/ اسحق ابو لبن وكنا نعيش حياه جميلة في تلك القرية كان هو يجيد العجن والخبر وكنت أجيد الطهي فكان كل منا يكمل الآخر.وحدث ذات مرة أن سافر صديقي لقضاء إحدى الإجازات مع ابن عمه في مدينة الطائف، وتركني لوحدي في القرية، بعد أن خبز لي مجموعة من أرغفة الخبز لعلمه بأنني لا اعرف ان اعجن الدقيق، ولكن بعد ثلاثة أو أربعة أيام نفذت هذه الكمية، أو تعفنت لعدم وجود ثلاجة في البيت لعدم وجود التيار الكهربائي. بعد ذلك حاولت ان أقوم بعملية عجن الدقيق لأول مرة، وضعت الدقيق في صحن العجين الكبير ووضعت عليه الملح والماء، وحاولت العجن جاهداً فلم يتعجن الطحين بين يدي، زدت الماء فصار العجين رخواً، زدت الدقيق فاصبح العجين صلباً، وهكذا توالت الزيادات مرة الماء ومرة أخري الدقيق حتى حتى امتلأ الصحن ولاعجين، عزّت علي نفسي، وترقرقت عيناي بالدموع اضطجعت على السرير، ويداي مرفوعتان إلى أعلى حتى لا يتلوث الفراش بالعجين الذي يغطي يديّ إلى ما فوق الرسغين، وانحدرت دمعتان عزيزتان على خديَّ، تذكرت لحظتها أمي وإخوتي واخواني فكرت كثيراً في وضعي المأساوي في تلك اللحظة، وتذكرت فضل زميلي اسحق عليّ لانه يريحني كثيراً من هذه المشكلة، وكان عزائي الوحيد انني اتحمل كل هذه المعاناه من اجل توفير الحياة الكريمة لافراد عائلتي. وبينما انا مضطجع على السرير، ويداي مرفوعتان إلى الاعلى وعيناى تترقرق بالدمع، قطع عليّ هذه الخلوه الأليمة، أحد زميلي المتوزجين بجوارنا، وهو الأستاذ/ عبد الرحيم كتانه طرق الباب فجاه، وقمت إليه مرتبكاً، وشكلي يشرح حالي، فقال ماذا تعمل، حاولت متجلداً بالصبر ان أقول له انني كنت أحاول العجن، وعرف ما أنا فيه من ورطة، فلامني كثيراً، وحمل الجمل بما حما – الصحن بما فيه من دقيق، وذهب به إلى زوجته، فاستغربت كثرة كمية الدقيق التي في الصحن، أكملت عجنها، ثم خبزوا لي تلك العجنة ، ولا يصدق أحد أن عدد ارغفة تلك العجنة كان ثلاثة وثلاثين رغيفاً من القطع المتوسط وانها تكفيني لمدة أحد عشر يوماً قادمة لوكانت هناك طريقة لتخزينه وحفظه جيداً، وزعت كثيراً من هذا الخبز وبقيت مجموعة كفتني ما يزيد عن اربعة أيام وصار زميلي يحضر لي الخبر أولاً باول جزاه الله خيراً.ومن طرائف ما حدث معي في تلك القرية حدبة بني عاصم هو حادثتان لاطلاق النار، المرة الاولى أطلقت فيها النار على أخي وزميلي رفيق الدراسة والتدريس الأستاذ اسحق ابو لبن عن غير قصد والثانية أطلقت فيها أنا النار على نفسي. ولعلك متشوق أخي القارىء إلى سماع تفاصيل تلك القصتين المأساويتين  والتي كتب لنا الله فيها النجاة بلطف منه وبأعجوبة من عجائب القدر .أما الحادثة الأولى ، فقد زارنا ضيف من بلدة المخواة واسمه الأستاذ / علي الشيخ ابن شيخ المخواة ، وأصبح فيما بعد مدير مدرسة المخواة الابتدائية والمتوسطة .كان يركب حماراً كبيراً ، مناسباً لوزن جسمه الثقيل ، ولمجرد وصوله تلقيناه بالترحيب ، أدخلناه البيتت ، ومسك أحدنا الحمار وربطه في مكان مناسب ، وأحضر حزمة من العلف من عند الجيران ووضعها أمام الحمار على عادة الناس في ذلك الوقت .كان الضيف يضع على صدره ووسطه حزام مليئاً برصاص المسدس ( أبو حلقة) الذي يحمله .وبمجرد أن جلس في صدر البيت ، فك حزام الرصاص والمسدس من على وسطه ووضعها إلى جانبه ، ودخل زميلي اسحق إلى المطبخ ليقوم بعمل الشاي ، ومن قبيل حب الاستطلاع مسكت المسدس بيدي ، وقبل أن أحرك أي جزء منه سألت حامل المسدس ، هل المسدس معبأ بطلقات نارية ، فأجاب بالنفي ، حركت أقسام المسدس للرمي ، وكان زميلي اسحق قادماً وهو يحمل صنية الشاي بين يديه لتقديمها للضيف ، فقلت له مازحاً ، وأنا أصوب المسدس تجاهه ، ارفع يديك فضحك وقال : لا تلعب معي بالنار يا أحمد ، ( يمكن يعبئه ابليس ) وضغطت على الزناد ، وخرجت طلقة جدية من فوهة المسدس تجاه زميلي اسحق وهو لا يبعد عني أكثر من مترين ، وبإرادة الله وقضائه ، أخطأت الرصاصة صدر زميلي اسحق ، وخرجت من شباك الغرفة المقابل إلى خارج البيت .ارتجت يدا زميلي اسحق بصنية الشاي ، وسال الشاي في كل اتجاه وهجم علي ضيفنا وأمسك بيدي ورفعها إلى أعلى حتى لا أضغط على الزناد مرة ثانية بحركة لا شعورية لهول الموقف ، أخذ من يدي المسدس وأخرج منه رصاصة ثانية ، وتعطلت لغة الكلام من شدة المفاجأة ، وبعد أكثر من دقيقتين قلت لصاحبنا الضيف أمجنون أنت ؟! ألم أسألك عن المسدس ، وقلت لي ؛ لا يوجد بداخله شيء…. قال : والله كنت لا أدري ، ولكن استعار هذا المسدس أحد الأقارب وصعد به (عقبة السبت ) فربما هو الذي وضع به الذخيرة خشية وحوش العقبة ، ونسي أن يفرغ المسدس بعد نزوله العقبة فكان ما كان ، والحمد لله على سلامة الأخ اسحق .كان أخي وصديقي اسحق ، صديق الطفولة ، ورفيق الصبا وشريك حياة الدراسة في مراحلها الثلاثة ( إبتدائي ، متوسط وثانوي ) ثم أخيراً شريك حياة التدريس في السعودية .وهو وحيد والديه ، وكبر والداه عن الآن جاب ، ولم يرزقا بغيره من البنين أو البنات ، فتصور كم سيكون حجم المأساة لو قدّر الله غير ما قدره لنا من لطف ورحمة ، فالحمد لله ألف حمد لله ، على أن سلمنا الله من هذه المأساة ، ومن كان سيصدق صحة ما رويت ، وأنها خطأ غير متعمد ، وأنها خطأ شخص آخر غير الشخص الذي يحمل المسدس وأطلق النار على صدر أخيه .أما الحادثة الثانية ، فلا تقل خطورة عن الحادثة الأولى فقد كدت أقتل نفسي بنفسي ، وبلطف الله كذلك وقدرته أنجانا الله مرة ثانية من موت محقق ، ولكن لم يكن قد حان وقت الأجل قال تعإلى " فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون " (1) .   وتفاصيل هذه الحادثة هي أنني كنت منتسباً إلى جامعة بيروت العربية / سنة أولى / كلية التجارة ، وكنت قد تعودت على الدراسة ماشيا في الخلاء ، وإذا تعبت من المشي جلست تحت شجرة في وادي الحدبة ، وكان كل يوم وأنا أجلس تحت الشجرة تخرج عليّ أرينبات تلعب وتركض هنا وهناك بين عيدان الذرة البيضاء التي يهتم بزراعتها الأهالي هناك .  وفكرت في نفسي فقلت لماذا لا أحضر لي بندقية صيد معي ، وإذا ما خرجت هذه الأرانب أطلقت عليها الرصاص ، استعرت البندقية من أحد الأخوة المواطنين ، ووضعت رصاصة في بيت النار وأمنت الزناد ووضعتها في كتفي وكنت أدرس في الكتاب وأنا ذاهب في طريقي إلى شجرة الأرانب ومن غير وعي أو شعور مني وأنا منسجم في الدراسة كأنني لعبت في الأمان ، واستمريت في المشي في طريقي إلى الشجرة ، وقبل أن أصل إلى الشجرة ، وفي حركة لا شعورية ضغطت على الزناد وكانت فوهة البندقية متجهة إلى أعلى ، وأنا أضعها في كتفي ضغطت على الزناد والفوهة قرب رأسي قريبة من أذني ، وانطلقت الرصاصة محدثة صوتاً مدويا في الوادي ، وبلطف من الله وقضائه لم يصبني أي أذى ، أصابني وجوم وذهول لدقائق ، لم أدر كيف أتصرف خلالها ، التفت حولي لأرى أين ذهب ذلك العيار الناري ( الخرطوشة ) ، فلم أر سوى بعض النسوة اللاتي كن ( يصرمن ) عيدان الذرة في الحقول المجاورة ، ينظرن في الصيد الذي أطلق عليه الأستاذ أحمد النار ، ولم يدرين أن الأستاذ أحمد كاد يصيد نفسه لولا رحمة الله الواسعة ، وبعد هاتين الحادثتين ، أصبحت أكره اللعب بالسلاح حتى ولو كان مفرغاً من العيارات النارية(حتى لا يعبئه إبليس)؟!.ومن طريف ما حصل معي في حدبة بني عاصم ، وخلال دوام المدرسة ، وأثناء الفسحة الكبيرة ، اعتاد أحد أفراد الأسرة التدريسية أن يشتري كل يوم بمبلغ ريال فول سوداني ، ونضعه على الطاولة في منتصف الإداره ، ونأكل هذا الفستق أثناء شرب الشاي في الفسحة .وفي أحد الأيام ، كنت أنا الذي اشتريت هذا الفول السوداني وبعد أن ناولنا الفراش صالح ، كاسات الشاي التي عملها ، خاطبته قائلاً : افلح يا صالح وأعني بذلك أن يأكل معنا من الفستق .خرج صالح من الغرفة سريعاً كالملدوغ ، راجع هذا الفراش مدير المدرسة ، قائلاً له : ماذا فعلت بالأستاذ أحمد ، حتى يقول لي : افلح يا صالح !     قال لي المدير ، إن الفراش صالح يا أستاذ أحمد ، زعلان عليك لأنك طردته أثناء الفسحة ونحن نأكل (الفستق) ، قلت له : افلح ، وبلهجتنا المحلية معناها : اذهب من هنا . قلت له : إن هذه الكلمة عربية فصحى ، وكنت أقصد عندما قلتها ، تفضل وكل معنا من الفستق ، والعجب كل العجب أنها فهمت بعكس معناها .وقلت لهم إن الدليل عل صحة قولنا ، هو قوله عز وجل في القرآن الكريم " قد أفلح المؤمنون " (1) ،  " إلا إن حزب الله هم المفلحون " (2) ومعنى أفلح في الآية فاز ونجح ، والمفلحون هم الفائزون الناجحون ، وما ذنبي أنا إذا فهمتم غير المعنى الصحيح للكلمة .ثم حضر الرجل وأفهمته قصدي من قولي له : أفلح يا صالح وضحك الرجل وانفرجت أساريره ، وفي الفسحة اشترى لنا بريال فستق ، وقال لنا مازحاً أفلحوا يا أساتذة .وهكذا تختلف معاني الكلمات باختلاف اللهجات " ومن آياته خلق السموات والارض واختلاف السنتكم والوانكم…" (3)ومضت السنة الأولى عام 1385هـ في الحدبة ، بخير وسلام ، وفي عام 1386هـ توجهت في بداية العام لوحدي هذه المرة إلى مدرسة حدبة بني عاصم مرة أخرى وانتقل زميلي اسحق إلى مدرسة مهد الذهب بالمدينة المنورة .بعد شهرين من بداية العام الدراسي تم نقلي من الحدبة إلى مركز المنطقة المخواة ، وقد استأت لذلك كثيراً لأنني كنت مرتاحاً في تلك القرية ، ولكن كان زميلاي المتعاقدان في المدرسة متزوجين وكنت أنا الوحيد بينهم أعزباً ، فقد وقع الاختيار عليّ حيث كان هناك نقص في مدرسة المخواة .وسبحان الله تعالى كان قدري أن يكون جدول المدرسة في غير صالحي ، وفي فصول أو مواد لا أحب تدريسها كما حدث في الليث في أول سنة في التعليم ، كان جدولاً معداً ، والمدرسون يعملون في فصولهم ، وكان نصيبي فك الضم  في الفصل الثاني وكنت لا أزال أكره تدريس الفصل كاملاً وخاصة الصفوف الأولى  وكنت أفضل تدريس مادتي الرياضيات والعلوم .كنت متشائماً عند ذهابي إلى هذه المدرسة لأن سُمعة مديرها الأستاذ حسين خماش رحمه الله كانت غير مناسبة ، فكنت ذاهباً إلى هذه المدرسة ، وكأني أساق إلى الموت ، لأني تركت مديراً ممتازاً إلى مدير يقال أنه فظٌ  غليظٌ ولا يتعامل بإنسانية مع المدرسين وكأنه أعاد إليّ ذكرى المدير السابق في الليث .عرض عليّ في اليوم الأول جدول الصف الثاني ، فرفضت استلام الجدول وقلت له إنني أدرس مادتي العلوم والرياضيات ، إذا لم يوجد لي جدول في المدرسة ، فأرسلني إلى إدارة التعليم ، وذلك طمعاً في التخلص من العمل مع هذا المدير .وبقي الشد والجذب بيني وبين هذا المدير حتى الفسحة الكبيرة وهو يحاول إقناعي ويقول لي : لقد سبقتك سمعتك الجيدة يا أستاذ أحمد إلى المدرسة وفرحنا بذلك ، ونحن نتوخّى فيك كل الخير فنرجوا أن لا تخيب رجاءنا فيك ، وكان لطيفاًَ جداً معي .وعندما علم أحد المدرسين المشكلة وهو الأستاذ / عبد الجواد برقان وكان يدرس مادتي العلوم والرياضيات / تنازل لي عن حصصه أمام المدير فقال أنا آخذ الصف الثاني وأنت خذ جدولَي الرياضيات والعلوم فأُسقط في يدي ، ولم أستطع المراوغة بعد ذلك .شكرت زميلي عبد الجواد على حسن تصرفه بالتخلي لي عن جدوله بعد ذلك توجهت إلى المدير برفقة المدرس وقلت له إنني مستعد لتدريس الصف الثاني وأشكر زميلي عبد الجواد بالتطوع في التخلي عن جدوله الذي يسير في تدريسه منذ بداية العام الدراسي وانتهى الموضوع .استلمت تدريس الصف الثاني الإبتدائي المنفصل عن الفصل الذي كان مدموجاً ولا أبالغ إن قلت أن هذه السنة كانت من أفضل السنوات التي عملتها في السعودية – من حيث العمل في المدرسة – كانت سنة  مريحة خفيفة ، تصادف وجود ِأحد الطلاب الكبار السن واسمه / مبارك في الفصل ، كان أكثر طولاً مني ، وكان قد تتلمذ في مدارس القرعاوي القديمة ، وكان يقرأ القرآن جيداً  وقد ساعدني كثيراً في الإشراف على الطلاب أثناء عدم وجودي في الفصل وفي الفسح وغيرها ، وكان له أثر بارز في ارتفاع المستوى العلمي للطلبة فقد زرعت فيهم حب التنافس الشريف بينهم وبين الفصول الأخرى . شكلت منهم في حصة الآناشيد والمحفوظات مجموعتين متنافستين ، الأولى الرباعي الأبيض والأخرى باسم الرباعي الأسود وكانوا قد حفظوا في هذه السنوات المبكرة من سن الدراسة الصف الثاني الإبتدائي ، حفظوا أناشيد ( نحن الشباب لنا الغد                     ومجده  المخلد ) وحفظوا أنشودة ( عليك مني السلام يا أرض أجداد        فقيل طاب المقام وقيل طاب إنشادي )وحفظوا كذلك ( أخي جاوز الظالمون المدى              فحق الجهاد وحق الفدى)كان صوتهم الطفولي يصدح كالبلابل بهذه الآناشيد الوطنية ، عالية المستوى ، وزيادة عن المقرر الدراسي كنشاط إضافي ، وكان مدير المدرسة والمدرسون يقفون حول باب الفصل الثاني " أ " يطربون ويسرون لسماع أصوات هذه البلابل الصغيرة تشدو بهذه الآن اشيد القوية بألحانها السليمة في لغتنا كما تعلمها أستاذهم في طفولته وشبابه .كنا شباباً ، وكان عمري لم يتجاوز العشرين بعد ، فكنا نتفتق حيوية ، وانعكست هذه الحيوية على تلاميذنا فأبدعوا أيما إبداع والحمد لله .وحصلت بعد مدة قصيرة في تلك السنة ،مفاجأة لم تكن بالحسبان ، جاء أحد المفتشين التربويين زائراً إلى المدرسة وكان هذا هو مسمى المشرف التربوي الآن، وكان ذلك تطوراً ، أن مفهوم الإشراف التربوي ينتقل من التفتيش إلى التوجيه إلى الإشراف ، وينعكس ذلك على نفسية المدرسين وعطائهم حيث كان مفهوم المفتش قديماً بأنه جاء ليفتش عن أخطاء المدرسين وينتقد الأداء السلبي فقط.كان هذا الأخ المفتش من أحد الدول العربية الشقيقة وبكل أسف أقول كان غير دقيق في عمله ، كنت آخر مدرس وصل المدرسة ، ولم يكن قد زارني قبل هذه المرة مثل الأخوة المدرسين الموجودين قبلي في المدرسة ، دخل عندي حصة في الفصل الثاني ، وكانت الحصة أناشيد وموضوع الدرس أنشودة خفيفة في كتاب الصف الثاني بعنوان ( شمس السماء اللامعة              في كل يوم طالعة) وهي أربع شطرات فقط من مخزوء أحد البحور الشعرية ، خفيفة على الطلاب ، حفظها أكثر من خمسة طلاب في نفس الحصة ولا أخفي عليكم بأن سروري كان عظيماً بأن المفتش جاء في حصة أناشيد لأنني كنت أفتخر بطلابي في الآناشيد الوطنية التي يحفظونها ليس على مستوى المدرسة ، ولا على مستوى المنطقة ، بل على مستوى المملكة .دخل المفتش الفصل ، ولم يمكث فيه أكثر من عشرة دقائق قرأت الآنشودة وشرحت بعض المفردات وطلبت من أحد الطلاب أن يعيد القراءة ، إستأذن المفتش في الخروج وقال لي شكراً يا أستاذ .وكانت المفاجأة الكبرى في تقرير هذا الموجه الذي لم يجلس فترة كافية لإكمال شرح الدرس أولاً ، ثم للإطلاع على الأنشطة الإضافية في حصة أناشيد هذا الفصل التي أفتخر بها حتى الآن .خرجت من الفصل بعد انتهاء الحصة ، ووجدت المفتش يجلس إلى جانب المدير ، طلب مني قراءة التقرير الذي كتبه عن الحصة في سجل زيارات المفتشين وبدأ التقرير : قرأ المدرس الأنشودة قراءة جيدة ، شرح المفردات بشكل جيد ، وكتبها على السبورة وحبذا …….وحبذا……وحبذا……وكثرت في تقريره هذه (الحبذات) لم أوقع على التقرير ، ورفعت رأسي موجهاً نظري إلى سيادة المفتش ولم تخف تقاطيع وجهي علامات عدم الرضى عن التقرير وقلت له أمام المدير ، إنني أرفض كل ما جاء في هذا التقرير جملة وتفصيلاً ، لأن الوقت الذي جلسته عندي في الحصة ، وكل هذه (الحبذات) التي ذكرتها في التقرير كتبتها بعد خروجك من وقت الحصة ، حاول أن يهمس في أذني قائلاً إنني وضعت لك علامة عندي في دفتري تسعة من عشرة يعني تقديرك ممتاز ، فقلت له : لا يهمني ذلك ، ما يهمني الآن هو ما كتبته في الدفتر الذي تريدني التوقيع عليه فأنا أرفض التوقيع وأطلب لجنة منك ومن مدير المدرسة واثنين من مدرسين اللغة العربية في المدرسة وحضور حصة أخرى عندي في نفس الفصل وسأوقع على التقرير الجماعي الذي تضعه اللجنة ، وإن عندي طلاب في هذا الفصل أتحدّى بهم طلاب المملكة في هذا الفصل وليس طلاب منطقة القنفذة فقط.قال لي فوراً ، سأحضر عندك حصة ثانية يا أستاذ أحمد وغيّر لعدم دقته لفظ اسم الحصة من حصة أناشيد إلى محفوظات .أخرجت له الطلاب الذين حفظوا أبيات الأنشودة في نفس الحصة وفهموا معنى مفرداتها وشرحها ، وهذا فوق العادة بالنسبة للصف الثاني وأخرجت الرباعي الأبيض والرباعي الأسود واستمع منهم إلى الأناشيد الوطنية الذائعة الصيت في كل الوطن العربي :-(أخي جاوز الظالمون المدى ) ، (نحن الشباب لنا الغد ) ، ( عليك مني السلام )لقد انبهر الرجل بكل ما سمع وقال لي :- كيف حفظ هؤلاء الطلاب الصغار مثل هذه الأناشيد بل وكيف ينشدون هذه القصائد بكل هذا الحماس وعندما سأل أحدهم من هم الظالمون يا شاطر ، قال له :- هم اليهود يا أستاذ الذين اغتصبوا فلسطين.خرج والابتسامة تعلو وجهه من هذا الجهد الجبار الذي بذل ليجعل من طلاب الصف الثاني ، حديث المجتمع الدراسي كله ، وكنت أنا سعيداً بذلك .وأعاد هذا الموجه -غير الدقيق في عمله- صياغة التقرير مرة أخرى وكان ما كتبه هذا الرجل متأثراً بهؤلاء الصبية الصغار فور الخروج من الفصل ، أشبه ما يكون بقطعة أدبية من المدح والثناء على الطلاب وأساتذتهم ، وشكرني بحرارة واعتذر لي عن التقرير السابق وقال : والله إني كتبت لك من الأول في دفتري تسعة من عشرة .كان أحد زملائنا في المدرسة أخاً اسمه / محمد عصفور وبعد أن قرأ التقرير الأول والثاني ، صاح بأعلى صوته يا رجل أنت ساحر ، استطعت أن تغير تقريرك من أسوأ تقرير إلى أحسن تقرير في المدرسة ، وأجبته بهدوء : أليس هذا من حقي يا أستاذ محمد ، أليس الرجل متسرعاً وغير دقيق في عمله .وقد سمعنا بعد شهرين أنه تم إلغاء عقد هذا المفتش وتسفيره إلى بلده ، لإشكال حصل بينه وبين أحد مدراء المدارس المجاورة لبلدة المخواة ، واستطاع المدير أن يثبت عليه ماديا من خلال سجل الزيارات أنه كتب تقريراً عن أحد المدرسين دون أن يدخل عنده في الفصل ووقع في خطأ فاضح حيث كتب التقرير غيابيا وأنه دخل عند المدرس حصة وكان موضوع الدرس في مادة القرآن الكريم، سورة الجحيم وأثبت ذلك في سجل الزيارات ، ولا يوجد سورة في القرآن بهذا الاسم ، وتجاوز مدير المدرسة إدارة تعليم القنفذة وأرسل بسجل الزيارات إلى وزارة المعارف مباشرة ، ولقي هذا الموجه جزاء سوء صنيعه .ومن المفارقات الجديرة بالذكر ، أنه حصل معي صورة معاكسة مع مفتش آخر زار المدرسة بعد شهر تقريباً من زيارة المفتش السابق الذكر وهذا الموجه سوداني الجنسية ، وكان هذا الموجه مثار إعجاب من جميع المدرسين لحسن خلقه ولدقة عمله ، ودخل الفصل الثاني نفسه في مادة الرياضيات وأبدى إعجابه من مستوى الطلاب ممتاز ، وأخذ عينة من دفاتر طلاب الصف الثاني إلى إدارة تعليم القنفذة ليطلع المسؤولين هناك على حسن أداء الطلاب وترتيبهم في حل واجباتهم ، وذلك لإطلاع المدرسين في المدارس الأخرى على جودة مستوى الطلاب وعملهم.وكنت في هذا العام 1385/1386هـ ، منتسباً في السنة الأولى في جامعة بيروت العربية ، وكانت امتحانات الجامعة تبدأ أثناء الدوام وقبل نهاية العام بأسبوع فطلبت منه أن يتوسط لي عند إدارة التعليم لأتمكن من أداء الاختبار في حينه ، فأبدى استعداده وحدّث مدير المدرسة في ذلك ، وقال لمدير المدرسة أنا سأتحدث مع مدير التعليم وأنت بدورك تقوم بتسهيل مهمته ، بعد أن يؤمن عمله عن طريق زملائه في المدرسة .نعود للحديث عن الأستاذ / حسين خماش – رحمه الله – مدير مدرسة المخواة لعام 1386هـ فقد كنت في بداية الأمر متشائماً للعمل معه ، عندما جاءني خطاب النقل إلى مدرسة المخواة ، وذلك للدعاية السيئة ، والسمعة القاسية التي كانت تروج حول هذا المدير ، الناضج ، العادل ، المستقيم المخلص في عمله إلى درجة غير معهودة في زماننا الحاضر ، وما أحسبه إلا كان كذلك . كان يصلي الفجر حاضراً في مسجد قريته العياش ، المجاورة للمخواة ، والذي يعمل فيه أيضاً إمأما للجمعة والجماعة ، فكان شيخاً للقرية وإمأما لمسجدها ، ومن وجهاء القرية الذين يعتد برأيهم ، كان كبير القدر ، كبير السن ، كان متعلماً في ذلك الوقت الذي يندر فيه وجود المتعلمين في القرى .كان يركب حمارة بعد صلاة الفجر مباشرة ، ويتوجه إلى المخواة حيث توجد المدرسة ، ويفتح المدرسة قبل حضور فراشي المدرسة ويبدأ بإتمام أعماله ، ويندر أن يخرج من المدرسة أثناء الدوام ولو للحظة واحدة ، يبقى جالساً على كرسيه في الإدارة ، ونادراً ما يشاهد متجولاً بين الفصول مان يضع دفتر دوام الموظفين أمامه وعلى طاولته ، وكل ما حضر أحد المدسين ، ليوقع في دفتر الدوام ينظر بشكل لا شعوري ومعتاد إلى ساعته وينظر إلى الوقت الذي يسجله المدرس ، فإذا خالف تسجيل وقت الحضور لفت انتباهه إلى ذلك ، وحدث أن كان أحد المدرسين المناكفين الذين يحبون المعاكسة ، كان يسجل وقت حضوره بالدقيقة والثانية حتى يحرج المدير ، وهو ينظر لساعته ، كلما وصل مدرس إلى المدرسة.كان – رحمه الله – غير مرن في إدارته ، يطبق التعاميم حرفيا ، لا يهتم كثيراً بالعلاقات الإنسانية ، كان نصيب المدرس ثمان وعشرين حصة وكان الدوام يستمر للحصة السابعة وعلى مدار ستة أيام في الأسبوع بما فيها يوم الخميس ، حيث كان يوم عمل في المدارس ، وكانت السابعة تنتهي في الساعة الثانية إلا ربع تقريباً ، وكنت مستريحاً الحصة السابعة ،وكنت في تلك الفترة أعزبا غير متزوج، وبعد الحصة السابعة ، أذهب أنا وزميلي ونبدأ في إعداد الطعام ، أحياناً يؤذن المؤذن لصلاة العصر ونحن نعد غداءنا أو نكون قد انتهينا لتونا من تناول الطعام أو نكون نشرب الشاي بعد الغداء ، وكان هذا الأمر يزعجنا كثيراً ، ففي معظم مدارس القرى ، لا يطبق النظام حرفيا حتى آخر الدوام ، وحتى في كثير من مدارس المدن ، حسب مرونة وتعاون مدير المدرسة مع المدرسين شريطة أن لا يضر ذلك بالعملية التعليمية .جلست في الحصة السابعة أمام طاولة المدير المرحوم – بإذنه تعإلى – وكان يدور في خلدي أن أفاتحه بعدم جدوى بقائنا في المدرسة في الحصة السابعة ، بعد أن تنتظم الدراسة في الحصة السابعة ويدخل كل مدرس حصته ، صدر مني ابتسامة عفوية ، وأنا أقدم رجلاً وأأخر أخرى في التحدث مع هذا الرجل الحديدي في تطبيق النظام بحزمية شديدة ودون أي مرونة ،انتبه لإبتسامتي وقال لي باستغراب : هل في شيء يا أستاذ ، قلت : إني أريد أن أحدثك في شيء ولكن متردد في ذلك ، قال : تفضل ،قلت له وبكل جراءة : أريد أن أسألك عن الفائدة التي تعود على المدرسة أو على الطلاب من ضرورة وجودنا في المدرسة حتى نهاية الدوام حتى ولو كان المدرس مستريحاً من الحصة الرابعة ، إنك تعلم أننا نعيش حياة عزوبية ، متى سنعد غداءنا بعد الدوام ، إن لك زوجة ، وعندما تعود إلى بيتك تجد طعامك معداً ولا تبذل جهداً في إعداد الطعام وانتظار طهيه .لم يتردد في البحث عن جواب ، وفور الإنتهاء من كلامي ، قال لي : وقع يا أستاذ وانصرف ، وكررها مرة ثانية وأنا لم أوقع ولم أنصرف .وتجرأت عليه أكثر في الحديث ، بعد أن لاحظت قناعته مما قلت ، فقلت له يا أستاذ حسين : أنا لا أتكلم عن نفسي ، وإنما أتكلم بصفة عامة ، أنا وغيري من المدرسين ، لماذا لا يعودوا إلى بيوتهم عند انتهاء حصصهم الرسمية ولم يكلفوا بعمل إضافي ، ولماذا لا يصبح ذلك سنة متبعة مثل باقي مدارس المنطقة .كرر قوله لي: وقع يا أستاذ أحمد على دفتر الدوام وانصرف ، ولم ينبت ببنت شفة غير ذلك ، لم أرد أن أثقل عليه في تلك اللحظة ، فقد تصرف معي على غير عادته وبلطافة .لقد لاحظني زملائي المدرسون ، وأنا منصرف ، وهم يعملون في فصولهم في الطابق الثاني والثالث ، وهم يؤشرون لي بأيديهم ماذا حصل ، إن الأمر غريب ، وأشرت لهم بيدي وبدون كلام ، بأني سأحدثهم عما جرى فيما بعد .واخترقنا الحاجز الحديدي والحمد لله بسلام ، وبدون كلام أصبح هذا الأمر عادة متبعة في المدرسة  ، وقد مازحني – رحمه الله – وهو على فراش المرض أثناء زيارة له ، لقد فتحت علينا باباً يا أستاذ أحمد يصعب إغلاقه ، مشيراً إلى اختراق جدار النظام المشبع ، وأجبته أن المرونة مطلوبة في جميع الأعمال ، بدون تفريط ولا إفراط .وباختصار ، أسجل شهادة حق أسأل عنها أمام الله بأن هذا المدير كان مثال الرجل المخلص في عمله ، يخاف الله ويتقيه ، كان نزيهاً ورعاً عادلاً ، لم أرى في حيأتي  كلها رجلاً أكثر إخلاصاً منه ، لم يؤخذ عليه إلا عدم مرونته وتطبيقه الحرفي للأنظمة والتعاميم ، اعتقادا منه أن هذا من الإخلاص في العمل ، وقد فاته أن العلاقات الآن سانية لها دور مهم في تيسير دفة الأمور ، لم يتغيب عن عمله لحظة واحدة ، إلا بعد أن أقعده الله في فراش المرض ، وتوفاه الله بعد أيام من مرضه ، لقد ذهبت إلى جوار ربك يا حسين الخماش راضيا مرضيا ، وما نحسبك إلا رجلاً صالحاً ، تغمدك الله فسيح جناته ، وجزاك الله خير الجزاء عما قدمت إلى العلم وأهله في منطقة المخواة فقد كنت بحق من الجيل الأول الذين ساهموا في إرساء دعائم التعليم في المخواة .ومن حقك على أهل المخواة – وأنا أقترح ذلك – أن يحفروا تاريخ حياتك على لوح من الرخام يضعوه نصباً تذكاريا على مدخل إدارة تعليم المخواة – وذلك تخليداً لذكرى هذا الرجل الفذ .ومن طرائف ومآسي ما حدث في هذه السنة ، بيتي وبين الأستاذ / موسى الذي كان يشاطرني السكن في البيت ، ويشاركني العمل في المدرسة كنا نعيش معاً ، حياة هادئة هانئة متعاونين على هذه الحياة القاسية إلى أن حدث بيننا فجأة ، ما يعكر صفو هذه الحياة .في أحد الأيام ، عدنا من المدرسة ، أعددت أنا الطعام ، وكان شبه اتفاق بيننا ، أحدنا يعد الطعام ، والآخر يعد الشاي بعد تناول الطعام ، فقد تعودنا على ذلك ، وأصبح الوأحد منا لا يعرف أن ينام دون أن يشرب الشاي بعد الأكل .تناولنا الغداء على خير ما يرام ، وبقي أن يعد زميلي الشاي ثم نستعد للنوم، تكاسل زميلي موسى عن عمل الشاي ، حاولت حثه على ذلك فقال لي : إنني تعبان وأريد أن أنام رغم أن الشاي من اختصاصه حسب الاتفاق . قلت له:-إنني سأعمل لي شايا خاصاً بي ولن أعمل حسابك بذلك ، فقال لا بأس .وبعد أن انتهيت من عمل الشاي قال لي ، اسكب لي كأساً من الشاي معك ، وهنا أطل الشيطان برأسه ليلعب دوراً شنيعاً بيننا ، فقلت له أنا لست بزوجك ، حتى أعمل لك الغداء أولاً ثم أعد لك الشاي وأنت تنام على سريرك ؟! نفخ الشيطان في رأسينا ، حيث قال زميلي : والله لا بد أن تسكب لي من الشاي الذي عملته ، أسرعت إلى إبريق الشاي وسكبته مرة واحدة ، في كأس كبيرة من الألمنيوم كان يوضع فوق فوهة زير الماء الذب نشرب منه ومسكتها بيدي حتى لا يستطيع الوصول إلى الشاي من الإبريق .مسك كأساً فارغاً بيده وقال : اسكب لي من الشاي وإلا وضعت في التراب، وهنا بدأ التحدي بشكل جدي ، مسكت هذا الشاي بيد واحدة رغم سخونته وواجهت هذا التحدي بتحد مثله ، وقلت له والشيطان يتراقص طرباً وفرحاً بين عيني ، إذا كنت رجلاً فضع التراب في الشاي ، نزل إلى الأرض وأخذ حفنة من التراب وكرر قوله : اسكب لي من الشاي وإلا وضعت هذا التراب في الشاي ، أجبته بانفعال شديد ، والشيطان في تلك اللحظة ، يتراقص بيننا ، ونحن قد أعمانا الغضب ، هيا ضع التراب ، وأنا أقرب ( المغراف ) المليء بالشاي منه وهو في درجة الغليان ، وأنا أقول : والله لو وضعت الرمل في الشاي لأضع كل الشاي في وجهك ، فركب رأسه ووضع التراب في الشاي ، وركبت رأسي أيضاً ورميته بالشاي المغلي على صدره .وهناك حدث ما لم يكن بالحسبان ، حدث ما لم يكن أحد يتصوره كنا قبل عشرة دقائق أخوة متحابين ، نأكل غداءنا سوية .والآن أحس أخي موسى بالنار تشتعل في صدره ، فأعماه الغضب ولم يسارع لإزالة آثار الإعتداء على جسمه ، ولكنه هجم علي وبكل عنف ، ضربني قبضة مؤلمة بيده على رأسي ، فتلقيت الضربة لأنني كنت أتوقعها ومقدراً ما يجوف في صدره وتحت ملابسه من نار ملتصقة على بدنه ، أمسكت بيده وحاولت منعه وإقناعه فإنني في هذه اللحظة كنت أحاول منعه بالإقناع بعدم التوسع في الخطأ ويكفي ماحدث ، ولكنه لم يكن يتصرف بعقلانية .استمر في الهجوم وبدأت أنا الآن في الدفاع عن نفسي مرة ثانية ، وأخذنا نتبادل الضرب ، ضربة منه وضربة مني ، وخرجنا من الغرفة إلى الحوش ونحن نتبادل الضرب واستمر هذا الوضع أكثر من عشرة دقائق حتى وصلنا إلى درجة الآن هاك ، وبالصدفة وجدت نفسي أقرب منه إلى جدار الحوش ، تناولت حجراً ذا رأس مدبب أشبه بالخنجر ، سحبته بعيداً عن الجدار وقلت له بشكل جدي ، أقسم بالله إذا رفعت يدك بضربة أخرى ، فإنني سأنهي حياتك بهذا الحجر الآن ، يكفينا ( تياسة ) .أنزل يده ودخل سريعاً إلى الغرفة ، ظننت به السوء  ، ظننت أنه دخل ليأتي  بسكين ، تبعته إلى الغرفة والحجر بيدي لبس حذائه ، وذهب إلى المستوصف ليعالج نفسه ، وكان المسؤول عن المستوصف أخاً من الأردن وكان صديقاً لكلينا .قبل أن أرمي نفسي على السرير وأنا منهك من التعب والغضب والقهر ، كما كنت متصوراً أن يحدث بيننا ونحن نعيش تحت سقف وأحد ، كنا نقضي على بعضنا ، وكانت مأساة موت أحدنا قاب قوسين أو أدنى ، أخزى الله الشيطان الخناس الذي يوسوس في صدورنا ، ولعب برؤوسنا حتى حدث ما حدث .وقبل أن أضع جنبي على السرير ، ذهبت إلى حقيبتي وكان بداخلها موس (كبّاس) كما يطلق عليه أحياناً ، ووضعته في جيبي ، غاب صديقي أكثر من ساعتين ، لم يغمض لي فيها جفن ، حزناً على ما حدث ، وخوفاً من الغدر ، ربما يأتي  ويجدني نائماً ويحاول أن ينتقم لنفسه ، شرد النوم من جفني انتظاراً لما سيأتي  .وبعد أكثر من ساعتين ، وصل رفيق سكني ، صاحب شرب الشاي الإجباري وبرفقته صديقنا المسؤول عن المستوصف ، أخذني جانباً وقال لي أمجنون أنت ؟!  لقد حرقت الرجل من أعلى صدره ولغاية فخذيه ، وانسلخ معظم جلد صدره ، ولو كنتم في عقلكم لدخل وخلع ملابسه الأولى واستبدلها بغيرها ، ثم بدأتم بعد ذلك  عملكم الجنوني بالضرب وعندها تكون النتيجة أخف كثيراً من الوضع الحالي .لم يكلمني ولم أكلمه ، كان منشغلاً في تغيير ملابسه في الحمام ، وكنت أتلقى كلمات التأنيب واللوم من زميلنا ممرض المستوصف .الشمس قاربت على الغروب ، وبينما نحن في الحديث أنا والممرض ، وإذا بسبعة من زملائنا في قرية مجاورة للمخواة هي قرية ( الجوّة ) وصلوا وهم يركبون حميرهم ، نزلوا في فناء المنزل ، استلمنا الحمير وربطناها خارج الحوش، وقدمنا لها العلف وهو على شكل حزم من عيدان الذرة البيضاء ، على عادة الناس في القرى في ذلك الوقت .أرسلنا إلى جارنا ، وهو رجل شهم ومعوان ، أرسلناه ليشتري لنا خروفاً ، وأتى به على جناح السرعة وذبحه ، وبدأ يشعل النار ليقوم بإعداد طعام العشاء للضيوف .وقد ساق الله لنا هؤلاء الضيوف ، ليقوموا بعملية الإصلاح بيني وبين أخي موسى في السكن ، تعاونا معاً في إعداد الشاي والطعام وتحدثنا مع بعض في شؤون الطبخ والأكل وكأن شيئاً لم يحدث بيننا قبل ساعات ، وظهرنا أمام ضيوفنا إخواناً متعاونين ، على الرغم من أن حركته كانت بطيئة لأن بطنه كان مربوطاً بالشاش فوق قطع من الفازالين لتخفيف آلآم الحرق ، وكان والحق يقال جباراً على نفسه في تلك الليلة .وفي اليوم التالي عاد ضيوفنا إلى قريتهم بعد تناول طعام الإفطار ولم يشعر أحد منهم بما حدث بيننا ،وجرت الحياة بيننا طبيعية وعادية ، كان يخجل كل منا من زميله ، على ما حدث من التصرفات غير المعقولة ، ولم نعد إلى فتح الموضوع ، أو الحديث فيه أبداً وحتى تاريخ هذه الساعة لم يكلم أحدنا زميله ، خجلاً وحياءاً من التصرفات  الحمقاء من الطرفين .وقبل أن أترك منطقة المخواة إلى منطقة الطائف لا بد من التعرض إل بعض النواحي التعليمية والإجتماعية والإقتصادية في تلك المنطقة .بالنسبة للناحية التعليمية ، كانت المدارس في منطقة المخواة جميعها ابتدائية وعلى ما أذكر كانت المدارس المجاورة للمخواة جميعها في مبان شعبية وليس في مبان حكومية ، كان يتوفر في بعضها مقاعد دراسية ، وأحياناً لم تكن كافية لجميع الطلاب ، فكان الطلاب يجلسون في بعض الفصول على الحنابل الحمراء ذات الخطوط الزرقاء المعتادة ، كانت وسائل التعليم بسيطة لم تتعد الخرائط الجغرافية ، ولم يكن في منطقة المخواة جميعها في ذلك العام 1386هـ مدرسة متوسطة .أما الآن فعلى ما أعلم أن المخواة أصبحت منذ مدة ليست قصيرة ، مركزاً لإدارة التعليم في المنطقة وزاد عدد المدارس المتوسطة والثانوية في المنطقة ، وارتفعت وسائل التعليم بما يتواكب مع تطور العصر فزودت المدارس بمختبرات للغة الآن جليزية ، ومختبرات للحاسب الآلي أيضاً ، بالإضافة إلى صرف مكافأة للطلبة المغتربين الذين يأتون للمدارس الثانوية والمدارس المتوسطة التي تبعد عن أماكن سكنهم .أما بالنسبة للناحية الإقتصادية ، فقد كان السكان يعملون بالزراعة البدائية ، ويستعملون الحيوانات لحرث الأرض وغالبية زراعتهم كانت الذرة البيضاء ، ويعتمدون على مياه الأمطار ، وكانوا يربون المواشي كالأغنام والأبقار والإبل التي يعتمدون عليها في توفير منتجات الألبان كالحليب والسمن وغيرها ، أما الآن فقد تطورت تربية الحيوانات في المملكة ، وأصبحت هناك مزارع كبيرة متخصصة لتربية الدواجن والأغنام والأبقار ، وأصبحت هناك شركة متخصصة في إنتاج منتجات الألبان وتعليبها وحفظها وتعقيمها لمدة ستة أشهر تقريباً ومن أشهر هذه الشركات المراعي ، نادك السعودية والسيرة وغيرها ، وتم توزيع هذه المنجات على جميع مناطق المملكة بدون استثناء .أما من الناحية الاجتماعية ، فقد كان الناس يحترمون المدرس احترأما شديداً وكان المدرسون يشاركون الناس أفراحهم وأتراحهم ،  وكانوا في مقدمة الناس المدعوين في دعواتهم الخاصة .وكان الرجال يزوروننا في البيوت ويجلسون معنا الساعات الطوال ، ويسمرون معنا ولم نشعر بالغربة بينهم على العكس من أهالي الليث ، حيث كانت شبه عزلة بيننا وبينهم .وكانت النساء في حدبة بني عاصم والمخواة كذلك يختلفن عن النسوة في الليث ، كان المجتمع مفتوحاً ، كانت النسوة لا تلبسن العباءات ، ويسرن في الشارع مكشوفات الوجوه ، ويلبسن الخفيف الشفاف من اللباس وخاصة في الجزء العلوي من الجسم ، بحيث يتناسب مع حرارة الجو في المنطقة .وفي نهاية ذلك العام عام 1386هـ ، وصلت إلى مدرسة المخواة استمارات النقل إلى خارج المنطقة ، وقمنا بتعبئة استمارة النقل ، وكانت الطائف من ضمن الخيارات في استمارة النقل .وشاء الله أن يكون نصيبنا في هذا النقل إلى منطقة الطائف ، وهناك تم توجيهنا إلى منطقة بني مالك وفي مركزها بلدة حداد بني مالك ، وهناك استعذبنا المقام ، حتى دام ما يقارب عشر سنوات كان فيها من الذكريات الكثير الكثير. 
