أبحاث متنوعة

الأم الدرع البشري الحنون ---- يوميات شاب من فلسطين

بسم الله الرحمن الرحيم           

الأم الدرع البشري الحنون

يوميات شاب من فلسطين  

 أحمد صلاح الوادي

2011  

في اليوم  الثامن والعشرين من شهر شباط عام ألف وتسعمائة وخمسة وأربعين ميلادية ، رزقت أم أحمد بمولود ذكر بعد ابنتين ، كانتا قد سبقتاه إلى الحياة ، إلا إنه سبقهما بالتربع على كنية أمه به ، على عادة العرب ، حيث يكنون أنفسهم بأسماء أبنائهم الذكور ، إلا ما ندر وشذ عن هذه القاعدة  ،أما كنية الأب فكانت (أبو عبد الله ) اسم ابنه الأكبر من زوجة سابقة .        كانت الحياة تسير رتيبة عادية هانئة ، اعتادها الناس ورضوا باليسير من الطعام والكساء ، ينتجون معظم طعامهم بأيديهم ، تكفيهم وحيواناتهم على مدار أيام السنة، يزرعون القمح والشعير والذرة والسمسم ، فيأكلون مما رزقهم الله منها على مدار السنة ، ويدخرون ما زاد عن حاجتهم حبا في (خوابي) كبيرة ، لها أشكال جميلة ، مصنوعة من الطين ، لها فتحات كبيرة من الأعلى لصب الحبوب بها ، وفتحات ضيقة من الأسفل لتفريغ الحبوب وقت الحاجة إليها ، حيث يطحنون بمقدار حاجتهم أولا بأول.       أما الخضروات فكانت تزرع في ( مقاثي ) ، والمقثاة  مساحة صغيرة من الأرض يزرع فيها الفلاحون  الخضار مثل البندورة والبامية والكوسا والملوخية وغيرها ، كان غالبيتهم لا يبيع ويشتري مثل هذه الحاجات من الخضروات ، وإنما كان يتم تبادلها فيما بينهم بالمجان ، ومن ليس عنده مقثاة ، يأخذ ما يحتاج إليه  من أقرب مكان إليه ، ويتم ذلك بدون مَنِ مِن أحد ولا حرج.       أما البساتين والجنائن فكان يزرع بها الأشجار المثمرة كالتين والخوخ والرمان والعنب وغيرها ، أما (البيارات) وهي الجنائن ذات المساحات الواسعة فكان يزرع بها أشجار الحمضيات كالبرتقال والليمون وغيرها ، وكان غالبا ما يملك هذه البيارات أصحاب رؤوس الأموال من العائلات الكبيرة المشهورة في فلسطين .       عاش أهلنا في فلسطين سنين طويلة هانئين مرتاحي البال لم ينغص حياتهم مدع، ولا يكدر عيشهم دخيل، حتى كان هذا التآمر البغيض ، والتواطؤ الدنيء  بين قوى الشر الغاشمة ، الحكومة البريطانية من جهة والعصابات الصهيونية من جهة أخرى وكانت حكومة الانتداب البريطاني مكلفة للإشراف على فلسطين حسب اتفاقية سايكسبيكو بين الفرنسيين والبريطانيين بعد هزيمة الدولة العثمانية ، لرعاية شؤونها وتنميتها وعمارتها ، وليس لاستعمارها بكل ما تحمله هذه الكلمة من معنى بغيض في نفوس غالبية الناس، فقد خانت هذه الدولة الأمانة الموكلة بها ، فجعلت من فلسطين لقمة سائغة للعصابات الصهيونية ، فأثناء انتدابها على فلسطين سمحت لليهود بالهجرة إلى فلسطين ، وأمدتهم بالأسلحة ودربتهم في معسكراتها ، وتوجت كل فضائحها هذه بإصدارها وعد بلفور في الثاني من تشرين الثاني عام  1917م ، والذي خلاصته : ” إن حكومة جلالة الملكة تنظر بعين العطف إلى الأماني الصهيونية بإقامة دولة لهم في فلسطين ......مع الحفاظ على حقوق العرب الذين يعيشون في فلسطين " .       وخير ما قيل في هذا الوعد المشئوم ، ما قاله الزعيم الراحل – المرحوم بإذنه تعالى – جمال عبد الناصر " لقد أعطى من لا يملك حقا لمن لا يستحق" .                      ولقد شعر أهل فلسطين بأطماع الصهاينة قبل صدور هذا ا الوعد ، فقاوموا بكل ما استطاعوا من قوة ، وأخذوا يعدون العدة ، فكانت ثورة البراق عام 1929م ، سقط فيها عدد من الشهداء الفلسطينيين وعدد من القتلى الإسرائيليين ، وكانت الثورة والإضراب العام عام 1936 ، وانتشرت قوات الثوار في الجبال والكهوف في جميع أنحاء  فلسطين ، رغم محاولة القوات البريطانية من منع تسلحهم ومقاومتهم   .        وهذا هو الشهيد الثائر الشاعر  عبد الرحيم محمود ، يستشهد في معركة الشجرة، دفاعا عن ثرى الأرض الطيبة، ولله دره وهو يقول :           سأحمل روحي على راحتي              وألقي بها في مهاوي الردى          فإما حياة تســر الصديــــــق              وإما ممات يغيـــــــظ العــدى      وهذا هو البطل الشهيد المجاهد عبد القادر الحسيني يستشهد في معركة القسطل وهو يقود جحافل المسلمين ضد العصابات الصهيونية .      وهذا هو الشهيد البطل والمجاهد الكبير عز الدين القسََام ، الذي جاء من سوريا  يحمل روحه على راحته ، ليروي بدمائه الطاهرة الزكية أرض فلسطين ، ملبيا نداء ربه عز وجل في قوله:   " يا أيها الذين آمنوا هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم  * تؤمنون بالله ورسوله وتجاهدون في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون "(1).        وملبيا نداء حبيبه المصطفى عليه الصلاة والسلام بما معناه أو كما قال : " إذا وطئ شبر من أرض المسلمين بات الجهاد فريضة على كل مسلم ومسلمة "(2) .      لم ولن يستسلم شعب فلسطين ما دام في عروق أبنائه دم ينبض بالحياة ، حتى تحرير آخر شبر من فلسطين ، ويطرد شذاذ الآفاق الصهاينة ويعودوا من حيث أتوا إلى غير رجعة.     ولن ننسى ما حدث بالأمس لشيخ المجاهدين ، المناضل البطل ، والأنموذج الفذ ، الشهيد الحي الميت، العابد المقعد ، الذي استشهد وهو خارج من صلاة الفجر ، فتطايرت أشلاؤه ، وقطع دراجته  هنا وهناك ، فرحماك يا شيخ أحمد ياسين رحمة واسعة ونسأل الله أن يجعلنا وإياك من رفقاء الحبيب المصطفى في جنات النعيم .     وهذا هو الطفل البريء محمد الدرة يستشهد وهو يحتضن والده خشية رصاص العدو ، والوالد يرفع يده في وجه الجندي الصهيوني الغاشم ولسان حاله يقول: ما ذنب هذا الطفل البريء حتى تقتله أيها اللعين ، والطفلة الرضيعة إيمان حجو والكثير الكثير من أبنائنا وأطفالنا ، لم يرحموا شيخا مقعدا ولا طفلا رضيعا ولا امرأة .     ولا تزال قوافل الشهداء متتابعة ، ولن تنتهي ما دام هناك صهيوني يدنس ثرى هذه الأرض الطاهرة التي بارك الله حولها ، فالإنسان قد يدمر ولكن لا يهزم.

     وللأسف نجد كثيرا من القيادات الأجنبية والعربية يهرولون في السعي لإطلاق سراح الجندي الأسير (شاليط)  الذي يدافع عن باطل ، وقد نسوا  أو ربما تناسوا عشرات الآلاف من الأسرى الفلسطينيين والذين يدافعون عن حقهم في استرداد فردوسهم السليب .
(1) سورة الصف ، رقم الآيات ( 10 – 11 ) .(2) رواه أحمد   وفي الخامس عشر من شهر أيار عام 1948 أنهت الحكومة البريطانية انتدابها على  فلسطين ، واعترفت فورا بقيام الدولة الصهيونية الوليدة ، بعد أن مهدت كافة السبل لقيام هذا الكائن النشاز في قلب الأمة العربية  والإسلامية ، وذلك بتيسير سبل الهجرة اليهودية إلى فلسطين ، وتدريب وتسليح ميليشات العصابات الصهيونية، وتضييق الخناق على العرب الفلسطينيين ، بفرض الضرائب عليهم  ومنعهم من تسليح أنفسهم لمحاربة العصابات الصهيونية التي كانت تزداد قوة يوما بعد يوم في ظل حكومة الانتداب البريطاني .      وبهذا الشكل تحولت الأمانة التي كانت مناطة بحكومة الانتداب البريطاني لعمارة فلسطين وتنميتها ، إلى خيانة واضحة بتسليح العصابات الصهيونية ، وتسهيل هجرة اليهود إلى فلسطين، ومنع الفلسطينيين من حمل السلاح وتجريم كل من يوجد لديه قطعة سلاح ، أو طلقة سلاح واحدة ، واعتباره ثائرا على الحكومة البريطانية، وأدخل الكثير من الثوار إلى السجون وحوكموا محاكمات غير عادلة .      بقي الثوار الفلسطينيون مطاردين في الجبال والكهوف ، ما بين كر وفر على الأعداء ، في نفس الوقت الذي كانت فيه العصابات الصهيونية ، تتسلح وتتلقى كافة أنواع التدريبات وعلى مختلف أنواع الأسلحة على مرأى ومسمع من حكومة الانتداب البريطاني، دون منع ، بل تتدرب على أيدي الضباط البريطانيين ،  ولزيادة الطين بلة  فإن الحكومة البريطانية عندما أنهت انتدابها على فلسطين تركت جميع ما بحوزتها من أسلحة ومعدات وتجهيزات  ، تحت أيدي العصابات الصهيونية ، فكانت هذه الأسلحة نواة تسليح الجيش الصهيوني إثر قيام الدولة الزائفة ، وهكذا سلمت بريطانيا فلسطين لقمة سائغة للصهاينة، وهنا انطبق المثل على بريطانيا : " كان حاميها حراميها "  " من مأمنه يُؤتى الحذر " .     كان العرب في ذلك الوقت في غفلة من الزمن، وبعد تفويت وقت غير يسير ، شعروا بظلم إخوانهم الفلسطينيين ، فأخذتهم النخوة العربية  وهبوا لنجدتهم، ولكن دون تنسيق أو تنظيم فيما بينهم بسبب فقد الثقة بين قيادات هذه الجيوش ، فقد كان الجنرال البريطاني ( كلوب باشا ) أحد قادة هذه  الجيوش العربية ، وهل يجوز الجمع بين متناقضين ، بين من أصدر وعد بلفور ، والاعترف بدولة إسرائيل فور تأسيها  ، وبين أن يكون الجنرال البريطاني كلوب قائدا لهذه الجيوش العربية  التي تحارب إسرائيل ، فهل نستطيع أن نخفي نور الشمس بالغربال.    ورجعت الجيوش العربية بالرغم من التضحيات الكبيرة التي بذلتها،  رجعت تجر أذيال الخيبة دون أن تحقق أهدافها، فقد كانت دولة إسرائيل المزعومة دولة وليدة  ، وكانت بعض الجيوش العربية عريقة في التدريب والتنظيم؟؟!!  ماذا حدث ؟ وماذا جرى ؟ نترك الإجابة على هذه الأسئلة لمن هم أقدر وأحق منا في التحليل العسكري  والسياسي، ومعرفة أسباب الهزيمة النكراء !!! .    بذلت العصابات الصهيونية مثل ( الهجانا ) و ( شتيرن ) وغيرها، قصارى جهدها في ترويع وتخويف سكان المدن والقرى الفلسطينية ، بهدف تهجيرهم من أراضيهم وذلك بعمل المذابح الجماعية  في دير ياسين وكفر قاسم وغيرها ، فكانوا يقتلون النساء والأطفال والشيوخ الذين يجدونهم ، أما الرجال والشباب فكانت غالبيتهم تحمل السلاح وينخرطون في صفوف المقاومة .     كان سكان القرى يهربون من بيوتهم فرارا بأعراضهم وبناتهم ، وخوفا من أن يحدث لهم ما حدث في دير ياسين وكفر قاسم من مذابح جماعية ، كانوا يفرون بأرواحهم تاركين جميع ما يملكونظنا منهم بأنهم سيعودون قريبا إلى بلدانهم ، ولم يكن بحسبانهم أن بعضهم سيموت في الغربة ، دون أن تكتحل عينه برؤية مسقط رأسه مرة أخرى .      ورغم كل ما حدث ، وربما يحدث المزيد ما دمنا في خلافاتنا ، فإن اليأس لم يدخل قلوب الفلسطينيين على مر الأيام رغم مرارتها ، فقد غرسوا في نفوس  أبنائهم جيلا بعد جيل ، أن لهم وطنا مغتصبا، وحمََلوا أبناءهم أمانة الجهاد والدفاع عن هذا الوطن ، مهما طال الزمن . وكأننا مع موعد قريب – إن شاء الله - في دحر الظالمين وطردهم شر طرده ، فكما تحققت بشارته لسراقة بن مالك حين كان يطارده لقتله وليظفر بجائزة قريش إذا عاد بمحمد حيا أو ميتا ،وهو مهاجر إلى المدينة بصحبة أبي بكر الصديق رضي الله عنه ،وعندما رأى محمدا عليه السلام رأي العين ، وكان على بعد قاب قوسين أو أدنى منه ، دعا عليه الرسول عليه السلام فصاخت قدما فرسه في الرمال ولم يستطع أن يتقدم شبرا واحدا ، عندها أدرك أن محمد عليه السلام نبيا مرسلا ، أعلن إسلامه ونطق بالشهادتين ، عندها بشََره عليه الصلاة والسلام بسواري كسرى وفارس.     ولقد تحققت هذه البشارة فعلا زمن الخليفة الراشد عمر بن الخطاب رضي الله عنه ، حيث استدعى سراقة بن مالك وألبسه الخليفة  الراشد سواري كسرى وتاجه ، بعد أن هزموا الفرس في القادسية ، ورفعوا راية الإسلام عالية خفاقة ، وانتشرت كلمة التوحيد في كل مكان ، نعم تحققت بشارة الرسول الأولى  " وما ينطق عن الهوى * إن هو إلا وحي يوحى "(1) .  أما البشارة الثانية والتي نحن بانتظار تحقيقها - والله وحده أعلم بذلك – ولكننا لا نشك ابد في حدوثها ، ونرجو الله أن يكون ذلك قريبا فقد جاء في الحديث الشريف عن أبي هريرة عن الرسول   عليه السلام قال :  " لا تقوم الساعة  حتى يقاتل المسلمون اليهود، فيقتلهم المسلمون،حتى يختبئ اليهودي من وراء الحجر والشجر ، فيقول الحجر والشجر: يا مسلم يا عبد الله هذا يهودي خلفي فتعال فاقتله ، إلا الغردق فإنها من شجر اليهود "(2)  فكما تحققت البشارة  الأولى ، ستتحقق البشارة الثانية ، ونسال الله أن يكون ذلك قريبا ، اللهم نسألك أن تهيئ لنا أسباب النصر في جمع شمل المسلمين وتوحيدهم على قلب رجل واحدا ، إنك على ذلك قدير وبالإجابة جدير، لن يضيع حق وراءه مطالب ، والأيام دول ، يوم لك ويوم عليك ، ومن سره زمن ساءته أزمان .     