(( حداد بني مالك – الطائف))توجهنا في بداية عام 1387هـ إلى بلدة حداد بني مالك بمنطقة الطائف التعليمية ، وكنت في صيف عام 1386هـ قد اجتزت اختبارات السنة الأولى الجامعية / جامعة بيروت العربية في لبنان ، وأنا أحمل مادة المحاسبة إلى السنة الثانية حيث إنني لم أستوعبها تماما ، ثم إن الأستاذ الدكتور / علي عبد المتعال – جزاه الله خيراً – وضع لنا مطباً في أسئلة الاختبار لم ينتبه له غير 3 % من الطلبة كما أراد هو ، لأنني سمعته بأذني وهو يسير في القاعة أثناء أداء الامتحان يقول : منتسبين في التجارة ؟. والله لن ينجح أكثر من 3 % وهكذا كان ، وكان هو عميد كلية التجارة في ذلك العام .ذهبت إلى بني مالك ، وأنا منتسب في السنة الثانية بكلية التجارة ، وكانت الكتب تصلنا –بالقطارة – عن طريق البريد ، وكان معظم المواد المقررة تتكدس إلى آخر العام ، ونستلم معظمها في بيروت ، وهناك تبدأ الدراسة الجدية ، فكانت تصل ساعات الدراسة في اليوم إلى ثماني عشرة ساعة من الأربع والعشرين ساعة وكنا ننام قليلاً، وندرس كثيراً ، وكان أحدنا وهو يمشي من شدة التعب ، وحدث في إحدى المرات أنني لم أصح إلا على صدام الكتاب – الذي كنت أحمله بين يدي في صدري فانتبهت فجأة أنني مجهد أكثر من اللازم فذهبت إلى الفراش.وكان ذهابي إلى بني مالك ، بداية الخطوات المباركة في طريق الزواج ، والذي أعتز وأنا أتحدث عن طريق القسمة والنصيب الذي قادني إليه ومثل ما يقول المثل – بنت الشرق للشرق وبنت الغرب للغرب – ولكن الأصح أن يقال : أن كل إنسان ميسر لما خلق له . كانت بلدة حداد بني مالك – ولا تزال – مركزاً لمنطقة بني مالك – وعل ما أذكر – أن سوقها كان يوم الأربعاء – سوق الربوع – وكانت الركبان تفد إلى هذا السوق من كل حدب وصوب من المنطقة ، محملة بأنواع الحبوب والخضار وبعض الفواكه من إنتاج المنطقة . والدجاج والبيض ، وكان الجزارون يقومون بذبح العجول البقرية الصغيرة في ذلك اليوم – وهو اليوم الوحيد – الذي كنا نشتري فيه اللحم حيث لا لحم إلا في يوم السوق .لم تكن البلدة مزودة بالكهرباء في تلك الأيام ، وكنا نستعمل ثلاجات الكاز أحياناً ، ونشتري من السوق ما يكفينا طوال أيام الأسبوع .كنا نخرج إلى السوق لنتزود بحاجاتنا أثناء اليوم الدراسي في الفسحة الكبيرة وفي الفسح الصغيرة بين الحصص ، كانت المدرسة تقع في منتصف السوق ، كانت حاجات الناس كثيرة ، والأشياء التي تنزل إلى السوق قليلة وخاصة من البيض أو الدجاج البلدي ولم يكن بيض أو دجاج المزارع منتشراً في ذلك الوقت .وكنا نتلقى الركبان من غير أن ندري معنى تلقي الركبان في المعنى الفققهي والشرعي – وإن الرسول عليه الصلاة والسلام نهى عن تلقي الركبان ، ونسأل الله المغفرة ، فنتسابق على هذا الأمر ، وكانت الحاجة تدفعنا إلى ذلك ، فكان الفائز يفتخر بأنه حصل على نوع من السلع لم يتوفر في السوق إلا له ، مثل بعض البامية أو الباذنجان أو الكوسا في أول نزوله أو عند انقطاعه . كانت المدرسة ابتدائية ثم توسعت ونحن فيها وزاد عدد فصولها إلى أول متوسط ثم ثاني متوسط وفي السنة الثالثة فصلت المدرسة المتوسطة وأصبحت كاملة ولكن مديرها هو مدير المدرسة الابتدائية وهو الأستاذ / عبد العزيز الزهراني وفقه الله أينما كان ، كان رجلاً كريماً وطيباً وبيته مفتوحاً للجميع ، وعلاقته طيبة مع الجميع ، وإدارته ناجحة جداً لأن العلاقة الآن سانية كانت تشكل محوراً أساسيا في إدارته .كان هذا المدير يسكن في عزبة بمفرده ، وكان أحياناً يتكاسل عن عمل غدائه ، فيفاجىء إحدى العزب الأخرى وكنت أسكن أنا وزميلان آخرآن ، الأستاذ جمال فهد رحمه الله والأستاذ عوني وكان عوني بطيئاً في مضغ الطعام ويأكل ببطىء وكان إذا جاءنا الأستاذ عبد العزيز الزهراني على الغداء وكان نوع الغداء أرزاً ( كبسة ) وكان الأكل مقنناً ليكفي ثلاثة فقط ، وجاء الرابع وكان من الذين يجبون الكبسة ، بقي زميلنا عوني الذي اعتاد أن يأكل ببطىء بدون شبع ، وبع أن ينتهي الغداء يبدأ في البحث عن علب السردين والتونة أو البيض ، ليكمل غدائه .قضينا مع هذا المدير ستة سنوات من أجمل سنوات العمل في السعودية ، كان يقدر العمل متفاهماً ، شديداً في مواطن الشدة ليناً في مواطن اللين ، تردد عليه كثيراً من الأخوة المدرسين العرب : أردنيين ، فلسطينيين ، مصريين ، سودانيين ، عراقيين ، سوريين ،ولبنانيين وكان يحاول أن يقلد لهجة كل فئة ، فكان يبادر الفلسطينيين بقوله (( ولك يا زلمة ايش طابخين )) وللمصريين (( ازيك وازي الصحة )) وللسوريين (( ولاك عيني ما بتحسن تطبخ كبسة )) وللسودانيين (( يا زول خت الدفتر هنا )) وفي اللهجة السودانية يقلب بعضهم الحاء خاء ، ويخففون الطاء قريباً من التاء فيلفظون كلمة ، حط : خت وهكذا .كانت المدرسة أشبه بجامعة دول عربية وكنا نعيش فيها حياة سعيدة هانئة ، متحابين متفاهمين ، ويا ليت الأمة العربية تعي حقيقة الدرس ، فتؤلف بين شعوبها وتوحد كلمتها على قلب رجل وأحد ولله در الشاعر حيث يقول :بلاد العرب أوطانـي        من الشام لبغـداد ومن نجد إلى يمــن        إلى مصر فتطوان لسان الضاد يجمعنـا بقحطان وعدنـان ويقول الشاعر الآخر :ويجمعنا إذا اختلفت بلاد            بيان غير مختلف ونطق ومما هو جدير بالذكر ، وللحق والآن صاف أن مدير المدرسة الأستاذ/ عبد العزيز الزهراني كان رجلاً كريماً ، يجمعنا جميعاً على مائدته بين الفينة والفينة ،فلم يكن الرجل ثقيل الدم عندما يأتي  إلى بيوتنا ، أو يشاركنا طعامنا ، وإنما كان الرجل منحارا وله عندنا أيادي بيضاء ، فظله خفيف ومشاركته تفضي جو المرح في البيت ، وكان الرجل دواس ظلمة ولا يهاب ، جريء في الحق ، ويشد أزر مدرسيه باستمرار .لقد كان لي في بلاد بني مالك ، شرف التعرف على زوجتي وأم أبنائي ، (أم صلاح) بطريقة غير مباشرة .كانت مدرسة البنات في قرية مجاورة من حداد بني مالك اسمها ( العمشان ) ، وكان هناك تبادل زيارات بين مدرسي مدرسة حداد بني مالك ومدرسة العمشان ، كانت هناك مباريات رياضية بيننا في كرة القدم وكرة الطائرة ، مرة يأتون لحداد ومرة أخرى يذهب إلى عمشان وكانت المسافة ربما لا تزيد على خمسة عشر كيلو متراً.وهناك علمت أن إحدى مدرسات المدرسة تدرس في جامعة بيروت العربية، وفي كلية التجارة في السنة الأولى ، وكنت أنا أدرس في نفس الجامعة وفي نفس الكلية ، ولكن في السنة الجامعية الثانية وأحمل مادة المحاسبة من السنة الأولى ، وقد أخبرني مكتب الارتباط الجامعي أنه لا بد من الحصول على كتاب المحاسبة الجديد لأنه ربما يتغير الدكتور الذي يدرس المادة ، فيتغير معه الكتاب الذي يدرسه ، ويقرر الدكتور الجديد كتاباً من تأليفه .فكانت هذه المدّرسة زميلة دراسة ، دون أن أعرف عنها شيئاً سوى أنها تدرس في الجامعة التي أدرس فيها .في المساء تعرفت على والد هذه المدرسة ، في جلسة مائدة العشاء الذي عملها لنا زملاؤنا المدرسون وفي تلك الجلسة / وعلى انفراد / طلبت منه أن أعرف اسم كتاب المحاسبة في السنة الأولى الجامعية وكذلك اسم مؤلفه وأعلمته بأنني طالب في السنة الثانية وأحمل المحاسبة من السنة الأولى وبالفعل خرجت معه إلى قرب بيتهم وجاء لي بالكتاب فوجدته قد تغير ، فأخبرته أنني بحاجة إلى هذا الكتاب وقتاً قصيراً لمقارنة المادة التي بداخله بالكتاب الذي عندي ، وسأعيده لهم بعد يوم أو يومين بالطريقة المناسبة ، دخل إلى المنزل وكلم ابنته بالموضوع وقال لا بأس بذلك .ويا لجميل الصدف ، يشاء المولى عز وجل ، أن تنتقل مدرسة بنات العمشان بعد شهر تقريباً إلى بلدة حداد بني مالك التي كنت أدرس بها والسبب أن حداد منطقة متوسطة بين قرى متعددة ، وعدد الطالبات في بلدة حداد اللاتي يرغبن في الدراسة أكثر من عدد بنات العمشان ولهذا تم نقل المدرسة تمشيا مع المصلحة العامة .أرجعت كتاب المحاسبة المستعار قبل أن تنتقل المدرسة إلى حداد وكان الكتاب بداية التعارف بيني وبين والد هذه الفتاة .كان آباء مدرسات المدرسة المرافقين لهن ، جميعهم من كبار السن تقريباً ، كن ست مدرسات في المدرسة ، ثلاث مدرسات أردنيات وواحدة سورية واثنتان من مصر زوجات لزملائنا في المدرسة .وكنا مجموعات من المدرسين العزوبين ، كل ثلاثة أو أربعة يسكنون في عزبة واحدة ، وكان آباء هؤلاء المدرسات يزوروننا في البيت وكنا لا نبادلهم هذه الزيارة حيث كانت ظروفهم السكنية لا تسمح بذلك واتقاء للشبهات كذلك .كنت في حداد أحياناً أقوم بخطبة الجمعة بالمسجد والصلاة في الناس عندما كان إمام المسجد الشيخ / هنيدي وهو تاجر أيضاً يذهب لمدينة الطائف لقضاء حاجياته ، واحتياطاً وقبل سفره يرسل لي كتاب خطب الجمعة مع ولده ويقول لي الإبن يرجوك أبي أن تحضر خطبة الجمعة فإذا لم يصل يوم الجمعة تقوم بالصلاة بالناس بدله وإلقاء خطبة الجمعة وتكرر هذا الأمر عدة مرات ، ولذلك كان الناس يطلقون علي في حداد الشيخ أحمد ، وكان هذا شرف عظيم لي فربما كنت لا أستحق هذا اللقب وأنا لم يتجاوز عمري الثانية والعشرين بعد .وفي إحدى خطب الجمعة ، حيث كان مريضاً وصعد المنبر ليخطب وفي منتصف الخطبة أجهده المرض واصفر وجهه وتغير صوته فأشار إلي أن أسعفني في تكملة الخطبة ، أخذت بيده وأنزلته ببطىء عن المنبر وأجلسته مكاني في الصف الأول ، كان يخطب من ورقة مكتوبة بخط يده وعلى طريقته فأكملت الخطبة حيث وصل ، وكانت إحدى مفاجآت هذه الخطبة أنه يكتب نصف الكلمة في نهاية السطر ويكتب نصفها الآخر في أول السطر الآخر ، فأنا لم أنتبه إلى هذه النقطة في بداية إكمال الخطبة ووقعت في ( المطب ) حيث لم أستطع إكمال الكلمة أو قراءتها إلا بعد أن انتبهت إلى السطر الثاني ، فمثلاً كلمة المؤمنون كان يكتب المؤ- في نهاية السطر ومنون في بداية السطر التالي.وكان والد هذه الفتاة – التي سبق الحديث عنها – رجلاً متديناً وقد ارتاح لي من هذه الناحية ، كان عندما يزورنا في البيت يأنس إلى الحديث معي ، ويحب أن يلعب ( النرد ) معي ، وقد لاحظ زملائي المدرسون ذلك ، فحاولوا أن يتندروا معي بقولهم جاء عمك أبو سليمان ، عمك أبو سليمان لا يحب أن يلعب الزهر إلا معك ، عمك أبو سليمان لا يحب الجلوس إلا على سريرك وكنت أقابل كل ذلك بالابتسام .انتهت السنة الدراسية ، وذهبنا إلى بيروت للاختبار، والدراسة في بيروت مختلطة ، وهناك كان لنا في كفتريا الجامعة اللقاء الأول لنا في هذه الحياة الحلوة، تجاذبنا أطراف الحديث مع فنجان القهوة ، وتحدث كل منا عن ظروفه الخاصة ، وفي نهاية اللقاء ، تعطلت لغة الكلام،  وتخاطبت لغة العيون .وبعد سنة من هذا اللقاء وبتاريخ 14 / 8 /1970 م تم زفافنا ، وابتدأت حياتنا الزوجية ، مليئة بالحب والهناء ولا زالت والحمد لله ، وكان ثمرة هذا الزواج خمسة أبناء أربعة ذكور وابنة وحيدة ، ونسأل الله أن يكلأ الجميع بعنايته .أكبرهم صلاح الدين بكالوريوس حاسب آلي متزوج وعنده ولدان ( أحمد وأمجد ) وعلاء الدين مهندس كيماوي في طريقه إلى الزواج هذا العام إن شاء الله ، وعماد الدين ( سنة ثالثة ) طب بشري ، وبهاء الدين دبلوم حاسب آلي ، ووحيدتنا الحبيبة تدرس في سنتها الجامعية الأولى لغة انجليزية .والحمد لله أننا أسرة متوسطة العدد ، كافحنا طويلاً أنا ووالدتهم لإيصال أنفسنا أولاً ، إلى المستوى الجامعي ثم لإيصال جميع أبنائنا إلى هذا المستوى والحمد لله ، أسرة جامعية أباً وأما وأبناءاً ، وأستمرت بنا الحياة في بني مالك، هنيئة رتيبه طيلة عشرة سنوات، حصلنا انا والزوجة ام صلاح على الشهادات الجامعية بالآن تساب، ورزقنا الله في بني مالك خلال هذه الفترة ثلاثة أبناء هم :- صلاح الدين وعلاء الدين، وعماد الدين والحمد لله.واستمر بنا المقام في بني مالك منذ عام 1387-1397هـ تخرج خلالها ثلاثة طلاب من تلاميذي الذين درستهم في نفس المدرسة وعادوا بعد تخرجهم من دبلوم المعلمين بالطائف ليعملوا مدرسين معي في نفس المدرسة التي تخرجوا منها وهم الأخوة / محمد عمر المالكي واستلم إدارة المدرسة والاخ حمود بكيم المالكي وكيلاً للمدير والاخ مسفر بن جبر المالكي مدرساً.وكانوا جميعاً من خيرة الشباب، وقد عاملونا بكل احترام وتقدير، ولم ينسوا أبداً اننا كنا أساتذه لهم يوماً. كما يفعل البعض؟!ومن الطرائف والشدائد التي حصلت خلال سنوات وجودنا في بني مالك، ولا استطيع تحديد التواريخ بدقة تامة لأني اكتب من الذاكرة,في اول يوم من ايام الدوام المدرسي، وكانت بداية امتحانات الدور الثاني لذلك العام كلفني مدير المدرسة باختبار أحد طلاب الصف الثالث في مادة الإملاء ثم كلفني بتصحيح تلك الورقة، وقد لاحظ والد ذلك الطالب اختباري لإبنه، وكأنه كان يرافق ابنه ولاحظ ايضاً انني قمت بتصحيح الورقة .وبعد فترة بسيطة / ساعة تقريباً/ قابلني هذا الرجل وألح علي أن أخبره بنتيجة ولده في مادة الإملاء وأراني اشعار نجاح ولده، وانه ليس عنده سوى مادة الإملاء، ويريد السفر إلى عمله في الرياض، ويجب أن يطمئن على نتيجة ولده قبل سفره، حاولت التخلص منه وقلت له أن أسرار الإمتحانات لايمكن البوح بها إلا بعد ظهور النتائج، وان الذي يصحح الورقة غير المختبر فقال لي : إنك أنت الذي صححت الورقة فأنا كنت أراقب ذلك، واشتد في إلحاحه ورجائه ومن قبيل البشارة، أعدت عليه السؤال، أنت متاكد ان ابنك مكمل في الاملاء فقط فقال نعم فقلت له، إنه ناجح وكان هذا خطأ مني اعترف به .وفي صبيحة اليوم الأول لبداية العام الدراسي ودوام طلاب المدرسة، كانت المفاجاة، حيث ظهر اسم الطالب السابق من ضمن الطلاب الراسبين في الصف الثالث، وكان ابوه لازال موجوداً في البلد، لم يسافر، وكان يقف مع أولياء الطلاب الآخرين بجانب طابور الصباح.وعندما سمع أسم ولده في الصف الثالث، أكفهر وجهه وبعد دخول الطلاب إلى المدرسة، دخل إلى الإدارة محتجاً بأن ابنه قد نجح في الإملاء وأن الأستاذ قال لي ذلك . وكان لا يعرف اسمي، كنت جديداً، لم يشر الرجل الي وإنما ترك كلمة الأستاذ مبهمة دون تعيين وعندها رفع المدير صوته مؤنباً، من هذا الأستاذ ؟ هذا عمل غير جائز؟ وهذه أسرار الامتحانات؟ وهذا كلام فاضي؟ وغير ذلك من الألفاظ….وعندها تداركت الموقف، وقلت وبكل هدوء أنا الأستاذ الذي أخبرت الرجل بالنتيجة لأنه ألح عليّ بذلك؟ وقال: إنه مسافر؟ وأراني تقرير إكمال ولده في مادة الإملاء فقط وبالفعل نجح الولد في الإملاء؟ ويجب أن ينجح .. وأكملت والخطأ ليس مني، إنما الخطأ من إدارة المدرسة التي سمحت بدخول أولياء الأمور إلى المدرسة ومراقبة أعمال المدرسين، اسأل الآن هذا الرجل كيف عرف اني اختبرت ابنه وكيف عرف أنني أنا الذي صححت ورقة إملاء ابنه، حاولت أن اعتذر له بذلك، وقلت له أن المصحح غير المختبر فقال لي : أنا راقبتك يا أستاذ تصحح الورقة وكان يراقب ورقة ابنه لأنه سمح له بدخول المدرسة، وأرجو ان تراجع سجلاتك يا أستاذ للتأكد من نجاح أو رسوب هذا الطالب. أخرج المدير ولي أمر الطالب من الإدارة، وقال تراجعنا غداً بعد أن اطلع على تقرير الطالب ووجد انه راسب في الإملاء فقط، ورفض الرجل إعطاء التقرير للمدير، وبدليل نية الرجل على متابعة قضية ولده.بعد خروج الرجل عاتبني المدير بلطف قائلاً: يا أستاذ ليس لك حق ان تقول لي أمام الرجل يجب ان ينجح الولد.رددت عليه وأنت يا أستاذ ليس لك حق ان تؤنبني دون أن تعرف الحقيقة وأنت الذي سمحت لأولياء الطلاب بدخول المدرسة .وبعد الرجوع تبين أن هذا الطالب مكمل في مادتي الفقه  والإملاء ولم يكتب في إشعار النجاح سوى مادة الإملاء فقط.هذا خطا الأستاذ رائد الفصل الذي كتب الإشعار، وخطأ الأستاذ الذي وقع على مراجعة الإشعار، ثم خطأ إدارة المدرسة لعدم التأكد من صحة النتائج ومراجعتها بدقة . اجتمعت الهيئة التدريسيه برئاسة المدير وقررت إعادة اختبار الطالب في مادة الفقه لأنها مادة شفوية واعطاء الطالب مدة يومين للاستعداد على اختبار المادة، واختبر الطالب ونجح وانتهى الأمر، ولكن الأمر سيكون أصعب بكثير لو كانت المادة تحريرية، وكان لابد من استشارة إدارة التعليم في الأمر، ورفع الأمر إلى الوزارة.وكان هذا هو الموقف الأول والأخير مع هذا المدير الآن سان الذي تحدثت عنه في الصفحات السابقة، وما نحسبه إلا كذلك ولا نزكي على الله أحدا.ومن طرائف ما حدث كذلك، أنني كنت منتسباً للجامعة وكنت أفضل الدراسة وقت العصر وأنا ماشٍ ومتجول بين الاراضي الزراعية في البر، وكان يفصل بين الأراضي الزراعية بين القطعة والقطعة، ارتفاع بسيط من الأرض اليابسة يسمح بالمشي عليه ولا يزيد عرضه عن (50-70) سم تقريباً وكان لي مكان معين أمشي به كل يوم تقريباً، لان مقرارت كلية التجارة تحتاج إلى دراسة جدية، وخاصة مادة القانون التجاري والمواد الاقتصادية وغيرها.وقد انتشرت هذه العبارة في القرية بين الرجال والنساء خاصة " الأستاذ احمد ضعّيف يتمشى كل يوم على الزُبر" والزبر في عرف أهل تلك القرية جمع زبير ، والزبير هو ارتفاع الارض الذي يفصل بين ( الركبان) قطع الاراضي الزراعية وكلمة( ضعّيف) بعد السؤال عنها قالوا إنها تعني انه رجل طيب. وهذا المعنى يخالف المعنى للكلمة التي وردت في القران الكريم في الآية " وكل شئ فعلوه في الزبر" والزبر في الآية جمع لكلمة زابور ومعناها الكتاب، والزبر الكتب، والزابور الكتاب السماوي الذي أنزل على موسى عليه السلام واصبحت هذه الجملة بعد انتشارها عن غير قصد على السنة رجال ونساء البلدة . أصبحت هذه الجملة قولاً للتندر والتسلية عند بعض الأخوة المدرسين، وحملّوها غير معناها هذا على سبيل المزاح والترفيه فقط.ومن الحوادث الطريفة ذات العظة والعبرة لشبابنا الواعد من خلال قراءته لهذه المذكرات :كان يعقد في المملكة، في تلك السنين، اختبارات عامة لجميع المراحل الابتدائية، المتوسطة، الثانوية وكان يعقد في بني مالك لجنة اختبار للمتوسط والابتدائي ويأتي  رئيس اللجنة ومساعده من الطائف.وقد جاءنا في إحدى السنوات، أحد مدراء مدارس الطائف ووكيله، رئيس للجنة ومساعد للرئيس، ووصلا إلى حداد قبل الاختبار بيوم وأحد الساعة العاشرة ليلاً وطلب الاجتماع بنا في المدرسة، وقال لنا الاختبار غداً الساعة السابعة وطلب منا التوقيع على اربعة ايام سابقة، كان من المفروض أن يكون فيها عندنا ليحضر لعمل الاختبار ويضمن سير لجنة الاختبار ويعطي التعليمات للملاحظين والمراقبين في هذه الأيام الأربعة . وفي صبيحة اليوم التالي بدا الاختبار وذهبنا إلى لجاننا كانت الفصول صغيرة لاتسع أكثر من عشرة طلاب ولاتحتاج اكثر من ملاحظ واحد،ولا يوجد مكان لجلوس أو وقوف المدرس إلا بجانب باب الغرفة .خرج رئيس اللجنة الأستاذ(فلان) ولا أريد ذكر اسمه فلازال على رأس عمله مديراً لإحدى مدارس الطائف، وأصبح فيما بعد اخاً وصديقاً ولكن سبق السيف العذل.أرسل لي رئيس اللجنة أحد الفراشين ليخبرني بصوت مرتفع وامام طلابي الذين أدرسهم- وعلى قدر فهم ذلك الفراش- قال بصوت سمعه جميع الطلاب المختبرين : رئيس اللجنة يقول لك ( قوم عن الكرسي).لم أحرك ساكناً، سمعت الكلام على مضض، يحق له أن يطلب ذلك ولكن بغير هذه الطريقة، كان باستطاعته أن يأتي  قبل الاختبار بيوم أو يومين من الأيام التي وقع على مسير بدل انتدابه رئيساً للجنة لاربعة أيام خلت بالإضافة إلى الأيام القادمة وجاء ليطبق نظاما في اليوم الخامس دون أن يعطي تعليمات وخطة سير للامتحانات، لم يمض على مجئ الفراش أكثر من دقائق حتى جاء نائب رئيس اللجنة، وهمس في أذني والطلاب القريبين مني يسمعون ذلك الهمس الذي فحواه ان اقوم عن الكرسي، لم تعجبني هذه الطريقة، وتصرفت بشكل انفعالي خاطئ، عالجت الخطا بالخطأ، خرجت من اللجنة وكنت ملاحظها الوحيد في الفصل ، ومسكت الكرسي بين يديّ ورميته بشدة في ساحة المدرسة وانا أقول بصوت مرتفع : متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحراراً.وتركت اللجنة وخرجت، وعندما رآني رئيس اللجنة وسمع ما قلته، قال: اشهدوا عليه ترك اللجنة بدون رقيب، قلت له افعل ما تستطيع فلن اعود إلى اللجنة حتى تفهم أنت ما معنى النظام؟!وخرجت من المدرسة متوجهاً إلى بيتي، وفي الطريق إلى البيت لحق بي مدير مدرستي الأستاذ محمد عمر المالكي وكان من تلامذتي وكنت ساعده الأيمن في المدرسة، حاول جاهداً ان يعيدني إلى المدرسة، ورفضت رفضاً قاطعاً، وفي النهاية قال : عليَّ الحرام من زوجتي لابد أن تعود معي، وعدت مكرهاً بعد هذا اليمين والذي ارفض ان يقع على شخص يحبني ويقدرني كثيراً.كان هذا المدير قد مرَّ عليَّ واستشارني في غداء الضيوف ( رئيس اللجنة ومساعده) وكنت قد أشرت عليه بأننا نحتاج إلى ذبيحتين لان العدد كبير.وبعد ان حدث ما حدث، وانا راجع معه إلى المدرسة قلت له / إنني لن اشترك في اكرام هذا الرجل، ولن أحضر الغداء، قال: كما تريد ولم يزد. وهنا اسجل موقفاً شجاعاً لجميع الأخوة مدرسي المدرستين الابتدائية والمتوسطة، وهو رفضهم لاكرام هذا الرجل الذي أهان زميلاً لهم بغير حق، فكان من الاجدر به ان يعطي التعليمات ثم يطالب بتطبيقها ثم يرى من يخالف هذه التعليمات ويحاسبه ذكرني هذا الموقف قول الله عز وجل " أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم وانتم تتلون الكتاب أفلا تعقلون" (1) نسي أنه في الليل طلب منا التوقيع على دوام أربعة أيام لم يكن هو موجوداً فيها في بني مالك.وقد قام المدير بعمل دعوة شخصية له لم يدع لها أحدا من المدرسين غير وكيله وفي اليوم التالي، جلس جميع المدرسين على الكراسي في اللجنة أثناء اختبار الطلاب، وبقيت المدرس الوحيد الذي رفض أن يجلس على الكرسي طيلة أيام الاختبار  ولأعلمه معنى النظام.وفي اليوم التالي اجتمعت معه في المساء على مائدة عشاء، عملها الشيخ زايد الحارثي وهو قاضي المحكمة الشرعية في حداد، وكان رئيس اللجنة من جماعته، وسمع الشيخ بما حدث بيني وبين رئيس اللجنة والذي تبين انه حدّثه عني بالخير بما فيه الكفاية، كذلك كان هناك أثر واضح لمدير المدرسة الذي اعمل فيها، بالإضافة إلى تعاملي معه والدقة في عملي والذي حاولت جاهداً الضغط على نفسي – فوق العادة- من اجل أن أعطيه درساً قوياً، فكنت يومياً أصل قبله إلى الدوام في المدرسة.وبعد اسبوع تقريباً مما حدث وفي أثناء عمل اللجنة، لاحظ رئيس اللجنة ان معظم المدرسين يجلسون على الكراسي، وبعظهم يشرب الشاي ، حمل أحد الكراسي وجاء به إليَّ وقال تفضل يا أستاذ اجلس فقلت له شكراً، ان النظام هو النظام يا أستاذ، وكنت قد أقسمت ان لا اجلس طيلة فترة الاختبار اذا كان هذا هو النظام.وقبل انتهاء أعمال اللجنة، حاول كثيراً ان يحسِّن من علاقته معي وعرض عليّ ان ينقلني في نهاية هذا العام إلى المدرسة التي يعمل بها في الطائف، واعتذرت له وقلت له : إنني مرتبط مع زوجتي حيث تعمل مديرة لمدرسة بنات حداد بني مالك وشكرته على ذلك.وبعد سنوات قابلته فجأة في مدينة القاهرة، وكنت أدرس تمهيدي الماجستير في معهد الدراسات بالقاهرة، وكان استقباله حاراً وحاول ان يدعوني معه إلى الفندق، واعتذرت له، حيث كنا وسط معمعة الاختبارات.ومن الطرائف الغريبة أيضاً، حدث ان زارنا في مدرسة حداد بني مالك أحد الأخوة الموجهين المصريين وكان كبير السن من الموجهين القدامى الذين تقاعدوا في مصر، وكان رجلاً طيباً، دخل حصة علوم عند الاخ المدرس السعودي(فلان) وكان موضوع الدرس عن السمكة.وكان اليوم يوم سوق، كل مدرس له صندوق كرتون في فصله ليضع فيه مشترياته، لان كل يوم سوق يشتري كل وأحد منا ما يحتاجه طيلة أيام الأسبوع.وكان المدرس السابق قد اشترى بعض الدجاج، ووضعه في الكرتون داخل الفصل، وعندما دخل عليه الموجه- كان لم يتغير اسمه بعد إلى مشرف تربوي وربما كان يطلق عليه مفتش في ذلك الوقت – اخرج دجاجة أثناء الشرح وقال للطلاب أترون السمكة؟ إنها مثل هذه الدجاجة، وخرج المفتش من عنده مستاءً جداً، قابلني في ساحة المدرسة وقال لي يا أستاذ أحمد إن المدرس ( فلان مستهتر) وقد حصل منه في الحصة كذا وكذا ، فحاولوا أن تنصحوه لان ذلك مضر لمصلحة الطلاب.حاولت أن انصح هذا المدرس، وقلت له أليس عيب عليك يا رجل ان تستهتر برجل اكبر من أبيك داخل الفصل وتقول عن الدجاجة سمكة أمامه، قال لي ضاحكاً بشدة – وكان يضع تلبيسه من الذهب على أحد أسنانه- حتى بدا سن الذهب بين أسنانه : والله يا أستاذ مادام ( أبو شنقيط) –وتعني الذي يلبس (البنطلون)- في هذه البلاد، فلن نسأل عن شئ، ماذا سيحدث ؟! هل سيلغون عقدنا ويأتون بمدرس من الخارج بدلنا؟!إن سنوات بني مالك العشرة كانت طويلة وتحمل الكثير من الذكريات بحلوها ومرها.ومن الذكريات المؤلمة التي كادت تودي بحياة ولدي الثالث عماد الدين ، لم يكن في حداد بني مالك في ذلك الوقت تيار كهربائي، وكنا نستعمل في البيت ثلاجة على الجاز، وكانت ميزة هذه الثلاجة أنها حساسة جداً لأي حركة وتحتاج أن تكون دائماًُ متوازنة، حتى تكون شعلتها عادية وفي أحد الأيام وقد نمنا مساء والثلاجة شغالة على ما يرام وفي منتصف الليل استيقضنا على عطاس وضيق أحد أبنائنا في التنفس وكان صغيراً، يكاد يختنق من أثر الغاز والسناج الذي يخرج من الثلاجة أسوداً، وكان كل البيت مسوداً، رفعنا ضوء الفانوس، وأسرعت في حمل الولد إلى خارج المنزل، وهناك استنشق الهواء النقي واسترد أنفاسه وعادت له الحياة، بعد ان كان يعاني من سكرات الموت من حالة الاختناق، وكان وجه الطفل مزرقاً ولم يعد إلى طبيعته إلا بعد ساعات. بعد ذلك قررنا نقل الثلاجة من مكانها، بعيداً عن غرفة النوم، وقررنا إبقاء شباك المجلس مفتوحاً باستمرار، حتى لو حدث الأمر مرة ثانية ، يكون هناك منافذ لتجديد هواء البيت، واصبحنا حريصين على تفقد شعلة الثلاجة دائماً قبل النوم، واثناء الليل، وتفقد الابناء باستمرار، وسبب لنا هذا الحادث عقدت الخوف من هذه الثلاجة، حتى دخلت الكهرباء الأهلية أولا إلى حداد ووصلت إلى البيت، واستبدلنا الثلاجة الكازية ، بثلاجة كهربائية، والحمد لله على سلامتنا من هذا الحادث.أما الحادثة الأكثر ألما وكانت قبل الحادثة السابقة فهي حادثة ميلاد ولدنا الأول صلاح الدين، كان في البلدة مستوصف وكان فيه طبيب وممرض وممرضة، كان الممرض سودانياً وكان صاحبنا، وكانت زوجته من الحبشة، رفيقة لام صلاح وكان لها ابنه تدرس في المدرسة عند ام صلاح وكانت علاقتهما قوية جداً.بدأت زوجتي تشعر بالآم المخاض في شهرها التاسع، فأسرعت لنداء صاحبتها الممرضة لتكون بجانبها، واستمرت آلام المخاض أربعة وعشرون ساعة ولم ينزل الولد، لقد اُرهقنا جميعاً وبقينا بدون نوم طيلة تلك الليلة ونهار اليوم السابق، وبعد ذلك قررت الممرضة النزول إلى المستشفى في الطائف، وكانت قابلة قانونية وقالت من المستحيل ان ينزل الولد لان الزوجة تعاني من ضيق في عظام الحوض.وجهزنا سيارة الإسعاف التابعة للمستوصف بفراش تنام فيه الزوجة ، نظراً لصعوبة الطريق فهي ترابية غير معبدة وتسير السيارة فوق الحجارة والرمال وتقطع في الطريق ودياناً عديدة والمسافة بين حداد والطائف عن طريق الباحة حوالي 130 كيلومتراً منها 40 كيلومتراً ترابياً غير ممهدة ، وتسعون كيلومتراً طريق معبدة .ونزلنا من فورنا إلى الطائف، وكنت قد أستاذنت من مدير المدرسة في التغيب عن المدرسة ، فقال لي اذهب حتى تضع زوجتك وترجع بالسلامة.وفي الطريق، حدث مالم يكن بالحسبان، كان في الوادي اثر لجريان الأمطار والمياه ، ولم ينتبه السائق لذلك، لأنه كان يريد ان يوصلنا بأقصى سرعة وهو يسمع صوت تألم الزوجة في السيارة.وربَّ عجلة تهب ريثا، غرزت السيارة في وسط الوادي ونزلنا وسط الماء وحاولنا تدارك الأمر، وساعد في ذلك أن السيارة كانت من نوع (لاندروفر) وفيها(دبل) ولم يطول بنا الأمر حتى سهل الله لنا الخروج من الوادي الذي يسيل بالماء.ووصلنا المستشفى، وأدخلونا قسم الطوارئ، وطلبوا مني التوقيع على تعهد لاتخاذ الإجراء اللازم او العملية إن احتاج الأمر وانا غير موجود فوقعت على ذلك . لم اغادر المستشفى وكانت الممرضة جزاها الله خيراً هي والدولة التي وفرت هذه الوسائل لإغاثة المضطرين أمثالنا على بعد 130كيلومتراً من المستشفى.وبعد ساعة من وصولنا المستشفى، أتى الله بالفرج وكانت البشرى الكبرى بان رزقنا بمولود ذكر أسميته صلاح الدين تيمناً بالسلف الصالح فصلاح الدين الايوبي هو الذي حرر الأقصى من أيدي الصليبين قديماً، ونرجوا الله ان يكون لصلاح الدين الوادي أثر في استرداده مرة أخرى من ايدي الصهاينة اللئام.ونسينا في غمار الفرحة بالمولود الجديد، ما أجري لوالدته من عملية (جفت) أي سحب المولود باللاقط، وبقيت في المستشفى عشرة أيام حتى استعادت عافيتها.وفي اليوم الثاني لميلاد الطفل، هدأت بعض الشئ من المعاناة الشديدة التي كابدتها طيلة الأيام والليالي السابقة، ولما عرفت ان زوجتي ستبقى في المستشفى لمدة أسبوع تقريباً، أردت تخفيف المسئولية عن مدير المدرسة، فكتبت معروضاً، شرحت فيه ظروفي القاسية، واضطراري للبقاء بجانب زوجتي التي ترقد إثر عملية ولادة في المستشفى، وقلت أنني أحتاج إلى إجازة اضطرارية لمدة أسبوع للبقاء بجانب زوجتي التي ليس لها في هذه الغربة إلا الله ثم أنا.نظر إلي مدير التعليم وهو يقرأ في المعروض وقال: يا أستاذ نحن تعاقدنا معك وليس مع زوجتك، يكفي ثلاثة أيام وقبل ان يكتب شيئاً على الخطاب، سحبت المعروض من يده بشكل عفوي ولاإرادي ومزقت الخطاب أمام ناظره، وقلت سأغيب عن المدرسة حتى تتعافى زوجتي، واحسموا من راتبي ما تريدون، لم ينبس مدير التعليم ببنت شفه، هالته المفاجأة، وربما أدرك خطأه، ولا ادري هل رسخ في ذهنه اسمي او اسم مدرستي، وخرجت من فوري من مكتب مدير التعليم دون ان يستوقفني، لقد عشت خلال الثماني والأربعين ساعة الماضية، لحظات صعبة لم نذق فيها طعم النوم وتعرضت زوجتي وولدي إلى الموت عدة مرات، ولم افكر في تلك اللحظة لا بالعمل ولا بالوظيفة وإنما كنت أسأل الله السلامة .ومن هنا أتوجه بصوتي إلى كافة المسئولين وخاصة من هم في قمة الهرم الإداري في إي دائرة حكومية او غير حكومية وألفت نظرهم إلى ضرورة الاهتمام بالعلاقات الإنسانية ما استطاعوا إلى ذلك سبيلاً، فإن المعاملة الحسنة في إدارة الأفراد تنعكس إيجابا على حسن أداء العمل والإخلاص فيه، ولو طلب من هذا الشخص الذي أُحسِنتْ معاملته، ان يعمل في منتصف الليل وخارج وقت الدوام لن يبخل بذلك ، وعمل بدون أجر وبنفس راضية لانه ما جزاء الإحسان إلا الإحسان.وبالعكس لو طلب المدير الذي تزمت وتشدد في معاملة مرؤوسيه، ولو طلب من هؤلاء أن يساعدوه في العمل وقت الأزمات خارج وقت الدوام فانه لن يجد أحد يلبي طلبه، لان المعاملة الحسنة والعلاقات الإنسانية الطيبة تفعل فعل السحر، شريطة أن لا تكون هذه العلاقات على حساب الإخلال بالعمل أو التفريط فيه . عدنا إلى بلدة حداد بعد عشر أيام، ثلاثة بدل أثنين وبدأنا نفكر في عمل عقيقة هذا المولود الجديد، وعلى سلامة والدته التي ظن كثير من أهل البلدة بعد أن سمعوا عن تعسر ولادتها، بانها لن تعود إلى القرية.وفوراً في يوم الجمعة بعد وصولنا إلى البلدة قمت بدعوة جميع موظفي الدوائر الحكومية، الإمارة، الوحدة الزراعية ، المحكمة الشرعية، المستوصف، مدرسي المدرستين الابتدائية والمتوسطة، وآباء المدرسات في مدرسة البنات وكانوا يتجاوزون الخمسين رجلاً، وذلك لتناول طعام عقيقة ولدي صلاح الدين، في المكان المعهود بذلك، المواريد.أحضرت كبشين أملحين كبيرين، لغداء هذا الجمهور الكبير من المدعوين، وذهبنا إلى مكان خاص بالرحلات اسمه (المواريد) فيه مياه جارية وفيه غدير كبير يسمى غدير (أبو سبعة) لانه كما يقول أهالي المنطقة مات فيه حتى الأن سبعة أشخاص.وحطت بنا الرحال قرب هذا الغدير، وكان معنا أكثر من عشرة سيارات، البعض كان يساهم في الذبح والبعض كان يستعد لعملية الطبخ، والبعض يلعب الكرة، والبعض يلعب النرد والبعض استعد للسباحة في الغدير .وعند ذكر السباحة، حدثت المفاجأة غير المتوقعة، والتي لم تكن في الحسبان، أحد الزملاء المدرسين واسمه زكريا الدّن أردني الجنسية طويل ممتلئ الجسم، خلع ملابسه مع من خلع، وكانت جثته ضخمة سأله الزملاء بعد أن لفت نظرهم، بأن شكله وحجمه غير ملائم للسباحة ولكنه أصر على النزول معهم، بل أصر أن يرمي بنفسه من أعلى الصخرة – التي بجانب الغدير- مثلهم.إن معظمهم سباحون محترفون، رموا بأنفسهم من أعلى الصخرة في الغدير وبقوا ينتظرون قفز زميلهم زكريا وسط الغدير لفت انتباه الجميع قبل نزوله حيث رفع صوته قائلاً : باسم الله، والله اكبر بأعلى صوته، وقفز إلى وسط الغدير ونزل فوق الغدير كالصاعقة، حيت نزل على بطنه ضاربا الماء بقوة، وغطس في الماء وعندما خرج إلى سطح الماء، كان يضرب الماء بيديه وكأنه يستنجد الآخرين وهو في حالة غرق.وهنا بدأ الجد، فلابد من إنقاذه، جثته ضخمة تعلو وتهبط فوق سطح الماء، وتتخبط على غير هدى، كان هناك أستاذ ضعيف الجسم، ونحيل البنية أسرع اليه، ولمجرد ان وصله، مسكه وتشبث به، ولم يستطع هذا الأستاذ واسمه خالد السخارنه ان يحركه إلى الأمام، غطس في الماء فتركه الغريق وهناك هب أستاذ يعيش في قطاع غزة بجانب البحر واسمه/ محمد رضوان، خلع ملابسه بسرعة، وغطس في الماء وأتاه من الخلف، لم يمسكه نفسه وأخذ يدفع به إلى الأمام من إليته من الخلف، حتى وصل به إلى حافة البركة، وهنا أمسك به بعض الإخوان من يديه وسحبوه إلى خارج الغدير، واجروا له عملية تنفس صناعي لانه شرب كثير من الماء.وبقي الأستاذ زكريا الدن صامتاً بدون كلام أكثر من ساعة، حتى خشينا عليه عقد اللسان من شدة الخوف وبعد ساعة تقريباً بدا يستعيد قواه ويثوب إلى رشده وعندما سئل لماذا عمل بنفسه هكذا، وهو لا يعرف السباحة أجاب : بأنه كان يسبح في غدران سباحة صغيرة في منطقة القصيم عند نزول الأمطار.والحمد لله كثيراً ، أن سلمه الله، فقد كاد ان يتحول الفرح بتناول غداء العقيقة، إلى عزاء بفقد أحد الزملاء المدرسين ولكن الله سلم وحمدنا الله كثيراً على ذلك.كل هذا حدث في مولد الابن الأول صلاح الدين أما ما حدث في ميلاد لابن الثالث عماد الدين فكان أشد وأعظم وكنا لا نزال في بلدة بني مالك، شعرت الزوجة ببعض الالام وهي في شهرها السابع فنزلنا إلى مستشفى الملك فيصل بالطائف، واجرى الأطباء معها الفحص اللازم فور وصلولها إلى المستشفى وادخلوها للبيت في القسم النسائي بالمستشفى وقد طلبوا مني التوقيع على إقرار بالموافقة على أي إجراء يلزم للمريضة من عمليات وغيرها، ووافقت على ذلك بدون وجود خيار أو بديل.كان عندي ولدان هما صلاح الدين وعلاء الدين، وكانا موجودين بالسيارة، ذهبنا لنقضي الجزء المتبقي من الليل عند أحد زملائنا الذين كانوا معنا في حداد، وهو الأن مدرس في الطائف ، ودخلنا عليه فجأة وبدون مقدمات، شاهد الأولاد معي ، وأمهم لا ترافقهم، فقلت له : إننا تركناها في المستشفى، رحب بنا، واستدعى بعض أصدقائنا في الطائف للسمر معنا، ولعبنا (البلوت) إحدى لعبات الورق إلى منتصف الليل.كنا نلعب الورق، وفي تلك الأثناء كان الأطباء يقومون بعملية ولادة قيصرية، والأدهى والأمر من ذلك كله، ان كمية البنج التي أعطيت لها كانت غير كافية، وعاد لها وعيها أثناء العملية، وتحركت تحت ضربات مبضع الجراح وحدث هناك الارتباك، واستدعي طبيب البنج المختص فوراً من البيت، وعمل لها ( كنسولتوا من الأطباء).وقد أخبرتني احدى الممرضات التي كانت نشترك في العملية مع الأطباء بان جهاز نبضات القلب كان يسجل انخفاضاً مستمراً في عدد النبضات، وحاول الأطباء الإسراع في إنهاء العملية قبل تسجيل حالة الوفاة أثناء العملية .وكان من نتائج هذه السرعة إهمال الطفل المولود بعد ولادته بمدة الله أعلم بمداها، فأصابه على أثرها نزلة برد حادة قال الطبيب مشخصاً حالته باختصار اذا مضى عليه 72 ساعة وهو على قيد الحياة فسيعيش بإذن الله ونقلوه إلى الجهاز الحاضن أما الزوجة ( المسكينة) فنتيجة هذه السرعة فقد نسي الأطباء في بطنها قطعة من الشاش الذي كانوا يضمدون بها الجراح وهي قطع الشاش القطنية التي إبعادها(10×10) سم وقد تبين ذلك فيما بعد.ونقلت الزوجة ( المسكينة) إلى غرفة الإنعاش، بعد أن وضعوا لها وحدتين من الدم – ولا أحد عندها من ذويها-.وفي الصباح الباكر، اشتريت بعض الكبد الطازج، والحليب البقري من السوق وذهبت إلى المستشفى، ودخلت المستشفى من الباب الخلفي – وكنت قد عرفته في المرة الأولى- وتخطيت من فوق الحارس وهو نائم.وعندما وصلت إلى الغرفة التي ادخلوها فيها في الليل وكان الباب مفتوحاً، وكان يرافقها في الغرفة ، امرأة فلسطينية من سوريا وترافقها أمها ، وكنت قد أوصيتها خيراً بزوجتي، وهناك كانت المفاجأة، لم أشاهد زوجتي في الغرفة ولم تقابلني في الممرات وأنا داخل، قابلتني المرأة المرافقة وعلامات الخوف بادية على وجهها، وبادرتني بقولها( ماتخافش يا أخوي) زوجتك الحمد لله ولدت بالسلامة، ورزقك الله بولد مبروك، ولكنها المسكينة تعبت قليلاً في الولادة، وهي لاتزال حتى الأن في غرفة الإنعاش.لقد ذهلت تمأما من شدة الموقف، ولادة، وعملية وغرفة انعاش وأنا أدخلتها لمعالجتها من مرض نسائي الم بها وهي في الشهر السابع، وبقي على موعد الولادة شهران؟!ودخلت إليها في غرفة الإنعاش، وكانت في حالة يرثى لها خاطبتها أن الحمد لله على سلامتك فأشارت لي بعينها ان الحمد لله ولم تقو على الكلام بعد، كانت الأجهزة شغالة من حولها، والمغذي في يدها، ترقرقت عيناي بالدموع، ونزف قلبي ألماً لما حدث لها، ولكني تجلدت وتظاهرت بالصبر وكررت قولي لها : الحمد لله على سلامتك ومبروك الولد وهزت رأسها وعيناها ممتلئان بالدموع، الحمد لله على السلامة .وبعد أن اطمأنت عن الزوجة، أحببت أن أطمئن عن الولد، وكان المسكين قد أصيب بنزلة برد في أول ساعة من وصوله إلى هذه الدنيا، أهمله الأطباء ليهتموا بأمه التي استيقظت وتحركت أثناء إجراء العملية، فارتبك الأطباء وبعد انتهاء العملية ، لفت انتباهم هذا الطفل المسكين الذي ولد ( سباعيا) أي ابن سبعة أشهر ، ويقال – ولا أدري ما صحة هذا القول – إن هؤلاء الذين ولدوا مبكرين ولم يكملوا تسعة اشهر في بطون أمهاتهم – سيكون لهم شأناً في مستقبل حياتهم والله أعلم .وقد عانى المسكين من نزلة برد حادة، نتيجة إهماله ساعة الولادة، ولكن الله سلم ومرت أثنتان وسبعون ساعة بسلام وتجاوز حالة الخطر التي كان يعاني منها، وقد أسموه الأطباء (جمالاً) ، ثم طلبت تغيير أسمه إلى عماد الدين، وقد كنت أشاهده يومياً في الجهاز الحاضن، وبقي كذلك حتى أصبحت والدته تقوى على رعايته فأحضروه إلى جانب سريرها، ولا تتصور سعادتها عندما رأت هذا الطفل الذي حملته وهناً على وهن ووضعته وهناً على وهن ، وسالت بعض الدموع على جبين الطفل وهي تقبله لأول مرة، وكانت هذه الدمعات دمعات فرح لا دمعات حزن، كانت سعادتها غامرة وقد نسيت كل ما جرى معها، وهي تحاول ارضاع ولدها لأول مرة .نسيت ان اذكر، عندما كنت عندها في غرفة الإنعاش أول مرة، دخل أحد الأطباء المناوبين والذي كان مشاركاً في إجراء العملية، قال لي الحمد لله على سلامتها، اطمئن على حالها، وسألها عن اسمها ، لم تقو على الإجابة، وقال لها أنت لازم يكون لك اسم جديد اليوم، لانك ولدت من جديد وهمس في اذني وهو خارج من الغرفة، لقد عانت كثيراً، انها كانت في حالة وفاة، لقد كانت دقات قلبها في انخفاض مستمر، ولكن الله حفظها بعنايته. وبعد شهر تقريباً من هذه العملية، بدأت الزوجة تعاني من بعض الآلام ذهبنا إلى نفس الطبيب الذي أجرى العملية، وعمل صور أشعة، وقال / إن عندها كيس دهني ولابد من عمل عملية أخرى لإخراجه.قلت لزوجتي ما رأيك في ذلك، قالت: والله لو أنني أموت ماعملت عملية مرة ثانية في هذا المستشفى الذي شاهدت فيه الموت الحقيقي.كان العام الدراسي قد أوشك على الانتهاء وقررنا إجراء فحوصات شاملة في الاردن، وكأنت معاناتها من الألم تزداد شيئاً فشيئاً.وفي مدينة اربد وفي عمان راجعنا العديد من الأطباء أخصائيي الأمراض النسائية، وكذلك أمراض الباطنية، وكانت جميع التقارير مطمئنة، والكل يقول أن هذه الآلام من جراء العملية السابقة ولازالت جراح البطن الداخلية لم تلتئم بعد، وهذه الآلام من أثر الغرز الداخلية في البطن.ذهبت إلى مصر لآداء الاختبارات الجامعية في معهد الدراسات الإسلامية بعد الاطمئنان عن صحة الزوجة، وطالت مدة غيابي في القاهرة إلى الشهر تقريباً.حدث خلال هذا الشهر مالم يكن بالحسبان – ودون ان يعلمني أحد بذلك.ازدات الآلام وازدادت مراجعات الأطباء حتى قرر أحد الأطباء في اربد وهو الدكتور/ غازي الشيخ جزاه الله خيراً بان الأطباء قد نسوا قطعة شاش أثناء إجراء العملية الأولى بعد ان علم بتفاصيل ما حدث من كثرة مراجعته، ومن كثرة الاطلاع على صور الأشعة المأخوذة وقرر إجراء العملية لاخراج هذه القطعة من الشاش.ويقدر الله لهذه الزوجة الصابرة المحتسبة، أن  تقاسي الآلام الشديدة تحت مباضع الجراحين ، فبعد أن فتح غازي الشيخ بطن المريضة، تأكد من وجود قطعة الشاش( الضماد) التي أبعادها(10×10سم) وعندما حاول سحب هذا الضماد بعد أن تاكد منه، وانتصر عنده الشك، وتفوق على كثير من الاطباء في الوصول إلى الحقيقة.كان المكان مستشفى الراهبات الوردية في اربد وهو مستشفى خاص، وحدثت المفاجاة الثانية في هذه المرة ، وجد الطبيب ان الضماد قد التصق بجدار الامعاء الغليظة، حاول بلطف سحب هذا الضماد فانشق جدار الأمعاء الغليضة، ولم يكن يساعده أحد من الأطباء غير الممرضات، ارتبك الطبيب أشد الارتباك وأسرع إلى الهاتف ليتصل بمستشفى الأميرة بسمة ، ليستنجد بطبيب أخصائي باطني، وآخر أخصائي مسالك بولية حيث كان هو أخصائي أمراض نسائية، ويصف لي من كان حاضراً عند إجراء هذه العملية من الأقارب – حيث كنت أنا في مصر – ان الطبيب في تلك اللحظة التي كان ينتظر فيها وصول الأطباء ، كان يمشي في ممر المستشفى وينتظر وصولهم من الشرفة ، وكان في قلق شديد وعندما وصل الأطباء وعرفوا ما حدث ( وشكلوا كنسلتوا أطباء) للمرة الثانية في حياة هذه الزوجة المسكينة وقرروا استأصال جزء طوله 10 سم من الأمعاء الغليضة على قدر طول قطعة القماش( المنسية) والناتجة عن سرعة إنهاء العملية قبل وفاة المريضة.بقيت هذه الزوجة المسكينة تحت الخطر بين الحياة والموت مرة أخرى لمدة أربع وعشرين ساعة، وكان لطف الله ارحم من الجميع، تجاوزت مرحلة الخطر وبقيت واحدا وعشرين يوماً في المستشفى ولغرائب الصدف، أنها احتاجت إلى  وحدتين من الدم ، ونوع دمها (A-) ويقال ان هذا النوع من الدم يطلق عليه النوع البخيل فلا يعطي إلا نفسه ، وفحصوا دم اقاربي ودم أقارب الزوجة فلم يجدوا من يحمل هذه الفصيلة غير ابنة خال لها، وكانت لا تستطيع ان تعطي شيئاً من دمها لانه سبق أن اجري لها عملية منذ وقت قريب، وذهب خالها أبو نضال – رحمة الله – إلى الشام واشترى من هناك وحدتين ، وقفل راجعاً في نفس الليلة جزاه الله خيراً ، وأعطيت لها الوحدتان.وبعد شهر تقريباً ، عدت من مصر ، وكنا نسكن في ذلك الوقت في مخيم البقعة ، أنا وزوجتي ووالدتي واخوتي وأخواتي ، كنا أسرة واحدة وقبل الذهاب لإحضار زوجتي من عند أهلها في أربد ، مررت ببيتنا في البقعة ، وأثناء عمل الشاي لي ، جاءت أختي المتزوجة والتي كانت تسكن بجوارنا ، سلمت عليّ وجلست إلى جانبي ، وجاءت أختي الثانية بالشاي ، ولاحظت أن هناك نظرات غريبة وغير عادية ترمقني بين اللحظة والأخرى وإشارات غير مفهومة ، ظننت أنهم سيعملون لي عشاء فقلت لهم غداً سنتغذى سوياً عندما أحضر أم صلاح والأولاد من اربد ، وعندها نطقت أختي المتزوجة بقولها : أنتم ما قلتم له ما حدث؟!.وهنا أدركت الوالدة – حفظها الله – هول المفاجأة التي ستقع علي وقالت : لا تخف يا ولدي ان زوجتك عملت عملية وهي الأن بخير وصحة جيدة ، وكنا جميعاً بجانبها في إربد أثناء العملية وبقيت إلى جانبها عدة أيام ثم حضرت للعناية بإخوانك ، لقد دارت بي الدنيا ، وعادت بي الذاكرة إلى الطائف وما جرى لها هناك ، وكأن الشريط بدأ يتحرك أمامي ، وأفقت من ذهولي قائلاً :- الحمد لله على السلامة ، لقد تعذبت هذه المسكينة للمرة الثالثة .شربت الشاي بسرعة واستأذنت الوالدة في الذهاب ، لم تطلب المكوث عندها مدة أطول كالعادة ، مقدرة الظروف ، وعلى جناح السرعة ، ذهبت للاطمئنان عن الزوجة العزيزة ، وفور دخولي المنزل توجهت إليها ووجدتها ممددة على سريرها فترة نقاهة ، وأقاربها حولها ، حاولت أن تقوم للسلام عليّ ، لم أمكنها من ذلك ، ودنوت منها وطبعت قبلة على وجنتيها وقلت لها : الحمد لله على السلامة وعتبت على الجميع ، لأنه حدث كل ما حدث ، وأنا لا أعلم بشيء وقالوا : إننا لا نريد أن نؤثر على دراستك ولا أن نزعجك في غربتك عن الوطن ، فأجبتهم إنه ليس في مثل هذا الأمر، والدراسة كان يمكن تأجيلها سنة أخرى .ومن أغرب وأطرف وأشد ألماً ما حدث معي في بني مالك القصة التالية :وهذه القصة الطريفة المؤلمة حدثت بعد الزواج ، وكما سبق وأن قلت كنت منتسباً إلى الجامعة ، وأحب بشدة الدراسة في الهواء الطلق ، ولكن في هذه السنة كنت أمتلك سيارة من نوع ( تويوتا –كرونا ) ، وكنت أعتز بها لأنها كأنت أول سيارة أمتلكها ، ولا زلت أحتفظ بصورتها وأنا أقف بجانبها ، (وكأني أملك رأس كليب ) وهذا مثل شعبي يضرب في المفاخرة .كنت أركب السيارة وابتعدت بحدود (8-10) كيلو متراً بعيداً عن القرية قرب مكان المواريد الذي عملت فيه عقيقة ابننا الأول صلاح الدين ، كأنت المنطقة جبلية وأمامها بعض السهول الشجرية ، وتنمو فيها الحشائش والورود الطبيعية ، ولا تستغربوا إذا قلت لكم ، إن أشجار الياسمين تنمو طبيعية على جوانب وادي المواريد ، ووادي عردة ، ووادي مهور من مناطق بني مالك كنت منسجماً ومرتاحاً في الدراسة في تلك المنطقة الجميلة يومياً من العصر وحتى قبيل الغروب ، وكنت غالباً ما أحضر صلاة الجماعة مغربا مع أهل بلدة حداد والزملاء المدرسين في مسجد السوق المكشوف والمفروش بالرمال ، وكنا نستمر في الجلوس فيه أو على جانبه إلى وقت العشاء أحياناً .وكان الأهل معتادون على التأخر حتى وقت العشاء في بعض الأحيان وحدث ذات يوم – ما لا يخطر على بال أحد – كان الشيخ زايد الحارثي قاضي المحكمة وأمير المركز مدعوين لتناول طعام العشاء عند البدو في بر تلك المنطقة وسبق أحدهما الآخر وكانا على موعد أن ينتظر أحدهما الآخر على الطريق .كان القاضي الشيخ زايد أسبق الإثنين في المرور من أمامي ، وكنت أدرس قريباً من الطريق وسيارتي معروفة للجميع ، أوقف الشيخ زايد سيارته على الطريق ومشى نحوي ، رد السلام وجلسنا نتجاذب أطراف الحديث في انتظار وصول أمير المركز ، قال لي ما رأيك في مرافقتنا أنا والأمير لتتعشى عند البدو ، فنحن مدعوون إلى طعام العشاء ، وربما أنهم الآن أعدوا العشاء ، ولن نتأخر كثيراً ، اعتذرت له بوجود زوجتي لوحدها وليس عندها علم فيما لو تأخرنا في العشاء ، فعقب على كلامي مازحاً ، أنتم الحضر لازم تستأذنوا من زوجاتكم ، ولا بد من أخذ الإذن بالخروج ، دافعت عن نفسي بأننا في غربة وليس عندها أولاد كبار مثلك ، يؤنسون عليها وحدتها .وفي تلك اللحظة وصل الأمير ، وقال له : إن الأستاذ أحمد يرفض  مرافقتنا إلى العشاء ، ياعيب يا أستاذ أحمد ، معاك الشيخ والأمير وتخاف ، والله يا رجل نزوجك واحدة من البدو ، والشيخ معنا يعقد لك عليها .وبين أخذ ورد ، وشد وجذب ، أخجلوني بشدة إلحاحهم ، وقالوا أنترك سيارتك الصغيرة هنا وتركب معنا في الجيوب وإذا رجعنا أخذناها وإن شاء الله ما نبطئ كثيراً.مشينا في البر مدة ساعة حتى وصلنا مكان الدعوة ،وساعة وصولنا ذبحوا عشاءهم ، ولم ينضج العشاء إلا تمام الساعة الحادية عشر وكنت أجلس وأنا على أحر من الجمر فيما سيحدث خلفي في القرية ، لأن زوجتي عاطفية جداً ، وكثيرة الخوف في الغربة ، وشديدة التعلق بي كذلك ، فكيف أغيب عنها كل هذه الفترة ، دون أن تعلم أين أنا .خرجت إلى بيت أحد الأخوة المدرسين بعد العشاء مباشرة وحدثته وهي مضطربة قائلة : يا أخي إن أبا صلاح  لم يحضر بعد ، وكان قد انفض مجلس المدرسين الإعتيادي بعد صلاة العشاء، قال لها : اطمئني يا أختي يمكن ذهب مع بعض الزملاء ، وجلست عند زوجته وذهب هو يبحث عند جميع الزملاء فلم يجدني، وكان كلما ذهب عند أحدهم يصحبه عند الآخر ، وهكذا حتى جمع مدرسي البلدة .ركب مجموعة منهم سيارة ، وذهبوا إلى مكان دراستي فوجدوا السيارة مقفلة وليس معهم المفتاح الإحتياطي ، ولم يخبروا الزوجة حتى الأن أنهم لم يجدوني ولم يعد جارنا إلى بيته .عادوا إلى البيت واضطروا أن يسألوا زوجتي عن المفتاح الإحتياطي للسيارة وكان في حقيبتها اليدوية دائماً ، وعندما سألوا عن المفتاح ، أدركت أنني غير موجود بالقرية ولا بجانب السيارة ، فصرخت بأعلى صوتها ، مات …قتلوه .. ويا لهول الموقف في تلك اللحظة .أخذوا منها المفتاح ، وذهبوا ليجدوا السيارة شغالة وليس فيها شيء ، لأنهم ظنوا أن السيارة قد تعطلت ، وربما عاد إلى البيت ماشياً عن طريق غير طريق السيارات ، عادوا إلى البلدة ، وسألوا من بعيد دون أن يصلوا نحو مجتمع النساء ، حيث اجتمع معظم نساء القرية حول أم صلاح وهي تبكي وتندب حظها بفقد زوجها .رجعوا إلى السيارة مرة ثالثة ، وتزودوا بالأتاريك والكشافات ليبحثوا تحت الأشجار وبجانب الصخور ، عسى أن أكون نائماً ، أو أعتدى عليَّ بعض الحيوانات المفترسة فيجدوا أثراً للكتاب أو الثياب ، أو يكون قد قتله بعض المارة بجانب الطريق طمعاً بالمال … هواجس كثيرة.. ومن حقهم أن يهجسوا .كان يرافقهم أخ مصري الجنسية يعمل في الوحدة الزراعية ، وكان رجلاً متديناً أخبروني أنه كان يصعد فوق الصخور ويؤذن بصوت أعلى من صوته عسى أن أكون نائماً فأسمع الأذان وأستيقظ ، حاولوا بشتى الطرق ولكن لا جدوى.ومن سوء الصدف ، جاءت سيارة في تلك الليلة من الطائف تحمل خياما بيضاء للوحدة الزراعية ، وكانت الوحدة الزراعية في منتصف السوق وبمجرد نزول أول خيمة من السيارة ولونها أبيض انطلقت أم صلاح من بين النساء وهي تصرخ نحو السيارة زوجي …زوجي… من الذين قتلوه ؟!بكى معها الكثير من النسوة ، وأبكت الكثير من الرجال كذلك – كما قيل لي فينا بعد – فذهب إليها بعض الأخوة وقالوا لها إنها خيام جديدة للوحدة الزراعية وهدءوا من روعها قليلاً.ذهب بعضهم إلى الأمارة للتبليغ عن الحادث ، فوجدوا الأمير مدعو إلى العشاء ، وذهبوا إلى منزل القاضي فوجدوه مدعواً مع الأمير ، وبدأ بعضهم يضع هذا الاحتمال في الاعتبار ، والبعض يؤكد والبعض يشك والبعض يقول غير معقول أن يترك زوجته وأولاده ويذهب إلى العشاء وحتى هذه الساعة ، وتطوع بعضهم وذهب إلى أم صلاح وقال لها كذباً صادقاً ، ليطمئنها قليلاً : إن زوجك مدعو مع الأمير والشيخ مروا عليه في الطريق وأخذوه معهم .وبعد مدة ليست بالقصيرة ، وفي حدود الساعة الثانية عشر مساءاً عاد الموكب الجنائزي ، ويرافقه الحيّ الميت ، وقفت جميع السيارات عندما شاهدوا معظم رجال القرية مجتمعين فوق تلة مشرفة بجانب القرية ، يترقبون أضواء السيارات ، وفور نزولنا هاجمونا بحديثهم ، وهب صاحباي للدفاع عني ، والشيخ والأمير، وأنا صامت لم أنبس ببنت شفة ، إعترافاً مني بالذنب ، وماذا سأقول لمن جلسوا حتى منتصف الليل وهم يبحثون عني ويطمئنون زوجتي ، وقد أرسلوا جميع زوجاتهم لمؤانسة زوجتي حتى حضرت .انطلق أحد الزملاء بسرعة وبشر النسوة بحضوري ، زغرد بعضهن وهجمن على أم صلاح يقبلنها ويهنئنها بالسلامة وهي غير مصدقة وتقول لا بد أن أراه بأم عيني .ذهب معنا بعض الأخوة الزملاء وزوجاتهم إلى البيت وشربنا الشاي جميعاً، وعندما خلى لنا الجو أنا وزوجتي والتقت العيون بكيت بحرقة شديدة ، وتعانقنا عناقاً شديداً ، وبكينا بكاءً مريراً وما زادت على أن قالت لي وبكل حنان : يا رجل هذا عمل تعمله في مثل هذه الغربة ؟! .إن بلاد بني مالك كانت فال خير علينا والحمد لله فيها حصلت على الشهادة الجامعية الأولى، بكالوريوس تجارة – قسم الاقتصاد والعلوم السياسية عام 1968م عن طريق الانتساب وفيها – وعن طريق العمل بها – حصلنا على الزوجة المباركة التي رزقني الله منها البنين والبنات، وعشنا في بني مالك حياة جميلة – بحلوها ومرها- تعاونا فيها على شظف الحياة وحولناها إلى حياة سهلة هنيئة، ومهما تعرض الإنسان من صعوبات في العمل، او في البحث عن وسائل المعيشة وعاد إلى البيت ليجد البسمة الهادئة، والصدر الحنون ولعب وصياح الأبناء هنا وهناك، فينسى كل ما صادفه من صعاب وهو جالس يرتشف القهوة او الشاي الذي أعد له بعد تناول طعام الغداء، واسترخى على فراشه كأنه ملك يتربع على عرشه، هادئاً آمنا لا ينازعه على عرشه أحد.كان الجو في بني مالك معتدلاً في برده ، ومعتدلاً في حره، منطقة جبلية ، مناخها أشبه بمناخ بلادنا في الأردن وفلسطين، تسير أحيانا في وسط الضباب لاترى على بعد أكثر من مترين أو ثلاثة، يستمر أحيانا نزول الأمطار إلى اكثر من أسبوع، وفي إحدى السنوات اضطررنا إلى هجر بيوتنا الشعبية إلى بيوت مسلحة لأنها لم تقاوم تحمل الأمطار الغزيرة لاكثر من أسبوع على التوالي، وبقينا نتنقل في البيت الطيني السقف فوق الخشب، من زاوية إلى أخرى وقد اصبح المطر في خارج البيت اقل غزارة من المطر النازل داخل البيت من السقف.كنا نستمتع كثيراً بنزول الأمطار يومياً ولمدة ساعة او نصف ساعة ، ترى خلالها قوس قزح بألوانه الزاهية الجميلة، وبعد نزول هذه الأمطار المفاجئة بعد رؤية لمعان البرق وسماع أصوات الرعد ومشاهدة قوس قزح لان الشمس لا تزال بادية للعيان في مناطق أخرى، واذا ازدادت شدة البرد قليلاً نزل البرد/ وربما لا تصدق ما أقول، أو تعتبره من قبيل المبالغة، إذا قلت لك أحياناً، يصل حجم حبة البرد إلى ما يشبه ( الدوحلة ) الكبيرة والتي كنا نطلق عليها ونحن صبية صغار ( الرأس) وهو اكبر الدواحل.وفي إحدى المرات، وكنت منتسباً للجامعة، وأفضل الدراسة في الهواء الطلق( على الزبر) بين الركبان/ كما سبق الحديث عن ذلك نزل المطر بشدة، وحتى اصبح ما ينهمر علي من المطر وأنا تحت الشجرة أكثر من خارجها، اضطررت إلى الخروج من تحت الشجرة وبدأت في العودة جرياً إلى البيت تحت رحمة المطر الغزير وفجأة ، رافقت زخات المطر حبات من البرد الكبير، وصارت تضرب رأسي كالحجارة، حتى اضطررت تحت هذه الضربات القوية إلى إخراج الكتاب الجامعي الذي كنت أدرس به لأضعه فوق رأسي ليحميني من لسع حبات البرد، وغير مكترث بتلفه.كان أصدقائي جزاهم خير في البيت – وكنت لازلت عازباً- ينتظروني شفقة علي، ووجدتهم قد أشعلوا المدفأة ، وعملوا الشاي، وبمجرد وصولي، أبدلت ملابسي التي ألبسها وجلست أمام المدفأة، ودثروني بأحد الأغطية كذلك، حيث لاحظوا أن فرائصي ترتعد من البرد، والحمد لله إن الله سلمني من الإصابة بنزلة برد شديدة، خاصة وان ملابسي كانت تعصر ماء ، وكانت المسافة التي مشيتها أو جريتها تحت وابل من زخات المطر تزيد على ثلاثة كيلومترات، وكان يوماً من أيام العمر لن أنساه ما حييت.إن معظم أهالي بني مالك كانوا أناساً طيبين، لم نر أو نصادف ما أزعجنا فيهم ، وكنا نشاركهم أفراحهم وأتراحهم ونزورهم في بيوتهم ويزوروننا في بيوتنا.غالبية الرجال والنساء يعملون في الزراعة، وبعضهم في الوظائف الحكومية، إن بلادهم بلاد أمطار، بلاد جبلية تنتشر الزراعة فيها على شكل مدرجات، يفصل بينها جدران مبنية حتى تساعد على عدم انجراف التربة، والأراضي السهلة عندهم قليلة، وكانوا يزرعون سفوح الجبال بالأشجار المثمرة واهم هذه الأشجار المثمرة على الإطلاق هي شجرة اللوز وما اروع أشجار اللوز في منظرها الأبيض وهي تحمل الازهار عند بداية عقد الثمار، ترى الوادي وسفوح الجبال من على البعد وكأنها اكتست بالثلج، واللوز البجلي – نسبة إلى وادي بجيلة ويشتهر هذا النوع من اللوز في جميع أنحاء المملكة العربية السعودية وأيام توزيع التغذية في مدارس المملكة، كان يوزع هذا النوع من اللوز من ضمن الوجبة الغذائية للطالب، وقد كتب على غلافه الخارجي اللوز البجلي.وينسب إلى هذا الوادي، أحد صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم الأجلاء،  وهو الصحابي عبد الله البجلي( رضي الله عنه) وقد روى بعض الأحاديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.ويزرع في وادي بجيلة أشجار التين والفركس ( بعض انواع الخوخ – والرمان .أما الخضراوات التي كانت تزرع فيها بكميات قليلة ويأتينا منها عينات إلى السوق مثل البندورة، والكوسا والبامية، والباذنجان وكانت لا تسد حاجة المنطقة في ذلك الزمن البعيد.وكانوا يزرعون الحبوب بأنواعها في المناطق السهلية القمح والشعير والذرة وتشكل هذه الحبوب طعامهم الرئيسي بالإضافة إلي الأرز.وقد علمت أن المنطقة الأن قد اخترقها خط معبد محوري ابتداء من الطائف ومروراً ببني الحارث فحداد بني مالك، ثم إلى مهور مخترقاً جميع بلاد بني مالك، وممتداً إلى الباحة وبلجرشي وأبها ملتقياً مع الخط المحوري الأول من الطائف إلى الباحة وبلجرشي مروراً بوادي تربة، ولقد كنا نمشي على هذا الخط القديم، طريق غزايل- مسافة تسعين كيلومتراً معبداً ثم نفترق عنه إلى بني مالك ونسير مع الوديان والجبال أربعين كيلومتراً أخرى إلى حداد، طريقاً غير معبدة عانينا منها الكثير .