عود على بدء ، درج ذلك الفتى الصغير أحمد في خضم هذه الأحداث الرهيبة التي مر بها وطنه ، دون أن يعي منها شيئا ، أو أن يدري ما يدور حوله ، فهو لما يتجاوز الرابعة من عمره بعد حتى قرر أهله الرحيل من قريته (قزازة) من قضاء مدينة الرملة ، تبعا للتقسيم الإداري في ذلك                                                                                        الزمن ، قرروا الرحيل   وهم لا يدرون أين يتجهون ، لا يفكرون إلا في الهروب من وجه هذا الطغيان والجبروت الصهيوني الذي يرتكب المذابح الجماعية حيث حل ، حتى استقر بهم المقام في مدينة الخليل أولى محطات الهجرة التي ظن غالبية الناس أنها لن تطول. .                   -------------------------------------------------------------------------------------------  (1) سورة النجم ، الآيات (   3  ، 4  ) . (2) رواه مسلم .                                             لم يتذكر أحمد  ابن الأربع سنوات من معالم قريته قزازة غير بعض الصور التي علقت في ذهنه ، ربما تكون هذه الصورة حقيقية المشاهدة ، أو ربما من تكرار وصفها والحديث عنها  من والدته والتي طالما تتغنى بها وتتمنى العودة إليها ، أطال الله في عمرها ، فهي من مواليد عام 1913م ، يتجاوز عمرها الآن الثامنة والتسعين ، وما زالت تحدثنا بشغف شديد عن الجمل الذي كان لديهم ، وعن البقرات والعنزات التي كانوا يحلبونها يوميا ، ويصنعون من ألبانها الزبدة والسمنة  والجبنة ، يأكلون منها ويرسلون ما يزيد عن حاجتهم إلى الأقارب والجيران ، بدون ثمن حيث كان الناس يعيشون حياة ألفة ومودة ، تسود بينهم روح التكافل الاجتماعي ، فلا تباغض ولا حسد كأنهم أسرة واحدة .     يتذكر أحمد ملامح هذا البيت الواسع الكبير ( البايكة ) من مخيلته ومما يتكرر سماعه من أهله وهم يتغنون بأمجادهم السابقة ، فالبايكة –البيت الأساسي- يتكون من طبقتين، الطبقة السفلى للحيوانات مثل البقر والغنم وتخزين أعلاف هذه الحيوانات على مدار السنة من تبن وشعير  (وكرسنة ) وغيرها                                                                                           أما الطابق الثاني فيرتفع بعض عتبات تنتهي( بالمصطبة) ، وهي غرفة المعيشة ينام فيها جميع أفراد العائلة ، وتستعمل كذلك للأكل والشرب ، وتحيط بجوانبها الخوابي ( جمع خابية ) وهي مستودعات من الطين لحفظ الحبوب ، تضاهي بعملها صوامع الغلال في العصر الحاضر ، لكنها منزلية الصنع ، منزلية الاستعمال .     كانت ساحة ا لبيت الخارجية كبيرة ، في جانب منه مناخ للجمل ، وفي جانب  مكان(  للطابون) وهو فرن لعمل الخبز، وفي الجانب الآخر توجد ( الحوطة )  وهي حسب ما سمعت وعلمت من الوالدة ومن كثير من الأقارب وأهل البلد كانت أشبه بالمضافة هذه الأيام ، بناء يرتفع أربع أو خمس درجات ، مساحته كبيرة ومسقوف بالخشب والبوص وفوقه طبقة من الطين ، جدرانه شبه مكشوفةوتبقى مفروشة باستمرار في الليل والنهار، بفرشات الصوف الوثيرة ، وتزين جوانب المجلس المخدات المطرزة بالحرير ، ويتوسطها كانون النار وعليه دلال القهوة وأباريق الشاي ، ويجتمع بهذا الديوان آل وادي وبعض من أهالي القرية ، ويستقبلون بها ضيوف آل وادي كذلك .    أما بوابة الدار وهي المدخل الرئيسي للبيت ، فكانت كبيرة وواسعة ، يدخل منها الجمل بما حمل، وذلك يدل على اتساعها ورحابتها ، وكان يغلقه ليلا باب خشبي كبير ذو متاريس قوية.      كان والد أحمد رحمه الله من وجهاء قرية قزازة ، ومن الرجال كبار السن فيها ، وكان ميسور الحال نسبيا في ذلك الزمن ، حيث كان يقوم بزراعة الدخان ويتاجر به ، وكان هذا الصنف من الزراعة يدر عليه سيولة نقدية ، جعلته في بحبوحة من العيش ، وشجعته على تعدد الزوجات، فكانت والدتي – أطال الله في عمرها – الزوجة رقم أربعة بين زوجاته ،عندما عاد أبي إلى  البيت في أحد الأيام لم يجدها ،فقد ذهبت إلى بيت والدها بسبب خلاف مع أخي عبد الله ، ذهب لإرجاعها  وتدخل أحد أخوالي وحاول أن يوغر صدره على ابنه الذكر الوحيد حتى ذلك التاريخ ، ولم يرجعونها معه تلك الليلة .      لم يعد والدي إلى بيته تلك الليلة ، إلا بعد أن مرَ على أحد أقاربه وخطب ابنته البكر وعمره يقارب الستين سنه وتزوجها في اليوم التالي لغياب والدتي عن البيت وكانت هذه هي الزوجة رقم خمسة بين نسائه . ماتت زوجته الأولى ، وماتت زوجته الثانية ، وطلق زوجته الثالثة ، وكانت والدتي الزوجة رقم أربعة تزوجها وهي ابنة ثلاث عشرة سنة ، وكان عمر والدي في الخامسة والخمسين، وعندما غضب من أحد أخوالي ، أتبعها بالخامسة .      عادت أم أحمد إلى بيتها بعد أيام قليلة من زواجه بالأخرى ‘ فقد خشيت على ضياع بيتها الكبير ، وهي أم البنين والبنات، ويضرب بها المثل في الحركة والنشاط والقيام بالأعمال المنزلية ، فقد كان الزوج في تلك الأيام لا يستطيع أن يستغني عن زوجاته ، ليقمن بخدمته وخدمة المنزل ، فهي التي تنقل الماء من البئر على رأسها – بواسطة الجرار- جمع جرة  وهي أواني من الفخار تحمل على الرأس، وهي التي تطبخ الطعام ، وتغسل الثياب ،وتحلب البقر والغنم ، وتعجن وتخبز في الطابون، وهو موقد مصنوع من الطين ، توقد النار بداخله ، وله فوهة صغيرة من أعلى تغلق لحفظ درجة حرارة الفرن عالية ، وتوضع بداخل الطابون حجارة ملساء نظيفة متوسطة الحجم تسمى ( (الرظف)، يوضع رغيف الخبز وهو عجين فوق الرظف  بعد أن يكون قد احمر من شدة الحرارة ، ويعمل هذا الرظف في العجين أشكالا مختلفة باختلاف أشكال وحجم الرظف الموضوع   داخل الطابون، ويخرج رغيف الخبز من الطابون أحمرا مقرمشا ( محمصا ،مكحمشا ) و(مطعجا )حسب أشكال الرظف، ما ألذ طعمه ، وما أحسن شكله ، تأكل منه من غير أدام حتى تشبع ، فكيف إذا كان حولك إنتاج الأرض الطيبة من الزبدة والسمن والعسل وزيت الزيتون والزعتر ، ويكون كل ذلك من الناتج المحلي المدخر لطيلة أيام السنة ، دون أن تكلف نفسك عذاب الذهاب إلى أي محل تجاري ، أحن إلى طابون أمي وخبزها المقرمش المحمر.     ألا تستحق تلك الأيام أن يبكى عليها أهلها والمسلمون جميعا ، أليس بحق أن تسمى هذه الأرض الطيبة ب " أرض السمن والعسل " فهي أرض مباركة ، باركها الله عز وجل بقوله :    " سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله ..... " (1)      والزوجة بعد ذلك كله تعمل في الزراعة ، ففي حالة عمل الوالد بزراعة الدخان، يحتاج  إلى زراعة ( شتلات) الدخان والعناية بها حتى تكبر ، ثم قطف أوراقها الناضجة ورقة ورقة  أولا بأول، ثم شك هذه الأوراق في خيوط طويلة ، ونشرها حتى تجف بطريقة خاصة ، بعد ذلك يأتي تجار الدخان ويشترون الكميات الجاهزة للاتجار بها ، ومن هنا يتبين لنا أن تعدد الزوجات كانت من الوسائل المعينة للرجل لتساعده في الأعمال الزراعية فضلا عن تربية الأولاد  والأعمال المنزلية المتعددة  .                                                                                                                                                                                                           لم تترك العصابات الصهيونية أهالي هذه البلدات والقرى الفلسطينية ينعمون برغد الحياة في ديارهم ، بل شنوا عليهم الهجمات الوحشية ، وأعملوا فيهم الذبح والقتل ، فكان كثير من سكان القرى يتركون قراهم قبل أن تصلهم هذه العصابات خوفا على أعراضهم ، وفرارا بأنفسهم ، يخرج ---------------------------------------------------------------------------------------------------------------------  (1) سورة الإسراء ، رقم الآية (1) .    النساء والأطفال والشيوخ من الرجال الذين لا يقوون على الجهاد ، ويبقى الشباب والرجال الذين لديهم القدرة على حمل السلاح ،  يدافعون عن أرضهم بكل ما أوتوا من قوة  بأسلحة بدائية لا تزيد عن البنادق العادية وما تيسر لهم من ذخائر بسيطة وقليلة.     يقفون بصدورهم أمام عصابات مدربة ومسلحة بأسلحة متقدمة ، ومعهم السيارات الحربية يتنقلون بها من مكان إلى آخر، فكان الثوار يعتمدون أساليب الكر والفر، ومباغتة العدو للنيل منه، حيث لا يستطيعون المواجهة وجها لوجه ، وذلك لعدم تساوي الكفتان في العدد والعتاد .     خرج الطفل أحمد مع أهله من قريتهم التي عاشوا بها سنين طويلة ، وظلوا يسيرون على وجوههم ، يحملون بعض الأمتعة على دواب معهم كالجمال والحمير يحملون عليها ضعفاءهم ، ويمشي القادرون على السير خلفها ، وقد استقر بهم المقام بداية في مدينة الخليل .     كان مع الوالد يرحمه الله بقية من نقود مدخرة لديه ، استأجر بيتا ، واشترى من المدينة ما يلزم الأهل من حاجات ، لم يطل بهم المقام طويلا في مدينة الخليل ، حيث بدأت نقود الوالد ومدخراته تنفد رويدا رويدا دون تعويض عما صرف منها ، وكان الوالد رجلا كبير السن ولا عمل له غير الزراعة في أرضه التي اغتصبها شذاذ الآفاق الصهاينة.     بدأت الحاجة ملحة للبحث عن مخرج من السكن في مدينة الخليل ونفقاتها المرتفعة، والتي  لا طاقة لأحد من المهاجرين الذين تركوا ديارهم ومصادر رزقهم على الاستمرار دون دخل ثابت، واتجهت الأنظار نحو أريحا ،  حيث تجمع كثير من اللاجئين في مخيمات ، تحت رعاية هيئة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين ، وزعوا على الناس خياما للسكنى بداخلها ، ثم وزعوا عليهم ما يقيم أودهم من المواد الغذائية  من طحين ورز وعدس وبعض معلبات اللحمة والسردين، ورغم هذا المستوى المتدني من الحياة المعيشية ، فالخيام لا تقي ساكنا لا صبارة القر ، ولا حمارة     القيظ ، ولكن يجد المرء نفسه أمام المثل القائل : " مكره أخاك لا بطل " فلا بد من البقاء في هذه المخيمات ، حتى يفرجها الله " ليس لها من دون الله كاشفة " (1)       وتشكل حول مدينة أريحا ثلاثة مخيمات  ، مخيم عقبة جبر ، ومخيم عين السلطان ، ومخيم النويعمة  ، وكان أخوالي من عائلة الهودلي قد سبقونا بالسكن في مخيم عين السلطان، وبعد أن نفدت مدخرات الوالد أو كادت ، ولم يستطيعوا الاستمرار بالعيش في مدينة الخليل ، لأنها تحتاج إلى دخل ثابت ومستمر ،  لذلك اضطرت العائلة للانتقال  إلى مخيم عبن السلطان بأريحا ، وقد استطعنا أن نجد مكانا لنا قرب سكن أخوالي ، وحصلنا عل خيمة وبطاقة تموين ، وكانت هذه البطاقة مشهورة عند الناس باسم ( كرت المؤن ) .         كان الناس يقفون صفوفا طويلة  أمام مراكز توزيع المؤن ، ليحصلوا على بعض كيلوغرامات من الدقيق والسكر والعدس وعلب اللحمة والسردين ، أبسط الأشياء الضرورية للبقاء على حياتهم أحياء ،  وتبدلت حياتهم من حياة العز والإباء إلى حياة الذل والهوان ، تحولوا من حملة بنادق يدافعون عن أرضهم إلى حملة خرائط  لاستلام النزر اليسير مما يقيمون به أودهم ، ويدفعون به غائلة الجوع عن أجسادهم.      وكان نصيب الفتى أحمد أن يعيش مع أهله ظروف هذه المعاناة القاسية ، حيث ما كادت قدماه تدرج على أرض الآباء والأجداد ، أرض السمن والعسل ، الأرض التي باركها الله بمحكم التنزيل ، حتى بدأ أهله بالهجرة من قرية قزازة إلى مدينة الخليل مرورا بقرية عجور كمحطة قصير في بداية الأمر ، ظنا منهم بأنهم سيعودون بعد يوم أو يومين أو أسبوع ، ولكن المؤامرة الصهيونية البريطانية ، كانت محكمة التخطيط لتشريد أهل فلسطين ، وإقامة الكيان الصهيوني بديلا عن أهلها حقا لقد أعطى من لا يملك حقا لمن لا يستحق ، فبئس الوعد وعد بلفور .                                       -----------------------------------------------------------------------------------------  (1) سورة النجم ، رقم الآية ( 58 ) .            طال انتظار الناس بالعودة إلى بيوتهم ، وبدأت خيوط الأمل في التهتك ، وكاد اليأس يدمي قلوبهم ، وبدءوا يتعودون حياة المخيمات رغم أنوفهم ، وحتى يقاوموا برد الشتاء القارص ، ويحافظوا على صغار أبنائهم ، استبدلوا الخيام ببيوت من اللبن الطيني ، تُسمى (قوالب) جمع قالب ، والقالب صندوق خشبي  مستطيل الشكل ، جوانبه خشبية ، مفتوح من أعلى ومن أسفل ، توضع بداخله كتلة من الطين اليابس نوعا ما، فتأخذ شكل الصندوق الخشبي ، بعد دك الطين جيدا داخل الصندوق ، ثم يسحب الخشب ويبقى القالب الطيني حتى يجف ، ثم تبنى منه جدران البيوت الطينية .      وكانت تغطي سقوف هذا البيوت ، أخشاب قوية من سيقان الأشجار ، وتُصَفُُ فوق هذه الأخشاب عيدان من البوص الرفيع ، ترص متجاورة بجانب بعضها تثبتها خيوط قوية يطلق عليها ( خيطان مصيص )، وذلك حتى تبقى شبكة البوص متماسكة منتظمة ، وفي الختام يوضع فوق البوص طبقة من الطين المخلوط (بالقصل ) وهو التبن الخشن، حتى يبقى الطين متماسكا ويقاوم نزول الأمطار في فصل الشتاء.     وعند هطول أمطار فصل الشتاء ، تتفتت الطبقات العلوية من هذا الطين وتحتُُها وتذيبها بالتدريج لذلك تتكرر عملية ( التلييس) أي زيادة طبقة أخرى من الطين ، لتقاوم عوامل التحات ، وتمنع تساقط الأمطار داخل المنزل .      في بداية الأمر لم يكن داخل هذه البيوت دورات مياه أو  مراحيض خاصة بكل بيت ، وإنما كانت هناك مراحيض عامة بعضها خاص بالرجال  وبعضها خاص بالنساء ، متباعدة عن بعضها ، وتنتشر في ساحات تقع بين البيوت ، ولكونها عامة غالبا ما كانت غير نظيفة ، يشرف عليها عمال نظافة ، يمرون عليها مرة أو مرتين في اليوم ، فكيف ستبقى نظيفة .  لم يمض وقت طويل حتى عُملت المراحيض داخل أسوار البيوت ، في أحد أركان ( الحوش )وساهمت وكالة غوث اللاجئين على إنشاء مثل هذه المنافع الصحية وشجعت الناس على عملها ، حفاظا على صحة الناس ، ومنعا لانتشار الأوبئة بينهم .     أما بالنسبة لتوفير مياه الشرب والغسيل ، فكانت النساء تنقله على رؤوسهن ، بواسطة (الجرار) والجرة إناء من الفخار متوسط السعة (10-12) لترا تقريبا ،لها شكل خاص ، كمثرية الشكل ، لها باب صغير من الأعلى ومتسعة من الأسفل ، وكان مصدر هذا الماء عين  السلطان – حيث سُمي المخيم باسم هذه العين – كانت النساء يذهبن لهذه العين التي تبعد عن المخيم تقريبا 3 كلم زرافات ووحدانا ، وعندما يصلن العين كانت إحدى النساء تنزل في البركة بكامل ثيابها ، وتملأ جرار زميلاتها ثم تملأ جرتها وتخرج لتسير مع زميلاتها في معاناة مستمرة على مدار الأيام .     وبعد فترة من الزمن قامت وكالة الغوث بتمديد شبكة مياه للمخيم ، ولكن ليس داخل البيوت ، وإنما إلى مراكز تجمع ،في وسط كل حي من أحياء المخيم ، وجعلت في كل نقطة تجمع ( 12) (حنفية) صنبورا ، تصطف النساء بالدور خلف كل من هذه  الصنابير في طوابير طويلة ، وكن كثيرا ما يتزاحمن وأحيانا يتشاجرن ، كل يحاول الحصول على الماء الذي يسد حاجته للشرب والطعام والغسيل.      وبلغ أحمد السادسة من عمره ، واستحق أن يدخل المدرسة حسب النظام ، وكانت المدرسة قي بداية الأمر عبارة عن مجموعة من الخيام المتراصة إلى جوار بعضها ، خيمة لكل صف دراسي.      لم يكن في تلك الأيام مقاعد للجلوس عليها ، وإنما كنا نجلس على حصير يفرش فوق الأرض مباشرة ، وأذكر في أحد الأيام ، أن المدرس دخل خيمة الصف ، وكنت أنا قد رفعت طرف رواق الخيمة بجانبي، لأستنشق الهواء الطلق خارج الخيمة ، فكان جسمي داخل الخيمة ورأسي خارجها ، لاحظ المدرس ذلك فصاح بي وعاقبني بسبب هذا التصرف الخاطئ .   واذكر من مدرسي الصف الأول  مدرس مادة الدين الأستاذ الشيخ / أبو حسن وكنا نطلق عليه ونناديه : سيدي أبو حسن ، كان كبير السن يتكئ على ( باكورة) ، والباكورة عصا معقوفة الرأس كممسك للعصا ، وكان يلبس جبة الشيوخ ويغطي رأسه بالحطة الفلسطينية المرقطة بالسواد والبياض والعقال ، كان إذا غضب من أحد الطلاب يسبه مازحا بقوله : " يلعن أمك في عزى أبيك " ؟؟!! كنا نتقبلها منه بصدر رحب  ونضحك كثيرا كلما قالها  ، كانوا يوزعون علينا في المدرسة  كؤوسا بلاستيكية سوداء اللون لشرب الحليب يوميا في المدرسة ، وكنا نقف في صفوف منتظمة تحت إشراف المدرسين .    وأحيانا كنا نقف صفوفا طويلة لشرب زيت السمك السائل ، كريه النكهة والطعم والرائحة لدى جميع الطلاب ، وكانوا يغروننا بشرب زيت السمك ، بتوزيع  قطعة حلاوة طحينية لتلغي بحلاوتها وطعمها رائحة وطعم زيت السمك .     وأحيانا أخرى كنا نقف في صفوف طويلة – رغما عنا – في ساحة المدرسة لرش أجسامنا بالمبيد الحشري مادة د.د.ت ( الفلت ) ، للقضاء على حشرات القمل والبراغيث  التي كانت منتشرة في بداية حياة المخيمات، وكان نصيب كل طالب منا ثلاث( بخات ) بخة في الكم الأيمن ، وبخة في الكم الأيسر والأخيرة في الظهر ، ورغم صغر سننا في ذلك الوقت إلا إننا كنا نقاوم هذه الإجراءات الإجبارية ونتهرب منها ، وكان مدرسونا جزاهم الله خيرا يحاولون إقناعنا أن ذلك للمصلحة العامة      وبعد سنوات قليلة من سكن هذه المخيمات ، بنت وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين مدارس نظامية مجهزة بالمقاعد الدراسية والمرافق العامة ، واختفى كثير من المظاهر السيئة التي كنا نعانيها من الدراسة في الخيام .     أكمل أحمد دراسته الابتدائية والإعدادية في مدارس مخيم عين السلطان ، كان من المتفوقين في دراسته ، وغالبا ما كان ترتيبه الأول في صفه وهذا بتوفيق من الله عز وجل ، وكان هذا الترتيب الأول يسبب له بعض المشاكل ، حيث كان أحمد صغير البنية ، متوسط الطول بالنسبة لطلاب صفه الذين كان فيهم  طلاب ضخام الجسم فارعي الطول ، وعلى رأسهم طالب اسمه عبد الله العبسي من قرية الدوايمة ، كان عملاقا بالنسبة للطالب أحمد ، وكان ترتيبه فوق العاشر .     وأثناء توزيع الشهادات ، وأنا أكاد أطير فرحا بترتيبي الأول على الصف السادس ، قابلني عبدالله العبسي وكاد  يفتك بي عندما أمسكني وقال لي بلهجة أهل قريته : " يحم ، أنت يا المفعوص  قد الصوص تأخذ علينا الأول " لم يكن هناك مجالا لمقاومته ، فشتان بيني وبينه سنا وحجما وعقلا ولم يخلصني منه سوى بعض الأصدقاء الذين يسيرون معنا ، وحاول بفصاحته أن يبرر سبب حصولي  على ترتيب الأول بقوله :" معروف ليش أخذ أحمد صلاح الأول،لأن خاله آذن المدرسة "  لم أرد عليه وتركته يموت بغيظه ، لم ألتق به بعد ذلك ولا  أعرف مكان إقامته ، ولعل هذه المذكرات تقع في يده ، أو في يد من يعرفه فيتذكر تصرفاته .       كانت العادة المتبعة في ذلك الوقت ، أن الطالب الذي يأخذ الأول على صفه، يحضر إلى المدرسة بكيتين صغيرين من ( الحلقوم ) أي الراحة ، وزن الكرتون كيلوغرام واحد تقريبا ، وثمنه آنذاك لا يزيد عن خمسة قروش .   عدت إلى البيت فرحا مسرورا ، أكاد أطير فرحا بشهادتي  ذات الترتيب الأول ، والتقدير الممتاز وفي طريق عودتي إلى البيت شاهدت والدي- رحمه  الله- جالسا مع مجموعة من كبار السن أمثاله وهم يمارسون لعبتهم المفضلة ( السيجة ) والسيجة لعبة فلسطينية تبنى في الرمل سبع  مربعات طول في سبع مربعات عرض ، تسعة وأربعون مربعا تشكل  في الرمل على شكل (جورة ) حفرة صغيرة حجارتها مما تيسر من الأدوات مثل ( البعر ) و(عجم التمر)وغيره ،  وتنقل الحجارة من مكان لآخر وغالبا ما كان الشيبان يطلقون على هذه الحجارة ( كلابا ) ويختلف لون كلاب كل فريق عن الآخر .   أقبلت على والدي وأنا فرح مسرور بشهادتي والتي لا زلت ألوح بها بيدي ، وقلت لوالدي وهو جالس بين أقرانه ، إنني أخذت الأول على الصف يا أبت  ، فسٌٌر بذلك ، ولكن أحد الشيبان الذين كانوا يجلسون بجواره نغص علي هذه الفرحة بقوله: " هذا ابنك أخذ الأول لأنه صغير الجسم ، لذلك فإن المعلمين يجلسونه  في الصف الأول " سكتُ أدبا  ولم أصحح قوله  الخاطئ ، رغم  مقدرتي على ذلك ، ولم ينبر أحد من الحضور لمناصرتي ، كانوا مشغولين بمصارعة كلابهم في لعبة السيجة، خذلوني جميعهم ، تركتهم وأنا أكاد أتمزق من الغيظ .    ذهبت مهرولا إلى والدتي ، والشهادة تلوح بيدي ، وبمجرد إخباري لها بأنني الأول على صفي  أخذتني بالأحضان وقبلتني بحرارة الأم الرءوم و( هاهت) زغردت  وكادت تطير من الفرح ، وقلت لها كالعادة بأنني سأحتاج إلى بكيتين من الحلقوم للمدرسة ، الأول لتوزيعه على المدرسين ،  والآخر لتوزيعه  على طلاب صفي، وبمساعدة  عريف الصف ، يأخذ كل طالب حبة راحة ، وإذا بقي في  (البكيت) شيء يستأثر به الكبار دون الصغار.   مضت الحياة رتيبة عادية بالنسبة للدراسة  في مخيم عين السلطان ، انتقلنا من المدرسة  الابتدائية إلى المدرسة الإعدادية ، وكانتا متجاورتين ، كان ترتيبي دائما والحمد لله من أوائل الطلبة ولا زلت أحتفظ بنماذج من هذه الشهادات للمراحل الدراسية الثلاث : الابتدائية ، الإعدادية  والثانوية ، وإحدى هذه الشهادات تحمل ثلاثة عشر تقديرا ممتازا من أصل خمس عشرة مادة دراسية والتقديران الآخران جيد جدا وقد كتب الأستاذ في خانة التقدير العام : ممتاز جدا وذيلها بشكره والتمني بمزيد من التقدم والنجاح ، وهذا كله بفضل الله عز وجل ثم رضا الوالدين .      استمر الطالب العملاق عبد الله العبسي رفيق الطالب أحمد في الدراسة ، معه في نفس الصف حتى السادس الابتدائي ،وفي هذا العام رأى عبد الله  العبسي هو ومجموعة من طلاب الفصل كبار السن غلاظ الجسم أن يتقدموا بطلب إلى مدير المدرسة الأستاذ / يونس اليازوري ، وأجبر بالقوة جميع طلاب الفصل السادس بالتوقيع على المعروض دون خيار من بعضهم ، ونص هذا المعروض كما لا يزال عالقا في ذهني : "  نحن عبد الله العبسي أنا وجميع طلاب الصف السادس (أ) نطلب من مدير المدرسة السماح لنا بتربية شعر رؤوسنا ، وعدم حلقها على الصفر وسنحافظ على نظافتها" .     وعندما وصل الخطاب إلى مدير المدرسة ، جاءنا المدير غاضبا مزمجرا، وكان شديدا في تعامله مع الطلاب وبدأ كلامه : "  من هو صاحب الجلالة عبد الله العبسي ، الذي يأمرنا ويطلب منا طلبات غير معقولة وخاطبه قائلا له : هو أنت على  رأسك ريشة أو أحسن من باقي زملائك؟؟    ثم وجه كلامه إلى باقي طلاب الفصل قائلا : هل أنتم مجانين حتى  تطيعوا وتسمعوا الكلام الذي كتبه العبسي، لا تعودوا لمثل هذا وإلا سيكون عقابكم شديدا ، سنسمح لكم أن يكون الشعر على نمرة  ثلاثة أو أربعة على الأكثر ، وكل طالب لا يأتي غدا وقد حلق شعره بهذا الشكل ، لا يحضر على المدرسة بتاتا ، وبعد شهر تقريبا عدل عن رأيه السابق وقال : جميع الطلاب يجب عليهم أن يحلقوا على الصفر ، وباءت محاولة الطلاب وعلى رأسهم العبسي بالفشل ؟؟!!    وكانت المراسيم الملكية الحقيقة تتصدر بمثل عبارة عبد الله العبسي الذي بدأ بها خطابه : " نحن  الحسين بن طلال نرسم بما هو آت :  " وكان كل مدرس يدخل الفصل يقول للعبسي : هل تريد أن تنافس الملك على العرش يا عبسي؟؟!!!  انتقل الطالب أحمد من المدرسة الابتدائية إلى المدرسة الإعدادية ، وكانت المدرستان متلاصقتين لا يفصلهما سوى الجدار القائم بينهما . كبر أحمد وكبر زملاؤه وكبرت معهم أحلامهم وآمالهم وأصبحوا يفكرون في اليوم الذي سيصبحون فيه أطباء ومهندسين .       كنا نضاعف جهودنا في الدراسة ، ونظرا لضيق البيوت وازدحامها بساكنيها ، كنا نخرج بين البساتين المنتشرة في مدينة أريحا وحولها والقريبة من مخيم عين السلطان الذي نسكنه ، كانت تنتشر حول المخيم بساتين ( بيارات )البرتقال والليمون والموز الريحاوي المشهور بطعمه ورائحته ، ويتخلل هذه البساتين  مياه جاريه في كل اتجاه في قنوات صغيرة يطلق عليها ( عمََال) أو شلاَ ل وتفصل بين هذه البساتين شوارع معبدة وغير معبدة نسير عليها ونحن ندرس في كتبنا .   ومن الحوادث التي لا تنسى أنني خرجت يوما ما  أنا وزميل لي من طلاب صفي اسمه / حسين الصوي ، لندرس أثناء سيرنا بين هذه البساتين ، وكان موضوع الدراسة كتاب تابع لمادة اللغة الإنجليزية  وموضوع الدرس : أمثال إنجليزية ، والمطلوب حفظ هذه الأمثال وترجمتها ، وكنت أتناقش أنا وزميلي حسين في هذه الأمثال ومعانيها .  وبينما نحن جالسان متقابلان على حافة إحدى الشلالات الجارية نتناقش في معنى الأمثال ، وإذا بأحد شباب الحي الذي كنا فيه يمر من أمامنا وصادف مروره مناقشة المثل الإنجليزي :As quiet as a mouse   ومعناه هادئ مثل الفأر ، وظن الشاب الذي يمر من أمامنا بنفس اللحظة  إنما عنيناه بالمثل ، وبدون مقدمات (لا دستور ولا حاظور) ، يتقدم نحونا ويضرب زميلي حسين كفا أطار الشرر من عينيه وكان هو الأقرب إليه ، وحاول أن يثنََي علي فأخذت حذري وتأهبت لمواجهته ، لم أسمح له بضربي ودافعت عن نفسي دفاع المستميت ، خصوصا بعد ما رأيت ما حصل مع زميلي حسين عندما أخذه على حين غرة ، ولم أدر كيف أعانني الله عليه ، وما هي إلا لحظات حتى كان مرميا على الأرض وأنا فوقه أدقه بكل قوتي خوفا من أن ترجح  قوته فأضيع بين يديه .   وما هي إلا لحظات وكان أهله يشاهدون ما حدث ، حيث كانوا يسكنون في بيت مقابل لساحة المعركة ، التي فرضها علينا هذا الشاب  ، جاء جميعهم  مهرولين رجالا ونساء وصبيانا( اشي مفرع واشي مدرع واشي رامي الطاقية) وهذا المثل يضرب في (الطوشات) الكبيرة .   وصلوا المعمعة وأنا لا زلت فوقه ، فكان نصيبي منهم حجرا في رأسي أسال دمي، وأعتقد أنها كانت ضربة امرأة لأنها كانت حنونة وغير بليغة ، وعضة في الكتف بقي أثرها أياما ، أما عن ضرب العصي فلا تسأل ، ولم ينقذنا من بين أيديهم غير الناس الذين كانوا يمرون في الشارع، وأصروا على أن يأخذونا معهم ليبعدونا حتى لا يعودوا وينتقموا منا.   