لم يقدر لي أن ازور بلاد بني مالك الآن، ولكني قابلت بعض أهلها وكثيراً من طلابي في بني مالك، في تبوك ومنهم الرائد طيار / حسن المالكي، والممرض مجدل شاكر المالكي وقد تحدثوا لي عن بلادهم ، بانها تقدمت كثيراً عن الزمن السابق، فمعظم القرى تربط بينها الخطوط المعبدة، وزاد البناء والعمران والزراعة والتجارة والسوق في حداد أصبحت مستمرة ، وليس سوق (الربوع) فقط.أما بالنسبة للناحية التعليمية فقد كأنت المدارس موجودة في القرى الرئيسية في البداية، ثم بدات في التوسع ونحن موجودون في المنطقة.ذهبنا إلى حداد وفيها مدرسة ابتدائية فقط، ثم فتحت المتوسطة بالاشتراك مع الابتدائيى في الأول والثاني المتوسط ثم فصلت في بداية السنة الثالثة، وبعد ثلاث سنوات اخرى تم فتح المدرسة الثانوية، وكان هذا التطور من ضمن العشر سنوات التي قضيناها في المنطقة.وقس على ذلك في مناطق بني مالك الأخرى، عردة ومهور، ودخلت المدارس إلى معظم القرى . أما بالنسبة لمدارس البنات فقد كان التوسع فيها يسير بشكل أبطئ من المدن، والبلدان القريبة من المدن ، فلم يكن في جميع بني مالك مدرسة بنات عندما ذهبنا إليها في عام 1387هـ ، وتم افتتاح المدرسة الاولى في بلدة العمشان ، ولظروف تعليمية محضة تم نقلها إلى مركز المنطقة في حداد، واستمرت زوجتي في إدارة هذه المدرسة مدة عشر سنوات، وكان الشيخ/ قاسم المفلح مدير تعليم البنات في تلك الفترة – رحمه الله- يطلق عليّ / احمد المالكي فكلما رآني قال : أهلاً بالمالكي وقد أسر إليَّ في إحدى المرات بقوله : لا أدري هل زوجتك هبلة، تضحك عليها المدرسات، أم هي إدارية ناجحة تدير المدرسة بحكمة وحزم، ان مدرسة بني مالك هي المدرسة الوحيدة في المنطقة تقريباً التي خلت من المشاكل لمدة طويلة فأجبته: إنها ابنتكم قبل أن أتزوجها، حيث كانت مرافقة مع والدها ولاشك أنكم تعلمون عنها الشيء الكثير طيلة هذه المدة السابقة.وهز رأسه بالإيجاب مبتسماً – رحمه الله وأدخله فسيح جناته. ان المنطقة الأن– كما قيل لي – تعج بمدارس البنين والبنات والمعاهد والكليات، وكلها مجهزة باحد الوسائل والتقنيات الحديثة من حاسب آلي ومعامل لغات ومختبرات علمية وغيرها.         رعى الله عهداً في (بني مالك) قد مضى                                    ولكنه عن خاطري ليس يغــرب        فيا ليتني يومـــاً إليها راجعــــاً                                   وياليتني من ماء (المواريد) أشرب لن أنسى أرضاً أظلتني سماؤها، وشربت من عذب مائها وأكلت من لذيذ خيراتها، واستنشقت عليل هوائها، لي فيها الصحب والأحباب، ويا لكثرة مالي فيها من التلاميذ النجباء، على أرضها تعرفت على ضالتي المنشودة، الزوجة الصالحة وفيها رزقني الله بالأبناء قد درجوا على أرضها صغاراً، وفيها حصلت على أمنيتي العظيمة، إكمال الدراسة الجامعية بالانتساب فاجتمع لي فيها الماء والخضراء والوجه الحسن، واتمنى جدياً ان أعود إليها ولو زائراً لأمشي بين ركبانها واتجول في طرقاتها مردداً قول الشاعر :-       أمر على الديار ديار سلمى         أقبل ذا الجدار وذا الجدار       وما حب الديار شغفن قلبي         ولكن حبُّ من سكن الديار  (( منطقة تبوك)) في نهاية عام 1397هـ، رأت وزارة المعارف ان تجعل الطائف من ضمن أربع مناطق تعليمية تكتفي ذاتياً من المعلمين في المرحلة الابتدائية.وفيما نحن داخل الحصص، نعلم الطلاب، واذا بفراش المدرسة يطرق الباب ليقول لنا : المدير يريدكم في الإدارة ذهبنا جميعاً وفوراً قبل نهاية الحصة، وكان يوجد بالإدارة احد المفتشين، قام بتوزيع استمارات إلغاء ونقل إلى كل مدرس، مفادها يتخير المدرس ثلاث مناطق تعليمية لينتقل إلى إحداها، والذي لا يقوم بعملية الاختيار هذه سيكون عقده ملغياً آخر العام، اختار بعضنا النقل واختار البعض الإلغاء.وكنت انا ضمن من اختار النقل بعد تفكير، كانت المفاجأة مرّة وشديدة، لم استطع انا شخصياً تحملها بسهولة وما كان مني والمفتش والمدرسون لا زالوا يجلسون إلا ان أنشدت الابيات التالية بحسرة والم وهي :- أعلمه الرماية كل يـوم            فلما أشتد ساعده رماني وكم علمته نظم القوافي             فلما قال قافية هجانـي فأجابني المفتش بقوله، والله يا أستاذ أن الأمر كان مفاجئاً لنا نحن كذلك، ولكننا موظفون ننفذ ما طلب منا .وجاء آخر العام، وكان نصيبي في النقل منطقة تبوك وكان هذا هو الاختيار الأول، لقربها من الاردن،  وسنهيأ انفسنا في المرحلة القريبة القادمة، وما كنا ندري انها ستطول كل هذه المدة إلى عام 1422هـ ، ربع قرن آخر من الزمن.كانت زوجتي مرتبطة برئاسة تعليم البنات، لم يجر التنسيق بين وزارة المعارف والرئاسة لنقل الزوجة العاملة مع زوجها وعند مراجعة رئاسة تعليم البنات بالطائف، قالوا لنا : عندما تذهبوا إلى تبوك تقدموا أوراق زوجاتكم إلى مكتب إشراف تبوك، ولما يصل إلى درجة ادارة تعليم بعد، وفي تبوك طلبنا التعيين داخل مدينة تبوك لان زوجاتنا مدرسات طلبوا منا توجيه المدرسات إلى تبوك، فاسقط في أيدينا، لانهم في الطائف لم يعطونا توجيه للمدرسات.ذهبنا إلى مكتب إشراف تبوك لتعليم البنات، قالوا لنا إن هذا من اختصاص إدارة تعليم المدينة التي يتبع لها مكتب إشراف تبوك فقصدنا إدارة تعليم المدينة للبنات بالمدينة وقدمنا الاوراق اللازمة، فتم تعيينهن بمنطقة تبوك، وفي تبوك ثم تم تعيينها في المدرسة الحادية عشر للبنات بتبوك وعلى ضوء ذلك، عدت إلى ادارة تعليم تبوك للبنبن وقدمت صورة من تعيين زوجتي في الحادية عشرة، فتم تعيني في مدرسة محمد بن القاسم بتبوك.بدأت في مدرسة محمد بن القاسم بتدريس مادة الرياضيات وحدث أن انتقل مدرس التربية الدينية للصف السادس، وعرض علي ان ادرس مادة التربية الاسلامية بدلاً عنه، وكان في المدرسة 3 فصول سادس وكان عدد الحصص 27 حصة (3×9) وكان نصاب المدرس في ذلك الوقت 28 حصة، وعدد أيام التدريس ستة بما فيها يوم الخميس ولقد سررت كثيراً بتدريس مادة الدين وبقيت فيها ثلاث سنوات متتالية.كانت حصص التوحيد والفقه ، حصتين كل أسبوع لكل من التوحيد والفقه ووقتها أكبر من المادة المقررة، كنت أسأل الطلاب بجميع ما درس من المادة وأشرح الدرس الجديد أو الفقرة الجديدة القليلة حسب توزيع المنهج ويبقى من الدرس 20 دقيقة تقريباً. وفكرت في كيفية استغلال هذا الوقت، كان معظم الطلاب في ذلك الوقت من ذوي الأعمار الكبيرة وقدرتهم على الاستيعاب جيدة، اقترحت عليهم أن أقرأ عليهم شيئاً من تفسير ابن كثير، ولتسهيل الأمر عليهم ولسهولة الاستيعاب بدأنا من السور الصغيرة، وجدت عندهم إقبالا واذا ما لاحظت الملل في وجوههم والتململ في أجسادهم، أغلقت الكتاب وأخذت أناقشهم في بعض ما قرأنا، وكان يسرني أن أجد الكثير منهم قد استوعب ولو بعض ما قرأنا، استفدت أنا كثيراً وأفدتهم أكثر إن شاء الله . كان مدير المدرسة نظامياً، شديداً في تطبيق النظام، يخاف منه الطلاب ويحترمونه في نفس الوقت، وكان بعض الطلاب يقول اضربني قدر ما تريد يا أستاذ ولا ترسلني إلى المدير.كان يسوء المدرسة أن فيها بعض الشلل الذين يلتفون حول المدير لتحقيق أغراضهم الشخصية، و أولها الليلية، وشلة السمر والأنس والشيشة، وكان ميزة المدير (فلان) انه صاحب شخصية قوية، وكما قالوا عن نهرو وعبد الناصر أنهم مثل شجرة البنيان وهي من الأشجار الظليلة الكثيفة التي لا تسمح لغيرها ان ينمو في ظلها فحتى شخصية وكيل المدرسة مطموسة ومنزوعة الصلاحيات، كان يحب ان يتحكم في كل شئ وكان صاحب ساعة، أحياناً تراه مرحاً دون العادة، وأحياناً تراه عابساً تستعيذ عندما تراه، وكان أيضاً مثل معن بن زائدة له ساعتان ساعة نحس وساعة سعادة، فمن جاءه في ساعة النحس فالويل له، ومن جاء في ساعة السعادة حقق مآربه وليس هكذا تسير الأمور.حدثت بعض الخلافات في المدرسة، وليس غريباً ذلك في أي مجتمع لابد أن تحدث الخلافات، ولكن الذي يختلف في الأمر هو كيفية معالجة الأمور، ومراعاة العدل والاستقامة بين جميع أفراد الهيئة التدريسية، وكان هذا الأمر صعب الحدوث لوجود بعض العلاقات الشخصية، التي تؤثر على سير الأمر بالخفاء ومن وراء الكواليس.وحدثت مواجهة في المدرسة واجتماع للهيئة التدريسية لحل هذا الخلاف، وجلس الأربعة وعشرون مدرساً وعلى رأسنا مدير المدرسة في أحد الفصول، جلسة تفاهم، هدفها المعلن اصلاح ذات البين، وتحسين الجو الاجتماعي، والالفة بين الإخوان في المدرسة ، بدا الدير حديثه عن ملاحظاته باختفاء جو المرح والألفة والمحبة التي كأنت تسود في المدرسة، وقال : نريد ان نعرف سبب ذلك حتى نتجنبه، وجه الكلام للجميع فلم يجب أحدا على ذلك وبدأ يسأل المدرسين واحداً واحداً، والجميع لم ينطق بحرف، حتى وصلني السؤال، وأنت يا أستاذ احمد عندك شئ؟! وأنا متردد في التصريح بما في نفسي، فعندي رأي قوي، وحجة دامغة لإدانة هذا المدير وإنه هو سبب وجود هذا الجو غير الملائم في المدرسة، وخشي الجميع من تعليق الجرس؟!سكت عندما كان السؤال موجهاً للجميع بدون تحديد أما الأن فالسؤال موجه لي شخصياً، لماذا الجبن؟ لماذا لا أقول الحق؟ الشهادة من ينكرها آثم قلبه، وقل الحق ولو على نفسك، أنني اعلم أن الصراحة في مثل هذا الموقف ستكون قاسية، ولكن الموقف وكثرة الإلحاح على معرفة السبب كان يستدعي الإجابة .وعندما وصلني السؤال، كنت قد أعددت نفسي للإجابة مهما كلف الأمر فالصدق والصراحة لابد أن تسود المجتمع حتى تسير الأمور في طريقها الصحيح الذي لاعوج فيه.أجبت المدير وبكل صراحة، أنت السبب يا ( أبا فلان) فاندهش من شدة الجواب، وقال : أنا ؟! قلت نعم قال : لماذا ، قلت: لأنك أرسلت لنا أحد الأخوة المدرسين الذين يجلسون بيننا الان، وقلت له : قل للمدرسين على لساني كذا وكذا …. وبعد ذلك الموقف بدأ الجو في الانعكاس، وهنا وقف هذا الزميل – وهو احد المقربين للمدير – وقال نعم يا أبا (فلان ) أنت قلت لي ذلك في أحد الأيام ، انني لم اذكر اسم هذا المدرس ولم أشر اليه، ولكنه كان يعلم يقيناً، انه إذا لم يقف هذا الموقف فسأسأله على ملأ المدرسين جميعهم، ل حدث ذلك ام لم يحدث؟لقد بدا هذا المدير يرغي ويزبد، يهدد ويتوعد ويقول أنا… وأنا … ( أمور لا داعي لذكرها) وبعدما هدا قليلاً، قلت له : لما غضبت ألم تطلب أنت الصدق والصراحة؟ قال : بلى ، ولكن هناك بعض رؤوس قد أينعت وحان قطافها، وإني لصاحبها، أما أنت فشكراً لك على صراحتك وصدقك، ويوم الخميس القادم سيكون أول غداء عندي في القلعة التركية وبجانب ( البرميل) المعهود. وفي نفس الجلسة، ولما تنقض الجلسة بعد، حاول بعض الأخوة المدرسين أن يصطاد في الماء العكر – وكان أحد أعضاء الشلل- قال معقباً على ما حدث في الجلسة : يا إخوان الأمر بسيط، كلنا أخوة ، ولم يكن هناك داعٍ لإحراج ( أبي فلان) ويعني بذلك المدير.لم افضل في تلك الجلسة ، ان أفتح ثغرة اخرى بيني وبين أحد زملائي من المدرسين، ولكن خطر ببالي في تلك اللحظة ان اقول له " اسكت أيها المنافق، فقد توعدك الله أنت وامثالك من المانفقين بالدرك الأسفل من النار" .ولعب هذا المدرس ومن على شاكلته من أمثاله في الحفاظ على الجو غير المناسب في المدرسة، تراجع المدير عن غداء التفاهم الذي وعد به، كانت علاقتي به ممتازة تقوم على الاحترام المتبادل، بعيداً عن الشللية، ملتزم وقائم بعملي خير قيام احترم نفسي ويحترمني الاخرون.بعد جلسة الصفاء، المشار لها سابقاً، قلب لي هذا المدير ظهر المجن، وذلك بناء على تقارير الجلسات الخاصة من وراء الكواليس لم يحتك بي هذا المدير اطلاقاً، ولكني لاحظت بعض الجفاء في تعامله معي، وانه على غير عادته.وفي أول فرصة سانحة، وصلت استمارات النقل الداخلي في منطقة تبوك، طلبت فيها النقل إلى أي مدرسة اخرى داخل تبوك عدا مدرسة محمد بن القاسم وهي مدرستي الحالية .حدثني بعض الأخوه المقربين من المدير، وكان يجلس عنده في الإدارة قال لي: اتصل مساعد مدير التعليم ، وسأل المدير : ان المدرس احمد صلاح الوادي طلب نقلاً من عندك من المدرسة، إلى أين تريد أن ترسله؟ وكان هذا المساعد صديقاً لمدير المدرسة – قال له : أرسله إلى أحسن مدرسة في تبوك، لانه مدرس يستحق كل تقدير كان باستطاعته أن يطلب إبعادي إلى قرية نائية، ولكنه لم ير مني إلا الصدق والاستقامة والحمد لله – وأشكره على موقفه النبيل حتى في آخر لحظة، ومن مع الله كان الله معه. وفي تبوك تم النقل من مدرسة محمد بن القاسم الابتدائية إلى مدرسة تحفيظ القرآن الكريم، كمدرس لمادة الرياضيات في مدرسة التحفيظ وطاب لنا فيها المقام حتى استمر إلى ما يزيد عن ست سنوات برفقة هذه النخبة من المشايخ الكرام، حفظة كتاب الله الكريم والذين يقرأون بالقراءات السبع.وكم كان يطيب لنا الاستماع إلى تلاوة المشايخ لآيات كتاب الله وخاصة في وقت الفسح، كنا نختار واحداً منهم كل يوم ونطلب منه قراءة بعض آيات القرآن الكريم بقراءات مختلفة وكنا نتذوق حلاوة هذه الايات بشغف كبير.يقول الرسول صلى الله عليه وسلم، إذا أحب الله عبداً ابتلاه والحمد لله، أن الله يبعث لي بين كل فترة وأخرى، من يحاول أن يعكر صفونا، أو ينغص علينا حياتنا، واعتقد ان هذا من الابتلاء، والحمد لله على كل حال، وإن الله سبحانه وتعإلى لم يكن يترك لهذه الفئة الظالمة، ان تنتصر علينا أو إن تحقق مآربها فينا، ولكن من حمد الله وفضله لم يلحق بنا أي أذى من أي طرف من هذه الأطراف مهما كان صاحب جاه أو مركز أو مال.وفي مدرسة تحفيظ القرآن الكريم كان من الطرائف  ومن الإبتلاء أنني استأذنت من مدير المدرسة في حصة استراحة لي قبل الفسحة الكبيرة لمراجعة إدارة تعليم بصدد إقامة زوجتي التي كانت قد تعاقدت مع إدارة التعليم والثقافة بوزارة الدفاع والطيران للعمل معهم كمدرسة في مدارس البنات بعد إن تم الاستغناء عنها من رئاسة تعليم البنات، وطلبوا منه الإقامة مجددة.وصلت إلى قسم الجوازات بإدارة التعليم/ وكانوا قد وعدوني في هذا اليوم أن يسلموني الإقامة لأنها كانت مطلوبة في مقر عمل زوجتي وفور دخولي إلى قسم الجوازات في الإدارة، صاح بي رئيس القسم الأستاذ(فلان)، أنت ما بتفهم يا أستاذ، ألم تر ما هو مكتوب على الباب، " ممنوع مراجعة المدرسين أثناء تأدية أعمالهم" .إنه لم يكن يعلم أني مستريح في الحصة بالإضافة إلى الفسحة الكبيرة بعد الحصة الثالثة وموقع المدرسة قريب من إدارة التعليم ، وفوق كل ذلك فإنهم وعدوني باستلام الإقامة هذا اليوم الذي حضرت فيه للإدارة ، وزيادة على ذلك لا أستطيع الحضور بعد الدوام المدرسي لإدارة التعليم حيث إني مرتبط لإحضار زوجتي من المدرسة وكذلك أبنائي ، فما أن أنقل جميع أفراد العائلة إلى البيت حتى ينتهي دوام إدارة التعليم .لذلك كنت مضطراً إلى الذهاب خلال حصة الاستراحة والفسحة لاستلام الإقامة الموعودة من قسم الجوازات بإدارة التعليم ، ولما رآني الأستاذ ( فلان ) رئيس قسم الجوازات بإدارة التعليم آنذاك ولم يستطيع أن يفي بوعده بأنها إجراءات الإقامة ، قابلني هذه المقابلة الشنيعة ، يقول أنت لا تفهم ما كتب على باب الغرفة ؟!!وفي لحظتها شعرت بصفعة قوية لطمت وجهي بقوة أمام الحضور وهو يقول " أنت لا تفهم …." ، أجبته أنا بكامل قواي العقلية وبكل هدوء ، أنت تعلم أنني مدرس ، وأني أفهم ، وعملي إفهام الناس ، ومن أجل ذلك تعاقدت معي وزارة المعارف وقد أتيت لأفهم أمثالك .لقد وقع كلامي عليه كالصاعقة ، صمت ولم يحرك ساكناً ولم يرد علي بكلمة واحدة ، لم أطلب إقامتي ولم أسأل عن تجديدها وخرجت والله يعلم أنني كظمت غيظي ، وذهبت إلى المدرسة ودخلت حصتي ولم أخبر مدير المدرسة بما حدث معي في إدارة التعليم .بعد خروجي من مكتب هذا الموظف ، كتب محضراً وقع عليه جميع موظفي مكتبة، لا يلامون في ذلك لأنه رئيسهم وقد خشوا معارضة ، وجاملوه على ضلال . كتب محضراً قال فيه حرفيا:"إن حكومة جلالة الملك بغنى عن هذا المدرس و أمثاله، الذين يهينونا داخل مكاتبنا ، ويدعون أن السعوديين لا يفهمون، وأن…….وأن…..أشياء أربأ ينفسى عن ذكرها ، فضلا أني قلتها ، وشهد الله وحده على صدق أقوالي ، عاهدت الله على ذلك ، وتكفل الله في كل مرة بحمايتي من الظلم ، ثم رفع هذا المحضر إلى مدير التعليم ، فحوله إلى الموجه المركزي الأستاذ / صالح فتحي للتحقيق معي بالموضوع .اتصلت إدارة التعليم بإدارة مدرستي لإرسالي للإدارة للتحقيق معي وكان مدير المدرسة لا يعلم بشيء مما حدث ، تصرف بحكمة وقال لهم : الأستاذ يدرس داخل الحصص ، فإذا كنتم بحاجة إليه ، فتعالوا لتحققوا معه داخل المدرسة .استدعاني المدير فوراً ، قبل وصول الموجه ، وسألني عن الذي حدث ، فقلت له وبكل صدق ما جرى من حوار سابق دون نقص أو زيادة بحرف واحد .  وقبل أن يلتقي بي الموجه ، التقى بمدير المدرسة وكان خير مدافع عن مرؤوسيه بحق ، فقد أعطى الموجه صورة حقيقية عن عملي وتصرفاتي ، وأنه لا يمكن أن يخرج مني مثل هذه الألفاظ البذيئة بحق أي إنسان غير المعني بالأمر .خلوت أنا والموجه للتحقيق في غرفة خاصة ، وأخذ يوجه لي السؤال تلو الآخر وأنا أجيب بكل صراحة وأمانة وأعدت عليه ما قلته لهذا الموظف رداً على إهانته لي على ملأ من الناس ، وأقسم أنني لم أتطرق لذكر أي إنسان غيره كما اتهمني ، لأن هذا غير معقول .ومن ما قلته لهذا المحقق – وربما لا يزال هذا التحقيق موجوداً في الملفات – لو كنت أنت أو مدير التعليم أو أي إنسان آخر قال لي ما قاله هذا الموظف ، لرددت عليه بنفس الرد لأني لا أجد فيه خطأ حتى الأن، لأنه مجرد دفاع عن النفس .   وكان من ضمن ما قاله لي هذا المحقق ، أن الشخص الذي تناقشت معه هو من جماعتي ، ابتسمت ابتسامة عفوية ، فقال لي ما الذي أضحكك ، أجبته بأنني تذكرت حديث الرسول صلى الله عليه وسلم بما معناه أو كما قال " إن من كان قبلكم ، كانوا ان سرق منهم الشريف تركوه ، وان سرق الضعيف أقاموا عليه الحد " .قال لي لا تخش ذلك ، وسيأخذ الحق طريقه ، إن شاء الله .وكان السؤال التقليدي الأخير الذي وجهه لي هذا الموجه :-ما الذي تراه مناسباً في مثل هذا الموضوع ؟! أجبته قائلاً :- ان المناسب هو وضع الرجل المناسب في المكان المناسب وان قسم الجوازات يعتبر من الأقسام التي تهتم بمعاملة الأفراد والناس ولا بد أن تبنى على العلاقات العامة الجيدة بين الناس ، وان الأخ رئيس قسم الجوازات السابق ( فلان) ، لا يستطيع العزف على أوتار العلاقات العامة ، فيجب أن يخلي هذا المكان لغيره .ومن الطريف أيضا ما حدث معي في هذه المدرسة ، مع أحد أولياء أمور الطلبة الذين أدرسهم في المدرسة واسمه ( فلان ) ، ويعمل في إمارة منطقة تبوك .كان الطالب في الصف الرابع ، وكان نصيبي أن أدرس هذا الطالب مواد اللغة العربية نتيجة تغيير في الجداول .وبعد أسبوع من تدريس هذا الفصل ، وجدت أن هناك طالباً لا يميز بين الحروف الأبجدية ، فكيف وصل إلى الصف الرابع ؟   إن هذا يخرج عن نطاق عملي ! المهم في الأمر إبلاغ مدير المدرسة ، بأنه يوجد عندي طالب في الصف الرابع ولا يتقن التمييز بين الحروف الأبجدية ، وطلبت من الأستاذ مدير المدرسة/موسى الخيبري الحضور إلى الفصل ، وكتبت عدداً من الحروف الأبجدية مبعثرة ، ومفردة دون الإتصال بغيرها ، أخطأ الطالب كثيراً في التعرف على هذه الحروف ! ربما لا يصدق أحد هذا الكلام ، ولكن يشهد الله أن هذا ما حدث ، كان النظام المعمول به في تلك الفترة إصدار تقارير شهرية عن مستوى الطالب ، وإرسال هذه التقارير لولي الأمر للتوقيع عليها وكان تقرير هذا الطالب الفعلي في اللغة العربية : ضعيف في القراءة وضعيف في الإملاء ، لا يستطيع أن يقرأ كلمة واحدة ولا يكتبها وكيف يستطيع ذلك وهو لا يميز بين الحروف .وعل إثر ذلك ، ثارة ثائرة ولي أمر هذا الطالب ( فلان ) ، حاول في البداية أن يصل إلي عن طريق الأصدقاء لتدريس هذا الطالب في منزله ، وإن والده مستعد أن يدفع الذي تطلبه شريطة أن ينجح ، رفضت كل هذه العروض بإصرار وبشدة ، وأخيراً جاء لي شخصياً ورجاني بإلحاح ورفضت ذلك ، لأنني أعلم يقيناً أنهم يربطون نجاح هذا الطالب بتدريس مدرس الفصل الذي يدرسه ، وإلا كان بإستطاعتهم وبسهولة البحث عن أستاذ آخر ، وهنا يكون النجاح غير مضمون .اتصلت والدة هذا الطالب بزوجتي في البيت تلفونياً ، ولا أدري كيف حصلت على رقم بيتي ، وطلبت من زوجتي أن تقنعني بتدريس ولدها ، وأنا أحدد بلساني المبلغ الذي أريده ، وعندما حدثتني زوجتي بذلك ، قلت لها :- إنني لن أبيع ضميري.ولما يأس ولي أمر هذا الطالب من الوصول إلي عن طريق النقود ، ولا عن طريق المعارف الكثيرين الذين جندهم لذلك بحكم موقع عمله ، انتهج طريقاً ملتوياً آخر ، لجأ إلى التهديد والوعيد ، سربه مع بعض ضعاف النفوس ليصل إلي على شكل :- ربما يعمل لك كذا … وكذا … وربما كذا …. إنه يقول :- على إيش شايف حاله ، والله إني سأعمل على تسفيره من هذه البلاد .إنني أعلم يقيناً – بعد وجودي خلال هذه المدة الطويلة في المملكة العربية السعودية – أن هناك أنظمة وقوانين تحتكم إلى مبادئ الشريعة الإسلامية – ولا تحكمها العنتريات والتهديدات كما يحاول هذا الشخص أن يخوفني به .وكنت أستند إلى جدار قوي وثابت إلا وهو مخافة الله وتقواه في السر والعلن وفي كل عمل أقوم به ، فقد وقف سبحانه إلى جانبي مرات كثيرة وإن شاء الله يقف إلى جانبي دائماً ، لأنني لم ولن أعمل – بإذن الله – إلا ما يرضيه (( ومن يتق الله يجعل له مخرجاً )) (1) .(( إلا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون )) (2).ودارت الأيام ، وجاء آخر العام ، واستلم هذا الطالب نتيجته مكملاً في مادتي القراءة والإملاء ، من المواد التي أدرسها ونجح في جميع المواد الأخرى ، بعضها بتقدير جيد جداً .وكان المدرسون يتوزعون أماكنهم في ساحة المدرسة وتحت أشجارها ويحضر طلابه لاستلام نتائجهم، حضر والد هذا الطالب إلى المدرسة ، بعد أن اطلع على نتائج ولده وأعماه الغضب من هذه النتيجة ، وبمجرد دخوله إلى المدرسة قابله الأستاذ الشيخ رمضان / مدرس مادة القرآن الكريم الذي نجح فيها ولده بتقدير جيد جداً ، وعلى الفور بادره بقوله :- أنت صعيدي مقطع ، مش شبعان الخبز في بلدك ، وجئت إلى هنا من أجل ترسب أولاد الناس، وكان الشيخ رمضان رجلاً فاضلاً وعاقلاً ولم يتكلم مع الرجل، ولم يرد عليه، حاول أحد الأخوة المدرسين واسمه / عبد الرازق شرفه أن يدافع عن زميله ، وقال للرجل أنك أخطأت في حق هذا المدرس الذي نجح ابنك في مادته بتقدير جيد جداً .لم يع هذا القول وصاح بالزميل المدافع عن زميله " وأنت عامل حالك محامي دفاع مثل حافظ الأسد … وغير ذلك من الألفاظ البذيئة " كان مدير المدرسة – سامحه الله – ذو شخصية ضعيفة لم يستطع كبح جماح هذا الرجل الغاضب لنتيجة ولده التي لم يتعودها ، والتي كان يشتريها كل عام بفلوسه كما سيأتي  … وتركه يسرح ويمرح ويشتم هذا ويصرخ في وجه هذا … … والكل خائف منه لأنه يعمل في الإمارة …. والأمير لا يدري عنه ، أنه يستغل مركزه ومنصبه في إذلال الآخرين ، وإلا لعاقبه أشد العقاب ، ولله در الخليفة الراشد عمر بن الخطاب رضي الله عنه ، الذي بكى حتى اخضلت لحيته ، وهو يسمع العجوز ، والدة الصبية الذين كانوا يبكون جوعاً بعد أن نقل إليهم الخليفة الراشد عمر بن الخطاب رضي الله عنه ، على ظهره السمن والدقيق ، سمعها تدعو على عمر ، وكأنت لا تعرفه ، فقال لها :" وما أدرى عمر بك يا امرأة " ..وهنا ندعو كل صاحب مظلمة أن يوصل مظلمته إلى المسؤول فإنه لن يعدم الوسيلة بإنصافه من هذه المظلمة .لم أكن أعرف أن أحداً يكرهني أو يحقد علي في هذه المدرسة من الزملاء ، كنت مشرفاً اجتماعياً في المدرسة ، وكنت أخاً للجميع ، ولكن في لحظة الشدة تنكشف المواقف الحقيقية ، وتظهر مواقف الرجال .كنا في المدرسة نشكل جامعة دول عربية ، سعودي ، أردني ، فلسطيني ، مصري ، سوري ، سوداني وكنا نعيش أسرة تدريسية متحابة متعاونة في تلك اللحظات الحرجة ، التي كان يرغي فيها ولي الأمر ويزبد ، رأيت أحد الأخوة ( من قطر عربي شقيق ) ، يقود هذا الرجل ، ويشير إلي وهو يرافقه قائلاً : هذا هو المدرس ، أحمد صلاح الوادي الذي يدرس اللغة العربية للصف الرابع ، في هذا الكلام من الخبث الكثير ، لأنه كان من المفروض أن يبعده عني ، لأنه يعرف حقيقة المعرفة ، أنني لن أقف مكتوف الأيدي أمامه ، وسأرد له الصاع صاعين مهما كلف الأمر ، لأن تهديداته كانت تصلني تباعاً ، وفي نفسي منه الكثير .وصلتني الزمرة الحاقدة ، ولي أمر الطالب ، الذي كان في تلك اللحظة يشتم هذا ، ويسب ذاك ، وكذلك يليه الأخ الزميل ، الذي كان يريد أن يشفى غليله عندما يسمع ( بهدلتي ) من هذا الرجل حيث ظن أنني لن أستطيع مقارعته الحجة بالحجة ، والشتم بالشتم إن حدث ذلك .قال ولي أمر الطالب لمرافقه الخاص ( الزميل ) إنني أعرف إن هذا هو المدرس أحمد الوادي ، وبدأني بالسلام ، وكان لطيفاً معي إلى أبعد حد ، قال لي يا أستاذ إن ولدي عبد العزيز إذا عاد في الفصل أخشى أن يتعقد فأرجوك أن تساعده .أجبته يا أخي إن تأسيسه ضعيف ، ويخطىء حتى الأن في التمييز بين الحروف ، قال : ساعده يا أستاذ . قلت له : أحضر الولد ومعه كتاب القراءة وورقة بيضاء وأنا سأعيد له الإختبار أمامك ، مخالفة للنظام ، وهذا خطأ شديد ، أعترف به الأن، فإذا قرأ سطر واحد من درس يريده هو وإذا كتب سطراً واحداً من أي مكان يختاره هو ، سأكتب له شهادة نجاح الأن مخالفة للنظام – وأنا كنت متأكداً مما أقول فالطالب لا يستطيع أن يفعل ذلك ، ان ولي الأمر يعرف ابنه ، وإن خطأه كان يشتري بعض النفوس الضعيفة بالنقود ، وأدرك الرجل خطأه الأن فأشار بيده إلى أحد الإخوان المدرسين ، كان يجلس تحت شجرة مجاورة ، وقال بأعلى صوته أمام الناس: والأستاذ يسمع ما يقوله الرجل : شايف هذا أبو ذقن ، أخذ مني عشرة آلآف ريال ، ونكس الأستاذ الزميل رأسه أمام الناس ، ولم يتكلم وبقى – الحمد لله – رأسي مرفوعاً ، أناطح به الصخر ، لأنه لم يطأطىء للمعان الذهب والفلوس.انصرف الرجل من عندي ، دون أن يؤذيني بكلمة واحدة ، وإنما كان يرجوني، عندها استشاظ غيظاً الأستاذ المرافق الذي أتى ليسمع تجريح هذا الأردني الفلسطيني ، كما انجرح غيره من بذاءة هذا الرجل الصفيق …قال هذا الأستاذ منفعلاً : يا راجل – مع تخفيف وتعطيش الجيم – " دانته ساحر؟… الراجل كان يبعبع ، ويسب الشيخ رمضان – وشتم الشيخ عبد الرازق شرفه – وعندما جاء إليك انخرس ؟..في تلك اللحظة ، أسعفني المولى / عز وجل / بتذكر حديث الرسول صلى الله عليه وسلم بما معناه أو كما قال " من التمس رضاء الناس بسخط الله سخط عنه الله وأسخط عنه الناس ، ومن التمس رضاء الله بسخط الناس رضي عنه الله وأرضى عنه الناس " .ان معاملة هذا الرجل الفظ ، معي بالإحسان ، ليس بسحر عملته له وإنما بتوفيق من الله ، أن نال كل من المدرسين جزاء ما عمله ، إن خيراً فخير وإن شراً فشر ، وإن الذين قبضوا الآلاف لقاء عمل غير مشروع نكست رؤوسهم ، وأحرجوا أمام الناس وان الذين ترفعوا عن مد أيديهم إلى ما لا يجوز ، رضي عنهم ربهم واحترمهم الناس رغماً عنهم وذلك بتوفيق من الله .وعل هامش قصة هذا الطالب ( الضحية ) نتيجة جهل أهله من طرف ، وحرصهم على نجاحه بأي ثمن ، وطمع معلميه وكيف سولت لهم أنفسهم كتابة وثيقة نجاح هذا الطالب في الأول ثم الثاني ثم الثالث حتى وصل إلى الصف الرابع وهو لا يميز بين الحروف الهجائية ، إنها لجريمة كبرى .ومن خلال عملي كمشرف اجتماعي ومرشد طلابي في المدرسة ودراسة هذه الحالة ، اجتماعياً اتضح لي أن هناك تنافس شديد بين نساء الأخوة ، فكن يتسابقن على نجاح أبنائهن مهما كلف الثمن وكان هذا عاملاً مساعداً في الأمر .بعد أكثر من عشرة سنوات على هذه القصة ، جمعتني بالصدفة جلسة مع والد هذا الطالب ، عند أحد الأخوة ، كان سلامه لي حاراً ، شد على يدي كثيراً ، وأدناني من مجلسه ، وهمس حتى لا يسمعه الآخرون ، يا ليتني سمعت كلامك يا أستاذ أحمد ؟‍ وأعدت ابني كما قلت لي وهو في الصف الرابع إلى الصف الأول ليتعلم الحروف الأبجدية من جديد ، وتابع قوله : أتدري أين ولدي عبد العزيز الأن، قلت :- لا ، قال: إنه فاشل لم يصلح لشيء سوى التفحيط في الشوارع ، وندم حين لا ينفع الندم .