كان من ضمن المهاجمين امرأة عجوز بلغت من الكبر عتيا ، كان نصيبها في المعركة غير احتفاظها بالكتب الدراسية التي تحمل عناويننا كاملة ، وقد سمعناها تقسم بالله العظيم أن تعمل على فصلنا من جميع المدارس ، سمعنا القسم ولم نعلم ما تخطط له هذه العجوز الشمطاء .    كانت أسماؤنا وأسماء مدارسنا وصفوفنا مرقومة على كتبنا ، وللمصادفة كان يسكن بقرب سكن هذه العجوز مدير تعليم وكالة الغوث بمنطقة أريحا الأستاذ/ عبد خلف وكان رجلا متدينا ومن جماعة الإخوان المسلمين ، فخططت هذه العجوز الكرنيب لقصة أخلاقية ، أرادت أن توقعنا في حبائلها ، كانت تعلم أن جارها رجل متدين وهو مدير تعليم ويمقت الشذوذ والأخلاق الفاسدة ، كان الناس معتادين أن يرسلوا أولادهم أو بناتهم ليخبزوا عجينهم في الأفران العامة التي يخبز بها جميع الناس ، فاخترعت قصة خيالية من عقلها ، وهي أن ابنة ابنها كانت تحمل صينية العجين وهي ذاهبة إلى الفرن تعرضنا لها في الطريق وتغزلنا بها وقلنا لها : يا أم عيون زرق وعسلية ، وأقسم بالله العظيم وقد مضى على هذه القصة أكثر من خمسين عاما بأننا لم نر بنتا ذاهبة إلى المخبز ، وإنها اختلقت هذه القصة لتحقق يمينها بطردنا من المدرسة ولعلمها بقوة تدين الرجل .  وفي مساء ذلك اليوم ذهبت شاكية مولولة إلى منزل مدير التعليم تحمل معها أدوات الجريمة حسب ظنها الكتب بعناوينها: اسم ومدرسة وفصل كل منا ، وحكت له هذه القصة الأخلاقية المشينة ، والتي أوغرت صدر مدير التعليم ، وسلمته كتبنا بعنوانها الواضح  . وفي صباح اليوم التالي جاء مدير التعليم إلى المدرسة وبرفقته بنفس السيارة العجوز الشمطاء وفور وصوله المدرسة طلب من مدير المدرسة إحضاري وزميلي حسين الصوي للتحقيق معنا ، وكانت الشكوى مركزة ضدي لأنني أنا الذي ضَربت وضُربت ، ولا أدري بالضبط حتى هذه اللحظة ماذا حدث لزميلي حسين بعد الكف الصارخ الذي أكله منذ بداية المعمعة .     أدخلنا مدير التعليم عليه في الإدارة واحدا تلو الآخر، وكنت الأول في الدخول ، وفاجئني مدير التعليم بسؤاله لي: أليس عيبا عليكم أن تعترضوا طريق البنت وهي ذاهبة إلى  الفرن لتخبز عجين أهلها وتقولوا لها : ما هذه العيون الحلوة الجميلة؟    لم أعرف ساعتها من أين جاءتني الجرأة والقوة في التعبير والدفاع عن النفس بحرقة وصوت مرتفع قائلا : والله العظيم إن هذه القصة  مختلقة  من أولها  إلى آخرها ، وإن هذه العجوز الكرنيب قد افتعلت هذه القصة لكي لا تحنث في يمينها ، وحاكتها لتطردنا من المدرسة ، وأقسم بالله إني سمعتها وهي تقول : والله لأفصلهم من كل المدارس .    أما  القصة الحقيقة فهي كالآتي : هجم علينا ابنهم الأكبر منا عمرا وحجما هجوما مفاجئا وبدأ بضرب زميلي حسين الصوي كفا على وجهه أطار الشرر من عينيه ، وأدار نفسه ليثني عليََ ، فلم أمكنه من نفسي ، وأعانني الله عليه فلم أشعر بنفسي إلا وأنا فوقه متشبثا حتى لا ينقلب فوقي وعندها ستكون الكارثة، رآنا أهله من برندة بيتهم فجاءوا مهرولين بعصيهم وهجموا علي ، أحدهم ضربني بحجر في رأسي وكشفت عن مكان الجرح ، وأحدهم عضني بأسنانه وهذا مكان العض ، أما العصي فالله وحده أعلم بعددها ولم ينقذنا من أيديهم ألا عابرو السبيل الذين أشفقوا علينا وخلصونا من بين أيدهم وهم كثيرون وأخذونا معهم خشية الاعتداء علينا مرة أخرى.    وكان سبب هجوم الشاب علينا ظنه أننا كنا نعنيه عندما كان أحدنا يسأل صاحبه عن معنى المثل الإنجليزي هادئ مثل الفأر  ، ولم يكن في الموضوع خبز ولا فرن ولا عيون زرقاء ولا غيرها.  كان مدير التعليم قد سأل عن سلوكنا مدير المدرسة ومجموعة من المدرسين ، شهدوا لنا جميعا بفضل من الله وتوفيقه بالجد والاجتهاد وحسن الأخلاق .   وقبل أن يدخل زميلي حسين للسؤال ،خرج مدير التعليم وركب سيارته وانصرف لوحده تاركا العجوز الشمطاء خلفه دون احترام أو تقدير ، لأنه – والله أعلم – اقتنع بأن روايتها ملفقة، وبصفتها من جيرانه ربما كان يعلم عنها الكثير ، فاستكثر منها أنها استعدته على أطفال أبرياء في عمر الزهور التي لم تتفتح بعد ، وأوغرت صدره حتى جعلته يترك عمله ومكتبه ويرافقها للمدرسة ، وليثبت لديه بالدليل القاطع بعد أن أطلعته على جرح رأسي وعضة كتفي وآثار العصي على بدني جراء هجوم عائلي كبير على أطفال صغار السن لم يفكروا في معاكسة البنات بعد .   وانتهت هذه القصة بعتاب رقيق من مدير المدرسة ، حيث قال لي : أليس عيب عليك يا أحمد تقول للمرأة الكبيرة مثل أمك ، عجوز كرنيب أمامي وأمام مدير التعليم ، رددت عليه قائلا : أوليس عيب عليها أن تطعن في شرفنا أمامك وأمام مدير التعليم ، عندها قال : لقد اقتنع مدير التعليم بكذب أقوالها فخرج ولم يأخذها معه ، والحمد لله أن الله كان معنا وخلصنا من براثن هذه العجوز الداهية ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين .      ومن طرائف ما حصل مع أحمد وزملائه في مدرسة عين السلطان الإعدادية أيضا ، زار المدرسة ضابط عسكري كبير من القوات المسلحة الأردنية ، دخل علينا غرفة الصف وشرح لنا هدف زيارته للمدرسة وهو الترغيب في التسجيل ودخول القوات المسلحة وخاصة للطلبة المتفوقين في دراستهم ، وقبل أن يطرح أسئلته على طلاب الصف بعد أن انتهى من حديثه ، طلب مني ومن ثلاثة طلاب آخرين من طلاب الصف الوقوف أمام الفصل ، وقال لنا أنتم صغار السن وقصار القامة ،وإن شاء سنسجلكم في السنوات القادمة .     سأل الضابط الطلاب الجالسين ، من يرغب منهم التسجيل في القوات المسلحة آخر هذا العام الدراسي ، كنا في الصف الثالث الإعدادي، ومعظم الطلاب في سن الخامسة  عشر تقريبا ، وبين لهم أنهم سيدخلون مدرسة الثقافة العسكرية ، يكملون دراستهم بالإضافة إلى التدريب العسكري وبيََن بعض الامتيازات المادية العديدة المستفادة من الالتحاق بهذه الكلية .      استثنانا الضابط الكبير أنا وثلاثة آخرين من طلاب الصف ، وكان منهم رفيق الدراسة والتدريس فيما بعد ، الطالب / مصطفى هديب، وكان جريئا في الحديث ، وكنا نطلق عليه ( الفيلسوف الصغير ) تكلم باسمنا مع الضابط وقال له  : يا سيدي خذونا معكم حتى لو( بنقشر) بصل للجنود، فضحك الضابط وضحك الجميع وأجابه : إن شاء الله سيأتي دوركم فيما بعد ، انتبهوا إلى دراستكم ولكل مجتهد نصيب.           وكذلك من طريف ما حدث معنا كطلاب في المرحلة الاعدادية ، أن الأستاذ الشيخ /سليم الخيري مدرس مادة الدين، كان شيخا أزهريا يلبس البدلة الرسمية والطربوش الأحمر على رأسه كان كبير السن ، عنده قصر في النظر، يلبس نظارة سميك زجاجها ، كان إذا قرأ أو كتب يدني الكتاب أو الدفتر إلى عينية بدرجة ملحوظة .    كانت معلوماته غزيرة ، ولطيفا في تعامله مع الطلاب ، وكان ذلك يشجع الطلبة المشاغبين والذين لا يحبون الدراسة ، وخاصة كبار السن منهم ، حتى أن بعض المشاغبين من طلاب  الصف سمح لنفسه وهو يقف إلى جانب هذا الشيخ الجليل وهو يكتب على الطاولة ورأسه قريب من الدفتر، بأخذ طربوش الشيخ الموضوع على الطاولة بجانبه ووضعه على رأسه وأتى بحركات بهلوانية ضحك بسببها الطلاب وانصرف إلى مقعده بخفة الشيطان دون أن يشعر به الشيخ.    كان شيخنا الفاضل سيدي/ سليم يكرر أسئلة الاختبارات الشهرية والفصلية كل عام ، وكان الطلاب النابهون يدركون ذلك عن الكتب القديمة التي يعاد توزيعها عليهم سنة بعد أخرى ، حيث كان الطلبة القدامى يكتبون على كتبهم هذا سؤال شهري وذلك سؤال فصلي ، ولم يتنبه الشيخ إلى هذا الأمر .  كنت أنا أحد هؤلاء الطلاب الذين  عرفوا ذلك السر، وما كان منا نحن الطلبة المتفوقين إلا أن نحفظ إجابة الأسئلة عن ظهر قلب ، مثل الكتاب تماما ، لذلك لا يجد الشيخ مندوحة لكي ينقص من العلامات  فتكون الدرجة مئة من مئة .           وفي أحد الأيام ناداني الشيخ سليم وقال لي يا أحمد : أنت حصلت على الدرجة الكاملة في الاختبار ، وهذا موضع انتقاد بالنسبة لي ، فأنا سأضع لك درجة تسعة وتسعين من مئة ، وسأعدك بأن أزيدك درجتين بدلها في الاختيارات القادمة ، وقلت له : افعل ما تريد يا أستاذ .       وعلى ذكر الدرجات حصل مع أحمد  مفارقة أخرى مغايرة لما حدث مع الشيخ الفاضل/سيدي سليم ، وكانت هذه المرة مع الأستاذ/ محمود القواص مدرس مادة الاجتماعيات ( التاريخ والجغرافيا )  في إحدى اختبارات التاريخ كان السؤال عن معركة اليرموك ، وكنت أدرس مع خالي محمود ليلا في بيتهم ، وكان يسبقني بعدة سنوات دراسية ، وكان في كتاب تاريخ المرحلة  الثانوية معلومات أكثر من كتاب المرحلة الإعدادية ، تصفحت ما كتب في كتاب المرحلة الثانوية وعلق في ذهني منها الكثير ، ضمنتها إجابتي في اختبار في المرحلة الابتدائية ، سُُر الأستاذ بذلك كثيرا ووضع لي في أعلى درجة الاختبار مئة وخمسة من مئة ، وقرأ أمام الطلاب ما كتبت عن معركة اليرموك ونوه بالمعلومات الزائدة عن الكتاب المقرر، وعندما سألني عن مصدر المعلومات قلت له إنني قرأتها من كتاب خالي في المرحلة الثانوية ، وقال لي أمام الطلاب لقد أحسنت يا أحمد ، وقد وضعت خمسة درجات زيادة ، سأضيفها لك إذا نقصت درجاتك في الاختبارات القادمة .   أما الذنب الذي ارتكبته في موضوع الدرجات ولا زلت نادما عليه، وأسأل الله أن يغفر لي خطيئتي فكان مع أستاذ الرياضيات في المرحلة الإعدادية  وهو الأستاذ/ أحمد فايز ، في أحد الاختبارات نقصت درجتي خمس درجات  على غير العادة ، وكان هذا النقص بسبب نقص صفر في جواب أحد الأسئلة ، وكان خطأي أنني أمسكت قلمي ووضعت الصفر الناقص في الإجابة وذهبت إلى الأستاذ واتهمته بوجود خطأ في التصحيح عندي في الورقة، وادعيت بأن عندي صواب ووضع عليه الأستاذ خطأ ، مسك الأستاذ الورقة وتحقق من الصفر الموضوع حديثا وسألني  هل أنت متأكد يا أحمد أن هذا الصفر كان قبل التصحيح؟؟!! كذبت حينها وقلت نعم فزاد الأستاذ الدرجة وهو يعلم أنني كاذب، ولكنه أخذ بمبدأ ( أقيلوا عثرات الكرام ) فإنه لم يعهدني كاذبا ، والحقيقة أنني لم استحق إقالة عثرتي ، وإنما كنت أستحق العقاب على  الكذب العمد ، وأسأل الله المغفرة .  ودارت الأيام ، وشاء الله أن يصبح أحمد مدرسا للرياضيات ، ويوما ما وفي أحد اختبارات الرياضيات،  أخذ طالبي ورقة إجابته التي صححتها وذهب بها إلى البيت ، كان أبوه مدرسا وزميلي في المدرسة وكان له أخ أعلى منه بعدة صفوف دراسية ، وأم هذا الطالب مدرسة وزميلة زوجتي في مدرسة البنات .  في صبيحة اليوم التالي قال لي زميلي والد هذا الطالب عاتبا : ( يا راجل أنت بدل ما تكرم الواد بكم درجة نقََصت درجاته ) ، وكان مشهورا عني دقة التصحيح وعدم التهاون في إعطاء الدرجات بدون حق ، ولا فخر في ذلك ، فالحق أحق أن يتبع ، فقلت له سأراجع ورقته وإن كان له درجة يستحقها فسأعطيه عنها درجتين عوضا عن مظلمته . .    لا أنكر هنا أنني كنت – أحيانا – شديدا مع الطلاب وخاصة عند الغضب ، حتى أن أحد الطلبة السعوديين تجرأ وهو يمشي إلى جانبي خارج الصف في مدرسة ثانوية ضباء قائلا : ( يا الله ما أحسنك يا أستاذ أحمد وأنت تضحك ،ويا ويلنا منك وأنت غضبان )  .    عندما دخلت فصل الطالب السابق ابن زميلي المدرس ، جاء عندي وورقة الإجابة في يده ، وهو يرجف من الخوف كأنه عصفور أصابه البلل ، قبل أن أتكلم معه أو أطلع على ورقته ، فهو يشعر بذنبه وذنب أخيه وأبيه اللذين أقنعاه بأن يكتب حلولا صحيحة جديدة وزيادتها على الورقة بخط يده ، وعندما راجعت الورقة وجدتها قد زيد عليها زيادات كثيرة في الإجابة وبخط نفس الطالب وقلمه بطريقة فنيه وهذه الزيادات جميعها لم تصحح ، وكأنني كنت نائما وأنا أصحح هذه الورقة ،  ولم يؤشر عليها بالقلم الأحمر لا بالصواب ولا بالخطأ، بينما صحح ما قبلها وما بعدها    صرخت في الطالب وقلت له أصدقني القول ، وإذا قلت الحقيقة فلن أضربك أبدا ، دمعت عيناه وأخذ يبكي وهو يرتجف خوفا وقال : إن أبي وأخي هما اللذان قالا لي اكتب هذا الحل هنا ، وهذا الحل هناك ، وكان هذا الاعتراف أمام جميع طلاب الصف ويكفي هذا إهانة لهم   وفي غرفة المعلمين قابلني والد الطالب ، وعيناه تتقادحان يريد أن يعرف ، هل اكتشفت جرمه أم لا ، وقال لي : ( شفت ورقة إجابة حمادة يا أستاذ أحمد ) ، كاد المريب أن يقول خذوني ، فأجبته :  نعم ، ولكن حمادة وللأسف اعترف لي بأنك وأخاه الكبير قد أمليتم عليه الحل الذي أضافه على الورقة ، واعترف بذلك أمام جميع طلاب صفه ، ومن دون أي عقاب !! .   عندها صاح بأعلى صوته ، ( دا واد كذاب ) ، قلت عندها : الله وحده يعلم من الكاذب ، وعليك أيها الأستاذ أن تعلم ابنك الصدق!! وأنا أرى أن فاقد الشيء لا يعطيه .   عزيزي قارئ هذه اليوميات أرجو أن لا تنكر عليََ حديثي عن الدراسة والتدريس ، فقد عشت الثماني عشرة سنة الأولى من حياتي طالبا ، والاثنتين والأربعين بعدها مدرسا ، وهكذا فالستون سنة الأولى من حياتي إما طالبا على مقاعد الدراسة أو مدرسا بين مقاعد الدراسة ، فلا تلمني قارئي العزيز أن أقحمك كثيرا في مشاكل الدراسة والتدريس ، فكان هذا قدري وكل ميسر لما خلق له ، وقدرك معي أن أطلعك معي على ذكرياتي حلوها ومرها ، ومن سره زمن ساءته أزمان.    وتُذكرني هذه السنون الستون بقول الشاعر أحمد شوقي في حثه على تكريم المعلم:            قــم للــمعلم وفه التبجـــيل             كاد المــعلم أن يكون رسولا          أرأيت أشرف أو أجل من            الذي  يبني وينشئ أنفسا وعقولا  وفد عارضه في قصيدته الشاعر المعلم /إبراهيم طوقان- الذي مارس مهنة التعليم – بقوله :          شوقي يقول وما درى بمصيبتي            قم للمــعلم وفـــــــه التبجيلا        لو جرََب التعليم شوقي ساعــــة            لقضى الحياة شقاوة وخمولا         حسب المعلم غمة وكـــــــــــآبة            مرأى الدفاتر بكرة وأصيلا        مئة على مئة إذا هي صححــــت            وجد العمى إلى العيون سبيلا         وترى ابن (   ؟؟! ) بعد ذلك كله           رفع المضاف إليه والمفعـــولا         لا  تعجبوا إن صحت يوما صيحة          ووقعت ما بين ( البنوك) قتيلا ولقد قال عميد الأدب العربي الدكتور / طه حسين وزير المعارف المصري في حينه، وفي عيد تكريم المعلم عبارته الشهيرة " المعلم أكثر الناس إجهادا وإملاقا  " ودعا إلى تكريم المعلم بتحسين أوضاعه المادية والاجتماعية .  وفي التصنيفات الاجتماعية في الأيام الحالية ، صار المعلم في مؤخرة الصفوف ، نظرا لدخله ومردودة المادي، وهذه نظرة خاطئة إلى المعلم الذي كان يحتل المراكز الاجتماعية الأولي فالعلماء ورثة الأنبياء ، والأنبياء لم يورثوا دينارا ولا درهما وإنما ورثوا العلم فمن أخذه أخذ بحظ وافر.     وها هي إحدى فتيات المجتمع ترفض الزواج من الشاب حسام لا لعيب فيه سوى أنه معلم فتقول شعرا :                 أنا لا أريد حسام لست أريده         أنا لا أريد حسام فهو معلم ويرد عليها الشاعر المعلم بقوله :                  إن الذي يبني الوجود بكفه          أضحى بكف الجاهلات يهدم     وقبل الانتقال في حديث الذكريات إلى مدرسة عقبة جبر الثانوية ، وحتى لا يمل القارئ متابعة أحاديث الدراسة والتدريس التي كانت من قدري وقدر قارئي يومياتي ، سأعود للحديث عن حياة الناس في هذه المخيمات التي استقر بهم المقام فيها ، ويئسوا من العودة إلى ديارهم التي كانوا يمنون أنفسهم بالعودة إليها في وقت قريب .    كانت المؤامرة البريطانية الصهيونية أقوى من طموحاتهم بالعودة ، وكان التشرذم والانقسام العربي تحت قيادات مختلفة لم تستطع الصمود لمواجهة المؤامرة ، وحدثت الهدنة التي ساعدت على تثبيت دعائم العصابات الصهيونية في دولتهم الوليدة ، ومكنتهم من جمع شتاتهم ، ورجعت الجيوش العربية تجر أذيال الخيبة  .       وتشتت الشعب الفلسطيني مزقا في مخيمات في دول عربية شتى الأردن ، سوريا ، العراق ، لبنان  ومصر، وتشكلت هيئة إغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين ، لتقدم أدنى مستويات ومتطلبات المعيشة التي توفر لهم الحاجات الإنسانية الضرورية.  ثم بدأت في عمل بعض المرافق الضرورية ، كالعيادات الصحية والمدارس ، والمرافق العامة  بين الأحياء كالمراحيض ، بعضها خاص بالنساء ، وبعضها للرجال ومتباعدة  عن بعضها ، ثم نقلت لهم مياه الشرب في أنابيب ، وجعلت في مراكز معينة صنابير ( حنفيات ) موزعة على كل حي من أحياء المخيم .     والتقسيم الاجتماعي للشعب الفلسطيني ، يصنف الناس  ثلاث طبقات : أهل المدن الذين كانوا يمارسون التجارة  والصناعات الخفيفة، وأهل القرى الفلاحين الين كانوا يمارسون الزراعة بمختلف أنواعها ، وأهل البادية البدو الذين كانوا يمارسون تربية المواشي وينتقلون بها حيث الكلأ والماء .    بدأ بعض الرجال العمل بالتجارة في المخيمات على نطاق ضيق ، حيث فتحوا بعض الدكاكين الصغيرة لتوفير بعض الحاجات الضرورية ، ثم نمت تجارتهم شيئا فشيئا حتى  صاروا من  كبار التجار .    وعمل بعض الناس في الزراعة ، فقد كانت أراضي منطقة أريحا ذات مساحات شاسعة،  فيها الزراعات المختلفة ، بعض الأراضي لزراعة الحبوب وبعضها لزراعة الخضار بأنواعه ، وغالبيتها لزراعة الموز وأشجار الحمضيات المختلفة .   وتشتهر منطقة أريحا بزراعة الموز ويسمى باسمها الموز الريحاوي ، وحقا إنه اسم على مسمى وإذا أراد أحد التجار أن يسوق ما عنده من الموز يقول: موز ريحاوي ، أبو ريحا يا موز.  وتوزع الرجال الذين يسكنون مخيم عين السلطان خاصة ، كغيرهم في باقي المخيمات ، للعمل بهذه الأعمال بعضهم في الزراعة وبعضهم في التجارة ، وبعضهم عمل مع وكالة الغوث في الأعمال الخدمية ، أو في تنظيف شوارع المخيم وغيرها .    وما أذكره أن الأجور كانت قليلة جدا، فلا يزيد أجر العامل من طلوع الشمس إلى غروبها عن خمسة وعشرين قرشا ، وإن زراعة الموز تتطلب قلب الأرض التي يزرع بها الموز كل سنتين أول ثلاثة ، وقلب الأرض يعني حفرها على عمق أكثر من متر ثم يجعل التراب السفلي علوي وبالعكس  كنا نرى الرجال الذين يعملون في قلب الأرض كأنهم يعملون في حفرة عميقة لا نرى إلا رؤوسهم والعرق يتصبب من جباههم ، أعانهم الله على مثل هذا العمل الشاق ،  لتأمين لقمة العيش لأبنائهم الصغار الذين يتضورون من الجوع ، في انتظار ربع الدينار الذي يستلمونه مقابل أجر يوم كامل ، يسدون به رمقهم ورمق أبنائهم .     كان الناس يحاولون تنويع غذائهم ، فقد عافت نفوسهم العدس والفاصوليا والفول وعلب السردين وعلب اللحمة التي كانت توزع عليهم بين فترة وأخرى، وراحوا يبحثون عما تعودوا على تناوله من الخضار بأنواعها ، والأعشاب على اختلافها في أراضيهم المحتلة .   وكانت أراضي منطقة أريحا ، أراضي خصبة ومروية عن طريق القنوات التي تتخلل هذه الأراضي وتجري فيها المياه من عين الديوك ،وعين السلطان ، وكان هناك موظفون مختصون يوزعون هذه المياه على مستحقيها بالدور، وعلى قدر الحاجة حسب المساحة ونوع المزروع ، وكان هناك بالإضافة إلى الخضار المختلفة المتوفرة بمنطقة أريحا من بندورة وبطاطا وباذنجان وكوسا  وملوخية  وكثير من الأعشاب التي اعتاد الناس طبخها وأكلها مثل الخبيزة و(الرجلة ) الفرفحينه، والعلت والحميض والحمصيص ، وكانوا يجنونها من الأراضي الخلاء وبدون تكلفة تدفع لأحد وهي من نعم الله التي لا تحصى . أما الخبيزة فتطبخ على طريقتين، الأولى خبيزة ورق، وتختص بطبخها النساء كبار  السن ، لها طريقتها  الخاصة في الطبخ، فهي تحتاج إلى ورق الخبيزة فقط دون السيقان و( المفتلة ) وهي حبيبات من الدقيق تفتل بطريقة  خاصة، تضاف إلى الخبيزة وتحرك بآلة خاصة بها تسمى ( المفراك ) وهو عبارة عن عود طويل من الخشب ينتهي في آخره بعدة ثقوب يتخللها عيدان رفيعة متقاطعة متعاكسة الاتجاهات ، تمسكه المرأة من أعلى وتفركه بشكل دائري داخل قدر الخبيزة ليقوم بعمل الخلاط الكهربائي الحديث ، وتختلط أوراق الخبيزة بالمفتلة  ، ثم يقلى لها الثوم بزيت الزيتون، ( ويطش ) فوق  القدر فتسمع صوت ( الطش ) وتشم رائحة التقلية الزكية ، وبعد ذلك هات يا أكل ، حقا تأكل أصابعك بعد أكلة الخبيزة ، يا سلام ما أطيب طعم خبيزة أمي.                   أما الطريقة الثانية فهي الخبيزة المعصرة ، فتطبخ الخبيزة مع سيقانها ، وهي أشبه بطبيخ  السبانخ ، تقطع وتحاس بزيت الزيتون والبصل ، وكل طريقة لها طعمها الخاص ونكهتها الخاصة وكانت خبيزة أمي لها طعمها الخاص مع اختلاف طريقة عملها .    وكانوا يعملون لنا من الحميض والحمصيص أقراصا لها طعمها ومذاقها الخاص ‘، أما العلت فكان أحيانا يطبخ كالخبيزة وأحيانا يعمل منه سلطة  العلت .  وهكذا كانت الحاجة أم الاختراع ، وكان استغلال أعشاب البيئة شعارا اقتصاديا ، تقاوم به مرارة الحياة وقسوتها ، عوض عن السمن والعسل وزيت الزيتون ، والذي كان من جني أرضهم الطيبة التي بارك الله حولها ، استحوذ عليها أبناء القردة والخنازير، وشردوا أهلها ظلما وعدوانا ، ولكل ظالم نهاية .    كان لأحمد مجموعة من الأصدقاء المقربين لديه ، اسحق أبو لبن ، عبد الله عدوي ، مصطفى هديب وفهمي العجوري ومعظمهم من الطلبة المجتهدين والمنافسين دراسيا ، وقد استمرت صداقتنا من الابتدائية إلى  الإعدادية  فالثانوية ما عدا صديقنا فهمي فقد انسحب إلى مجال الأعمال في نهاية المرحلة الإعدادية ، كنا نقضي معظم وقتنا مع بعض ، نذاكر ونراجع دروسنا في الخلاء في الهواء الطلق بين البساتين وشلالات المياه الجارية لتروي هذه البساتين ، وأحيانا نجتمع في الليل وخاصة أيام الاختبارات في بيت من بيوت أحدنا ، وأحيانا كنا نتناول الطعام مجتمعين في أحد بيوتنا ، ولن ننسى أن نذكر بالخير أمنا الكريمة  أم اسحق – رحمها الله - (وزغاليلها) الشهية ، والزغاليل هي فراخ الحمام وكان الناس قد اعتادوا تربية هذه الطيور الداجنة في البيوت مثل الحمام والدجاج ، وكانت تتكرر هذه الأكلة الشهية عند أم أسحق كثيرا ، وكانت تحسب حسابنا مثل ابنها تماما ، لكل منا زغلوله وصحن شوربة ساخن مع صحن الأرز ، وكانت هذه الأكلة تعطينا سعرات حرارية زائدة تشجعنا على الاستمرار في السهر والدراسة ، وبعد تناول طعام الغداء أو العشاء نستمتع بشرب الشاي ، ونرتاح قليلا ، ثم نستمر في مراجعة دروسنا عن طريق الحوار والمناقشة ، أو حل مسائل الرياضيات والفيزياء إلى وقت متأخر من الليل وكثيرا ما كنا ننام عند بعضنا ، وخاصة في أيام الاختبارات ، كان يوجد في كتب الرياضيات أسئلة صعبة ذات نجوم عند رقم السؤال ، وتفسير هذه النجوم في أسفل الصفحة : أسئلة صعبة خاصة بأقوياء الطلاب - في التفكير والذكاء وليس في القوة البدنية - وكنا نستمتع كثيرا ونحن نقضي الوقت الطويل لحل مثل هذه المسائل ، وعندما يجد أحدنا الحل يصيح بأعلى صوته : وجدتها وجدتها مثل أرخميدس عندما وجد تفسيرا لقانون الأجسام الطافية وهو يسبح في بركة الماء.    وإذا كنا بصدد الحديث عن بعض الأكلات المشهورة والتي كانت تتكرر في بيوت بعضنا ، فلن ننسى ( قلاية البطاطا والبندورة ) في بيت الصديق عبد الله عدوي والتي كانت تعده أختنا الفاضلة أم خالد شقيقة الأخ عبد الله ، ولقد كان لهذا الطبق مذاقه الخاص والله لن ننساه أبدا ، وكلما تجمعنا الظروف ، أو أثناء الاتصالات الهاتفيه بيننا نتذكر قلاية البطاطا والبندورة  ذات الطعم الطيب في تلك الأيام الجميلة ، وأحيانا كنا نطلبها بأنفسنا وخاصة إذا حاولوا أن يعملوا لنا غيرها ، وتفرق الأصحاب ، ذهب عبد الله إلى الكويت ثم إلى ليبيا ، وذهب اسحق إلى السعودية ثم يوغسلافيا  ، وذهب أحمد ومصطفى إلى السعودية  وبقيا هناك حتى استغنت عنهم السعودية لإحلال كوادر وطنية بدلا منهم .    وأتذكر من شقاوة الطلاب ونحن في المرحلة الإعدادية ، جاءنا معلم رياضيات خريج الجامعات الأمريكية ، وبعد فترة بسيطة لاحظنا ضعفه في تدريس مادة الرياضيات ، فتعمدنا اختيار الأسئلة الصعبة ذات النجوم ونطلب منه حلها أثناء وقت الحصة ، ولم يفكر مرة واحدة  في حل أي سؤال فورا ، ويقول لأي طالب يسأله عن ذلك :  اكتب السؤال على ورقة وغدا آتيكم بالحل .   كان هذا المعلم طيبا لدرجة أنه تبسط معنا في الحديث عن ظروفه الصعبة عندما كان يدرس في أمريكا ، وأنه كان يعمل في تنظيف الأواني في أحد المطاعم الراقية لينفق على نفسه أثناء الدراسة  وبدل أن يكون هذا الأمر عنوان تقدير واحترام لهذا المعلم العصامي ، أصبح مجالا للفكاهة والتندر من قبل بعض الطلبة ضعاف النفوس قليلي الحياء ، وعندما شعر المعلم الفاضل بهذا الأمر ، غضب وخاطبنا موجه الكلام إلى الطلبة ضعاف النفوس قائلا : كنت أتصور أنكم رجالا عندما حدثتكم عن ظروفي القاسية في أمريكا أثناء الدراسة ، صحيح أنا كنت أعمل في مطعم ،( ولكن هذا المطعم الوزير تبعكم ما بحط رجله فيه) ؟!!    نأخذ من قصة  هذا المعلم درسا ، ليس كل كلام يقال ، وإذا كان لا بد من القول ، فلا بد أن نعرف لمن نتحدث ؟ ولكل مقام مقال !! .     