ومن هذا المنبر أتوجه بنصيحتي إلى الأخوة الآباء ، وأخواتي الأمهات ، أن لا يحرصوا اشد الحرص على نجاح أبنائهم لمجرد النجاح فقط ، يجب أن ينتبهوا إلى أبنائهم ، وخاصة في السنوات الأولى والمراحل التأسيسية ، فأن النبتة اللينة إذا عدلت وهي صغيرة سهل علينا ذلك ، ولكن يصعب تقويمها عندما تكبر . كذلك أتوجه بنصيحتي إلى الأخوة المدرسين ، وخاصة في الفصول الدنيا أن لا ينتقل الطالب من فصل إلى فصل إلا إذا استحق هذا النجاح لأن انتقاله وهو ضعيف إلى فصل أعلى سيتسبب في فشله مستقبلاً وهكذا نكون قد تسببنا بضرر هذا الطالب من حيث أردنا مساعدته ، وأنت يا أخي المدرس على ثغرة من ثغر الإسلام فلا يؤتين من قبلك .ومن مواطن الإبتلاء الطريفة التي حصلت معي في تبوك ، وهي أثناء العمل في تعليم الكبار في المدارس الأهلية الليلية ، وقد عملت في مدارس الشمال في تبوك لتعليم الكبار مدة خمس سنوات تقريباً وحتى جاء الأمر الوزاري بعدم الجمع بين العمل في وزارة المعارف ومدارس تعليم الكبار .كنت أدرس في هذه المدرسة ، مادة الرياضيات للمرحلة المتوسطة ، أيام كانت مادة الرياضيات تدرس كحساب وهندسة وجبر قبل جمعها في كتاب واحد للرياضيات المعاصرة والحديثة .بينما كنت أشرح أحد دروس الحساب للصف الأول متوسط الدرس في النسبة والتناسب ، وكان طلاب التعليم الليلي في المدارس الأهلية في منطقة تبوك ، معظمهم من القطاع العسكري ويتعلمون من أجل الحصول على الترفيعات والمراكز في عملهم ، لأن المستوى العلمي كان مطلوباً منهم .كنت في حصة الحساب السابقة ، قد أنهيت موضوع النسبة والتناسب وحللت جميع الأسئلة عن الدرس .وفي حصة هذا اليوم ، كنت أريد أن أنتقل إلى موضوع درس جديد ، وقف أحد الدارسين العسكريين باللباس المدني وقال محتجاً ، أنا كنت غائباً يا أستاذ الحصة السابقة وأريد حل سؤال الواجب السابق .أجبته بأن يحاول نقل هذا السؤال من دفاتر زملائه وإذا لم يفهم الحل يأتيني في أحد الفسح أو حصص الفراغ وأنا سأقوم بشرح السؤال له .قال :لا يا أستاذ ، وبلهجة الأمر العسكري ، كما تعود ، يجب أن تحل السؤال ، لأننا دفعنا فلوساً من أجل أن نتعلم .حاولت إقناعه بأن عدد الطلاب المسجلين في الفصل يزيدون عن خمسين طالباً ، ولكن لا يحضر في كل مرة أكثر من عشرين طالباً فيكون بعضهم مستلماً لوظيفته ، والآخر في مشروع تدريب وهكذا لو أننا أعدنا الحصة لكل متغيب عن الدرس ، فلن نقطع درساً واحداً ، فالدراسة في هذه المدارس الأهلية للعسكريين ، أشبه ما تكون بالطالب المنتسب للدراسة في المدرسة ، يحضر متى شاء حسب ظروف عمله ، ولكن الجميع يحضر لأداء الإختبار من أجل الحصول على الشهادة ، وليس من أجل التعلم لذات العلم .حاولت إقناع هذا الدارس بشتى الطرق ، فلم يقتنع ، وقال أخيراً : والله لازم تحل السؤال يا أستاذ ، نحن ما أتينا هنا لنلعب ، نحن دفعنا فلوس ، وكان الطالب في ذلك الوقت يدفع أربعين ريإلا في الشهر والمدرس يتقاضى شهرياً مبلغ ( 350 ) ثلاثمئه وخمسين ريإلا فقط لم يبقى لهذا الطالب ( الجلف ) إلا أن يضربني في الفصل ، ضحكت وقلت له : يا أخي أنت تستطيع أن تلزم زوجتك في البيت بأي عمل لكنك لا تستطيع أن تلزم الأستاذ بما تريد .أعاد قسمه قائلاً : والله يا أستاذ لازم تحل السؤال ، عندها ، لم أتمالك أعصابي بعد ذلك وأنا أقسم أنه لو انطبقت السماء على الأرض ما حللت السؤال الذي تريده مرة ثانية ، إذهب إلى مدير المدرسة وأخبره بذلك لم يقتنع بما قلت ، وكرر قائلاً مقسماً : والله يا أستاذ لازم تحل السؤال وتركت الفصل فوراً ، وذهبت إلى إدارة المدرسة ، وخاطبت المدير بقولي :- إن في  الصف الأول متوسط طالب فظ ، يريد أن يضاربني في الفصل ، وأنا على غير استعداد لدخول هذا الفصل ما دام هذا الطالب موجوداً فيه .تبعني جميع طلاب الفصل إلى إدارة المدرسة ، وحاول الجميع استرضائي والاعتذار عن زميلهم ، فقلت لهم إن أعصابي مشدودة الأن ولا أستطيع العودة إلى الفصل .أخرج مدير المدرسة ملف هذا الطالب من الدرج ، وأخرج أربعين ريإلا من جيبه ، وقال للطالب : هذا ملفك وهذه فلوسك واذهب للبحث عن مدرسة أخرى ، إننا نستطيع أن نستغني عنك ولا نستطيع أن نستغني عن الأستاذ ، والأستاذ لم يقصر معك قال لك : أحضر لي وقت الفراغ وأنا سأعيد لك شرح الدرس .الحصة الثانية كنت في الصف الثالث متوسط ، وكان موضوع الدرس هندسة ، دخلت الفصل وأنا لازلت مشدود الأعصاب طلبت من الطلاب إخراج دفاتر الهندسة وحل السؤال الأول من الدرس ، وعلى غير العادة ، وبدون مقدمات ، استنكر بعضهم شكلي وطبيعتي ، وقال أحدهم : هل هناك ما يزعجك يا أستاذ ، اعتذرت لهم وقلت لهم : إني تعب قليلاُ .بعد لحظات دخل علي الطالب السابق ، صاحب " اللوازم " ودخل الفصل بدون استئذان وهجم على رأسي مقبلاً ، أنا متأسف يا أستاذ ، أنا أعتذر ، أنا ما كان قصدي مثل ما فهمت أنت ، أنا كان قصدي أفهم الدرس ، ولم يدر سليمان في ذلك الوقت ، أنه يؤخذ باللين ما لا يؤخذ بالشدة .وهنا أتوجه بالنصيحة إلى أبنائي الطلاب أينما كانوا ، إذا أردت أن تستفيد الاستفادة الكاملة من معلمك فلا بد من احترامه وكسب محبته لك ، والاستماع لما يقول من توجيهات وإرشادات ، والمعلم لا يستطيع محبة طلابه واحترامهم له بالقوة ، وإنما بالمعاملة الحسنة، ويكون ذلك بالشدة في مواطن الشدة والتسامح في مواطن التسامح دون إفراط أو تفريط .ومن ضمن الابتلاء والطريف الذي حدث لي في تبوك ايضاً في مدارس تعليم الكبار كذلك ، ولكن هذه المرة في مدرسة حكومية وفي قلب مديرية الشرطة في تبوك، فالمدرسة هي مدرسة تثقيف الجنود الليلية التابعة لوزارة الدفاع ومركزها ، سكن مديرية الشرطة في تبوك .رشحت للعمل في المدارس الليلية لتعليم الكبار عن طريق مدرس زميل لي في مدرسة محمد بن القاسم واسمه / الشيخ محمد رمضان ، تم ترشيحه ليعمل موجهاً لمدارس تعليم الكبار في إدارة تعليم تبوك .بعد شهر من مباشرتنا العمل في مدرسة  تثقيف الجنود ، أخبرنا مدير المدرسة الأستاذ ( فلان ) ، وكان هذا المدير يعمل رئيساً لقسم الثقافة الشعبية ومدارس الليلية بمنطقة تبوك التعليمية ، أخبرنا المدير بأن مدير شرطة تبوك ينوي زيارة المدرسة هذه الليلة وبالفعل حضر في موعده المحدد ، طلب الاجتماع بمدرسي المدرسة وكان من ضمن أسئلته لنا في الإجتماع ،  ما هي مطالبكم أيها الأخوة التي تساعدكم عل تسهيل مهمتكم في التدريس .كانت الغرفة التي ندرس بها هي عبارة عن منامة للجنود وهي غرفة مفتوحة وكبيرة ، ولا جدار رابع لها ، وأصوات المدرسين والطلاب تتداخل أثناء شرح الدروس لقرب الغرف من بعضها .رفعت يدي وخاطبت مدير الشرطة بقولي :- إن طلبنا هو أن يعمل أبواب ألمنيوم بدل الجدران المفتوحة بين الفصول حتى لا تختلط أصوات المدرسين والطلاب ، وتتشتت أذهانهم .وقبل أن يرد علي سعادة مدير الشرطة ، تدخل السيد – مدير المدرسة ( فلان ) وقال لي بحدة :- يا أستاذ هذا ليس من عملك ؟! وكان بإستطاعتي احراجه ، وبيان أن ما قلته  من صميم العمل لكن لكل مقام مقال ، وتركت لمدير المدرسة الرد واتخاذ القرار .ولقد شعرت بالصفعة ساخنة على خدي أمام جميع الزملاء وبحضور مدير الشرطة ، لكن رأيت من الحكمة أن ألتزم الصمت ريثما تنفض الجلسة ، ولكل حادثة حديث .لاحظ مدير الشرطة ، أن رد مدير المدرسة لي كان غير مناسب فتدارك الموقف بقوله :- ليذهب أحدكم ويأخذ قياسات هذه الأبواب وعددها ، وغداً اتفق مع أحد مصانع الألمنيوم ليقوم بعملها على الفور .وانقضت معظم الجلسة عن أهمية هذه الأبواب للدراسة وأيد كثير من الأخوة المدرسين هذا الرأي فيما بعد ، جلست صامتاً طيلة الإجتماع ولم أساهم بكلمة واحدة غير ما سبق ، لكن كأنت الدنيا تدور بي ، وأن إهانة الرجل في مجلس كهذا ليس بالأمر اليسير .انسحبت من الجلسة فور خروج مدير الشرطة ، وتكلم مع هذا المدير بعض الزملاء وقالوا له :- لقد أخطأت في حق الأستاذ أحمد عندما كلمته بهذه الطريقة ، فإنه لم يقل إلا حقاً .كان هذا المدير من النوع المتسلط الذي لا يحب أن يشاركه أحد في الرأي ، ويريد أن يكون هو وحده في الصورة أمام مدير الشرطة .شعر بخطئه بعد مراجعة المدرسين له ، قررت الابتعاد عنه ما أمكنني ذلك ، لاحظ الجفاء بيني وبينه وحاول مراعاتي عدة مرات ليعيد المياه إلى مجاريها ، ورفضت ذلك بشدة ، وكبر عليه وهو من هو في هذا المركز ، رئيس قسم المدارس الليلية بإدارة تعليم تبوك ، الكل يتودد إليه ، ليحصل على تعيين في إحدى المدارس الليلية في المنطقة .ولما لم يستطيع ترويضي كما يريد ، حاول أن يلعب معي، استغلال مركزه في العمل ، وأراد أن يريني أنه بإستطاعته فصلي من العمل وقت ما يريد .وفي إحدى ليالي الشتاء ، والدوام الليلي ينتهي تقريباً في حدود الساعة العاشرة والنصف ، قرع الجرس الكهربائي ايذناً بانتهاء وقت الحصة الأخيرة .ذهبت من فوري كالعادة إلى الإدارة ، للتوقيع على الانصراف ، فصاح بي بصوت مرتفع قائلاً : لماذا أنت على عجلة من أمرك دائماً .أجبته : ألم ينته وقت الدوام الرسمي؟ إنني لا أحب المشاركة في جلساتكم الخاصة، خارج نطاق العمل، إن أولادي ينتظرونني لأساعدهم في دراستهم قبل أن يخلدوا للنوم.عندها قال بشكل متغطرس غداً لا تأتي إلى المدرسة قلت له :- عندما تكون المدرسة خاصة بك او ملك أبيك، تقول لي مثل هذا الكلام.أما وإن المدرسة مدرسة حكومية، وأنا موظف فيها، استدعيت بطريقة رسمية وصدر خطاب تكليفي بالعمل، فلن اترك العمل حتى يصلني خطاب الفصل من العمل.قال : إذا كنت رجلاً تاتي إلى المدرسة، عندها غضبت لرجولتي غضباً شديداً، وقلت له : إنك تعلم أنني رجل واكثر منك رجولة، وسآتي غداً إلى المدرسة، واذا كنت أنت رجلاً وهذا من أقوالك ، فامنعني أن ادخل إلى المدرسة. وبعدها لم يدرك كل واحد منا ما قاله الآخر، قال لي : أنت واحد كلب، قلت له : أنت ستون كلباً، ونزلنا إلى مستوى من السب والشم اخجل من ذكره ألان… نزلنا إلى مستوى أقل من الصبية في الشوارع…. لقد أحرجني وأحوجني إلى التلفظ بألفاظ بذيئة، والله لم انزل إلى مستواها وانا طفل ألعب في الازقة.خلع حذائه وأراد ان يضربني به، وخلعت حذائي وهجمت عليه، ياله من من منظر مؤلم … وقبيح وغير حضاري مدير الثقافة الشعبية بإدارة التعليم بتبوك ، وأحد المدرسين، يترافعون بالأحذية في قلب مديرية الشرطة وأكثر من عشرة مدرسين يقفون للفصل بينهم وختم المشهد المؤلم بقوله : اخرج من هنا، أقسمت له : بأنني لن أخرج من هذه الغرفة إلا إذا خرجت أنت قبلي أو أكون ميتاً ومحمولاً على الأكتاف.واستمر النقاش والاخذ والرد فيمن يخرج أولا، وأصريت على رأيي، حتى ولو قضيت الليل كله هنا، وقلت للأخوة المدرسين، أرجو ان تطلبوا لنا مدير الشرطة …ولم يتطوع أحد منهم بذلك.كان الشيخ/ محمد رمضان – رحمه الله – موجه القسم الليلي بتعليم الكبار هو الذي رشحني للعمل بهذه المدرسة، وقد وجه له مدير المدرسة (فلان) الخطاب مؤنباً، هذا يا شيخ محمد احمد الوادي الذي رفعته للسماء وقلت أنه ممتاز، ورشحته للعمل أرأيت ماذا يفعل بنا، اثقل على الشيخ في التأنيب، والشيخ رجل مؤدب، كبير السن، تربطه بي الصداقة والاخوة، وتربطه بمدير المدرسة صلة رحم، حيث تزوج المدير ابنة هذا الرجل، وربما كان اكثر شئ ندم عليه في حياته هو هذه المصاهرة. ولكنه اكتشفها بعد فوات الأوان حين لا ينفع الندم .توجه لي الشيخ محمد بالحديث، بعد ان سكت طيلة هذه المدة السابقة، حزيناً متأثرا لما يحدث، وقد قاربت الساعة الآن الثانية عشرة ليلاً: قال لي الشيخ محمد برجاء: يا شيخ احمد ارجو ان ننهي هذا الموضوع ، يكفينا فضائح وتأنيب.قلت له : من أجلك يا شيخ محمد سأحرِّم العمل في المدارس الليلية جميعها مادام هذا الشخص رئيسها. وخرجت على الفور، وتنفس الجميع الصعداء.وفي مساء اليوم التالي جاءني اثنان من المدرسين الزملاء وهما يحملان معهم مبلغ ثلاثمائة ريال، أجرة ستة أيام مضت من الشهر الذي نعمل فيه، وكان يريد ان يثبت لي ان المدرسة خاصة به، وهو يدفع حسابها.رفضت استلام المبلغ، وقلت لهم أعيدوا له المبلغ وقولوا له: اذا دخل أسمى مسير الرواتب والأجور وكان لي ولو قرش واحد فإنني سأستلمه ولن أسامحه به، أما أن يسجل اسمي طيلة شهر كامل ويدفع لي مبلغ"300" ريال ويأخذ الباقي لجيبه فإنه اختلاس غير مشروع.وذهبوا ولم يرجعوا بشيء، حتى تاريخه، استلم المبلغ وأكله، وسأطالبه به يوم لا ينفع مال ولا بنون وبعد أيام قلائل، حدثت مشادة أخري بينه وبين زميل آخر، مدرس الرياضيات للمرحلة المتوسطة في نفس المدرسة، فاجأه بقوله له : يا أستاذ أنت ما تفهم، على امر بسيط لا يستدعي مثل هذه الاهانة.كان الأستاذ الزميل / محمد البطش مدرساً للرياضيات بثانوية تبوك، وكان متمكناً من مادته، ومعظم طلاب تبوك يعرفون قدراته ويحترمه الجميع لاخلاقه وعلمه.كبر عليه أن يهينه هذه المدير المتغطرس، ترك العمل فوراً، سلم ما بعهدته من كتب، وضعها على الطاولة أمام المدير وقال له : عندما افهم، سآتي للعمل معك وترك المدرسة فوراً وربما كان أعقل مني في تصرفه، لكن الناس أجناس، ولله في خلقه شؤون.وبعد فترة وجيزة حصلت المشكلة الكبرى كان الخلاف هذه المرة بينه وبين أحد المدرسين السعوديين، وكان هذه المدرس وأسمه الأستاذ/ سالم مهنا مدير مدرسة ابن زيدون وكيلاً للأستاذ/ فلان في مدرسة تثقيف الجنود، ولأسباب شخصية بحتة، دبَّ الخلاف بينهما فكشف هذا الأخير زيف الأول، وجميع أعماله غير المشروعة التي كان يقوم بها.أولها وأهمها هو تشغيل مدرسين متعاقدين، تحت أسماء مدرسين سعوديين، فإذا كان مثلاً راتب المدرس السعودي ثمانية آلاف ريال فمكافأة التدريس الليلي 50% من الراتب تعادل 4000 ريال ومثلا 50% من راتب التعاقد 1500 ريال، فكان المتعاقد يوقع مقابل اسم المدرس السعودي الذي استحقاته 4000 ريال ويستلم نصف راتبه فقد 1500 ريال، والفرق بين هذا وذاك كان لجيب المدير، كانت المدرسة تابعة لوزارة الداخلية، والمدرسون العاملون يتبعون وزارة المعارف ومدير المدرسة هو نفسه رئيس قسم الثقافة الشعبية بإدارة تعليم تبوك.   فعندما اختلف المدير والوكيل، وكان الأخير قد اطلع على خبايا الأول وأسراره، فأرسل برقية عاجلة إلى سمو وزير الداخلية وزاد في برقيته بأنه سبق وإن تضارب هو والأستاذ / احمد الوادي في قلب مديرية الشرطة ، وسبق كذلك أن تفوه بإهانة مدرس الرياضيات الأستاذ / محمد البطش، وسجل ما عليه من ملاحظات، ودون ان يعلم احد بذلك. وبينما انا أعمل داخل الحصة بمدرسة تحفيظ القرآن الكريم بتبوك، استدعاني مدير المدرسة، وسلمني خطاباً من امارة منطقة تبوك كتب عليه، سرّي وعاجل وهام، وسالني مدير المدرسة هل لك مشاكل مع أحد، قلت له : والله لا أعلم، وربنا يستر ودارت بي الظنون هنا وهناك، أستعيد شريط الذكريات فلم يستوقفني الشريط عند محطة، تستحق مثل هذا الخطاب.فتحت الخطاب وقرات فحواه، وإذا به طلب للحظور للامارة للتحقيق معي، بشان عدة مواضيع خاصة بالاستاذ(فلان)، ومدير مدرسة تثقيف الجنود بمديرية الشرطة.كان المحقق مندوب هيئة الرقابة والتحقيق من المدينة المنورة وكان أمير منطقة تبوك وقتئذ، سمو الامير / عبد المجيد بن عبد العزيز آل سعود وكان التهمة الموجهة لجميع مدرسي المرحلة المتوسطة في المدرسة هي التواطئ على اختلاس اموال الدولة مع مدير المدرسة، حيث بدا دوام المدرسة المتوسطة يوم 16 الشهر ، وعملت مسيرات هذا الشهر من بدايته، وفي آخر الشهر وقع مدرسو المتوسطة على راتب الشهر كاملاً وصرف لهم المدير راتب (14) يوم فقط، واخذ فرق جميع الرواتب وهي(16) يوماً لجيبه الخاص، وقال للمدرسين إنا هذا الفرق سيستعمل لصالح النشاط في المدرسة، والجميع يعرف انه لا يوجد نشاط غير منهجي في المدارس الليلية، وسكتوا على مضض. والإتهام الآخر هو خطا بعض المدرسين المتعاقدين في الموافقة على التوقيع أمام غير اسمه، فكان يستلم نصف راتبه فقط وفرق الراتب كان يذهب لجيب هذا المدير (فلان).وخرجت أنا من هذين الاتهامين، لاني لم اكن مدرساً في المتوسطة وإنما مدرس في الابتدائية وقد تم فعلاً افتتاح المدرسة الليلية الابتدائية من بداية الشهر وهذا مثبتاً في السجلات ودفتر الدوام، وكذلك كنت أوقع مقابل أسمي، حيث كان اسمي مدرجاً في الكشوف فعلياً، ولم أدان بتهمة التواطؤ مع مدير المدرسة.وبدا المحقق في توجيه الأسئلة لي بخصوص موضوع الشجار الذي دار بيني وبينه، والذي أدخله الأستاذ / سالم مهنا في شكواه ضد مدير المدرسة، دون علم مني بذلك.وكان من ضمن الأسئلة التي وجهها إلي هذا المحقق سؤاله: هل سبق وان ترافعتما بالأحذية في قلب مديرية الشرطة؟ أجبته : نعم، حصل هذا، وكان عملي هذا بمثابة الدفاع عن النفس، والرد على الحذاء بحذاء مثله.وسؤال آخر : لماذا لم تشتك على هذا المدير؟ أجبته: كان هذا المدير ، رئيساً لقسم تعليم الكبار بالمنطقة وكان اكبر حق يمكن الحصول عليه، هو البقاء في العمل في قسم التعليم الليلي، تحت إمرة هذا المدير، وبعد كل ما حدث سالت الله ان يظلم من ظلمني وينتقم لي منه.ولم يمض وقت طويل، حتى صدرت إدانة هذا المدير، واوقف عن العمل لمدة ستة أشهر كاملة، ريثما يتم إصدار الحكم النهائي بحقه، وبعد ذلك تم فصله من وزارة المعارف نهائياً، واستحق ان ينال جزاء ظلمه وتعسفه واستغلال مركز عمله وخيانته للأمانة. ومن هذا المنبر اوجه النداء والنصحية إلى إخوتي المسئولين أينما كانوا، فعليهم ان يتقوا الله في عملهم ويلتزموا الصدق والآمانة، وأن يراعوا العدل والمساواه بين مرؤوسيهم فمن يتق الله يجعل له مخرجاً ويرزقه من حيث لا يحتسب.واستمر العمل في مدرسة تحفيظ القرآن بتبوك ست سنوات، ثم تم نقلي إلى مدرسة / ثانوية الملك فهد المطورة بتبوك حيث بدء العمل بتجربة الثانوية المطورة على نظام الساعات المعتمدة كالجامعة، واليوم الدراسي المفتوح، وينتقل الطالب من مجموعة إلى اخرى في كل حصة، ولا يوجد في المدرسة نظام الفصل الثابت كالمعتاد، وادخل في الثانوية قسم العلوم الادارية بمواده ، الاقتصاد، المحاسبة، إدارة الأعمال بالإضافة إلى القسم الشرعي وقسم العلوم الطبيعية الذي ينقسم إلى قسمين! فيزياء ورياضيات، والقسم الثاني كيمياء وأحياء.للأسف لم تنجح هذه التجربة ، رغم مالها من إيجابيات ، لأن سلبياتها في النهاية، طغت على إيجابياتها، فتقرر إلغاؤها، مع الاحتفاظ بإحدى المدارس في كل منطقة أو مدينة لتدريس مواد العلوم الإدارية لمن يرغب في ذلك.ومن ميزات هذا النظام أنه ادخل تدريس مواد جديدة ووسع قاعدة التعليم الثانوي في مواد المحاسبة والاقتصاد والإدارة حيث يتوجه خريجوا هذا القسم إلي كليات التجارة او كليات الاقتصاد والأداة وغيرها، ويكون الطالب قد درس المبادئ الأولية في هذه العلوم قبل التوجه إلى الجامعة فإذا ناسبت ميوله وقدراته اتجه إليها ولا يصطدم بها فجأة عند دراسته بها لأول مرة.ومن ميزاتها كذلك تدريب الطالب على العمل بالنظام الجامعي، تسجيل المواد، الحذف، الإضافة، حساب المعدلات التراكمية ، الحرمان، السحب وغيرها من الأنظمة التي لا يعرفها خريج الثانوية التقليدية.ومن ميزاتها كذلك أن يختار الطالب المدرس الذي يرتاح إليه في تلقي دروسه، حيث يتوفر في المدرسة عدد من مدرسي كل مادة، فهناك مجال لاختبار الطالب المدرس الذي يفضل ان يدرس عنده.ومن سلبياتها أن مجال الحرية والاختيارالذي أعطى للطالب في هذه المرحلة الدراسية ولما ينضج بعد قد اُسيئ استغلاله من قبل الطلاب.فلأي سبب بسيط وبدون تفكير جاد، يحذف الطالب المادة أو يسحبها من من الفصل كله، مما أدى إلى تأخر تخرج البعض إلى أربع سنوات وبعضهم خمس سنوات.وبالعكس فان الطالب الممتاز، كان يستطيع أن يسجل عددا أكبر من الساعات فيتخرج في سنتين ونصف بدلاً من ثلاثة.كذلك فإن نظام الباب المفتوح في المدرسة كالجامعة لم يناسب ظروف المجتمع السعودي، من الناحية الاجتماعية، حيث أتاح لبعض الطلبة العابثين عدم الالتزام بالدوام والتسرب من المدرسة متى يشاءون وهذا سبب كثيراً من المشاكل الاجتماعية.  وجاء قرار وزارة المعارف، بسعودة قسم العلوم الإدارية وإنهاء عقود المدرسين المتعاقدين العاملين بهذا القسم، وكنت أنا وزميل لي اسمه الأستاذ / احمد الترشحاني في ثانوية الفيصل وكلانا لم يكن على ملاك التعليم الثانوي، وانما تم تحويلي من المرحلة الابتدائية إلى الثانوية لتدريس مادتي الاقتصاد والمحاسبة في ثانوية الفهد المطورة بتبوك.وتم تحويل زميلي الأستاذ / احمد الترشحاني من ملاك المرحلة المتوسطة إلى التعليم الثانوي لتدريس مواد العلوم الإدارية كذلك ورأت إدارة التعليم، عدم إلغاء عقودنا، لان مسئولي إدارة التعليم هم الذين طلبوا منا التحويل للمرحلة الثانوية فليس من الإنصاف ان يكافئونا على ذلك بإنهاء العقود فقرروا إعادتنا إلى التعليم الابتدائي مرة ثانية . ثم جاء قرار وزارة المعارف بالاستغناء عقود المدرسين المتعاقدين الذين أمضوا بالعمل في المملكة مدة ثلاثين سنة أو يزيد ، وشاء الله ان يتجاوزنا هذا القرار كذلك، فانتهى عقد زميلي الأستاذ احمد الترشحاني، وتجدد عقدي لان مدة خدمتي بالمملكة عند صدور هذا القرار، كانت 29 سنة .ومن طرائف مشاكل ومشاكسات الطلاب التي حدثت معي في مدرسة ثانوية الفهد المطورة، دخلت الفصل في أحد الأيام، وكان أحد الطلاب يجلس لوحده في مؤخرة الفصل ، وكان يجلس بشكل غير صحيح على الكرسي ، حيث كان الكرسي مائلاً نحو الجدار ويجلس عليه بشكل غير عادي. قلت له بعد دخول الفصل : احضر كرسيك واجلس بجانب زملائك ولاتكن بعيداً عنهم، وحاولت مداعبته بقولي: وذلك حتى لا يأكلك الذئب ( انما يأكل الذئب من الغنم القاصية) أجاب بجلافة : أنا لست غنمة يا أستاذ فقلت له يا بني: إنه معنى حديث الرسول صلى الله عليه وسلم، انت تكون مع الجماعة ، قريباً منها ولا تنفرد لوحدك فأصر على رأيه، جالساً على الكرسي بشكل مائل وغير صحيح فقلت له مؤنباً : اما ان تحضر كرسيك وتجلس بشكل صحيح بجانب زملائك وإما ان تخرج إلى الأدارة وتقول إلى المدير أن الأستاذ أخرجني من الفصل.خرج على الفور من الفصل وهو يتمتم انا معي تقرير طبي ولن أجلس إلا كما اريد . عاد إلى الفصل وهو يحمل ورقة نرجوا إدخال الطالب الفصل وقد تم إتخاذ الاجراء  اللازم معه . قلت له : أدخل واحضر كرسيك واجلس بجانب زملائك قال : إنني اريد أن أجلس كما أريد وظهري يؤلمني واخذ كتبه وخرج من الفصل وهو يتمم بالفاظ لم يفهما احد ….؟! وعاد مرة ثانية ، وكان يرافقه هذه المرة المرشد الطلابي، وصلني وهو مبتسم وقال لي : ما شان هذا الطالب يا استاذ احمد ، وكان يرافقه الطالب قلت له : ليس هناك مشكلة أبداً، إن هذا الطالب يرفض أن يجلس بجوار زملائه وبشكل صحيح على الكرسي يريد ان يجلس بمفرده آخر الفصل والكرسي مائلاً إلى الجدار بدعوى ان ظهره يؤلمه ، والافضل لظهره ان يجلس بشكل صحيح نظر إليه المرشد الطلابي وقال له ادخل واجلس بالشكل الصحيح كما طلب منك الأستاذ وبدون ان يرد على المرشد الطلابي ذهب غاضباً ورافعاً صوته والله سأشتكي عليه إلى إدارة التعليم وإلى الوزارة واخذ يهذي بكلام غير واضح حاولت ان اتبعه بسرعة استوقفني المرشد الطلابي لم اتمالك نفسي وقتها صحت عليه قائلاً : اذا كنت رجلاً قف واسمعني ما تقول خاطبت المشرف بقولي إنني لن أقبل هذا الطالب في الفصل إلا بعد استدعاء ولي امره، واخذ تعهد عليه بالتزام الادب وطاعة المعلم . أبلغ المشرف مدير المدرسة بما حدث امامه، وقررا إستدعاء ولي أمر الطالب وحرماه من دخول المدرسة إلا بعد إحضار ولي أمره . بعد حصة واحدة فقط ، طرق باب الفصل أحد طلاب المدرسة وأسمه: عبدالله سعود العطوي وهو ابن شيخ قبيلة بني عطية في تبوك وقال لي : أنا طالبك يا أستاذ احمد : فقلت له أبشر بما أستطيع يا عبد الله  قال الطلاب ( فلان العطوي) الذي عمل معك الأشكال في الحصة الماضية انا أطلب منك أن تسمح عنه وتدخله الحصة والله انني وجده يبكي خارج المدرسة ولا يريد أن يعلم أبوه بما حدث وهو متأسف لما حدث وسيأتي  ويعتذر لك عما حدث وهجم على راسي يريد ان يقبله رفضت ذلك وقلت له : الحصة القادمة يأتي  ويدخل الفصل شريطة أن يلتزم بالادب وتنفيذ ما يطلبه منه المدرس .قصة من واقع العمل في التدريس، لم يستطع مدير المدرسة من إقناع الطالب دخول الفصل والالتزام بما يريده المدرس منه ، وكذلك لم يستطع المرشد الطلابي من حل المشكلة على الفور وتمرد الطالب على كل من المدير والمرشد الطلابي بالإضافة إلى المدرس في الفصل وقال بصوة عال والله ساشكيكم إلى إدارة التعليم . وجاء أحد الطلاب بحكمة وعقلانية، خطأ زميله في تصرفه وقال له : لابد أن تعتذر إلى الأستاذ وتلتزم بما يقول ، وجاء الطالب وأعتذر ودخل الفصل وبقي خجلاً من تصرفه السابق طيلة العام الدراسي وكلما سنحت الفرصة كان يقابلني ويذكرني بقوله : لعلك لاتزال عاتب علي يا أستاذ.لقد اكبرت هذا الطالب الذي تدخل لحل مشكلة زميله هذا وبحل مشاكل كثير من زملاءه وكنت أداعبه بلفظ الشيخ عبد الله العطوي ولعله كان يعد نفسه لذلك الوقت لخلافة والده في المشيخة واعتقد انه أهل لذلك . ومن طرائف ما حدث في موضوع إختبارات الطلاب وتدخل أولياء أمور الطلاب، فعندما كنت في مدرسة ثانوية الفهد حصل أحد الطلاب على درجة ( اربع من خمس وعشرين) في الاختبار النصفي، كان والده رجلاً فاضلاً، ومديراً لإحدى المدارس الابتدائية في تبوك وبدا في التحدث مع زملائي في الموضوع، ورجوني في ذلك، وانا أقول لهم إن هذه المادة يجب أن يتقنها الطالب ويفهمها جيداً لانها متطلب لمادة ثانية بعدها تعتمد عليها، واذا لم يتقن الطالب (محاسبه واحد) لا يمكن ان يجتاز ( محاسبة اثنين) ومن صالح الطالب أن يعيد المادة ليفهما جيداً. وأعترف أنني كنت ولازلت شديداً ودقيقاً في موضوع الامتحانات، وإن كان لابد من التيسير والتسهيل على الطلاب، فيكون ذلك في مساعدتهم في شرح المادة شرحاً جيداً ثم وضع أسئلة لجميع المستويات في الفصل . وتتالت الوفود واحد بعد الآخر بخصوص هذا الطالب، وكان والده قد اعتاد على هذا الأسلوب في تنجيح ولده وأخيراً جاءني إلى البيت أحد زملائي في المدرسة وقال لي : يا رجل انا طلبتك في موضوع ( طارق) اسم الطالب سابق الذكر، واعتذرت له عن ذلك واعدت له (الموّال) ، إن إعادة هذه المادة من صالح الطالب. عندها قال للأسف : كنت متصوراً انني لو جئت اطلب أحد أولادك لما رددتني خائباً، قلت له : تفضل وانتقي من تشاء منهم وخرج من البيت وهو يقول : أمرك غريب يا رجل؟ولم ييأس هذا المدير من محاولاته لانجاح ولده، وجاءني اخيراً وكيل مدرسة ثانوية الفهد لشؤون التسجيل الاستاذ سعود الريس وقال لي : هل هناك مجال لمراجعة ورقة الطالب ( طارق) ومساعدته قلت له : لقد راجعتها عدة مرات ويحتاج إلى اكثر من عشر درجات ليصل إلى النجاح. ورجوته ان يطلب من والد هذا الطالب أن ياتيني شخصياً إلى المدرسة، لاقنعه بضرورة إعادة ابنه لمادة المحاسبة واحد وجاء الرجل واوضحت له الحقيقة، وبينت له بانه لو نجح ابنه الآن في محاسبة واحد فلن ينجح ابداً في محاسبة اثنين لانها تعتمد عليها اعتماداً كلياً فالمنهج واحد ويدعم بعضه بعضاً، ومحاسبة واحد هي الاساس، شكرني الرجل، وقال :إنني لم اكن أعلم هذا الامر، وإلا لما أرسلت اليك احداً فارجو المعذرة. إن مدينة تبوك هي بوابة الشمال، وثغر من ثغوره، دخلها الرسول صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك، وعنها فال ما معناه مخاطباً بلال بما معناه" إن عشت يا بلال سترى في تبوك جنة خضراء.."ولقد صدقت نبوءة الرسول صلى الله عليه وسلم في تبوك، فهي الآن إحدى جنات المملكة العربية السعودية، تعبق رائحتها بالورود، ونزدهى بساتينها بجميع انواع الفواكه والثمار، وتغطي سهولها الواسعة، زراعة الحبوب من القمح والشعير، فما إن تلتفت يميناً أو يساراً إلا وتجد تلك الرشاشات المحورية تذرع الأرض جيئة وذهاباً، والماء يتدفق منها باستمرار ليسقي الزروع.ما أجمله من منظر عندما تقف إلى جانب تلك الرشاشات وتكون هناك نسمة ناعمة من الهواء، تداعبك قطرات الماء المتساقطة من الرشاش، وترشها على وجهك او على ثوبك، فتشعر برطوبة ناعمة، وسط هذا البساط الأخضر، والماء العذب، وأولادك يتلاعبون من حولك ويتراقصون تحت قطرات الماء، وانت وزوجك تتجاذبان أطراف الحديث من هنا وهناك، وتكون قد تحققت لك الشروط الثلاث المشهورة في القول الشائع ، الماء والخضراء والوجه الحسن متذكراً قول الشاعر :        يا ليتنا طائران نلهو         بالروض في سرحه الخصيب       يا ليتنا زهرتان نهفو        على شفـــا جدول لعـوبوهنا في تبوك، اصبح الحلم حقيقة، وصار التمني واقعاً ملموساً .  