ومن شقاوة العيال التي مارسناها أنا وأصدقاء الدراسة سابقي الذكر، أيام كنا في المرحلة  الإعدادية كان لنا زميل في الفصل ولكنه ليس من شلتنا ، كان منافسا لنا في الدراسة، اسمه ]عبد الله  سعيد عبد الله أبو الشيخ من عرب الجوابرة ، ويعمل الآن طبيب عام في مدينة مادبا ، كان يسكن مقابل بيتنا ، وعندما كنا نجتمع في بيتنا للدراسة أثناء الاختبارات ،لاحظنا أنه كان يراقب ضوء المصباح في بيتنا ، فإذا أخفضنا ضوء المصباح لكي ننام فبعد خمس دقائق يخفض ضوء مصباحه ويذهب للنوم ، فأصبحنا نخفض ضوء المصباح في وقت مبكر ونجلس نشرب الشاي ونراقب ضوء مصباحه ، فنلاحظ بعد فترة أنه يخفض ضوء المصباح ، نضحك في ما بيننا ونرفع ضوء مصباحنا فبعد قليل يعود للدراسة ويرفع ضوء مصباحه مرة ثانية وهذه من شقاوة العيال ، وعندما كبرنا ندمنا على هذا التصرف الذي كان يزعج زميلنا ، على الرغم من أن المنافسة الدراسية بيننا منافسة شريفة للحصول على أفضل الدرجات .      أما عن المصباح الذي كنا نستعمله في ذلك الوقت فهو المصباح الكازي الزجاجي ، وهو مطور عن فكرة السراج ذي الفتيلة التي تعمل بخاصية الضغط الإسموزي ، والمصباح المطور يطلق عليه اسم ( لامظة ) ومنها نمر حسب حجمها فيوجد لامظة صغيرة نمرة اثنين ونمرة ثلاثة وأخرى كبيرة نمرة أربعة  وهي التي كنا نستعملها في الدراسة لأنها تعطي ضوءا أقوى ، وهي واسعة وسميكة من أسفل لوضع الكاز بها ، ومخصرة من الوسط لوضع حامل معدني حتى يسهل تعليقها على مسمار في الجدار ، وتغطيها من الأعلى زجاجة أخرى رقيقة شفافة ضيقة من الأعلى لتحافظ على شعلة الفتيلة من حركة الهواء ولتعطي ضوءا صافيا ، ومن الذكريات الجميلة عن تلك اللامظة أنها كانت تخدمنا في بقاء الشاي ساخنا طيلة الليل ، فكنا ندق مسمارا آخر أعلى فوهة اللامظة الصغيرة المفتوحة من أعلى على بعد عشرة سنتميتر تقريبا ، ونعلق إبريق الشاي في ذلك المسمار العلوي فوق اللامظة  فيبقى الشاي ساخنا طيلة الليل ، وآخر الليل يصبح لون الشاي أسودا مثل الدبس ، حلوا كالعسل ، ومع كل هذه العيوب كنا نشربه حتى يساعدنا على السهر والدراسة ، ما ألذ طعم شاي اللامظة !!                  قبل أن ينهي أحمد دراسته في المرحلة الإعدادية ، فجع بوفاة والده - رحمه الله – كان رجل كبير السن ، غير قادر على العمل في أيامه الأخيرة ، إلا إنه كان يدير شئون البيت بحكمته ودرايته ولم يشعر أحمد بتحمل المسئولية أثناء حياته  ، وكان همه الأكبر منصبا على دراسته .     كان والد أحمد يخرج مع جميع أفراد العائلة ، كل صيف في موسم حصاد الزرع ، ويصادف وقتها العطلة المدرسية ، وكانوا يعملون كل عام  شهر أو شهرين في حصاد القمح والشعير، وكنا ننتقل هذه الفترة من مخيم عين السلطان بأريحا إلى وادي السير، حيث تتواجد حقول القمح والشعير في مساحات واسعة ، كان جميع أفراد العائلة يعملون في حصد الزرع بواسطة آلة ( المنجل ) وهو عبارة عن قطعة مسننة من الحديد تشبه القوس ولها ممسك خشبي ، يقف الحاصدون بجوار بعضهم كل واحد بعيد عن الأخر مقدار متر أم مترين في واجهة عريضة يحصدون الزرع بهمة ونشاط وهم يرددون بعض الأناشيد والأهازيج الحماسية التي تشجعهم في إنجاز العمل وهم لا يشعرون بالتعب ومنها : ( منجلي يا منجلك  هذا لي وهذا لك ) ، ( اثنين شالوا الجمل والجمل ما شالهم )     (منجلي يا من جلاه راح للصايغ جلاه )، ( منجلي يا بو رزة ياللي شريتك من غزة ) ، ( هب الهوا يا ياسين يا عذاب الدراسين ) ، وفي حالة تأخر( المعزب ) من إحضار الشاي في الوقت المناسب فإنهم يخجلونه بأهازيجهم وهم يرددون أهزوجة الشاي ( يا براد اغلي لحالك لا سكر ولا شاي اجالك ) ( يا براد اغلي لحالك لا سكر ولا شاي اجالك ).       وفي نهاية موسم الحصاد يعودون إلى مكان إقامتهم في مخيم عين السلطان بعد أن جمعوا حصيلة أتعابهم طيلة شهرين من العمل الشاق ، وهو ما بين 10 -15 كيسا من القمح ، يساعد على قضاء بعض حوائجهم بجانب المساعدات التي يستلمونها من وكالة غوث اللاجئين .          كان أخي الكبير غير الشقيق عبد الله – يرحمه الله -  يسكن عمان مع أسرته ، منفصلا انفصالا كليا عن العائلة ، وكان غير ملتزم بالإنفاق على أسرة أبيه وإخوانه الصغار، فكان يقول : إنه بالكاد يكفي نفسه وأسرته ، كانت ظروف الحياة قاسية وصعبة ، ولكن هذا لا يعفيه من التخلي كليا عن الأسرة الكبيرة ، وكان من ضمن أسباب هذا البعد أنه كان – يرحمه الله – في نزاع دائم مع والدة أحمد كل منهما لا يطيق الآخر ، كانا متقاربين في العمر ، وتؤثر فيهما نزاعات قديمة ، امتد أثرها حتى مراحل متأخرة من العمر .  كان والدي يرحمه الله لا ينقطع عن الذهاب إلى منزل أخي عبد الله، يمكث عنده أياما، ويحضر معه كل مرة ما تيسر أن يحصل عليه من النفقات التي تزيد عن حاجة أخي وعائلته، فقد كان أخي ينفق على أسرته من ريع دكان صغير بعمان / طريق ناعور ، وهي منطقة جبلية تكثر فيها الكسارات وكان يقوم بتقديم خدمات الطعام والشراب لهؤلاء العمال الذين يعملون بالكسارات .         عرف أحمد طريق العمل صغيرا، في العاشرة من عمره أو دون ذلك ، كان يستشعر حاجة أهله إلى  النفقات المتزايدة ، وكان والده قد بلغ من الكبر عتيا ، فقد جاوز الثمانين ، وأحمد لا يزال على مقاعد الدراسة الابتدائية .  فعندما كان الأهل يذهبون إلى وادي السير في الصيف وأثناء العطل المدرسية ،ينتقلون في سكناهم حيث موقع العمل (مكان الحصاد)،يسكنون في بيوت من الخيش أو القماش يطلق عليها (الخرابيش)  جمع خربوش ، كان أحمد يذهب عند أخيه عبد الله في عمان ويمارس بعض أعمال المدينة التي تناسب عمره وحجمه .     كانت باكورة هذه الأعمال بيع الجرائد ، الصحف اليومية ، كان يصدر في الأردن في ذلك الوقت ، على ما أذكر ، جريدتان هما : الجهاد وفلسطين وهما الأشهر إن وجد غيرهما ، كان يتصدر صحيفة الجهاد وتحت العنوان مباشرة ، بيت الشعر القائل:             قف دون رأيك في الحياة مجاهدا             إن الحيــــاة عقيدة وجــــــهاد أما جريدة فلسطين فاسمها يجعلها في غنى عن التعريف ، وهل يوجد أحد في العالم لا يعرف فلسطين التاريخ ، فلسطين الجغرافيا ، الأرض المباركة ، أرض ثالث الحرمين الشريفين المسجد الأقصى المبارك ، فلسطين القضية ، فلسطين النكبة ، فلسطين النكسة ، فلسطين المؤامرة ، فلسطين وعد بلفور من بريطانيا ( أعطى فيه من لا يملك حقا لمن لا يستحق )، فلسطين الشعب المشرد ، الصهاينة ودولتهم الوليد على حساب شعب فلسطين ، إنها القضية المستعصية في أروقة الأمم المتحدة من عام الثماني والأربعين وحتى الآن ، وحق شعبها في العودة يسير من سيء إلى أسوأ    لأن النخاسين المتاجرين بالقضية أكثر عددا وأقوى من الجادين في المطالبة بالحق الأكيد .    كان ثمن الجريدة زهيدا ، وكنا نتقاضى ( تعريفة ) تساوي نصف قرش عند بيع كل جريدة ،  فإذا باع أحدنا ثلاثين جريدة ( صحيفة ) كان نصيبه خمسة عشر قرشا ، ينفق منها قرشين أو ثلاثة على أكله وشرابه والباقي يوفره لنفقات أهله ، لأنه يعرف ما وراءه .       وعندما كبرنا ، كبرت طموحاتنا في الحصول على تحصيل أكثر ، انتقلنا إلى العمل في بيع الكعك بالسمسم ، كان لكل بائع منا فرش صغير و(حواة) على شكل حلقة من القماش توضع على الرأس لتحميه من التأثر بخشب الفرش وحتى لا يجرح الخشب فروة  الرأس، وبيده ( سيبة ) مثلث من الخشب على شكل منصب لتضع عليه الفرش عندما تقف في زاوية ما من السوق وتصيح بأعلى صوتك : كعك بسمسم ، كعك بسمسم ،  وكان بيع الحلويات بنفس طريقة بيع الكعك وقد جربنا المجالين طمعا في الوصول إلى تحصيل أكثر ، وكانت الأمور متقاربة مع فوارق بسيطة . وسنة بعد أخرى ، نمت أجسامنا ، وكبرت طموحاتنا في التعب والشقاء للحصول على دخل أفضل  ودخلنا في جانب من الأعمال الشاقة والمؤلمة كلما تذكرها أحدنا وجال في خاطره الآن كيف كنا نتحمل ذلك الشقاء ونحن أطفال ولما نصل مبلغ الرجال بعد ،إلا أننا نذكرها بفخر واعتزاز ، لأننا رغم صغر عمرنا وضآلة أجسامنا في تلك المرحلة كنا نقوم بالواجب تجاه أهلنا  ونوفر لهم ما يسدون به رمقهم ،  لقد كان يجوب أسواق الخضرة على  سقف السيل كثير من الشباب الصغار والكبار ، يحملون سلالا مصنوعة من البوص مختلفة الأحجام ، كل حسب حجمه ، ويربط بالسلة حبلان معلقان على الكتف ومربوطان بالسلة يشدانها إلى ظهر حاملها ، وكان هؤلاء الصبية الصغار يحملون أغراض الناس وحوائجهم من خضرة وغيرها ، إلى سياراتهم أو إلى بيوتهم أينما كانت ، وأجر كل مشوار حسب مسافته ، وحسب كرم أو نتانة  صاحب الأغراض ، ودخل صاحبنا أحمد في هذا المجال مع من دخل من أصحابه وذوي قرباه ، وكان مقدار التحصيل أعلى من ميادين العمل السابقة رغم مشقة هذا العمل الأخير .    أحيانا كان صاحب الأغراض يسير بك مسافات طويلة مرهقة ، فأحينا يصحبك إلى جبل الجوفة وأحيانا أخرى إلى شارع  السلط ، أو طريق رأس العين أو يصعد بك درج جبل عمان بطوله الذي يزيد عن مئة درجة متراكبة بعضها فوق بعض حتى تصل إلى شارع الخرفان ، وعندما تصل إلى  بيته بعد قطع هذه المسافات الطويلة وأنت تحمل السلة مليئة بكل ما هب ودب من الخضر والفواكه تشم رائحتها ويحرم عليك طعمها ، عندما تصل البيت وتنزل الحمولة ويفرغها داخل البيت ويمد يده إلى  جيبه ليحاسبك على تعبك معه تبدأ يده في الارتجاف ، ويبدأ يفكر كم يعطيك قرشين أو  ثلاثة  أم أربعة ، وإذا أوصلها إلى الشلن ( خمسة قروش ) كان هذا كريما معطاء .  وأصر الفتى أحمد على خوض مختلف مجالات العمل المتاحة في عمان ،بحثا عن الدخل الأفضل في كل مرة ، وفي هذه المرة جرََب أشق الأعمال على الإطلاق وهو العمل في الكسارات ، حيث كان أخوه عبدالله يفتح مطعمه ودكانه بجوار هذه الكسارات ، وكان يقدم للعمال وجبات إفطار وغداء ويشربون عنده الشاي ، فكان بمثابة  دكان ومقهى ومطعم لهم .     وعمل أحمد في الكسارة طمعا في الحصول على الأجر اليومي الثابت ، خمسة وعشون قرشا يوميا ، والعمل طيلة اليوم (من طلعتها إلى مغيبها ) ، وكان أصحاب الكسارات يضربون بقانون العمل عرض الحائط ، والذي لا يعجبه العمل ، مع ألف سلامة معه.    كان أبو أحمد الحديثي  صاحب الكسارة  التي عمل بها أحمد ، كان رجلا سياسيا وذو حنكة إدارية فائقة ، فإذا جاء وقت الانصراف ( عند مغيبها )  وجاءت سيارة في آخر الوقت تريد تعبئة رمل وكان الرمل غير كاف لتعبئة السيارة ، أوعز إلى أهل بيته المجاور للكسارة قائلا: لهم اعملوا  براد شاي كبير ، يكفي جميع العمال ، يسقينا كاس  شاي ويطلب تحضير رمل لتعبئة السيارة .         وما كان اليوم الذي كنا نعمل فيه بالكسارة ينتهي ، حتى يأخذ التعب منا كل مأخذ ، حتى أن أحدنا يجر نفسه جرا وهو في طريقه إلى البيت ، وعندما يغسل وجهه ويستنشق يخرج أثار دقيق غبار الكسارة من أنفه لأنه كان يعمل داخل زوبعة من غبار الكسارة حيث طحن الحجارة مستمر طيلة ساعات النهار رغم كل هذا التعب ، فقد كنا نستمرئ العمل الشاق لأنه يحقق لنا دخلا ثابتا ويجعلنا قادرين على أن نمير أهلنا بحاجاتهم ونحقق لهم حياة أفضل .   بينما كان الصحابة يجلسون حول رسول الله صلى الله عليه وسلم في المسجد ، إذا بشاب يحمل معوله على كتفه ويتوجه إلى عمله نشيطا ، فقال أحد الصحابة لو كان هذا النشاط في سبيل الله، فقال عليه الصلاة والسلام بما معناه أو كما قال : " إنه إن كان يسعى على أبويه كبارا فهو في سبيل الله ، وإن كان يسعى على أولاده صغارا فهو في سبيل الله  ، العمل عبادة " (1). ومن الأحداث الجديرة  بالذكر وأنا أعمل في عمان ، حدث ذات يوم أن كنت سائرا قريبا من بناية البنك العربي وسط عمان ، كان موظفو شركة قمصان التاج – ماركة قمصان أردنية  في ذلك الزمن – يثبتون ( كارمة ) لوحة إعلانية خشبية كبيرة لإنتاج الشركة أبعادها (3×1)م ، على شرفة  العمارة التي يعملون بها في الطابق الثاني ، وشاء قدر الله أن تسقط اللوحة من أيديهم على الشارعتحتهم ، وكان من نصيبي في تلك اللحظة أن أكون أحد المارين في الشارع ، فأصابت أحد الشرطة المارين على كتفه وكان أطول مني ، وأصابتني بشكل مائل فأزاحت معظم  غطاء جلدة رأسي عن مكانه ، وخفف عني طول الشرطي قليلا لأن اللوحة وصلته أولا بسبب طوله ، وسال الدم غزيرا ولم  أدر عن نفسي إلا وأنا تحت الفحص في أحد المراكز الصحية وسط البلد ، وبمجرد أن شاهد الطبيب كبر الجرح وغزارة الدم النازل من مؤخرة الرأس طلب تحويلي فورا لمستشفى البشير لخطورة الحالة ، ولحظتها بدأ الخوف يتملكني وبدأت دموعي تنهار غزيرة ، خصوصا أنه لم يوجد معي أحد من أهلي يشد من أزري في تلك اللحظة الحرجة ،وللحق أقول كان يرافقني مسئول الشركة وبعض موظفيها  وأحد الشرطة ،  وفور دخولنا قسم الطوارئ بدءوا فورا في إعطائي بنج موضعي وبدءوا يحلقون الشعر حول الجرح وفحصوا عظام الجمجمة ، وبعد أن انتهى الطبيب من فحص عظام الجمجمة بدقة ، حمد الله قائلا : عظام الجمجمة سليمة والإصابة في الجلد فقط ، عندها عادت الطمأنينة  إلى نفسي وحمدت الله كثيرا ، وبعد أن انتهت إجراءات الإسعافات الأولية بخياطة جلدة الرأس تسع غرز لا يزال أثرها باق في مؤخرة حتى الآن، سألوني عن أهلي وعنوانهم وبعد فترة بسيطة جاء والدي وأخي عبد الله إلى المستشفى وسجلوا شكوى ضد شركة قمصان التاج ، وكان المسئول لا زال موجودا ، اعتذر لوالدي وقال له الحمد لله على سلامة الشاب ونحن على استعداد لمعالجته ولأي شيء تطلبونه ، وفي المحكمة تنازل والدي – رحمه الله -عن القضية وقال الحمد لله الذي سلم لنا ولدنا ولا نريد شيئا .--------------------------------------------------------------------------------------------  (1) رواه الطبراني ، حديث صحيح .    بعد وفاة الوالد عام ألف وتسعمائة  وستين ، كان أحمد لم ينه الصف الثالث الإعدادي بعد ، وجد نفسه رجل البيت بصفته أكبر الأبناء الذكور ، وكان هذا قدره ، أن يكون المعيل لهذه الأسرة بعد الله ، رغم أن الوالد كان كبير السن ، ولا يقوى على العمل، إلا إنه كان مظلة لهذا البيت يشرف عليه ويتدبر أمرها بالطريقة التي كان يراها مناسبة .فكر أحمد طويلا في الأمر ، وأخيرا قرر أن يتخذ قراره الصعب والذي لم يخطر على بال أحد ، والذي يلغي كل طموحاته وآماله التي كان يبنيها في الهواء ، بأنه سيكون ذلك الطبيب أو المهندس  خصوصا وأنه كان من الطلبة المتفوقين دائما .                                                       قرر أحمد ترك المدرسة والدراسة ، جمع كتبه المدرسية والتي كانت بمثابة عهدة في ذمته تستلمها المدرسة آخر كل عام دراسي ، لتوزع على من بعده من الطلاب ، جمع كتبه واغتنم فرصة  عدم وجود والدته في البيت ، وضع الكتب أمام أخته التي تكبره بسنتين وقال لها : غدا أعيدوا هذه الكتب إلى  المدرسة، فأنا سأترك المدرسة  وسأذهب الآن إلى  عمان للبحث عن عمل  ، أستطيع بأجره أن أوفر لكم الحد الأدنى من العيش الكريم .    أجهشت أختي بالبكاء ، وأمسكت بي بشدة ، بكينا معا بكاء مرا ، أفلت من بين يديها ، وخرجت مسرعا حتى  لا تراني أمي وأنا خارج من البيت ، فإنها ستقيم الدنيا ولا تقعدها  ، خصوصا أنني كنت من أوائل الطلبة في المدرسة ويعقدون علي آمالا كبيرة .     خرجت مسرعا وسرت عكس اتجاه الحافلة التي تنقل الناس  إلى مدينة أريحا ، حتى لا يتبعني أحد ويجبرني على العودة إلى البيت ، وعندما ركبت الحافلة لم يراني أحد ، وكنت أحاول أن أتوارى خلف المقعد حتى لا يراني أحد ، وقلت في نفسي إذا وصلت أريحا وركبت في (باص) عمان  تنتهي مشكلة البحث عني ولن يستطيع أحد العثور عليََ في عمان ، وإن شاء الله يرزقني بعمل أستطيع أن أعيل من أجره أمي وإخوتي الخمسة .هرولت أختي تبحث عن أمي لتخبرها بالنبأ  الذي اقض مضاجع الجميع ، وبمجرد علمها بالخبر ، سارعت إلى خالي محمود الهودلي وهي تبكي وتقول له :( الحقني يا خوي ، أحمد رمى الكتب وترك المدرسة  وراح يشتغل في عمان هيك قال لأخته ) .وما هي إلا لحظات حتى قرر خالي محمود اللحاق بي إلى أريحا ، عسى أن يدركني قبل السفر إلى عمان فتكون المهمة أسهل ، ويا للصدف ركب خالي محمود نفس الباص الذي كنت أركبه وبمجرد أن صعد في الباص وقعت عينه على عيني فجاء وجلس إلى  جانبي ، بكيت لما رأيته وبكى لبكائي،حاول جاهدا أن ينزلني من الباص فرفضت بشدة ، وبكينا بكاء مرا ، فرق لحالي وتركني حتى وصلنا أريحا أصر بإلحاح  أن يحمل ( صرة ) ملابسي الصغيرة ، كان والله وما يزال حنونا جدا   عليََ  وعلى كل من يعرفه ، وقد فطر على محبة الناس ومساعدتهم ، فكيف وأنا ابن أخته.       وبقينا في شد وجذب ، يحاول إقناعي وأنا أرفض الفكرة ،وقلت له : يا خالي أنا أصبحت الآن رجل البيت ولا معيل لنا غير الله ، وهذا قدري أن أكون مسئولا عن أسرتي ، أعمل وأنفق عليهم والله لن يضيعنا .     عندها قال لي : لا تتصور يا أحمد كيف تركت حال والدتك ، إنها تبكي وتقول ولدي ولدي  وإذا لم ترجع ، فإنها ستترك البيت وتذهب للبحث عنك في كل مكان .     يا خالي اسمعني وافهم ما سأقوله لك : يا خالي إنك طالب شاطر في المدرسة ، وبقي عليك ثلاث سنوات حتى تأخذ التوجيهي ، وبعدها إن شاء الله تعمل في وظيفة محترمة ،  وتنفق على والدتك وإخوانك  .      وأنا الآن مستعد أن أنفق عليكم قدر استطاعتي ، وأسجل ما أنفقه عليكم ليكون دينا عليك ، ارجع معي  فلن أخذلكم إن شاء الله ، والله يعينني على ذلك .     وأمام إصرار خالي الذي كنت أحبه كثيرا وهو جدير بذلك ، ولا زلت أحبه وأقدره وسأبقى كذلك ما حييت لأنه صاحب الفضل علي بكل ما وصلت إليه بعد الله عز وجل .   عدت إلى البيت فحضنتني أمي بشدة فرحة باكية لعودتي هي وإخواني من حولي وبفضل من الله أولا ثم بتعاون خالي محمود معنا تم جمع شمل العائلة ، كان أصغر أخوتي لا زال رضيعا ، فقد ولد بعد وفاة والدي بثلاثة شهور، فقد كانت أمي حاملا في شهرها السادس عند وفاة والدي رحمه الله ، وقبل خروج جنازة والدي من البيت ، وقفت والدتي أمام الرجال وقالت اشهدوا أنني حامل وأنا الآن في الشهر السادس ، وهذا الأمر من عادات العرب .    وللحق أقول لقد وفى خالي محمود بوعده ، وبما سمحت به  إمكانياته وزيادة على ذلك فقد كان نعم الخال والأخ والأب الحاني ، وأشهد الله وأشهد التاريخ بأن خالي محمود كان يمد يده على درج دكانه ( ويكبش لي كبشة ) من النقود الحمراء والبيضاء التي بداخل الدرج ، لا يدري كم عددها ويضعها في جيبي وأنا ذاهب إلى المدرسة ، وكنت أجد فيها القروش ( والتعاريف ) أنصاف القروش ، (  والقرطات) ، والقرطة تساوي قرشان ، (والشلنات) والشلن يساوي خمسة قروش ، (والبرايز) والبريزة تساوي عشرة قروش  في وقت كانت فيه القروش عزيزة .     جزى الله خالي محمود خير الجزاء، على كل ما قدمه لنا من إحسان ، وأنا شخصيا مدين له بعد  توفيق الله بكل ما وصلت إليه من نجاح والحمد لله .    ومن فضل الله على خالي محمود ثم بفضل إحسانه وصلته لحرمه ، أن بسط الله عليه في رزقه  ولم يشعر بالفاقة قط رغم الظروف الصعبة التي مر بها الناس ، ودائما ولا زال المفضل والمقدم في جماعته، فالله تعالى لن يضيع أجر المحسنين ، لقد أحسن لنا ، ولكثير من الناس غيرنا ،ولا يزال رجلا محسنا ، احتضن عددا من أبناء أخيه وزوجهم بناته وأسكنهم في ملكه وبجواره ، أصلح الله شأنه وشأن من حوله،ونسأل الله أن يجازيه عنا خير الجزاء، ولن ننسى فضله ما حيينا .وقبل أن ينتقل الطالب أحمد من مدرسة عقبة جبر الثانوية إلى مدرسة  هشام بن عبد الملك بأريحا  لا بد من ذكر قصة غريبة وعجيبة حدثت معه في هذه المدرسة وخلاصتها :   في نهاية العام الدراسي في الصف الأول الثانوي ، كان بعض المدرسين يطلبون من بعض الطلاب المجتهدين والمؤدبين ، أن يأتوا إلى المدرسة ، ليساعدوا المدرسين  في نقل الدرجات وجمعها وعمل شهادات الطلاب  .     وقد طلب مني الأستاذ عبدالله شبيب مدرس مادة الدين أن أحضر إلى المدرسة لمساعدته ، وكل أستاذ في غرفة المدرسين كان عنده طالب أو طالبان على الأقل .   وبمجرد دخولي غرفة المدرسين قابلني الأستاذ شاهر حيمور مدرس مادة  الوطن العربي ، وقال لي : أنت ممتاز في الاختبار وحصلت على درجة 95 من مئة ، لم أستغرب ذلك فقد كانت مادة الوطن العربي من المواد السهلة وحجمها صغير كذلك ، وقلت له شكرا يا أستاذ .      ومضيت في طريقي إلى عند الأستاذ عبد الله شبيب وكان رائد صفنا  ، وعنده تجتمع جميع علامات فصله لكتابة شهادات الطلاب ، وجلست بجانبه لأساعده في إعداد الدرجات ، وعندما وصلت إملاء مادة الوطن العربي ، وكان أسمي في مقدمة الأسماء ، وجدت أن درجتي ستون من مئة  وليس خمسا وتسعين كما قال الأستاذ شاهر، ومعنى ذلك أن يتأخر ترتيبي في الفصل عدة مراتب، وظننت أنه أخطأ في نقل الدرجة على دفتره ، وأنا أعرف ماذا أجبت والمادة سهلة .    توجهت إليه لأسأله عن حقيقة هذه الدرجة ، وعندما رآني متوجها نحوه ، قام من مكانه غاضبا وصرخ في وجهي بصوت مرتفع ، أخرج من الغرفة ، ونظر إلى حجر كبير كان يرتكز عليه باب غرفة المدرسين ، وهجم عليََ يريد أن يضربني بالحجر، وقام جميع المدرسين وتوجهوا نحونا وقالوا لي أخرج من الغرفة يا أحمد، فخرجت ، إلا أنه قذف الحجر نحوي، لولا أنني انحرفت عنه لآذاني.   عندها لم أتمالك نفسي ، فحتى تلك اللحظة لم يكن بيني وبين هذا المدرس إلا كل الاحترام بين الطالب ومعلمه ، وقبل دقائق بشرني بحصولي على درجة خمسة وتسعين من مئة .     لم أتمالك نفسي وهجمت عليه متفلتا من بين أيدي المدرسين الذين حاولوا منعي بقوة من الوصول إليه، عندها هجم علي ومد ساقه يريد أن يركلني بها ، كانت رجلي أطول من رجله  ، فرددتها إليه وأنا بين يدي المدرسين ، وأنا نادم الآن على التصرف الأحمق مني تجاه أستاذ  كان يجب علي احترامه مهما أخطأ بحقي .     وعندما سمع مدير المدرسة الأستاذ / توفيق الحمد جلبة وضوضاء قريبة من إدارته ،  وكانشديدا حازما على الجميع، وعندما رآنا على هذا الحال ، صاح بي موبخا وقال لي : اذهب وقف خارج الإدارة  واصطحب الأستاذ شاهر معه للإدارة ، وذهب كل مدرس إلى عمله .    خرج الأستاذ من عند المدير غاضبا مهددا ، وطلب مني المدير الدخول، وسألني عما  حدث، فأخبرته بما حصل بالضبط ، وأخبرته بنا تسرب لنا من كلام عل لسان بعض الطلاب المقربين إليه وأنه لا يصحح الأوراق ويضع الدرجات مزاجيا ، وأن الطلبة الذين كتبوا أغاني أم كلثوم على ورقة الإجابة حصلوا على درجات كاملة أو مرتفعة .     كان مدير المدرسة  يعرف عنه الكثير من التصرفات الفوضوية الهوجاء وغير المتزنة، طلب مني أن أكتب شكوى  أضمنها ما حصل معي ، وأطلب إعادة تصحيح مادة الوطن العربي  .     جاءني الأستاذ عبد الله شبيب وأنا أكتب الشكوى ضد المدرس فانزعج وطلب مني التنازل عن هذه الشكوى لأنه وحسب قوله : ستخرب بيته ، فإذا جرى التحقيق سيدان بأشياء كثيرة كانت بادية من تصرفاته غير السليمة ، أخذ من الشكوى ومزقها .   شكرني الأستاذ عبد الله وطلب مني أن أعود إلى  البيت ولا داعي للحضور لغرفة  المدرسين  حتى لا يحدث الاحتكاك مرة ثانية ، وبالنسبة لترتيبك فلن يؤثر عليك هذا العام فأنت ناجح ومن أوائل الطلبة ، وأنا سأقنع المدير بسحب  الشكوى ، وسيعمل المدير على نقله من المدرسة إلى مدرسة أخرى وهذا يكفيه ، ولا أريد أن يأخذ عنك المدرسون أنك شكوت معلمك يوما ما .     ومن غريب الصدف أن أتقابل مع هذا المدرس في السعودية في منطقة الطائف، حيث كان كلانا يعمل مدرسا متعاقدا في الطائف ، تقابلنا بالأحضان ، ورحبت به أجمل ترحيب ، ودعوته لضيافتي  ودعاني هو كذلك ، ونسي كل منا ما حدث بيننا ولسان حالنا يردد قول الشاعر:                      من اليوم تعارفنا              ونطوي ما جرى منا                               فلا كان ولا صار            ولا قلتم ولا قلنـــــــــا      في السنة  الثانية الثانوية صدر قرار الحكومة  الأردنية بأن تكون جميع المدارس الثانوية في المملكة  تحت إشراف  وزارة التربية والتعليم ، ويبقى إشراف وكالة الغوث على تعليم أبناء اللاجئين الفلسطينيين لنهاية المرحلة الإعدادية فقط .     خُصصت مدرسة  هشام بن عبد الملك بأريحا كمدرسة ثانوية للتوجيهي العلمي ، ومدرسة عقبة جبر الثانوية  للتوجيهي الأدبي ، وأصبحت مدرسة حكومية وليست تابعة لإشراف وكالة  الغوث .       ومما هو جدير بالذكر ونحن في بداية هذه المرحلة في المدارس الحكومية ، كانت هذه السنة الأولى التي يدرََس في مدرسة هشام بن عبد الملك التوجيهي العلمي ، فلم يكن يوجد في المدرسة مدرسون متخصصون لتدريس التوجيهي العلمي خاصة في تخصصات الرياضيات والفيزياء والكيمياء والأحياء، حسب النظام المعمول به في ذلك الوقت .    كان الطلبة المحولون لهذه المدرسة لدراسة التوجيهي العلمي هم نخبة النخبة من كل طلاب منطقة أريحا من مخيمات عقبة جبر ، عين السلطان ، النويعمة ، الكرامة ، العوجا  ، فضلا عن طلاب سكان مدينة أريحا نفسها ، ومعظمهم بل غالبيتهم من أوائل الطلبة على صفوفهم ، ويطمحون في الحصول على معدلات مرتفعة لإكمال دراستهم الجامعية .       