ومهما تحدثت عن تبوك فلن أفيها حقها ، أكلت من خيراتها ، وأظلتني سماؤها وشربت من عذب مائها ، ورزقنا الله فيها البنين والبنات ، وقضينا أجمل الأوقات ومن ريع دخلها علمنا الأبناء والأخوة والأخوات وكذلك بنينا البيوت والعمارات ، وركبنا أجمل السيارات والحمد لله على ما رزقنا فيها من طيب المكاسب وقليل المدخرات ، إن تبوك مدينة كبيرة إذا قورنت بالبلدان السابقة التي عملت بها في السعودية وهي الليث ، حدبة بني عاصم ، المخواة ، حداد بني مالك بالطائف ، ضباء الشمال .ولكون تبوك ثغراً من ثغور الشمال ، فتمتاز بأنها منطقة عسكرية ، وغالبية سكانها من أفراد القوات المسلحة لذلك يتألف سكانها من خليط من أبناء القبائل المتعددة في المملكة فمنهم العلاوي ، الغامدي ، الزهراني ، الشمراني ، الشمري ، الحربي ، العنزي ، التميمي ، القحطاني ، العتيبي ، الحيدري ، العسيري ، وغيرهم هذا بالإضافة إلى سكان وأبناء المنطقة المتواجدين فيها منذ القدم العطوي ، البلوي ، الحويطي وغيرهم .لقد عينت في تبوك مدرساً عام 1397 هـ ، وبقيت فيها مدرساً حتى عام 1419 هـ ، ومعنى ذلك أنني عملت في تبوك اثنتين وعشرين سنة دون انقطاع ، عشنا فيها حياة سعيدة ، وعوملنا خلالها معاملة حسنة ، ولنا فيها كثير من الذكريات وكثير من الأصحاب والأحباب .ومن تبوك خرجنا ، والأصح القول ، أٌخرجنا على إثر قرار اتخذ بسعودة التعليم في المرحلة الإبتدائية في مدارس مدينة تبوك ، وكان قرار صعباً على نفوسنا ، بعد أن تعودنا على الحياة في هذه المدينة الجميلة بعد اثنتين وعشرين سنة وتلفتنا نحو تبوك ، ونحن خارجون منها للعمل في هجرة " قريشمان " وقلنا مخاطبين تبوك " إنك تعلمين أنك أحب البلدان إلينا للعيش فيك ، والعمل في مدارسك ، ولولا أن أهلك أخرجونا منك ، ما تركناك " .ولله در الشاعر حيث قال مع بعض التحريف والتغيير بما يناسب الموقف :- رعى الله عهداً في (تبوك) قد مضى        ولكنـه عأن خاطري يغــــرب فيا ليتنــي يوماً إليهــا راجعـاً ويا ليتني من ماء (السلسبيل ) أشرب والسلسبيل أحد أماكن بيع المياه الصحية في تبوك .عندما قدمنا إلى تبوك عام 1397هـ ، كانت مساحة رقعة البناء فيها ، لا تتجاوز ربع مساحتها الحالية ، فكانت أحياؤها الرئيسية هي :- الخالدية ، العزيزية ، الأخويا ، المنتزه ، السليمانية ، وهي الآن تشغل وسط البلد ، ونشأت أحياء جديدة رائعة شغلت معظم جهاتها الأربع شرقاً وغرباً ، شمإلا وجنوباً ، ومن هذه الأحياء الجديدة : الورود ، المروج ، العليّة ، الدخل المحدود ، المنح الصريحة وغيرها .كانت شوارع المدينة القديمة ضيقة ، وبعضها غير معبد ، وبعضها غير مضاء بالكهرباء ، وكان حي الأخوياء لم تدخله الكهرباء بعد ، وكنا نستعمل الفانوس و ( الأتريك ) وهو مصباح يعمل على الكاز له فتيلة ويعطي نوراً أقوى من ضوء الفانوس ، ولقد سكنا خي الأخوياء مدة تزيد عن ستة عشر عاماً .أما الآن فقد دخلت الكهرباء في كل بيت في البيوت ، وأصبحت شوارعها واسعة ومعبدة ومضاءة بالكهرباء ، وقد زينتها أشجار النخيل وأشجار الزينة التي غرست في وسط الشوارع العريضة ، وعلى جوانب الشوارع الفرعية ، وما أجمل ذلك وأنت ترى أشجار النخيل المثمرة في وسط الشوارع داخل المدينة ، وقطوفها دانية ، تحمل أنواعاً مختلفة من البلح بألوانه الزاهية ، الأحمر والأصفر ، وأنواعه المختلفة ، البرني ، الحلوة ، السكري وغيرها من الأصناف التي يعرفها أهل الخبرة في زراعة النخيل ، ويزداد الأمر جمإلا وحلاوة ، إذا مددت يدك إلى تلك القطوف الدانية وسط الشوارع ، وقطفت حبات من البلح من ذلك ( القنو ) أو ( العذق ) أو    ( القطف ) ، المعلق في تلك الشجرة القصيرة ، التي نستطيع الوصول إليها ، أما تلك الشجرة العالية ، فإنك تنظر إلى ( قنوها) من بعيد ، ولسان حالك يقول :-(( ولي ما يطول البلح              حامض عنه يقول )) ؟! أما بالنسبة للأبنية في مدينة تبوك ، فقد اختلفت طرزها المعمارية عن النظام القديم ، فقد كان في القديم فيها بعض الأبنية الحجرية ، ومعظم بيوتها شعبية ، سقوفها مغطاة بالخشب .ومرت فترة من الفترات ، خلال المدة الطويلة التي عشناها في تبوك سادت فيها البيوت والعمارات الإسمنتية ، معظمها ذات طراز واحد ، وهي أشبه بمستطيلات أو مكعبات من الكتل الإسمنتية ، دون أي لمسات معمارية فنية .أما الآن فإن معظم الأبنية على الطراز الحديث ، وأصبحت الناحية الجمالية في هندسة البناء من الأمور الضرورية ، وظهرت في تبوك الأبراج والعمارات الضخمة والمجمعات السكنية وأصبحت تبوك من مدن الدرجة الأولى في المملكة العربية السعودية بشوارعها الفسيحة ومداخلها الجميلة .وأول ما يواجهك عند دخولك مدينة تبوك من جهة الشمال ، بوابة تبوك ، وهي معلم حضاري رائع بأقوسه الثلاثة ، المتداخلة تداخلاً رائعاً وعندما تقترب من دخولك المدينة من جهتها الشمالية كذلك يقابلك ، دوار السنبلة وهو يرمز إلى ما تشتهر به المنطقة من زراعة القمح وبداخل المدينة العديد من المعالم الحضارية والجمالية البارزة ، في الميادين المختلفة ، فدوار ( الله أكبر ) ، نصب رخامي يرمز إلى إخلاص العبادة لله ، ودوار الدلال يرمز إلى تلك العادة العربية الأصيلة في شرب القهوة ، ودوار النافورة يذكرنا بهذه النعمة العظيمة من الماء ، والتي جعل الله منها كل شيء حي ، ودوار المطار بطائرته الحقيقية التدريبية رمزاً لهذه الوسيلة السهلة المريحة التي يسرها الله لنا ، لتسهيل مواصلاتنا ، ولقربها من القاعدة الجوية فهي أيضاً وسيلة من وسائل الدفاع المشروع امتثإلا لقوله تعإلى (( وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم ….)) (1).وعلى دوّار المدينة العسكرية ، وضع في وسطه إحدى المدرعات رمزاً للقوة والمرابطة في سبيل الله ، وفي ثغر من ثغور المملكة الشمالية . قال تعإلى (( يا أيها الذين آمنوا اصبروا زصابروا ورابطوا ….)) (2).ان معظم سكان مدينة تبوك يعملون في قطاعات الدولة المختلفة ، وغالبيتهم يعمل في القطاع العسكري ، وبما يتناسب مع طبيعة المنطقة ، حيث أنها ثغر من الثغور الشمالية .وجزء كبير من سكانها يعمل في الوظائف المدنية المختلفة منها الصحة والتعليم والقضاء وغيرها .وجزء من سكانها يعمل في الزراعة ، وغالبيتهم ملاّك زراعيون ، ويعتمدون على العمالة الزراعية الوافدة ، وتعتبر تبوك من المناطق الزراعية المشهورة في المملكة ، تحققت فيها نبوءة الرسول صلى الله عليه وسلم كما جاء في الحديث ، فهي الآن جنة خضراء تحف بها البساتين والمروج  الخضراء من كل جانب .ولقد زرت فيها مزارع نموذجية عديدة ، أكبرها وأكثرها تقدماً مزارع ( إسترا ) شركة التموين العربية ، وقد ذكرها خادم الحرمين الشريفين في إحدى خطبه بقوله    (( لقد أصبحنا الآن نصدر الورد إلى إيطاليا من تبوك )) .ولقد شاهدت بأم عيني هذه الورود تقطف وتنسق وتصف وترتب داخل صناديق خاصة بإستعمال أجهزة دقيقة وتعد للتصدير للخارج .لقد قمنا برحلة منظمة ، ترافق طلاباً من ثانوية الملك فهد المطورة لزيارة مزارع    ( استرا ) ، هناك عند البوابة استقبلنا موظف العلاقات العامة ، وقد خصص لمرافقتنا أثناء التجوال في المزرعة .ولكبر أقسام هذه المزرعة – ما شاء الله – واتساع مساحتها فهي تحتاج إلى أكثر من يوم للإطلاع على جميع أقسامها .دخلنا أولاً قسم زراعة البيوت المحمية المكيفة ( حار – بارد ) حسب حاجة النبات ، وشاهدنا نبتات  الخس وهي مزروعة في المياه في أحواض خاصة بالزراعة على ارتفاع متر عن سطح الأرض وكنا نرى جذور نبات الخس داخل الماء ( والخسّه قدر الوزّة ) في كبر حجمها ، وذلك من أحدث الطرق الزراعية .ثم مررنا كم أسلفت بالبيوت الخاصة بزراعة الورود وتمتعنا برؤية مناظرها الجميلة وألوانها الزاهية والطريقة المنظمة في الزراعة والقطف والتنسيق والترتيب وقد رأينا أجهزة الحاسب الآلي تستعمل في الإنتاج داخل هذه المزارع .واستمر بنا الطواف والتجوال داخل المزرعة النموذجية ومررنا بمزارع العنب في معرّشات مرتفعة عن الأرض على قضبان وأسلاك حديدية ، بصفوف منتظمة ، وممرات بين كل صف وآخر .ثم إلى قسم الأشجار المثمرة ، المشمش ، والدرّاق ، والتفاح ، واللوز ، وقد لاحظنا اعتماد الطريقة القزمية في نمو هذه الأشجار ، وعندما سألنا المرافق عن ذلك قال : إن هذه الطريقة تزيد من إنتاج الشجرة ، فتشاهد الشجرة صغيرة قصيرة ، ولكنها أغصانها لا تكاد تقوى على حمل ثمارها .ما أجمل تلك الأشجار ، وثمارها ناضجة ، وقطوفها دانية بألوانها الزاهية ، وأشكالها المختلفة ، فكل مربع أو مساحة من الأرض مزروعة بنوع من الثمار ، إن ( استرا ) الزراعي يحتاج إلى أكثر من يوم لتجوب جميع أرجائها فضلاً عن قسم    ( إسترا ) لتربية المواشي ، وقسم ( إسترا ) لتربية الدواجن ، الدجاج والفري ، هذا بالإضافة إلى ( إسترا ) التجاري بأقسامه الستة الموزعة داخل مدينة تبوك ومناطقها العسكرية المختلفة .وكان يوماً جميلاً ورحلة موفقة ، شاهدنا نحن وطلابنا ما لم نشاهده من قبل ، من الطرق العلمية والتقنية في الأساليب الزراعية ، في الهواء الطلق ، في البيوت البلاستيكية ، في البيوت المحمية الكيفة ، حيث يوفر لكل نوع من النبات الجو الذي يناسبه من حرارة وبرودة وأسمدة ، وخلال الطرق الزراعية الحديثة بدون استعمال التربة ، الزراعة في الماء ، إن هذه المزرعة مثار للإعجاب والتقدير وتستحق أن تذكر في كل مناسبة ، ومنها تصدر الورود إلى أوروبا وكفاها هذا فخراً .أما بالنسبة لزراعة القمح والشعير فإن الدولة ساهمت مساهمة فعالة في تشجيع المزارعين على الخوض في هذا المجال والتوسع في زراعة الحبوب ، حتى أصبحت المملكة العربية السعودية عن طريق الإنتاج في تبوك وفي غيرها من مناطق المملكة المختلفة من الدول المنتجة والمصدرة للحبوب بدلاً أن كانت قبل سنوات قليلة من الدول المستوردة لهذه الحبوب وكان ذلك نتيجة لتوفر الإمكانيات المادية ، التي ساهمت الدولة في توفير جزء كبير منها للمواطنين ، وزعت عليهم الأراضي الزراعية على شكل منح وسهلت لهم القروض الزراعية ، وأعفتهم من الرسوم الجمركية على استيراد الالآت والمعدات الزراعية ، وسهلت لهم كذلك استقدام الأيدي العاملة الزراعية ، وصرفت لهم الأنواع الجيدة من التقاوي ، من الأصناف العالمية المشهورة .وزادت على ذلك بأن أعطت لهم تسهيلات كبيرة في شراء وتسويق منتجاتهم من هذه الحبوب ، واشترتها منهم بسعر أعلى من سعر السوق ، وكل ذلك لتشجيعهم على الزراعة في هذا المجال .وكانت هذه الخطة حكيمة في تشجيع المزارع على الزراعة ، والاستمرار في العمل ، حتى إذا ما أتقن عمله واشتد ساعده ، تركته يعتمد على نفسه شيئاَ فشيئاَ رويداً رويداً.فهناك مزارع الآن تعتمد على إمكانياتها ، وتورد إلى صوامع الغلال كل عام عشرات الآلاف من الأطنان من الحبوب .أما القسم الثالث من أهالي منطقة تبوك فهم أهل البادية والبراري ، يعتمدون في حياتهم على رعي الإبل والغنم، إذا رزقهم الله بنعمة المطر ، اعشوشبت الأرض ، أكلت حيواناتهم مما تنبت الأرض ، وإذا انحبست مياه الأمطار وقلّ نزولها اضطروا إلى شراء الأعلاف والحبوب لمواشيهم والدولة لم ولن تقصّر في مساعدتهم بتوفير هذه الأعلاف بين فترة وأخرى ، وصرفها لهم بالمجان أو تبيعها لهم بأسعار رمزية .ومما يلاحظ أن هذه المواشي ، وخاصة الأغنام لا تكفي حاجة السكان ، لذلك فإن تجارة الأغنام وتسويقها لها أسواق رائجة داخل المملكة .أما بالنسبة للناحية التعليمية فخلال الفترة ( 1397 – 1419 ) هـ تطور التعليم خلالها تطوراً ملحوظاً ، فقد ارتفع مستوى مكتب إشراف منطقة تبوك إلى إدارة تعليم منطقة تبوك ثم أصبح الآن الإدارة العامة للتعليم بتبوك ويتبع له مكتب إشراف تعليم محافظة الوجه ، ومكتب إشراف محافظة ضباء .كانت غالبية المدارس الحكومية مدارس مستأجرة ، في بيوت سكنية لا تصلح للدراسة ، أما الآن فمعظم المدارس في مبان حكومية مجهزة بالمختبرات ومعامل اللغات وأجهزة الحاسب الآلي ، وتتوفر فيها الوسائل التعليمية المختلفة لوحات حائطية وخرائط ، وأجهزة فيديو لعرض الأفلام التعليمية وأجهزة سينما ، وأجهزة عرض شرائح ، وآلات طابعة وغير ذلك من اللوازم التي تسهل العملية التعليمية .وكنا في السابق إما أن نكتب أسئلة الإختبارات على السبورة ، أو نسحبها على آلة للنسخ أو الطباعة ، ولا تسأل في ذلك اليوم عن لون ثوب المدرس عندما يسحب أوراق الاختبارات ، فلا بد أن تلوث بالحبر الأسود لعدم خبرته الكافية بالعمل على تلك الآلة ، وعندما يعود للبيت ، يستعد للإجابة على سؤال زوجته ، لماذا ثوبك ملوث بالسواد .؟! ومما هو جدير بالذكر أن نتعرض بالحديث عن الأنشطة غير المنهجية ، ولما تعطى من اهتمام زائد على هامش العملية التعليمية ، ولما لها من دور هام في نتيجة روح التعاون بين الطلاب وحب العمل الجماعي ، وتنمية المواهب الفردية سواء كانت فنية أو رياضية أو اجتماعية أو كشفية وغيرها ، وان الدولة عن طريق وزارة المعارف ، أولت رعاية خاصة لهذه الأنشطة وتنميتها ووصل الكثير من النابغين والمتفوقين إلى مراكز متقدمة في تلك المجالات .ومما هو جدير بالذكر أن وزارة المعارف حريصة على تنمية قدرات مدرسيها ، واطلاعهم على ما يستجد من وسائل وطرق تربوية حديثة فهناك إدارة عامة  خاصة بالتدريب التربوي مهمته عقد دورات تدريبية وتنشيطية للمدرسين بين فترة وأخرى ، وكان أهم الدورات التي تلقيتها في فترة عملي بمنطقة تبوك :- 1.                 دورة علوم القرآن وتجويده / دارساً .2.                 دورة علوم ورياضيات  / دارساً.3.                 دورة لغة عربية         / دارساً .4.                 دورة وسائل تعليمية     / دارساً .5.                 دورة علوم إدارية              / محاضراً .وربما يستغرب القارئ اختلاف تخصص هذه الدورات فعند حضور الدورة الأولى كنت مدرساً لمادة التربية الإسلامية في مدرسة محمد بن القاسم بتبوك ، وعند حضور دورة العلوم والرياضيات كنت مدرساً لمادة الرياضيات في مدرسة تحفيظ القرآن الكريم بتبوك ، وعند حضور دورة اللغة العربية كنت مدرساً لمادة اللغة العربية بمدرسة سعد بن أبي وقاص بتبوك .ودورة الوسائل التعليمية كانت عامة لجميع  التخصصات وخطة الوزارة أن يتدرب جميع المدرسين على استعمال الوسائل وتطبيقها في العمل .وختامها مسك ، كانت دورة العلوم الإدارية فقد كلّفت للعمل بها محاضراً لمدرسي المرحلة الثانوية في قسم العلوم الإدارية .ولن نترك تبوك بعد طول الإقامة فيها ، دون أن ذكر لبعض مظاهر الحياة الاجتماعية ، فقد سبق أن ذكرت أن سكان تبوك عبارة عن نسيج من القبائل المختلفة في المملكة فمنهم العلاوي ، الغامدي ، الزهراني ، الشمراني ، الشمري ، الحربي ، العنزي ، التميمي ، القحطاني ، العتيبي ، الحيدري ، العسيري ، وغيرهم هذا بالإضافة إلى سكان وأبناء المنطقة المتواجدين فيها منذ القدم العطوي ، البلوي ، الحويطي، مع الأخذ بعين الاعتبار فروع وبطون وفخوذ هذه القبائل الثلاثة  فمنها :- السحيمي ، أبو ذراع ، الوابصي ، العطيات ، الطقيقي، الدقيقي ، البيسي ، العدساني وغيرها ، ورغم اندماج الناس بحياة المدينة ، وانشغال الناس بجوانبها المختلفة ، مما يخفف الروابط العشائرية والقبلية في المدن في العادة .   إلا أنه يلاحظ في مدينة تبوك بقاء هذه الروابط القبلية بين أفرادها ، فإذا دعينا مثلاً إلى حفلة عرس عند أحد الزملاء من بني عطية ، نجد أن معظم الحضور من أفراد هذه القبيلة ، وقليل من القبائل الأخرى من هنا وهناك وكذلك لو كانت الحفلة عند زميل من بلي ، نجد أن معظم حضور الحفلة من أفراد هذه القبيلة ، وهذا الأمر لا غرابة فيه ، ونذكره هنا للتذكير على أن الحياة المدنية بظواهرها الحضارية الجديدة لم تؤثر أو تغير كثيراً من طباع الناس الأصيلة .   انتشرت أخيراً ظاهرة قصور الأفراح في تبوك ، ولم تكن هذه الظاهرة موجودة ، عندما أتينا إلى تبوك عام 1397م وزاد عددها بشكل ملحوظ الآن .وتوسع استخدام هذه القصور في غير حفلات الزواج ، مثل عمل عقيقة المولود الجديد للرجل ، نظراً لكثرة المدعوين تارة ، ولضيق البيوت تارة أخرى ، ولفرش البيوت بأنواع ثمينة من السجاد والموكيت ، فإذا عملت وليمة عقيقة لطفل في البيت ، ربما تسبب مشاكل كثيرة ، فيجد صاحب الدعوة من الأسهل والأنظف نقل هذه الدعوة إلى أحد قصور الأفراح ، فهناك الفرش والعمال لتنظيف كل شيء لهذا ازداد استعمال قصور الأفراح في مناسبات عديدة .وبعض هذه القصور على مستوى عال من التقدم والرفاهية في مقاعدها ، وطريقة إضاءتها وتوزيع صالاتها ، وبعضها شعبي يتناسب مع حياة البادية التي لا يزال يألفها ويفضلها الكثير من الناس ، فكثير من هذه القصور تنتشر في البر الواسع حول مدينة تبوك ، فيتكون من عدة بيوت من الشعر مفصولة عن بعضها بجدران اسمنتية وتدعمه الأعمدة الخشبية من المنتصف ، وقد فرش بالسجاد وصفت جوانبه بالمساند ( المراكي ) ، وتحلو الجلسة هناك في الهواء الطلق ، ولسان حال هذا الرجل البدوي بطبعه وسليقته يردد قول الشاعرة ميسون الكلبية :-لبيت تخف الأرياح فيــه          أحب إليّ من قصر منيف ولبس عباءة فتقر عينــي         أحب إلي من لبس الشفوف وأكل كسيرة من خبز قومي         أحب إلي من أكل الرغيف وكلب ينبح الطراق دونـي          أحب إلي من قط أليف وأصوات الرياح بكل فج            أحب إلي من نقر الدفوف وعجل من بني عمي نحيف         أحب إلي من عجل علوفوكانت هذه الأعرابية ميسون ، زوجة للخليفة الأموي ، معاوية بن أبي سفيان ، وبالصدفة سمعها تنشد هذه الأبيات فقال لها : الحقي بأهلك فأنت طالق ، فقد علم يقيناً أن حياة المدينة في دمشق لم تناسبها ، وتعلقت روحها وقلبها ببيت الشعر والهواء الطلق والبادية .وكما كان في تبوك روابط اجتماعية قوية بين أفراد وعائلات كل قبيلة ، كذلك كانت هناك روابط قوية وعلاقات مميزة بين أفراد عائلات كل جالية من الجاليات العربية أو غير العربية ، فهناك الجالية الأردنية ، الجالية الفلسطينية ، الجالية المصرية ، الجالية السورية ، الجالية اللبنانية  ، الجالية السودانية وغيرها من الجاليات المختلفة .ولا بد من الإشارة ، إلى ملاحظة أن أقوى الروابط بين أفراد الجاليات العربية أو غير العربية المختلفة هي التي تربط أفراد وعائلات الجالية السودانية ، فنراهم يتعاملون بشكل ملحوظ مع المطعم السوداني والمقهى السوداني ، والبائع السوداني ، ولا نقول أنهم لا يتعاملون مع غير السودانيين ولكن تعاملهم مع هذه المحلات أكثر من غيرهم .إن علاقتهم طيبة مع الجميع ، ونجدهم في كل مدينة قد استأجروا شقة خاصة وتركوها خالية من السكان ، وذلك ليستقبلوا فيها كل قادم سوداني جديد ، يسكن هذه الشقة ويحتفون به ويكرمونه ويدعمونه ، حتى يقف على قدميه ، ويستلم عمله ، فهل لنا في هذا التلاحم السوداني قدوة حسنة ، ونموذجاً يحتذى به في التلاحم العربي الإسلامي .إن هناك علاقات قوية ، تربط أفراد الجالية الأردنية ، ولكنها لا ترقى الى مستوى العلاقة بين أفراد الجالية السودانية .وتنشأ علاقات متشابكة وقوية أحياناً ، بين أفراد وعائلات هذه الجاليات فيما بينها من جهة ، وفيما بينها وبين أفراد عائلات الشعب السعودي المضياف كذلك ، ولنا من بين الأخوة السعوديين علاقات حميمة وقوية ، نزورهم هنا ، ويزوروننا في الأردن هم وعائلاتهم وهذا مصداقاً لقوله تعإلى عز وجل في محكم تنزيله (( يأيها الناس إنا جعلنكم شعوباً وقبائل لتعارفوا ، إن أكرمكم عند الله أتقاكم ، إن الله عليم خبير )) (1).إن مدينتي حقل وضباء ، مدينتان بحريتان ، تشكلان جانبي الرئة ، التي يتنفس منها سكان تبوك، نسيم هواء البحر العليل .فعلى شطآن هاتين المدينتين ، يقضي سكان تبوك جل أوقات رحلاتهم البحرية ،يستمتعون بالسباحة والتنزه داخل البحر ، على ظهر زوارق خاصة ، أعدت لاستقبال الزوار ، واركابهم وعائلاتهم وأولادهم وأخذهم في رحلات بحرية فريبة ، يطلعون فيها على ملكوت الله في هذا العالم الغريب ، عالم البحار ، يشاهدون الأسماك تتراقص من تحتهم ومن حولهم ، خاصة وإن بعض هذه الزوارق لها أرضية زجاجية ، تشاهد الأسماك والأحياء البحرية من خلالها .وقبل سنوات عديدة ، كانت هذه الشواطىء على طبيعتها كما أوجدها الله ، لم تمتد إليها يد الإنسان بالتحسين والتعمير ، كنا ننام في الهواء الطلق ، ونأخذ خياماً لنستر بها عائلاتنا .إن شاطىء مدينة حقل ، وفي منطقة ( الحميضة ) ، مزروع بالنخيل ، وكنا نبكر في القدوم لنحجز عدداً من أشجار النخيل لنجلس تحتها ، ونتفيئ ظلالها في أيام الصيف الحارة .كنا نخرج إلى البحر على شكل مجموعات عائلية ، عائلتان أو ثلاثة إلى أربع عائلات على الأكثر ، وقد يصل عدد أفراد المجموعة أحياناً إلى خمسة وعشرين فرداً.    وفي إحدى المرات ، بينما الجميع منسجم على شاطىء البحر ، الأولاد يلعبون ويتراقصون داخل الماء ، والرجال يتحلقون حول الشيشة أو لعب الورق ويشربون الشاي أو القهوة ، وقد انتحت النسوة جانباً كذلك ، على جانب البحر يتجاذبن أطراف الحديث .    وقد تركنا متاعنا ، وطعامنا تحت أشجار النخيل في العراء ، وغفلنا عنها قليلاً ، ونحن منسجمون فيما نحن فيه من حديث ولعب ، في تلك الأثناء كان هناك مجموعة من الحمير ، ترعى في أرض الله الواسعة ، بدون راع يقودها وصلت تحت الأشجار وبدأت ترعى طعامنا ، ابتداء من الفجل والبقدونس والجرجير ، مروراً بصناديق البرتقال والتفاح والبندورة وانتهاء بالخبز بعد أن شبعت من الخضار وبعد مدة ، الله أعلم بمداها ، شاهدها بعض الصبية الذين يلعبون في البحر ، ولكن بعد فوات الأوان ، وإن بقي بعض الشيء فقد كان ملوثاً بأنفاس الحمير ، وطلبنا العوض من الله ، والحمد لله أننا لم نكن نبعد عن مدينة حقل سوى بضعة كيلو مترات فذهب أمير الرحلة وأحضر غداءنا جاهزاً من أحد المطاعم .وبعد فترة غير قصيرة ونحن على شاطىء البحر ، في تلك الرحلة وإذا بالأولاد في البحر يصرخون سمكة ….سمكة…..كان عددهم كبيراً ، هربت منهم السمكة ، فضلت طريقها إلى رمال الشاطىء ، بل الأصوب أن تقول :- إنه رزق ساقه الله إلينا ، كان أحد أبنائنا جريء جداً حيث هجم عليها ومنعها من العودة إلى البحر ، ودفعها دفعاً إلى الرمال ، وأسرعنا لنجدتهم عند سماع الصراخ ، وإذا بنا أمام سمكة كبيرة يتراوح وزنها بين ( 4-5 ) كغم من نوع غريب الشكل .كان البرميل جاهزاً تحت الشجرة ، لفها أحد زملائنا بورق القصدير ، ودفنها داخل النار وسط البرميل مدة تزيد على نصف ساعة ، ثم أخرجها فكانت سمكة محمرة شهية ، أكل منها الجميع وبارك الله فيها ، وهكذا عوضنا الله أخيراً ، عما أكلته الحمير من الطعام .كان التفاح رزق الله للحمير سخرنا لنشتريه ونحمله لها من تبوك لحقل ، وكانت السمكة التي تسبح في البحر ، رزق الله لنا ، أخرجها إلى الشاطىء بشكل غير عادي ، في الوقت الذي يعجز الصيادون عن صيدها في البحر بخيطانهم وشبكاتهم الممدودة هنا وهناك .أما للإنسان من عظة وعبرة في هذه القصة وأمثالها من القصص في بحثه الدؤوب عن الرزق ، فما عليه إلا أن يجدّ ويسعى ، ويترك أمر التدبير هذا لصاحب التدبير ، فإنه سبحانه لا يغفل ولا ينام ، وهو القائل في محكم التنزيل (( وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها ويعلم مستقرها ومستودعها ….)) (1).والآية الأخرى (( نحن قسمنا بينهم معيشهم في الحياة الدنيا …)) (2).وآية أخرى (( وفي السماء رزقكم وما توعدون وإنه لحق مثلما أنكم تنطقون))(3). إنني أعيش الآن في مدينة ضباء ، ولقد زرت مدينة حقل قريباً ، إن الفرق شاسع بين اليوم والأمس فضلاً عن عشرات السنين ، إن شاطىء كل من حقل وضباء الآن مضاء بالكهرباء  وتمر من جانب البحر طريق معبدة ، وقد عمّر الشاطىء بالقرى السياحية المزودة بالأماكن الخاصة لاستقبال السائحين والزوار إلى تلك المناطق الجميلة ، وقد زودت تلك ( الشاليهات ) بالماء والكهرباء والألسنة البحرية الممتدة داخل البحر ، لكل ( شاليه ) جلسته الخاصة المعدة إعداداً جيداً ، فلا حمير ولا كلاب ولا قطط تصل إلى طعامك داخل الثلاجة الخاصة بك ، داخل سكنك ، والحمد لله على هذه النعمة ، اللهم أدمها واحفظها من الزوال .في العام الدراسي 1419/1420هـ اتخذت الادارة العامة للتعليم بتبوك، سعودة التعليم الابتدائي داخل المدينة، وبناء على ذلك تم توجيهي إلى مدرسة قريشمان، من مدراس المحافظة، وتبعد المدرسة عن مدينة ضباء 50 كيلومتراً تقريباً منها 20 كيلومتراُ معبدة والباقي طريق صحراوية ترابية رملية لا تسير فيها السيارات الصغيرة، وإنما يحتاج الإنسان فيها الى سيارة جيب ليتجنب التغريز في رمال الصحراء.كان قرار النقل عشوائياً وغير صائب، لم تراع فيه حالات بعض المدرسين الصحية، أو الظروف العائلية، أو كبر السن وطول خدمة المدرس داخل المملكة.كان عمري في تلك السنة التي تم فيها النقل ثلاثة وخمسين عاماً، ومدة خدمتي خمسة وثلاثون أما داخل المملكة العربية السعودية، و أعاني من أزمة ربو يؤثر فيها ويهيجها غبار الأتربة في الطريق الصحراوي، وأحمل خمساً من الشهادات الجامعية في تخصصات مختلفة، وقادر والحمد لله على العمل في المراحل الدراسية الثلاثة، ومسئولو إدارة التعليم يعلمون ذلك، لان غالبيتهم من زملائي أثناء التدريس في تبوك، قبل أن يرشحوا للعمل في إدارة التعليم.قدمت إلتماساً إلى مدير تعليم تبوك، شرحت فيه ظروفي الصحية، وبينت فيه قدرتي على العمل في المراحل الدراسية الثلاث ابتدائي، متوسط، وثانوي، وطلبت توجيهي إلى أي مكان آخر في المنطقة غير قريشمان، وتكون الطريق إليه معبدة لاغبار فيها، مراعاة لظروفي الصحية، وكبر سني، ولم يتم نقلي من قريشمان إلا بعد مرور نصف السنة الأول بكامله، كنت أعاني فيها من المشقة اليومية في الذهاب والإياب، مالا يعلمه الا الله، كنت أموت اموت في الطريق إلى قريشمان كل يوم مرتين مرة في الذهاب والأخرى في العودة، كان الغبار يدخل علينا وسط الجيب فيكتم أنفاسنا، رغم استعمالي للأقنعة الطبية الواقية من الغبار، ولكن حساسية الربو للغبار كانت شديدة ، وكنت أحمد الله كثيراً، ويشتد فرحي، عندما نصل إلى الخط المعبد أو نكاد نصل اليه.ضاع ندائي ورجائي لمسئولي إدارة التعليم أدراج الرياح، ولم يتم نقلي الى مكان آخر.بعد شهر ونصف من بداية الدوام، جاء خطاب إكمالي جدولي، لتدريس مواد العلوم الإدارية في ثانوية ضباء محاسبة، اقتصاد و إدارة أعمال، ويتضمن الخطاب إكمال الجدول في نفس مدرسة قريشمان على بعد 50 كيلومتراً من مدينة ضباء منها 30 كيلومتراً طريقاً صحراوياً.أرسلت خطاباً إلى إدارة تعليم تبوك، رداً على خطاب التكليف بإكمال تدريس مواد العلوم الإدارية في ثانوية ضباء، قلت فيه: اني على أتم الاستعداد لتدريس مواد العلوم الإدارية في ثانوية ضباء، شريطة أن يتم نقلي من قريشمان كلياً الى ضباء، أو أحد ضواحي ضباء المجاورة، المويلح على بعد 45 كيلومتراً من ضباء أو العامود على بعد 20كيلومتراً من ضباء، و أشرت إلى طلبي وندائي السابق في النقل، وأنني لازلت تعباً جداً من أثر غبار الأتربة الذي استنشقه كل يوم.كان الطلاب قد مضى عليهم شهر ونصف، في قسم العلوم الإدارية، ولم يدرسوا حرفاً واحداً لعدم وجود مدرس في المدرسة، واشتكى أهالي طلاب المدرسة في هذا القسم إلى الوزارة، طلاب الصف الثالث ثانوي اداري مقدمون على اختبار وزاري في نهاية العام، وعدم وجود المدرس حتى الآن يؤثر على نتيجتهم ولهذا كانت الشكوى.تذكرت إدارة تعليم تبوك المدرس أحمد الوادي وانه كان يدرس هذه المواد لمدة أربع سنوات في ثانوية الملك فهد بتبوك فأرسلوا لي الخطاب السابق، وصورة منه إلى مدير ثانوية ضباء.كان مدير ثانوية ضباء الأستاذ (فلان)، على عجلة من أمره تحت ضغط أولياء أمور الطلاب، والطلاب كذلك، فأرسل لي لمقابلته أثناء دوام المدرسة الليلية.وحضرت إلى الدوام الليلي لمقابلة مدير الثانوية، وكان هذا اللقاء من ضمن الابتلاء الذي تعرضت له في منطقة ضباء، قابلني هذا المدير بالأحضان مرحباً، وقال لي اننا وضعنا لك جدولاً في المدرسة لمدة ثلاثة أيام، ونامل أن تباشر عملك ابتادء من الغد.قلت له: كيف سيحصل مثل هذا الطلب، وأنا مدرس على ملاك مدرسة قريشمان ونصابي فيها 24 حصة، وأنا خاطبت إدارة التعليم، ووافقت على مقل مشروط إلى ضباء وأكمل فيها أو في أحد ضواحيها.تغير وجه ذلك المدير، وقال بصوت منفعل، معنى ذلك أنك تفرض رأيك علينا وعلى إدارة التعليم، أطلعته على خطابي لادارة التعليم، وكنت قد وضعته في جيبي لاطلاعه عليه، قراه فازداد غيظه، واشار إلى عبارة في الخطاب وقال : ماذا تعني بهذه العبارة " إنه لم ولن يحدث في تاريخ البشرية أن اكمل مدرس نصابه في مدرسة تبعد 50كيلوامتراً منها 30 كيلوامتراً طريقاً صحراوياً".كنت قد وضعت خطاً تحت عبارة "لم ولن"، فأجبته إنك مدرس لغة عربية يا أستاذ، ولااعتقد أنه يفوتك مثل هذا المعنى:- فإن لم يحدث تفيد النفي والقلب فانها نفت حدوث هذا الفعل وقلبت زمنه من مضارع الى ماضي، ولن يحدث تفيد النفي والاستقبال فانها تنفي الحدوث الان وفي المستقبل كذلك، وقف مشدوهاً امام مدرس محاسبة، يشرح معنى العبارة لمدرس لغة عربية، ولكنه ازداد غيظاً.قال بانفعال شديد، غداً سأبعث فاكساً إلى ادارة التعيم وخطاباً رسمياً كذلك، ابلغهم فيه برفضك، وانك تريد أن تفرض رأيك على إدارة التعليم.أجبته: أفعل ما تريد، ولكني أحملك المسئولية أمام الله، ان تكون صادقاً فيما تنقله الى ادارة التعليم وتخبرهم بمرضي وانني اعاني من أزمة ربو، وتعبان جداً في الذهاب والاياب يومياً إلى ومن قريشمان، والله وحده يعلم بما بعث إلى إدارة التعليم، وخلاصته أنه أوغر صدر رئيس التوجيه التربوي في تبوك، حتى قال ساخطاً عليَّ: اتركوه يعاني في قريشمان.ونقل إلىَّ بعض الاخوة المدرسين، الذين حضروا النقاش بيني وبين مدير المدرسة، قال : لمجرد خروجك من الإدارة أخذ يسب ويشتم ويتهدد ويتوعد، وقال بالحرف الواحد :" والله لأنكبنّه نكبة خضراء"؟!.كان ردي على هذا المدير، أن اتخذت إجراء احترازياً لتهديده، فقد اخترت اثنين من مسئولي إدارة التعليم، توسمت فيهما الخير ، خاصة وانهما يعملان إمامان وخطيبان في مساجد تبوك وناشدتهما الله أن يقيلا عثرتي في قريشمان، فإنني متعب جداً وإن غبار الطريق يؤذيني، وإنه كما يعلمون لايوجد بيوت للسكن في قريشمان، ولا حياة في وسط تلك الصحراء، فعدد طلاب مدرسة قريشمان في تلك السنة كان ثمانية طلاب، واكبر عدد وصلت اليه منذ افتتاحها حتى الآن أحد عشر طالباً، لا بيوت سكنية في المنطقة ، سكان المنطقة بدو رحل ينتقلون بمواشيهم حيث الكلأ والماء، يعيشون في بيوت من الشعر، وكثير منهم يعيش تحت الأشجار وبجانب الجبال. وخاطبت هذين المسئولين بقولي، إن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال أثناء توليه الخلافة، لو أن بغلة عثرت في العراق لسئل عنها عمر، إنني لست بغلة في قريشمان، وإنما إنسان عثرت وتاذيت كثيراً من غبار الطريق ذهاباً وإياباً، وإني سائلكم أمام الله عن إقالة هذه العثرة، وإني لن أسامحكم يوم لا ينفع مال ولا بنون.وإنني لا أطلب منكم أن تضعوني في مكان معين أو مدينة بعينها ولكن في أي مكان في منطقة تبوك في حياة وبعيداً عن غبار طريق قريشمان وختمت خطابي هذا، بأني لا أستجدي احداً، وانما أطالب بحقي في إقالة عثرتي، حفاظاً على صحتي، حيث أن من القواعد الشرعية الشهيرة " صحة الأبدان مقدمة على صحة الأديان" فيأكل الجائع لحم الميته حفاظاً على حياته، ويشرب العطش الخمر مضطراً حفاظاً على حياته قال تعالى " فمن اضطر غير باغٍ ولاعادٍ فلا أثم عليه"(1).وإني سألت الله ، ولازلت أسأله ليلاً ونهاراً أن يقيل عثرتي ، وحسبي الله ونعم الوكيل .وقد استعرت أبيات الشاعر الذي كان يشرب الخمر في عهد الخليفة عمر رضي الله عنه، وسجنه عمر في قعربئر مظلمة حتى يتوب فناشده مخاطباً:ماذا أقول لأفراخ بذي مرخ         زغب الحواصل لاماء ولاشجرالقيت كاسبهم في قعر مظلمة       فارحم جزالك الله ياعمـــر وقد خاطبت أحد الأخوين الذين أرسلت لهما الخطابين بقولي :-ماذا أقول لافراخ (بإربــــد)          زغب الحواصل لاماء ولاشجرالقيت كاسبهم، في (جوف مقفرة)          فارحم جزالك الله يا (سلــم) وبتوفيق من الله وكرمه، كانت الاستجابة لطلبي سريعة وتم نقلي إلى مدرسة أبي ذر الغفاري بمدينة ضباء، فحمدت الله على فضله ثم شكرت للأخوين حسن صنيعهما معي.وكانت (نكبة مدير المدرسة الثانوية الخضراء) التي تهددني وتوعدني بها قد انقلبت بفضل من الله ورضوانه إلى حلة خضراء  " ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين" (1)ومما هو الجدير بالذكر، أننا تعرفنا في مدرسة قريشمان على نخبة ممتازة من المدرسين وعلى رأسهم مدير المدرسة الأستاذ سالم القرعاني،  فقد كادت أخلاقه الحسنة وتعامله الطيب معنا أن ينسينا متاعب الطريق، وأثر غبار الاتربة في زيادة تهيج أزمة الربو.كنا نذهب مبكرين إلى المدرسة، وكانت تقابلنا في الطريق رفوف من الحمام البري هنا وهناك، وكان مدير المدرسة يحمل بندقية صيد في سيارته، كما نتوقف في الطريق اكثر من مرة للصيد، وكنا في بعض الأحيان نصطاد ثلاث أو أربع حمامات ويأخذها أحدنا، ويطبخها في بيته.وفي العودة من المدرسة إلى البيت، تكون حيوانات الضب(الضبَّان) قد خرجت من جحورها، وكان هذا المدير متخصص في صيد الضبَّان، وكانت تصل حصيلة الصيد من (الضبان) في بعض الأيام إلى أربعة او خمسة ضبان كان المدير من هواة أكل لحمها، كنا نرفض أن نأخذ نصيبنا من الصيد لان من يرى شكله يعاف أكله، على الرغم من أن أكلها حلال شرعاً.لايوجد في هجرة قريشمان سوى شخص واحد، متواجد دائماً سوداني الجنسية، يشرف على عمل البقالة، وعلى محطة البنزين التي تعمل بمولد كهربائي خاص، ويشرف كذلك على بيع الأعلاف للبدو المنتشرين حوله ، ولا يحضرون إلى هذا المكان إلا وقت الحاجة.وتوجد المدرسة كذلك، بجانب هذه البقالة ويشتري منها الطلاب ما يحتاجونه من قرطاسية وعصيرات وغيرها من الأشياء.لم يزد عدد طلاب المدرسة، منذ افتتاحها قبل عشرة سنوات وحتى الآن عن أحد عشر طالباً وفي السنة التي عملت بها في المدرسة 1419/1420هـ، كان عدد طلاب المدرسة ثمانية، موزعين على أربعة فصول على النحو التالي :-
الصفعدد الطلابملاحظات
السادس 1 
الخامس-لا يوجد أحد

الرابع

3 
الثالث2 
الثاني-لا يوجد أحد
الأول 2 
المجموع 8طلاب
 العمل فيها مريح جداً، نظراً لقلة عدد الطلاب، كنا ثلاثة مدرسين، نذهب ونعود في سيارة واحدة، وكنا على وفاق تام، ونعيش حياة هانئة، لولا ما كان ينغص علينا حياتنا من صعوبة الطريق في بداية النهار وآخره، عند الانصراف من المدرسة، وكان أولياء أمور الطلاب يحضرون أبناءهم بالسيارات ويبقون جلوساً قريباً من باب المدرسة، واحياناً داخلها حتى انتهاء اليوم الدراسي، ثم يعودون بابنائهم إلى البيت . وفي بداية العام الدراسي الثاني لذلك العام، تم نقلي الى مدرسة أبي ذر الغفاري في ضباء.ومن ضمن الابتلاء الذي تعرضت له – والحمد لله- بين فترة واخرى، كان حصولي على أول إنذار أو لفت انتباه نتيجة لضربي لأحد الطلبة أساءالادب معي، وكان هذا الإنذار إرضاء لولي أمر الطالب المضروب، وكان رئيساً لإحدى الدوائر الحكومية في ضباء، أرغى وأزبد ، وهدد وتوعد، وما كان من إدارة المدرسة إرضاء لولي أمر الطالب، الا إصدار هذا الإنذار بعد خدمة ست وثلاثين سنة في التعليم، لم أحصل خلالها على أي إنذار، لأنني والحمد لله اعتبر نفسي أباً للطلاب قبل أن أكون مدرساً لهم .كنت مدرساً جديداً في المدرسة، وفي أول إشراف لي في ساحة المدرسة، وجدت نفسي المشرف الوحيد في ساحة المدرسة، ذهب زملائي المشرفون هنا وهناك لقضاء مصالحهم، وبقيت لوحدي بين مئتين طالب.أعتدى أحد الطلاب على زميله، وجاءني المعتدى عليه شاكياً على زميله، أشرت للطالب أن يأتي لعندي لأسأله عن سبب الاعتداء على زميله فلم ينصاع للأمر ولم يسمع الكلام، ذهبت انا إليه، وقبل الوصول اليه هرب مني، ناديت عليه ان يحضر إلي فرفض الإجابة، ذهبت أنا إليه وكان بين يدي عصا صغيره، فضربته بها على ظهره ضربة واحدة لانه لم يسمع كلامي عدة مرات، ولأنه اعتدى على زميله، ذهب الولد إلى أمه في البيت وأخبرها بأن الأستاذ ضربه على ظهره، وعندما عاد الرجل إلى البيت أخبرته زوجته ، بأن الأستاذ قد ضرب ولده، ولابد من تأنيب هذا الأستاذ، فجاء إلى المدرسة وأخذ يتهدد ويتوعد، وطلب مقابلتي، فرفض المدير أن يواجهني به، لأنه خشي تفاقم الأمر، وزيادة المشكلة، لأنه يعرفني أنني لن أصبر على ضيم، وانه اذا أخطأ بحقي، فسأرد عليه ولن أبالي مهما كان مركزه.أنني لم أتجن على هذا الرجل، بأنه رضخ إلى طلب زوجته لتأديب الأستاذ، وجاء إلى المدرسة غاضباً، ودون أن يعلم الحقيقة، هدد وتوعد بأن يعمل بالأستاذ كذا … وكذا…. أمام مدير المدرسة.وبعد شهرين من وصولي المدرسة، بعث لي ولي الأمر هذا رسالة شفهية، مع زميل لي وهو طبيب بمستشفى ضباء، وقال له، أرجو ان تعتذر لي من الأستاذ احمد، حيث أنني ذهبت الى المدرسة وتكلمت عليه أمام المدير، لانه ضرب ابني، كنت يومها غاضباً، حيث عندما عدت إلى البيت، قابلتني زوجتي وهي غاضبة وقالت لي: إن الاستاذ ضرب الولد ولابد أن تذهب إلى وتتحدث مع هذا الاستاذ، وكان ما كان.والان وبعد شهرين لاحظنا جهود هذا المدرس ظاهرة في ولدنا، والولد يرتاح إلى المدرس ويحبه كثيراً، فلم يحاول أن ينتقم من الولد، لانه ربما حدثه المدير عن الواقعة والشكوى التي قدمتها ضده.لم يقابلني المدير، ولم يتحدث معي بشأن الطالب ولم يعرف ملابسات القضية، ولا سبب الضرب، وانما تحت تأثير شخصية الرجل وتهديده، حاول أن يرضيه على حساب المدرس، وقال له سنكتب انذاراً الى هذا المدرس ولاداعي لمواجهته فنحن سنتصرف معه، وكان ذلك الانذار الظالم، الذي جاء بعد ست وثلاثين سنة من الخدمة في التعليم، وهذا غريب جداً، لانني في مرحلة من الخدمة والعمر مؤهل لحل مشاكل الناس، ولا أسبب فيها المشاكل لهم.وكان من حسن حظي وحظ هذا المدير كذلك، أن أرسل لي هذا الانذار مع الفراش الى الفصل في منتصف الحصة السادسة، يوم الاربعاء، وخرج من المدرسة فوراً قبل أن أواجهه، لانه كان يعلم أثر وقع هذا الإنذارعلى نفسي في هذه المرحلة من العمر، بعد أن قرأت الإنذار، اكثر من مرة، خرجت من الفصل فوراً إلى الإدارة للحديث مع المدير، ومن حسن حظه، ومن حسن حظي كذلك أنه خرج من المدرسة، لانه ربما حدث مالا تحمد عقباه، بيني وبينه لإنه ظلمني من غير وجه حق. لقد قضيت نصف العام الدراسي الثاني لعام 1419/1420هـ في مدرسة أبي ذر الغفاري بضباء، والحقيقة ان فيها نخبة ممتازة من اعضاء الهيئة التدريسية وعلى رأسهم الاخ الاستاذ/ صابر النجار المرشد الطلابي بالمدرسة.في آخر العام الدراسي صدر قرار نقلي من مدرسة أبي ذر الى مدرسة المويلح، بعد ان تركت هذه المدرسة ندبة سوداء صغيرة، في تلك الصفحة البيضاء العريضة، لقد خدمت في مدرسة حداد بني مالك بالطائف عشر سنوات متتابعة وبقيت تلك الصفحة بيضاء ناصعة، لم يمر عليها القلم الأسود ولو بنقطة صغيرة، وكذلك قضيت سبع سنوات متتالية في مدرسة سعد بن أبي وقاص بتبوك ازدادت فيها تلك الصفحة بياضاً على بياض، وقد حز في نفسي كثيراً تلك الندبة السوداء الصغيرة من مدرسة لم أقضي فيها سوى ثلاثة أشهر، لم تتضح فيها الصورة الحقيقية لهذا الزائر الجديد.ومن الطريف الذي حصل لي في هذه المدرسة، بينما كنت خارجاً من المدرسة في نهاية اليوم الدراسي، ومتجهاً نحو سيارتي واذا بأحد الطلاب الواقفين على مقربة من سيارتي في انتظار قدوم والده، فاجاني بقوله وهو يضحك ويمد يده نحوي : كيف الحال صديق؟ بلكنة هندية، ابتسمت وانا اصافح ذلك الطالب، وشددت على يده : أليس عيباً عليك ان تقول مثل هذا الكلام هل تعامل الأستاذ، مثل معاملة الخادم الهندي او الباكستاني الذي في بيتكم، أما كان الأجدر بك ان تعامل الأستاذ باحترام أكثر، أما كان بأمكانك أن تقول : كيف حالك با أستاذ، وشتان بين أثر العبارتين على النفس، خجل ذلك الطالب من نفسه، بعد أن قلت له : إن بإمكاني أعود بك الى ادارة المدرسة، لتعلمك كيف تحترم معلميك، وإن باستطاعتي أن أصفعك كفاً، يطير به الشرر من عينيك لقلة أدبك.قال بعدها الطالب عندما رآني غضبت لمقولته: أنا آسف يا أستاذ، لم أكن أقصد إهانتك وإنما قلت ما قلت عن غير قصد، سامحته قائلاً: لا تعد لمثلها مرة ثانية معي أو مع غيري.ومن بداية العام الثاني 1420/1421هـ ، با شرت عملي في بلدة المويلح، وهي تقع على شاطئ البحر الاحمر، الطريق اليها معبدة وتبعد حوالي 45كيلومترا عن سطح البحر.لم يطل بقائي فيها طويلاً، فقبل أن يبدأ دوام الطلاب في المدرسة، أتصل بي أحد مسئولي ادارة التعليم بتبوك وقال : اننا نريد أن ننقلك الى مدرسة ثانوية ضباء، لتدريس مواد العلوم الإدارية، وتكمل نصابك في أحد المدارس الابتدائيةبضباء، ونتلافى ما حدث في العام الماضي، وافقت على الفور لانني أفضل أن ادرس مواد تخصصي أولا، ولأنني أريد أن اتخلص من تدريس الصف الاول الابتدائي بمدرسة المويلح، الذي فرضه علي مدير مدرسة المويلح، رغم توسلي الشديد له، بأنني غير مؤهل لتدريس هذا المستوى من الطلاب، وانني رجل (عصبي) وأخشى أن أقسو على هؤلاء الزهور الأبرياء، وأنني منذ سبع وثلاثين سنة في التعليم، لم يسبق لي أن درست هذا الفصل وسينطبق علي المثل القائل باتجاه عكسي، ( بعد ما شاب ودوه على الكتاب) .كنت متصوراً أنني سأقاسي كثيراً في تعليم هذه اللبنات، إن أولادي كانوا يهربون الى والدتهم لتعلمهم، خشية أن يتلقى أحدهم بعض الصفعات، أو أن يلاقي بعض التانيب، هؤلاء أبنائي، فما بالك باولاد الناس طلاب المدرسة، إنهم سبهربون من المدرسة، وبعد عدة أيام لن تجد في الفصل الا قليلاً منهم ، وهذه العبارة قالها : مدير مدرسة سعد بن أبي وقاص الأستاذ/ ربيع العبيري للمشرف التربوي ورئيس قسم اللغة العربية بمنطقة تبوك الأستاذ / سعيد العمري، عندما أراد أن يكلفني بتدريس الصف الأول، وكنت قد عملت مع الأستاذ ربيع، سبع سنوات عرفني فيها حق المعرفة.فقال للمشرف التربوي، إن الأستاذ احمد لا يصلح لتدريس الصف الأول، وبعد أسبوع لن تجد طالباً في الفصل.اقتنع المشرف التربوي من رأي المدير على مضض، وقال لي حرفياً: أخشى أن يأتي يوم تجبر فيه على تدريس الصف الأول يا أستاذ احمد.ودارات الايام، وخرجنا من تبوك بعد طول إقامة بها، ووصلنا إلى المويلح، وعرض عليّ مدير المدرسة تدريس الصف الأول، وحاولت اقتاعه بعدم رغبتي ، وعدم قدرتي، وبخشيتي من القسوة على الطلاب لانني لم اعتد على تدريس الفصول الدنيا، فلم يقتنع لعدم وجود البديل، وأستشار ادارة التعليم في الأمر، ورد عليه رئيس قسم اللغة العربية بالادارة الاستاذ / سعيد العمري قائلاً : أعط الصف الأول لاحمد الوادي فإنه خبير بتدريس اللغة العربية، وتحقق قوله السابق، اخشى أن يأتي يوم تجبر فيه على تدريس الصف الاول يا أستاذ.وكان من الابتلاء في هذه المدرسة أن أقهر وأجبر على تدريس فصل لا أريده، أذعنت للأمر، وتوجهت إلى الله بالدعاء والتوسل عقب كل صلاة، أن يخلصني من هذا الأمر، وأن يجيرني في مصيبتي ويخلف لي خيراً منها، والحمد لله أن استجاب الله الدعاء واخلف لي خيراً، تدريس الصف الثالث الثانوي والثاني ثانوي الإداري بدلاً من الصف الأول الابتدائي، وكان كل ذلك قبل أن يبدأ دوام الطلاب في المدارس .قد يستغرب القارئ أنني أصف تدريس الصف الأول بالابتلاء أو المصيبة ولا غرابة في ذلك، بدليل حديث الرسول صلى الله عليه وسلم مع أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها بما معناه أو كما قال " بينما كنا جالسين معاً، طفئ ضوء السراج، فاستجار الرسول صلى الله عليه وسلم من هذه المصيبة، فقالت له السيدة عائشة رضي الله عنها: إنما هو سراج طفئ يا رسول الله قال ما معناه " كل أمر يسئ المؤمن فهو مصيبه" ، أجارنا الله واياكم من مصائب الدهر. وأستمر بنا هذا الحال، على خير مايرام، مدة شهر ونصف فقط، ثم تم تعيين مدرس جديد من المدرسين الوطنيين الذين يحملون تخصص الادارة والاقتصاد، ليحل محلي في المدرسة الثانوية، وأنقل أنا إلى إحدى المدارس الأبتدائية داخل ضباء.اعتذر المعلم الجديد الاستاذ / موسى ديواني عن تدريس مادة المحاسبة لانها ليس من تخصصه، وقال بصراحة أنه غير متمكن من فهم هذه المادة؟ فكيف يدرسها.وبعد الاتصال بإدارة التعليم، تمت الموافقة على بقائي مدرساً لمادة المحاسبة في الثانوي، واكمال نصابي في مدرسة عبد الله بن الزبير بضباء.وإذا أحب الله عبداً ابتلاه والحمد لله، فإن الابتلاء الاول هو أنني أصبحت كالكرة التي يتقاذفها اللاعبون من ركن إلى آخر، فخلال شهر واحد في بداية عام 1420/1421هـ، نقلت من مدرسة أبي ذر بضباء الى مدرسة المويلح على بعد خمسة وأربعين كيلومتراً من ضباء، ثم إلى ثانوية ضباء واخيراً إلى مدرسة عبدالله بن الزبير بضباء مكملاً نصابي من الحصص فيها.اما الابتلاء الثاني فهو الجدول الذي أسند إلي في مدرسة عبد الله بن الزبير وكان لسببين هما :-أما السبب الاول فهو انطباق حالتي في هذه المدرسة على الحالة التي يضرب فيها المثل العربي القائل " مثل الذي هرب من عزائيل ولقيه قباض الارواح" فانني قد حمدت الله أنني تخلصت من تدريس الصف الأول في المويلح وعندما نقلت الى مدرسة عبد الله بن الزبير وجدت امام جدول الصف الاول كاملاً، حيث فرغ مدرس هذا الفصل لإكمال دراسته في كلية معلمين بتبوك وبقي مكانه شاغراً. وكان يدرس تسع عشر حصة عربي ودين للصف الأول.إن نصاب المعلم الذي يكمل في مدرستين هو اثنتان وعشرين حصة على الاكثر إن لم يكن أقل من ذلك ، وعندما سلمني مدير المدرسة الجدول، وجدت أن نصابي أربع وعشرون حصة فقد زادني بالإضافة إلى الأربع حصص التي أدرسها في الثانوي وجدول الصف الأول لذي كان يدرسه المدرس السابق(4+19)= ثلاثة وعشرون حصة، لم يكتف مدير المدرسة بكل ما سبق، بل جدَّ في البحث عن حصة ضاق منها صاحبها فأضافها إلى ليمكل نصابي(24) أربع وعشرين حصة على التمام والكمال وأصبح نصابي من الحصص الان 4حصص محاسبة في الثانوي +19 حصة عربي ودين الصف الأول الإبتدائي +1 حصة خط سادس = 24 .وتناسى مدير المدرسة القرارات التالية:أولاً: إن نصاب المدرس الذي يكمل في أكثر من مدرسة هو اثنتان وعشرون حصة على الأكثر.ثانياً: قرارات الوزارة التي صدرت حديثاً بمنح امتيازات تشجيعية لمدرس الصف الأول ومنها تخفيض الحصص وأن يكون مدرس الصف الأول أقل نصاباً من الحصص في المدرسة.ثالثاً: ان حصة الخط للصف السادس، تجعلني مشتركاً في تدريس الفصول العليا في المدرسة، مما يترتب عليه حرماني من كافة الامتيازات الممنوحة لمدرس الصف الأول.رابعاً: إن مدرس اللغة العربية للصف السادس الذي أخذت منه حصة الخط، كان نصابه (23) حصة فقط، وعندما أخذت منه الحصة، أصبح مجموع حصصه(22) حصة فأين هي العدالة والمساواة بين المدرسين، وأين هي امتيازات مدرس لصف الأول أمام كل هذا الظلم.خامساً:  يضاف إلى ذلك، إن موقع هذه الحصة في الجدول كان الحصة السابعة يوم الثلاثاء يوم حصة النشاط، ومدرس الصف الأول تنتهي حصصة يوم الثلاثاء من الحصة لخامسة، فسينتظر مدرس الصف الأول إلى السابعة، ويستريح صاحب الحصة الأساسي من الحصة السابعة ليذهب إلى بيته بعد نهاية الحصة الخامسة، ومعنى ذلك أنني سأنتظر يوم الثلاثاء أكثر من ساعتين ( الحصة السادسة + فسحة الصلاة+السابعة) ، دخلت على المدير في غرفته، وحوله كوكبة من مدرسي المدرسة، وكلٌّ جدوله في يده، يطلع على ما حذف عنه أو أضيف اليه نتيجة هذا التغير الجديد في الجدول، خاطبت المدير قائلاً، هل سأدرس في الصف السادس بالإضافة إلى الصف الأول والثانوي قال : نعم ، قلت له : إن هذا الجدول ثقيل جداً بالنسبة لي، وارجو أن تحذف حصة الصف السادس، لان فيها ظلم بالنسبة لي.قال بانفعال : هل أنا ظالم يا أستاذ؟! قلت : نعم أنت ظلمتني لأنك أثقلت عليَّ، وخففته عن غيري وعلى حسابي خلافاً للأنظمة الوزارية، بتخفيف العبء عن مدرس الصف الاول.أستشاط المدير ساعتها غيظاً، وقام عن كرسيه وقال وهو غاضب: " أنا لي سبع وعشرون سنة في التدريس لم يسبق أن خاطبني أحد بهذه الطريقة كنت أجلس أمامه على الكرسي وقلت له بهدوء تام " وانا لي سبعة وثلاثون عاماً في التدريس لم يسبق أن ظلمني أحد بهذه الطريقة" .فرد علي قائلاً: مالك عندي غير هذا الجدول، قلت له : إن ادارة التعليم هي الحكم والفيصل بيننا، قال رداً على كلامي : في إدارة التعليم ربما يصبح الحق باطلاً، والباطل حقاً، قلت له: إن هناك وزارة المعارف فوق الجميع، واذا لم تتحقق العدالة فيها، فهناك رب سبحانه وتعالى – لا يغفل ولاينام، فأين ستكون منه يوم لا ينفع مال ولابنون إلا من أتى الله بقلب سليم".تدخل لحظتها وكيل المدرسة، وكان رجلاً حكيماً وقال : سندرس طلبك يا استاذ، وإن شاء الله سيكون خير.خرجت من الادارة، وانا مقهور، مغلوب على أمري أشكو بثي وحزني الى الله.وفي نفس الليلة، ولمّا تهدأ نفسي بعد، سطّرت خطاباً إلى ادارة التعليم عن طريق مدير المدرسة شرحت فيه بالتفصيل، ملابسات قضية جدول الحصص في المدرسة اتهمت فيه المدير بعدم العدالة، وعدم المساواة بين مرؤوسيه وفي ختام هذا الخطاب الطويل، والذي وصل عدد صفحاته إلى خمس من القطع الكبير، ودعوت المدير في نهاية هذا الخطاب إلى جلسة تفاهم- إذا أراد- قبل وصول الأمر إلى إدارة التعليم، ويكون مكان الاجتماع في بيتي أو في بيته أو في المدرسة.وكنت قد قررت إعطاء المدير هذا الخطاب في الحصة السادسة من اليوم التالي، ونحن منصرفون إلى بيوتنا، حتى يقرأه في البيت بهدوء، وحتى لا يحدث احتكاك مباشر بيني وبينه في المدرسة.وفي اليوم التالي جرى حديث بيني وبين وكيل المدرسة / الأستاذ سالم البلوي بخصوص الجدول، وهذا الحديث شجعني على أن أسلمه الخطاب الذي كتبته إلى إدارة التعليم أو وزارة المعارف، ورجوته أن يقرأه قبل أن يسلمه للمدير.قرأه، ثم دخل غرفة الإدارة، وقفل الباب خلفه، وجلس هو والمدير حصة كاملة، يتدارسون المشكلة ويضعون لها الحلول.وفي الحصة الثانية، استدعياني إلى الإدارة ، وقفلا الباب كذلك، وأبلغوني بقرارهم الذي اتخذاه بعد طول نقاش بيني وبينهم وكانت النتيجة مايلي:-1-                    حذف الإشراف اليومي، حسب قرار الوزارة.2-                    تخفيف حصص الانتظار حسب قرار الوزارة.3-                     حذف حصة الخط للصف السادس، ولكن بعد اسبوع ريثما يتم وضع جدول جديد غير الأول أو تعديله.وفي نهاية اللقاء، تمت المصافحة بيننا، وكان للاستاذ سالم البلوي ومدير المدرسة الفضل في حل هذه القضية، وبعد ذلك جرت الأمور على خير مايرام بيني وبين مدير المدرسة، وأصبحنا من أعز الأصدقاء، كان يدنيني من مجلسه في كل مكان ويستقبلني بعبارات الترحيب والإكرام، وقدم لي خدمات كثيرة، ولايزال أينما يجدني يبدي لي حبه وإحترامه وتقديره، يتصل بي بالهاتف ويطمئن عن أوضاعي وعلاقتي به ممتازة، واذهب كل فترة ، واخرى لزيارة مدرسة عبد الله بين الزبير الابتدائية، فلنا فبها نخبة من الأحبة والزملاء الطيبين، الذين قضينا معهم أجمل الأوقات.ولابد هنا من التسجيل بأن أسرة هذه المدرسة مثالية في تعاونها، في جميع المجالات، في جماعات المدرسة ونشاطاتها وفي مناسبات الأفراح والأتراح، فهم يتضامنون جماعياً على المشاركة مع زميلهم لدعمه في مناسبة الفرح، وللوقوف بجانبه عند العزاء إذا ألم به مكروه أو فقد أحد أقربائه.وفي آخر العام الدراسي، عدنا إلى بلدنا الأردن، نحمل توجيهاً مؤقتاً إلى نفس المدرسة، ويحمل بين سطوره احتمال النقل إلى أي مدرسة أخرى داخل المنطقة، أو إلى خارج المنطقة، إذا اقتضت المصلحة التعليمية ذلك الأمر.وفي الأردن دخلنا على موقع وزارة المعارف على الإنترنت، عن طريق رقم الإقامة، وجاءنا البيان بأن صاحب هذا الرقم لم يتم نقله بعد.وكان سفري برفقة أحد الزملاء، من الأردن إلى ضباء، وعن طريق مدينة العقبة ومدينة حقل دون المرور بمدينة تبوك المركز الرئيسي للإدارة العامة للتعليم، وبعد أسبوعين من البقاء في ضباء، كانت المفاجأة الكبرى، الأليمة المؤلمة، وهي علمنا بصدور قرار نقلنا الى هجرة بئر صدر وهي تبعد (100) مئة كيلومتراً عن مدينة ضباء، منها 45 كيلومتراً طريق معبدة، و55 كيلومتراً طريقاً صحراوياً، و أعاد التاريخ نفسه، وعادت مأساة قريشمان مرة ثانية، وذلك في تأثير غبار الطريق على أزمة الربو التي أعاني منها .ذهبت إلى الإدارة العامة للتعليم بتبوك، وتقدمت بطلب نقل من مدرسة بئر صدر، نظراً لظروفي الصحية، ولأن الطريق اليها في الذهاب والاياب تهيج أزمة الربو عندي، وبينت في خطابي أن مسئولي إدارة التعليم، يعلمون بوجود هذه الأزمة عندي فهم أنفسهم الذين نقلوني من قريشمان إلى ضباء، بناء على ظروفي الصحية.طلبوا مني تقديم تقرير طبي بحالتي الصحية، من أجل عرضه على اللجنة الطبية بالمنطقة، وبالفعل صدر قرار اللجنة الطبية بنقلي إلى مدرسة أخرى، توجد في بلد به مشفى أو مركز صحي، للتمكن من مراجعته عند اللزوم.وتم تحويل قرار النقل هذا، الى مكتب اشراف تعليم محافظة ضباء، وبقي هذا القرار شهر ونصف آخر، بعد إبلاغي بصدور قرار النقل، وعند مراجعة مدير مكتب ضباء، أفاد بأنه لا يوجد بديل لي للعمل مكاني في بئر صدر، وعندما يتوفر البديل سيتم النقل.إن مدرسة بئر صدر كاملة التشكيل لغاية الصف السادس، وهي مدرسة قديمة، مضى على تأسيسها عشرون عاماً، بقيت هذه المدرسة من تاريخ 5/6/1421هـ ، بدء دوام الطلاب ولغاية تاريخ 15/7/1421هـ بدون مدرسين، لم يعين فيها من المدرسين غيري، وبقيت أنا ومدير المدرسة لوحدنا ندرس ستة فصول لمدة شهر ونصف تقريباً، جمعناها في ثلاثة فصول ندرس اثنين منها، والآخر يلعب افي ساحة المدرسة بالكرة، حتى تنتهي الحصة، يدخل هذا الفصل ويخرج غيره وهكذا باستمرار.ومما هو جدير بالذكر أن مدير مكتب إشراف ضباء الأستاذ/ صالح المحلاوي، زارنا خلال هذه الفترة ثلاث مرات، وذلك من أجل أن يشترك معنا في تدريس طلاب المدرسة، وبالفعل كان يدرس الطلاب بمعدل ثلاث حصص في كل زيارة، وقد اطلع بنفسه على طبيعة المنطقة القاسية، فكان يحضر لنا معه الخبز، ويحضر لجميع طلاب المدرسة العصير والبسكويت ويوزعها بنفسه عليهم أثناء الفسحة جزاه الله خيراً.وبتاريخ 19/7/1421هـ ، جاءنا مدير مكتب الإشراف وكان هذه المرّة على عجلة من أمه، وقال لي : نريد أن نعيدك لتدريس مواد العلوم الإدارية في ثانوية ضباء لان طلاب العلوم الإدارية ، لم يأتهم مدرس حتى الآن، رغم مرور شهر ونصف على بداية الدراسة؟!.كان قد وصلنا أثنان من الأخوة المدرسين السودانيين بتاريخ 15/7/1421هـ ، وكنت قد شعرت بقرب فرج الله، نظراً لوصولهم لأن مدير مكتب الإشراف كان قد أبلغني بقرار النقل، وأوعدني بالنقل لمجرد وصول المدرسين إلى المدرسة.لم أفاجأ بقرار النقل، لانه قد مضى عليه أكثر من شهر في أدراج مكتب إشراف تبوك، وكنت على يقين بأن الله لن يخيب دعائي في ظلمة الليل، وسألته أن ينقذني من هذه المصيبة التي ابتليت بها في بئر صدر وكيف لا يكون ذلك كذلك، وهو القائل عزَّ من قائل في محكم التنزيل " أدعوني أستجب لكم"(1)  وكذلك " أمن يجيب المضطر اذا دعاه" (2) الله سبحانه وتعالى .جائني مدير مكتب الأشراف بنفسه إلى صدر، ولم يمهلني سوى إكمال الحصة التي كنت أدرسها، وعلى عجلة من أمره وقال لي : احزم حقائبك، نريد أن نأخذك معنا الآن إلى ضباء، لأنك ستباشر عملك في ثانوية ضباء، وستصلك لجنة التطوير التربوي غداً إلى ضباء، وأحد أعضاء اللجنة خاص بمواد العلوم الإدارية، اتصلت بي إدارة التعليم، وأفادوا بضرورة تواجدك غداً في المدرسة، فإنهم يريدون أن يسألوك عن مناهج الإدارة فهم بصدد تغيير وتطوير هذه المناهج، ويريدون أن يتعرفوا على آراء مدرسي هذه المواد واقتراحاتهم حول مقرارات العلوم الإدارية ، المحاسبة، الاقتصاد، والإدارة. ما أعدلك يا الله ! وما أعظم قدرتك! مالم يتحقق خلال ثلاثة أشهر، في مشكلة طلب النقل، شهر ونصف في إعداد التقارير الطبية وتقديم الطلب وعرضه على اللجنة الطبية، وشهر ونصف بعد صدور القرار وتحويله إلى مكتب إشراف ضباء والانتظار في أدراج المكاتب.ورغم كل التوسلات والرجاء والتقارير الطبية، كان الجواب التقليدي  باستمرار حتى يأتي البديل مكانك.ولكن إرادة الله نافذة، فعندما أراد أن يجيب دعوة المضطر ، مريض الصدر في بئر صدر، صدرت أوامره إلى لجنة التطوير التربوي في الرياض بالتحرك إلى تبوك، وفورد وصولها سألت عن المدارس التي بها مدارس علوم إدارية في المنطقة، وهما مدرستان، ثانوية الملك فهد، وثانوية ضباء، وكانت المفاجأة، أن ثانوية ضباء بدون مدرس إدارة، وحدث الاتصال الهاتفي إلى مدير مكتب إشراف ضباء، أن يذهب الى مدرسة بئر صدر، ويأتي بالمدرس احمد الوادي ليداوم غداً في ثانوية ضباء ويكون هو المسئول عن مواد العلوم الإدارية أمام اللجنة.وفي اليوم الثاني، وصلت اللجنة الوزارية إلى المدرسة، مع بداية الدوام، وأنا لم أدخل على الطلاب أي حصة بعد، وكانت الأسئلة الموجهة لي، بناء على تدريسي للمادة في السنوات السابقة في ثانوية الفهد وثانوية ضباء، وطلبوا مني أن أوافيهم بتصوراتي وملاحظاتي على عنوانهم بالوزارة، وبعد اسبوع فقط أرسلت لهم ملاحظاتي حول المقرارت الدراسية .كنت لا أزال مستأجراً بيتي السابق في ضباء، لأن أملي بالله كان كبيراً، والحمد لله أنه لم يخذلني كلما أسأله عند الضيق، ويشهد الله أنني كنت أعيش في بئر صدر معاناة مريرة.كان أول عمل لي عند دخولي البيت في ضباء، إزالة ما علق بجسمي من غبار وأتربة في الطريق وعلى الفور صليت ركعتين شكراً لله على نعمة الراحة التي يسرها لي، وخلصني من كابوس المعاناة التي كان جاثماً على أنفاسي في بئر صدر. إن بئر صدر هجرة في وسط الجبال، تبعد خمسة وخمسون كيلومتراً عن ساحل البحر الأحمر إلى الداخل، طريق صحراوية في بدايته ثم يبدأ في التعرج وسط الجبال، وهناك في منطقة تتسع فيها مساحة الوادي بين الجبال، حفر بئر في صدر، وحول هذا البر، تعيش مجموعات من البدو، يرعون المواشي، ويوجد على جانبي الوادي بعض اشجار السلم الشوكية، وما عدا ذلك، فلا أثر للنباتات أو الزراعة ويعتمد سكان المنطقة على شراء ما يحتاجون اليه ، من خضار وفواكه وحاجات مختلفة من بلدة شقري، التي تقع على الطريق العام الواصل بين تبوك وضباء.إن سكان المنطقة الذين يحيطون بالمدرسة، يسكن معظمهم في بيوت من الشعر، أو خيام عادية ولايحبون السكن داخل البيوت، يوجد مركز للامارة في منطقة بئر صدر وبه عدد من الموظفين وعلى رأسهم رئيس المركز، وعلاقة هذا المركز بالمدرسة وموظفيها تكاد تكون معدومة، عدا خدمة بسيطة يقوم بها أمير المركز باستمرار وهو إحضار بريد المدرسة معه من المويلح، حيث تمر عليه سيارة البريد في منزله، ويريح سائق السيارة من الذهاب إلى صدر.ولم يحدث أن قابلت رئيس هذا المركز أو أحد موظفي المركز، خلال شهر ونصف مكثتها في صدر، والمرة الوحيدة التي قابلته فيها، كانت في الشارع، بينما كنا في مشوارنا الرياضي اليومي، سيراً على الأقدام، توقف بجانبنا وسلم علينا، وأعطى كل واحد منا علبة عصير مثلجة، تحدث معنا في الشارع وقال: يجب أن يكون التعاون بيننا أكثر من الوضع الحالي، ونحن مقصرون معكم.توجد في بئر صدر(دكان) واحدة صغيرة، يملكها العم أبو عودة، وهو رجل كبير السن، يتجاوز الثمانين، يلبس نظارة طبية، عفى عليها الزمن، ربطت بالأسلاك في أكثر أجزائها ولا يسمع إلا قليلاً، وستطر إلى رفع صوتك كثيراً كي يسمعك. والعم ( العود) أبو عودة، رجل عصبي المزاج، حاد الطباع لا يقبل موضوع المساومة في البيع والشراء، فاذا ساومته يرفض أن يبيعك، حتى تترجاه أن يبيعك بالسعر الذي يحدده، وبدون أخذ أو رد في الثمن، إنه يحتكر عملية البيع والشراء في المنطقة، دون أن يعلم معنى الاحتكار فقهياً أو اقتصاديا ودون أن يعرف حكمه الشرعي، وبأنه خطأ ولا يجوز عمله لقوله عليه الصلاة بما معناه أو كما قال " من احتكر حكره ليغلي بها على المسلمين فهو خاطئ" .ولا يبيع العم أبو عوده في دكانه سوى بعض الضروريات مثل الارز والسكر والشاي والسمن وزيت الذرة وعلب الصلصة والكبريت و (التايد) من مساحيق الغسيل، وبعض علب المرطبات في ثلاجته التي تعمل على الغاز، فاذا انتهت اسطوانة الغاز ولم يتوفر البديل بقيت منطقة بئر صدر كلها بدون عصير بارد.لا خبز، لا خضار، لا فواكه ، لا دجاج، لا لحوم، غير المعلبات، اما الخبز فكان يبقى يومين في أيام الحر ويتعفن اليوم الثالث، وقد حدث أكثر من مرة أن أزلنا العفن عن الخبز ثم سخناه على رأس الغاز، وأكلناه رغم أن رائحة العفن لاتزال باقية في بعض أجزاء الخبز.كان مدير المدرسة الأستاذ/ يحيى الحيدري، زميلي في السكن وهو مواطن سعودي من منطقة جيزان، وكالعادة المتبعة في السعودية، يفضل المواطنون أكل الكبسة في وجبة الغداء كنا نحضر دجاج مثلج، لعدم وجود تيار كهربائي في المنطقة وفي اليوم الثالث وباقي أيام الأسبوع كنا نأكل الكبسة، ولكن كبسة بالتونة، هل جربت طعمها؟! ومهما كان هذا الطعم، طيباً أم غير طيب (فمكره أخاك لا بطل)، فلا بد من تذوق طعم هذه الكبسة ( التوتية) يومياً، وبدونها سنبقى بالجوع حتى يأتي الله بالفرج خبز أو دجاج، يأتينا عن طريق أحد الأخوان، الذي يمر علينا عند نزوله الى مراكز التسوق في تبوك أو ضباء أو شقري على الأقل، فكنا نعتبر هذا العمل خدمة كبيرة، فنطلب منه أن يشتري لنا بعض الخضار والفواكه والخبز، والدجاج المثلج، وكثيراً ما كنا نرجوا العمل أبو عوده أن يضع لنا دجاجة أو دجاجتين في ثلاجته الغازية، فكان جزاه الله خيراً يقبل الأمر على مضض، ولطالما رجوناه كثيراً أن يشتري كرتون دجاج مثلج ويضعه في الدكان ونحن سنشتري منه كل يوم دجاجة أو دجاجتين حسب عدد المدرسين في المدرسة ، أوعدنا خيراً، ولكنه لم يف بوعده، لان تجربته في هذه التجارة كانت مزعجة بالنسبة له، فكان يأتي أحد الأشخاص ويقول آه إن هذا الدجاج قديم، ولما يمض على شرائه ووصوله إلى بئر صدر يوماً أو يومين، وعلى أثر هذا الاتهام، امتنع عن المتاجرة بالدجاج نهائياً.  وإن أنسى لا أنسى اليوم الأول الذي وصلت فيه بئر صدر ، لا يوجد مواصلات خاصة بالهجرة وإنما هي سيارات من الجيوب او الناقلات الصغيرة ( هايلوكسات)، وقد استنجدت بأحد الاخوة الذين يعملون في إحدى الشركات لإيصالي إلى هجرة بئر صدر، وهو الاخ (أبو جلال) جزاه الله خيراً.توجهنا من ضباء باتجاه بلدة المويلح التي تقع على بعد 45كيلومتراً من ضباء على الطريق العام المعبد، وهناك توقفنا لنتأكد من الاتجاه الصحيح نحو هجرة بئر صدر، وحتى لا نضل في الطريق الصحراوي، والذي ربما يفقدنا حياتنا ونموت جوعاً أو ظمأً إذا لم نعرف طريق العودة، ويكون قد انتهى وقود السيارة، بعد أن نكون قد توغلنا داخل الصحراء مسافة كبيرة.كنا حريصين على سؤال اكثر من شخص في المويلح، وذلك حتى نضع أقدامنا على خط ثابت لا نزيح عنه قيد أنملة، ويا روح ما بعدك روح، الروح عزيزة وغالية، والدليل على ذلك كثرة السؤال وتعدد المسئولين، قبل الخوض في غياهب هذه الصحراء المروعة، وهذا المجهول المخيف.وعلى بعد خمس كيلومترات من المويلح ومقابل شركة الصواوين على على البحر، تدخل باتجاه عكسي صوب الصحراء، كانت السيارة تحتوي على دفع أمامي بالاضافة الى الدفع الخلفي، وبهذا تجاوزنا عقبة التغريز بالرمال، كان الخط ممهداً أيام كانت شركة الصواوين تعمل بين الجبال للتنقيب عن المعادن هناك، أم ليوم، فالطريق صعبة المسالك، في منطقة الرمال، تتراقص بك السيارة، فوق (البطناج)، وفي الأرض الجبلية ، تعلو وتهبط فوق الحجارة حتى لتخال أنك في تمرين رياضي شاق.وصلنا إلى بئر صدر بسلام والحمد لله ، وكانت المفاجأة الأولى أنه لا أحد يسكن في بئر صدر من الأهالي اطلاقاً، ولا بوجد بها من المباني سوى مبنى المدرسة ومبنى الامارة ومبنى ثالث، وهو سكن أعد للمدرسين، ودكان العم أبو عودة وكانت لحظة وصولنا مقفلة.وتصادف وصولنا مع وصول أحد الاشخاص، جاء قاصداً دكان العم أبو عودة، وقال لنا إن صاحب البيت هو أبو عوده نفسه، واشار بيده إلى أحد بيوت الشعر ، في سفح أحد الجبال المجاورة وقال: هناك يسكن العمل أبو عودة.ذهبنا الى العم أبو عودة، رحب بنا عندما علم أن أحدنا مدرس ويريد أن يستأجر البيت، دعانا لشرب القهوة، فشكرناه وقلنا له: إننا على عجلة من أمرنا، لان صديقي يريد أن يرجع إلى ضباء قبل حلول الظلام لانه ليس لديه خبرة بمداخل ومخارج الطريق وخاصة في الليل.أعطانا مفتاح البيت الوحيد في البلدة يتكون من ثلاث غرف ومنافعها وقال : إن الأجرة على النفر، كل واحد بمئة ريال في الشهر .وجعلني وكيلاً له على خزائن الارض، وقال لي : أنت وكيلاً عني على البيت ، المدرس الذي يأتي تؤجره، وسلمني سلسة من المفاتيح، غليظة ثقيلة، فيها العديد من المفاتيح، تنوء بحملها العصبة أولو القوة.وأغرب ما في هذا البيت، انه بني في وسط مقبرة، جرفت بعض القبور، لتمهد فسحة كافية لبناء البيت، وبقيت القبور الأخرى ظاهرة للعيان على سطح الأرض، فما تفتح نوافذ المنزل حتى تطل على مجموعة من القبور، واذا صادف أن كانت النوافذ مفتوحة، والسماء مقمرة، وضوء القمر ساطعاً فإن وقوع عينيك على هذه القبور ليلاً لابد أن يشعرك بشئ من الرهبة والخوف، ربما سبب ذلك اثارة الرواسب النفسية العالقة بك من أيام الطفولة، ونحن نسمع حكايات العجائز، بأن الاموات يظهرون في الليل، وأن البطل وهو الشاطر حسن هو الذي يجرؤ على المرور من قرب المقابر في الليل.فكيف بك وأنت تدوس فوق القبور عند مدخل البيت، وتنام فوق القبور وسط البيت، والقبور لازالت ظاهرة وبارزة من حولك هنا وهناك، وتزداد الوحشة أكثر عندما تكون وحيداً في البيت دون رفيق يؤانسك أو يبدد وحشتك، ولطالما كنت أستعين لازالة هذه الوحشة بقراءة القرآن وتفسيره، وقراءة المعوذتين وآية الكرسي وأواخر سورة البقرة وكثيراً من الاوراد عند النوم كل ليلة.حدثني أحد الأخوة المدرسين الذين كانوا يعملون في المدرسة في العام الماضي قال : كنا نسكن في المدرسة أنا واثنان آخران من المدرسين وكان هناك مدرس يسكن لوحده في هذا البيت وسط القبور، وقمنا بحركة صبيانية في أحد الليالي لترويعه، وحتى نجبره أن يسكن معنا في المدرسة، كان الرجل كبير السن نسبياً قريباً من الخمسين، وأول وصولنا قرب البيت قذفنا النافذة الحديدية بحجر كبير أحدث دوياً هائلاً في جوف الليل، ثم عملنا حركات شيطانية قرب النافذة ، طرقنا الباب عله يفتح لنا ونخبره أننا العابثن به، لنرى مدى شجاعته وصبره وسط هذه المقبرة، كان الرجل في ذهول من امره ولم يقو أو يجرؤ على فتح الباب، وفي الصباح جاء الى المدرسة على غير طبيعته المرحة، مكفهر الوجه عابساً، لم يتحدث عن الامر، لانه كان يستغرب منا، نحن زملاؤه المدرسون، أن نقوم بعبث كهذا. كنا ننام في بئر صدر على سرير مرتفعة عن الأرض، وفي ساحة المنزل، لأن ذلك أكثر أمناً من النوم تحت سقف البيت، الذي ربما تعيش فيه بعض الثعابين أو الهوام.كنا نرش بعض المبيدات الحشرية ، ذات الرائحة الكريهة القوية عند أرجل الأسرة التي ننام عليها، خشية صعود بعض الهوام علينا ونحن نيام مثل العقارب والأفاعي، واحياناً نرش مادة الكاز عند كل رجل من أرجل السرير حتى تنفر الهوام من رائحة الكاز.في أحد الأيام ذهب زميلنا مدير المدرسة الاستاذ/ يحيى الحيدري ليحضر حبات من البطاطا من الصندوق، لتحضير وجبة العشاء وكان معه كشافاً، اضاء به وسط صندوق البطاطا، فشاهد شيئاً أسوداً ، ساكناً بدون حراك، وعندما حرك الصندوق قليلاً، واذا به يرى عقرباً أسود يرفع ذيله استعداد للدغ أي فريسة تقرب منه.صاح ينادي علينا/ تعالوا لتروا ما بداخل الصندوق واستعذنا بالله من شرها، وحمدنا الله أن سلم زميلنا من لدغها، لأنه كان لابد أن يمد يده إلى الصندوق ليتناول حبات البطاطا، قتلناها، وازداد حذرنا أكثر فأكثر، وبينما كان زميلي يحيى، ينفض فراشه ليلاً عند النوم واذا بشئ يتحرك، دققنا فيه النظر، ووجهنا النور صوبه فوجدناها عقربة شقراء هذه المرة، قتلناها ونحن نضحك قائلين، إن هذه العقربة الشقراء هي زوج ذلك العقرب الأسود، والحمد لله أن كفانا الله شر الأثنين.بعد أيام جاءنا أثنان من الأخوة المدرسين السودانيين وشاركانا السكن في نفس البيت الوحيد في الهجرة، وفرشا إحدى غرف هذا البيت ليناما فيه، جاءونا بحقائبهم فقط، ظناً منهم أن الهجرة بها كل شئ وتفاجأوا بأن ليس فيها شئ، وبعد ثلاثة أو أربعة أيام من وصولهم، وفي وضح النهار وبعد تناول طعام الغداء، ذهبا ليرتاحا في غرفتهم واذا بنا نسمع صوت ندائهم: يا احمد ، يا يحيى أحضروا معكم عصوين، إن هناك ثعبان في السقف ويقف الآن فوق الباب، انحصرا داخل الغرفة ولم يستطيعا الخروج، كان الثعبان يطارد برصاً في سقف البيت، وهذا البرص من الوجبات المفضلة للثعابين، دخل زميلي يحيا بعصاه داخل الغرفة، وبقيت أنا بعصاي خارج الغرفة، حتى اذا خرج الثعبان هارباً أكون له بالمرصاد.وأعترف بأن زميلي يحيى كان أجرأ مني لانه سبقني الى الدخول من تحت الثعبان، خاف الثعبان وحصر نفسه بين الجدار والسقف وأبقى رأسه ظاهراً، وعيناه تقدحان، ولا مجال لقتله وهو مختبئ، فكر أحد الأخوة بطريقة ناجحة لاخراجه من الجحر الذي هو فيه للتمكن من قتله، كان البرص المطارد لازال موجوداً في سقف الغرفة يكاد يجمد من الخوف، فأخذ هذا الأخ السوداني بطرده نحو الثعبان فعندما وصل الى قرب الثعبان، انطلق الثعبان كالسهم ليلتهم البرض بفيه، وكانت ضربة زميلنا يحيى الحيدري كالسهم أيضا على رأس الثعبان، وقذف البرص، من فيه، مرمياً على ظهره على الارض بدون حراك، وكأنه في تلك اللحظة التي عض فيها البرص، قد أفرغ فيه سمه، فسقط البرص ميتاً.وتدلى ذيل الثعبان من خارج الجدار، فضربته من الخارج على ذيله ضربة أخرى، فسحبه الى الداخل حاولنا الضغط على الثعبان من الداخل ومن الخارج حتى أسقطناه على أرض الغرفة يعاني سكرات الموت، فأكملنا قتله ورميناه خارج البيت وحمدنا الله على سلامة زملائنا وسلامتنا جميعاً من شر هذه الهوام، والتي لا يستغرب وجودها ونحن نعيش وسط المقبرة، وكان أحدنا لا يذهب إلى الحمام الا والفانوس في يده ويجلس لقضاء الحاجة وعيناه تلتفت يميناً وشمالاً خشية بعض الهوام.وجاء فرج الله سريعاً، ليخلصني من هذا الكابوس، الجاثم على صدري في بئر صدر، ومما هو جدير بالذكر قبل أن أترك بئر صدر، هو تسجيل هذه الملاحظة الغريبة جداً، والتي يندر وجودها في السعودية، هو أن هجرة بئر صدر وحتى يومنا هذا، لايوجد فيها مسجد يذكر فيه اسم الله ولا يرفع فيها الآذان بصوت مرتفع، ولا يعقد فيها جمعة أو جماعة إن الناس يصلون في بيوتهم ولا يجتمعون لاداء صلاة الجماعة، ولم أسمع فيها صوت مؤذن ينادي بالصلاة غير أصوات زملائنا في البيت، كنا نؤذن لانفسنا، ونصلي داخل البيت الذي هو في الأصل مبني وسط المقبرة، والتي يجعلنا نشك قي صحة الصلاة وسط هذه المقبرة.وعندما حضر الأستاذ / صالح المحلاوي مدير مكتب اشراف ضباء الى زيارة المدرسة حادثته بالأمر، وقلت له أن هذه الهجرة والتي بنيت فيها المدرسة منذ عشرين عام، لم يبن فيها مسجد حتى الآن ولا تقام فيها الجمعة او الجماعة رغم وجود مركز للامارة وبعض البيوت المتفرقة هنا وهناك.وقد تبرع الاستاذ صالح المحلاوي مدير مكتب اشراف ضباء جزاه اله خير بالاستعداد لبناء مسجد على نفقته الخاصة، وتحدث بذلك من فراش المدرسة/ عوده الوابضي وقال له أبلغ جماعتك وهو من أبناء هجرة بئر صدر بتبرعي لبناء مسجد لهم، ورد قائلاً انهم لن يوافقوا على ذلك، وهذا ما حدث.وإنني أتوجه بخطابي الى المسئولين بوزاة الأوقاف بالاسراع لبناء مسجد في تلك المنطقة، والتي قد لا يصدق قارئ هذه الأسطر انه حتى الان يوجد أماكن بالسعودية لا يوجد بها مساجد؟! والحكومة السعودية لم تقصر قط في هذا المجال، فالمساجد منشرة على الطرقات وفي كل مكان، ونهيب بأهل هذه الهجرة أن يتقدموا بطلبهم لوزارة الاوقاف، وسيبنى لهم مسجد خلال فترة قصيرة.وعدت إلى ضباء، والعود أحمد، وباشرت عملي على الفور في ثانوية ضباء لتدريس مواد العلوم الإدارية، وبعد شهر تقريباً من هذا التاريخ، عين في ثانوية ضباء مدرس وطني ليحل محلي في الثانوية، ويدرس مواد العلوم الإدارية.اعتذر هذا الاخ المدرس عن تدريس مادة المحاسبة وقال : إنني سأدرس مادتي الاقتصاد والإدارة فقط. وبقيت الحاجة قائمة، لوجودي بالمدرسة وتدريس مادة المحاسبة.وقبل وصول هذا الاخ المدرس، كنت اكمل نصابي من الحصص في المدرسة الفيصلية الابتدائية بضباء وكان مجموع الحصص(24) اربعا وعشرين حصة بالتمام والكمال وكان هذا الحمل الثقيل تنوء منه الجبال، فالفارق شاسع بين الثالث ثانوي والثالث الابتدائي.وفي نهاية المطاف، وآخر المحطات، والتي حطيت فيها الرحال، وطاب لنا فيها المقام هي مدينة ضباء حتى أننا بذلنا قصارى جهدنا، وكافحنا كفاح الأبطال، للعودة اليها بسهولة وسلام، وصدرت أوامره الكريمة، تلبية لاستغاثة المضطر، مريض الصدر، الملقى في بئر الصدر، والذي رفع يديه الى السماء، وفي جوف الليل المظلم متوسلاً الى الله ، متضرعاً اليه قائلاً" اللهم إني عبدك، ابن عبدك، أبن أمتك، ناصيتي بيديك، ماض في حكمك عدل في قضاؤك، اللهم إني أسألك ، بكل اسم هو لك، انزلته في كتابك، او علمته أحداً من خلقك أو أستاثرت في علم الغيب عندك، اللهم أني أسألك أن تجعل القرآن ربيع قلبي ونور بصري وجلاء همي وغمي اللهم أجرني في مصيبتي في (بئر صدر) واخلف لي خيراً منها".صدرت الإرادة الإلهية إلى لجنة التطوير التربوي بوزارة المعارف للتحرك الى منطقة تبوك، كان أحد أعضاء هذه اللجنة مشرفاً تربوياً لمواد العلوم الإدارية، لم يكن في منطقة تبوك سوى مدرستين لتعليم مواد العلوم الإدارية وهي : ثانوية الفهد بتبوك، وثانوية ضباء بمحافظة ضباء.وعندما سأل المشرف التربوي لمواد العلوم عن أسماء المدرسين في كل من ثانوية الفهد، وثانوية ضباء، وهنا كانت المفاجئة حيث قيل له : إنه لايوجد مدرس لمواد العلوم الإدارية في ثانوية ضباء  حتى تاريخ 18/7/1421هـ وقد بدأ دوام الطلاب بتاريخ 4/6/1421هـ ويعني ذلك أنه مضى على طلاب العلوم الإدارية شهر ونصف الشهر بدون دراسة في هذه المواد.وعندما سألت اللجنة عن المدرس الذي كان يدرسهم في العام الماضي، قيل لهم : إنه مدرس متعاقد، تم نقله إلى هجرة بئر صدر، فأمروا فوراً باعادتي إلى الثانوية.وفي نفس اليوم جائني مدير مكتب إشراف ضباء بسيارة إدارة التعليم، وطلب مني تهيئة نفسي خلال نصف ساعة، فهو على عجلة من أمره، وأسرعت في تجهيز أمتعتي الشخصية، فلم يكن لي في بئر صدر حاجة، وإنما كان في الصدر منها حاجات وحاجات.وفي الطريق من بئر صدر إلى ضباء، قال لي مدير مكتب إشراف ضباء نحن على عجلة من أمرنا حتى نستطيع أن نلحق بدوام المدرسة الثانوية، حتى نأخذ كتب الإدارة من المدرسة، وتأخذ الجدول الخاص بك، وتقوم بإعداد الدروس التي ستعطيها الطلبة، لان اللجنة الوزارية ستكون غداً صباحاً في المدرسة، عندها أدركت سبب هذه السرعة في نقلي من بئر صدر إلى ضباء وضاعت كل الجهود التي بذلتها في إعداد التقارير الطبية من الأردن ومن مستشفى ضباء، وبقيت في أدراج المكاتب في تبوك وفي ضباء مدة تزيد على الشهرين، وضاعت معها كل التوسلات للمخلوقين ولكن التوسلات الى الخالق لم تضع، وأجاب دعوة المضطر اذ دعاه في جوف الليل في صدر، فحمداً لله وشكراً على نعمائه في كل لحظة وحين، " وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها" (1) .سأتحدث عن أهالي مدينة ضباء وعن مدينتهم الجميلة العريقة وانا أعيش بين ظهرانيهم.يقول كثير من سكان تلك المدينة أن سبب تسمية ضباء بهذا الاسم هو كثرة ما كان يعيش فيها من الضباء، وكان يقصدها الصيادون من كل مكان لصيد هذه الضباء، حتى أنعدمت في النهاية الضباء من هذه المنطقة، وبالطبع فإن الصيد المكثف يؤدي إلى عدم تكاثر هذه الحيوانات، لذلك فإن الدولة أخذت بنظام المحميات، ورخصت بالصيد في أوقات معينة من السنة وذلك حفاظاً على البيئة والحياة الفطرية.إن ضباء مدينة بحرية، يدخل فيها لسان من البحر ليقسم المدينة إلى قسمين: حي البلدة القديمة وحي المقيطع الذي يمثل ضباء الجديدة، شوارعها واسعة وجميلة، مضاءة بالكهرباء، وتزينها الاشجار الجميلة على الجوانب، وفي وسط الجزيرة التي تقسم شوارع المدينة، وقد قررت البلدية مؤخراً ازالة الاشجار الشوكية التي كانت تزرع في الشوارع والاستعاضة عنها بأشجار أكثر جمالاً وأبهى منظراً وأرق استعمالاً، خلافاً للقول الدارج " على شان الشوك اللي في الورد/ أحب الورد"، فالشوك مؤذ حتى ولو كان على الورد.أما " كورنيش" وشاطئ ضباء المحاذي للبحر قريباً من المدينة فقد أضيء بالكهرباء وأعدت فيه مقاعد أسمنتية خاصة للجلوس عليها، وعمل فيه دوائر كبيرة داخل البحر ليستريح بها الناس، ويتمتعون برؤية الأسماك والاحياء البحرية وهي تتراقص وتلعب أمام ناظرهم داخل الماء.وقد عملت بلدية ضباء جاهدة على زيادة امتداد( الكورنيش) خارج المدينة، قبل وبعد قرية عاشور السياحية الواقعة على شاطئ مدينة ضباء، فعملت له مدخلاً جميلاً، وعبدت الطريق المجاور للشاطئ و أضاءته بالكهرباء، وزينته بزراعة الأشجار في وسطه وعلى جانبيه، وعملت فيه جلسات مربعة ومظللة (بالاسبست)المقوى، وهي عامة لكل من يقصد شاطئ المدينة.كثير من اهالي ضباء، يمتهنون صيد الاسماك، ولديهم عدة قوارب بخارية، يعملون عليها بانفسهم، أو يستقدمون عمالة وافدة من مصر، أو الهند لتعمل لصالح أصحاب القوارب الذين كبر سنهم وأصبحوا لايقدرون على مقارعة البحر بأنفسهم.عمل حديثاً سوق لبيع السمك، منظم تنظيماً حديثاً فيه اماكن لعرض السمك واخرى لتنظيفه، ويوجد فيه أيضاً مصنع للثلج الذي يستعمل لحفظ السمك، سواء من قبل الصاديين او البائعين أو المشترين.وكمية السمك في الغالب متوفرة ، وتكفي حاجة أهل البلد وسكانها، وتزيد عن حاجتهم في بعض الأحيان ترسل في البرادات إلى تبوك أو غيرها من المناطق أما أنواع السمك المتواجدة في السوق فقد يصعب حصرها فقدرة الله وعظمته، تظهر جلية أمام تعدد انواع هذه الكائنات البحرية التي لا تحصى الشعور، الناجل، البياض، العربي، الصرع، الهامور، القرش، معكرونة، السردين ، الخرم، الجمبري، الاستكوزا وغيرها الكثير.فسبحانه جلت قدرته، الذي سخر لنا مافي السموات وما الارض وما في البر وما في البحر جميعاً منه ، ومنها هذه اللحوم البحرية " هو الذي سخر البحر لتأكلوا منه لحماً طرياً" (1)وقد ثبت أن لحوم الأسماك هي أفضل أنواع اللحوم ، وأكثرها فائدة، وأقلها ضرراً وأسلسها هضماً، وأيسرها طبخاً وألذها طعماً.وينقسم سكان ضباء إلى حضر وبدو، يعمل الحضر منهم في التجارة وقليل منهم في الزراعة ومعظمهم موظفون في الدوائر الحكومية المختلفة ويعمل أهل البادية في رعي الغنم والابل وبعضهم يعمل في الدوائر الحكومية.ويمكن بسهولة التمييز بين هذا التقسيم السكاني من خلال التعامل اليومي أو اللهجة أو اللباس وكما قال الشاعر :حسن الحضارة مجلوب بتطرية            وللبداوة حسن غير مجلوب ومعظم البدو في ضباء من قبيلة الحويطات ببطونها وفخوذها المختلفة .تتميز هذه المدينة بصغر مساحتها وقلة عدد سكانها بالنسبة للمدن الكبيرة مثل مكة والرياض وجدة، ولاابالغ إذا قلت ان الواحد منهم وخاصة كبار السن يعرف جميع أهل المدينة من الكبار ومتوسطي العمر. أما بالنسبة للناحية التعليمية فهي مزدهرة، فيها مكتب إشراف تعليم ضباء ويرأسه الأستاذ / صالح المحلاوي ويشرف على العديد من المدارس في ضباء وضواحيها .وفي ضباء وحدها خمس مدارس إبتدائية للبنين وثلاث متوسطات وثانويتان، ومعظم مدارسها في مبان حكومية مناسبة، عدا مدرستين هما مدرسة أبي ذر الغفاري الابتدائية وثانوية ضباء الجديدة التي افتتحت هذا العام 1421-1422هـ وجميع المدارس الحكومية بنيت على الطراز الحديث ، وهي مزودة بالمخترات والمكتبات والوسائل التعليمية المختلفة.هذا بالإضافة إلى تعليم البنات ففيها ما يكفيها من المدارس الابتدائية والمتوسطة وفيها ثانويتان كذلك، وفيها كلية إعداد معلمات تخرج معلمات يحملن شهادة دبلوم المعلمات المتوسطة، والرئاسة العامة تحاول الان تحويل هذه الكلية المتوسطة إلى كلية جامعية مكتملة. ويوجد في مدينة ضباء محطة لتحلية المياه، إنتاجها من المياه المحلاة يزيد عن حاجة السكان ، وتقع على شاطئ البحر من الجهة الغربية للمدينة ويعمل بها العديد من الموظفين.وفيها كذلك مصنع للاسمنت، يقوم بتزويد المنطقة الشمالية بحاجياتها من الاسمنت ولم يسبق لي أن زرت هذا المصنع حتى أصفه بشكل دقيق لأتحدث عنه وعن حجم إنتاجه . ويوجد بها ميناء ضباء الكبير الذي يعج بحركة المسافرين ليلاً ونهاراً ويمثل حلقة الوصل بين المنطقة الشمالية وجمهورية مصر العربية، عن طريق البحر، ووسيلة النقل فيه هي العبارة وقد استعملت قريباً وسائل النقل البحرية الحديثة مثل الحافلة البحرية المزودة بجميع وسائل الراحة وتسير بسرعة كبيرة ، قياساً بسرعة العبارات القديمة فمثلاً الحافلة الحديثة (عيد ترافل) تنقلك من ضباء إلى مصر في ساعات ثلاث فقط؟!.ومن طريف ما حصل من أحد الطلاب في مدرسة ثانوية ضباء وفي اول حصة أدخل فيها على هذا الفصل –الثاني الثانوي الإداري- أحب احد الطلاب أن يتعرفوا على شخصيتي إسمي وبلدي وعمري وكنت أجيبهم بكل صراحة، والمعروف لدى الجميع أن الطلاب في العادة يبداون بإختبار المدرس، بأساليبهم المختلفة، ليعرفوا قوة شخصيته، ومدى تمكنه من مادته.وتطاول أحد الطلاب بأسئلته وخرج عن المألوف قائلاً : ألا تزوجونني من عندكم يا أستاذ، وكان السؤال مفاجئاً لي داخل الفصل فاجبته: بلى ولكن إذا اثبت أنك رجلاً بمعنى الكلمة، نجحت في دراستك واشتغلت في عمل او وظيفة مناسبة وتقاضيت راتباً تستطيع به أن تتحمل أعباء المنزل الذي ستصبح مسئولاً عنه وقبل كل هذا اذا كنت أولاً على خلق ودين فاهلاً بك صهراً لنا لأن الرسول صلى الله عليه وسلم يقول بما معناه" إذا جاءكم من ترتضون دينه وخلقه فزوجوه" . ولكن هل تزوجني أختك أو عمتك أو خالتك ؟! صمت الطالب وكأن على رأسه الطير ولم يجد جواباً فسألته على الفور : ألست بمسلم، وموظف لي راتب، أن شاء الله أنني على خلق. أجبني ، قل لي ما هي شروطك، طأطأ الطالب رأسه خجلاً ولم ينبس ببنت شفه طيلة الدرس.وفي آخر الحصة لحقني وقال لي: انا آسف يا استاذ لم اكن أحسب انك ستغضب من هذا السؤال، قلت له يا بني اذا جلست عند الملوك فاعرف ماذا يخرج من فمك والذي لا يعرف الصقر يشويه، واعتقد انك وجدت اللحم هذه المرة مراً كالعلقم فانتبه لغيرها ( فليس كل مرة تسلم الجرة) .ومضت السنة الاولى، وبدأنا في السنة الثانية، ومازلت أداعبه بين الفترة والاخرى قائلاً له ألا تريد أن تتزوج فيبتسم ابتسامة الخجل فيقول : أنت لا تنسى شيئاً يا استاذ؟!. وفي ختام هذا الشريط من الذكريات، لتلك الفترة التي قضيتها في السعودية والتي أشعر، انسجاماً مع القرارات الوزارية التي صدرت للإستغناء عن المتعاقدين الذين أمضوا في الخدمة داخل المملكة عشرة سنوات فاكثر.ولم أعلق كثيراً على هذا القرار سوى القول بأن معيار العشر سنوات وحده غير كاف للحكم على المتعاقد . رمما هو جدير بالذكر ونحن الآن في شهر رمضان المبارك عام 1421هـ وانتفاضة الأقصى المباركة في أوج غليانها وقوافل الشهداء تترى في سبيل الله وفي سبيل تحرير الأراضي المقدسة التي بارك الله حولها وأصبح اسم الشهيد البطل الصغير ( محمد الدرة) رمزاً للتضحية والفداء على لسان كل عربي ومسلم أينما كان، وكل طفل يحمل الحجر في فلسطين يواجه به آله الحرب الإسرائيلية هو محمد الدرة، ويالله ما أروعه من منظر وانت تشاهد الجندي الإسرائيلي بكامل عدته وعتاده وهو يركض هارباً أمام هذا الطفل الصغير بحجره الكبير، الكبير في معناه قياساً بالأسلحة المكدسة في كل مكان وقد علاها الصدأ والتي حرم عليها أن تطلق رصاصة في سبيل الله. وإن كان لابد أن يذكر الفضل لأهله فأنني أشيد بالمملكة العربية السعودية حكومة وشعباً على موقفهم الداعم لانتفاضة الأقصى ابتداء من اقتراح الدولة بعمل صناديق لدعم الأقصى والفلسطينيين وأنتهاء بالتلميذ (البطل) الصغير برياليه التي تبرع بها لانتفاضة الأقصى أعطيت له لشراء شطيرة وعصيراً أثناء الفسحة عندما قال له الأستاذ يكفي أن تتبرع بريال واحد وتشتري بالآخر شطيرة قال لاستاذه وبكل جرأة وحماس : انا لست جائعاً هذا اليوم يا استاذ سأتبرع بريالي لأبطال الحجارة.أن أمة أسلامية فيها مثل هذا البطل الصغير لن تهزم أبداً إن شاء الله وما هي إلا فترات خمول وسيعود لهذه الامة مجدها ، ما تمسكت بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم وما أحسبها إلا كذلك إن شاء الله .     


(1) سورة إبراهيم - رقم الآية 42.
(1) سورة الأنفال – الآية رقم 30 .
(1) سورة الحجرات – رقم الآية 6 .
(1) سورة الفجر – الآية رقم 9.
(1) سورة الملك – الآية رقم 4.
(1) سورة الأعراف – الآية رقم 34.
(1) سورة المؤمنون – الآية رقم 1.
(2) سورة المجادلة – الآية رقم 22 .
(3) سورة الروم – الآية رقم 22.
(1) سورة البقرة – الآية رقم 44 .
(1) سورة الطلاق – الآية رقم 2  .
(2) سورة يونس – الآية رقم 62 .
(1) سورة الأنفال – الآية رقم 60 .
(2) سورة آل عمران – الآية رقم 200 .
(1) سورة الحجرات – الآية رقم 13 .
(1) سورة هود – الآية رقم 6.
(2) سورة الزخرف 0 الآية رقم 32.
(3) سورة الذاريات – الآية رقم 22.
(1) سورة البقرة - الآية رقم 173 .
(1) سورة الأنفال – الآية رقم 30 . 
(1) سورة غافر – الآية رقم 60.
(2) سورة النمل – الآية رقم 62.
(1) سورة النحل – الآية رقم 18.
(1) سورة النحل – الآية رقم 14.
 
A service provided by Al Bawaba