بدأت الوزارة بالفعل في توجيه بعض المدرسين المتخصصين في المواد العلمية ، وكان في طليعتهم الأستاذ / محمد وصوص  تخصص فيزياء من الجامعة الأمريكية في بيروت ، وكان نعم المدرس أخلاقا وإجادة لمادته العلمية ، وعيََن الأستاذ/ إيميل تخصص كيمياء خريج الجامعات الأمريكية ، كان نعم المدرس أخلاقا وحياء ، ولكن تبين لنا بعد مدة بسيطة أنه لا يعرف من الكيمياء إلا اسمها ، حاول في البداية أن يشرح لنا بعض دروس الكيمياء ، ذات المستوى العلمي المرتفع ، ولكنه لم يوفق من إيصال المعلومة للطلاب ، كان يقرأ من الكتاب الذي بين يديه ثم يشرح فقرة فقرة، ويعود للقراءة ثانية وهكذا بدون ربط بين الفقرات .      حاول تبرير موقفه لنا من عدم قدرته على شرح الدرس بشكل جيد ، فقال أنا درست في أمريكا باللغة الإنكليزية ، وكتاب المدرسة باللغة العربية ، وأنا حضرت بالطائرة وشحنت كتبي بالباخرة وعندما تصل سأحضر الدروس منها بشكل جيد ، ضحك كثير من الطلاب من هذا التبرير وأخذوا يفكروا بطريقة للخلاص من هذا المدرس الذي سيقضي على طموحاتنا.     وكان هذا المدرس يحاول أن يقضي وقت الحصة ( بالسواليف ) عن الحياة في أمريكا ، ريثما تأتي الكتب في الباخرة من أمريكا ، ظنا منه بأننا اقتنعنا بهذا الأمر، وكنا نحطط لغيره ، وفي إحدى المرات قال لنا : إنه كتب قصيدة وهو في الطائرة باللغة الإنجليزية يصف ( يتغزل ) فيها بمضيفة الطائرة وقد  أسقط على قصيدته الغزلية دراسته الكيميائية، فشبه المضيفة بالالكترونات التي تدور حول النواة في التركيب الذري ، فشبه المضيفة وهي تتحرك بين المقاعد لخدمة الركاب بالالكترونات وهي تدور حول نواة الذرة ، وكان لنا زميل في الصف صاحب نكته يحب المزاح كثيرا ، كان في كل حصة كيمياء ، ينقذ الأستاذ من ورطته في شرح الدروس ، فيقول له إذا سمحت يا أستاذ إيميل أقرأ لنا قصيدة المضيفة ، فيحمر وجهه خجلا ويبدأ في قراءة القصيدة  والطلاب   يضحكون ، فشر البلية ما يضحك ، فالحقيقة أنهم يبكون من داخلهم على هذا الابتلاء ويتمنون الخلاص منه في كل لحظة ، لأن كل لحظة تمر تؤثر في طموحات نخبة النخبة .     وكان مدرسو المواد العلمية الأخرى من المعلمين المعينين سابقا في المدرسة ، الأستاذ وديع الخوري / مترك قديم ، الأستاذ /عمر السريسي -  دار معلمين ، الأستاذ / الباشا – دار معلمين يدرس  الرياضيات ولم يسبق له أن درس موضوع الهندسة الفراغية فكيف سيدرسها ، وقد صرح لبعض المقربين منه بأنه سيذهب ليدرسها عن مدرس متخصص ثم يدرسها للطلاب .     اجتمع طلاب الصف الثالث الثانوي العلمي بمدرسة هشام ، وكان من بينهم الطالب أحمد وقرروا  أن يبعثوا خطاب مفتوح لوزير التربية ، ومدير التعليم بمنطقة القدس ، يطلبوا فيه تعيين مدرسين أكفاء بالمدرسة لتدريس المواد العلمية .    لم يكن التجاوب كاملا مع خطاب وزير التربية ، وخطاب مدير تعليم بالقدس ، فما زال معلم الكيمياء ، ومعلم الرياضيات موجودين ويدرسان موادهم للقسم العلمي ، وأوجه ملاحظتي هذه إلى المسئولين في أي موقع، بأن لا يهملوا أو يتجاهلوا طلبات الشباب ، خصوصا إذا شعر الشباب بالظلم، فالظلم لا يولد الثورة ولكن الشعور بالظلم هو الذي يولد الثورة .       نعم شعرنا نحن طلاب الصف الثالث الثانوي العلمي بمنطقة أريحا بالظلم ، فاتفق جميع طلاب الصف على عمل إضراب عن دراسة يوم كامل حتى يأتي أحد المسئولين الكبار ورفع مظلمتنا إليه وتسليمه طلباتنا المشروعة في نظرنا .    وفي صبيحة ذلك اليوم المتفق ، أغلقنا باب غرفة عن طريق صف المقاعد الدراسية  خلف الباب، حيث لا يستطيع أحد أن يفتحه من الخارج وكلما يحضر مدرس للفصل يجده مغلقا ويعود من توه لإدارة المدرسة .      تفاجأ مدير المدرسة والمعلمون بهذا العمل المنظم ، وحاولوا الحديث معنا من الشبابيك ، وكنا جميعا ندير وجوهنا عنهم وحتى لا تقع عيون أحدنا في عيونهم ، ولنثبت لهم بأن عملنا جماعي وليس عملا فرديا .    كنا قد سجلنا مظلمتنا ومطالبنا على ورقة كبيرة ، وقع عليها جميع طلاب بدون استثناء أحد ، كان الطالب عبد الفتاح غانم أحد العناصر الأقوياء في قيادة هذا الإضراب ، مسك ورقة المطالب وقذف بها من الشبابيك العليا الصغيرة بعد أن طواها عدة طيات  وثبتها على رأس مسطرة وقذف بها إلى خارج الصف .    مضت الحصة  الأولى والثانية والثالثة ونحن لا نزال معتصمين  داخل الفصل ، وندير ظهورنا لمن يطرقون علينا النوافذ ، ولاحظنا بعد فترة وجود أناس كثيرين من خارج المدرسة  ، ثم جاءت قوات الأمن وانتشرت في ساحات المدرسة .قررنا جميعا ترتيب مقاعد الدراسة والجلوس عليها وفتح الباب ، واخترنا المتحدثين باسم طلاب الصف ، وكان عبد الفتاح غانم على رأس هؤلاء المتحدثين ، وكان قد وصل المدرسة  حتى تلك اللحظة ، مدير منطقة  القدس التعليمية ، حيث كانت أريحا تتبع القدس تعليميا ، ووصل قائد منطقة أريحا العسكرية  - ولا أدري رتبته العسكرية –  السيد/ فضل الدلقموني فقد كانت النجوم والتيجان تغطي كتفيه ، ووصلت المدرسة لجنة علمية من وزارة التربية والتعليم برئاسة الأستاذ/ جريس قمصية  ، كانت مهمتها تقصي حاجات المدارس من المدرسين الأكفاء .      دخل علينا مجموعة منهم بمجرد أن فتحنا باب الفصل، دخلوا وعلامات الغضب بادية على وجوههم ، وبعضهم كان لا يزال ينفخ بقايا لفافة تبغه – رغم منع التدخين أمام الطلبة – تكلم مدير التعليم أولا وأدان اعتصامنا بهذه الطريقة ، وقال : إن معظمكم أتى من مدارس الوكالة ولأول مرة يدرس في المدارس الحكومية ، وهناك فرق في الأنظمة بين هذه المدارس ، اطلبوا ما تريدون بهدوء ولا تعودوا للشغب مرة ثانية ، وتحدث قائد المنطقة العسكرية بلهجة شديدة ، لقد أخطأتم بتصرفكم بهذه الطريقة ، ولو لم تفتحوا الباب بأنفسكم لفتحناه بالقوة وتعرضتم جميعكم إلى طائلة العقاب ، عليكم بإتباع الطرق الرسمية  للوصول إلى  ما تريدون ، ولا تعودوا لمثل هذا التصرف وإلا تحرموا من حسن السيرة والسلوك ، وهو المفتاح الذي يساعدكم في الدخول إلى الجامعات والعمل بالوظائف الحكومية .     أما الأستاذ جريس قمصية فقال : نحن لجنة تقصي حاجات المدارس من المدرسين ، نطوف  بمناطق المملكة للتعرف على احتياجات المدارس ولو صبرتم لتحققت مطالبكم  دون ارتكابكم لهذا التصرف المخالف للنظام .     وطلب منا مدير تعليم منطقة القدس سماع ما نريد ونطلب ، فوقف فورا الطالب عبدالفتاح غانم فسأله مدير التعليم : من فوضك في التحدث باسم طلاب الصف ؟ قلنا جميعا وبصوت واحد : نحن فوضناه بالتحدث باسمنا  ، وذهل الجميع من دقة تنظيم الإضراب .     تكلم مندوبنا عبد الفتاح غانم بكل جرأه وقال : نحن طلاب القسم العلمي بمنطقة  أريحا ونخبة النخبة من جميع طلاب المنطقة ، وجميعنا من أوائل الصفوف في مدارسهم ، ونطمع بالحصول على معدلات مرتفعة في اختبار الثانوية  العامة لإكمال دراستنا الجامعية .     وقد لاحظنا أن بعض المدرسين الذين تعينوا لتدريسنا في المدرسة ، غير قادرين على أداء هذه المهمة فمثلا مدرس الكيمياء يقول لنا أنه درس في أمريكا وعاد بالطائرة وشحن كتبه بالباخرة ، وعندما تصل الكتب سيشرح لنا الدروس بشكل جيد.     وأستاذ مادة الرياضيات خريج دار المعلمين ولم يسبق له أن درس موضوع الهندسة الفراغية خلال حياته الدراسية ، فكيف سيدرس هذا الموضوع دون أن يدرسه سابقا .   بعد ذلك سأل مدير التعليم هل من طلبات أخرى غير الذي ذكر في معروضكم ، وقال : إن شاء الله سندرسها بعناية ، وسيصلكم قريبا المدرسون المناسبون .    وبالفعل لم تمض إلا أيام قليلة ، حتى وصلنا الأستاذ منذر صلاح، مدرسا لمادة الرياضيات ، كان يدرس بالمدرسة الرشيدية بالقدس ، وكان من مؤلفي الكتاب المقرر تدريسه بالمرحلة الثانوية ، وكان جدير بحق بتدريس المادة ، يسبق أدبه علمه ، وعلمه لا يُعلى عليه .   وبعده وصل الأستاذ / هشام  مدرسا لمادة  الكيمياء ، وكان يدرس هذه المادة بالمدرسة الثانوية المأمونية  بمدينة رام الله ، وكان نعم المدرس علما وخلقا ، وشتان بين الثرى والثريا .   وانتدب الأستاذ / محمد الفتياني ، صاحب صيدلية الفتياني بأريحا  ، كمدرس غير متفرغ لتدريس مادة الأحياء في ثانويتي البنين والبنات ، وكان جديرا بالاحترام لعلمه ولخلقه العالي .    وهكذا اكتمل نصاب المدرسة من مدرسي المواد العلمية ، أما المواد الأدبية ، فقد بقي مدرسو المدرسة القدامى حيث كانوا من كبار السن وأصحاب خبرات كبيرة ، وهكذا نستطيع القول أن إضرابنا نجح بجدارة في وصول المدرسة نخبة ممتازة من مدرسي المواد العلمية .   اخترت أنا وصديقي اسحق أبو لبن منطقة العروب للسكن بها حيث نكون قريبين من مركز لجنة اختبار التوجيهي في المدرسة الإبراهيمية بمدينة الخليل ، حيث جرت العادة على توزيع طلاب الثانوية العامة بمنطقة أريحا لشدة الحر فيها صيفا على مناطق ولجان المملكة المختلفة ، كل حسب المنطقة التي يختارها .     تعرضت أنا وأخي اسحق لمحنة قاسية في أول يوم من اختبارات الثانوية العامة ، بينما كنا متوجهين في الصباح الباكر من العروب إلى مدينة الخليل والتي تبعد أكثر من عشرة كيلومترات     وقفنا على الشارع مدة طويلة ونحن نحاول إيقاف إحدى الحافلات لنركب إلى مدينة الخليل لتقديم الاختبار الأول ولكن لا جدوى ، وبدا اضطراب باديا على وجوهنا ونحن نسير  على الشارع حتى وصلنا إلى  مدينة حلحول ، وقلنا جاءنا الفرج وبمجرد صعودنا في الحافلة ، توقف السائق عن القيادة وقال : إن هناك زيادة في عدد الركاب ويجب عليهم أن ينزلوا من الحافلة وإلا فلن أتحرك مترا واحدا ، حاولنا أن نشرح للسائق ولركاب الحافلة بأننا طلاب توجيهي وموعد الاختبار قد قرب ,إذا تأخرنا أكثر من عشرة دقائق عن وقت الاختبار فنحرم من تقديم الاختبار ، وكان الرد وبصوت جماعي من غالبية الركاب : انزلوا  انزلوا وبصوت مرتفع وبدون رحمة ولا شفقة ، ونحن نكاد نتمزق من الألم والحسرة عما سيحدث لنا حتى وصول مكان الاختبار ، وبدأت حرارتنا ترتفع ، ونزلنا من الحافلة بعد أن فقدنا الأمل برحمة هؤلاء الناس .                                              وقد ذكرنا صياح شباب الربيع العربي : ارحل ...ارحل ، بأصحابنا ركاب الحافلة في حلحول وهم يصرخون بأعلى  أصواتهم : انزلوا .....انزلوا  .     تعرضنا لأول سيارة خاصة  تسير في الشارع ورجونا صاحبها بأن يرحمنا بعد أن شرحنا له ظرفنا والدموع تكاد تنفجر من عيوننا ، فقال تفضلوا أنا سأوصلكم إلى باص عين سارة الذي بدوره سينقلكم إلى الخليل ، ركبنا معه وشكرنا على حسن صنيعه ، وعندما أنزلنا قرب موقف باص عين   سارة ، وكان الباص واقفا ، وفي اللحظة التي نزلنا فيها من السيارة الصغيرة ونحن نتجه إلى الباص ، تحرك الباص دون أن يرانا ، وأخذنا نركض خلف الباص بكل ما أوتينا من قوة ونصيح بأعلى أصواتنا ونحن نؤشر للباص بأن يتوقف ، ولحسن الحظ شاهدنا أحد الركاب الذين يركبون في مؤخرة الباص ، فأشار للسائق أن يقف ، صعدنا الباص وصوت لهاث أنفاسنا كأنه ضبح العاديات في ميدان السباق وقد أجهدها التعب ، وتدخلت رحمة الله الواسعة لنصل المدرسة خلال فترة الدقائق العشرة الذي يسمح بالتأخير فيها ، قابلنا رئيس لجنة الاختبار وشرحنا له ظروف خروجنا من العروب من وقت صلاة الفجر ولم نتمكن من الوصول حتى الآن وقد عانينا الكثير ورجونا  كثيرا من الناس، فارحمونا يرحمكم الله ، سمحوا لنا بدخول الاختبار في الوقت الذي كانت توزع فيه أوراق الاختبار على الطلاب ، كنا في حالة إرهاق وأرق شديدين ، ولم نستطع في البداية  من الكتابة والإجابة على أسئلة الاختبار إلا بعد مرور أكثر من ربع ساعة على بداية الاختبار، ومرت هذه المحنة بسلام والحمد لله ، وتعد بحق من أصعب اللحظات في تاريخ حياتنا .     وما دمنا في مخيم العروب وذكرى فترة الاختبارات الثانوية التي قضيناها على ثرى الأرض الطاهرة في مدينة الخليل وما حولها من القرى ، من الأمور الغريبة المبكية المضحكة التي واجهناها وعايشناها على أرض الواقع ، أن أهالي تلك القرى المحيطة بمدينة الخليل وبعض أهالي مدينة الخليل كانوا ينظرون إلى اللاجئين  نظرة غير لائقة ، واستحيي أن أقول نظرة دونية ، ومن بعض الأمثلة على ذلك أن أحد الساذجين وغير المثقفين والمتعلمين ، كان يخاطب حماره وهو يحثه على سرعة المشي : ( حا  حا  وجهك مثل وجه اللاجئ المقطوع كرته ) ، إشارة إلى غضب هذا اللاجئ المحروم من بطاقة التموين التي يستلم عن طريقها مخصصاته من الإغاثة ، وكان أبناء تلك القرى يتندرون ويضحكون عندما نمر من أمامهم ونحن نراجع دروسنا بين بساتينهم وكان من عباراتهم الشهيرة والسخيفة التي يتغنون بها : ( شفت اللاجئ على الحدود وثوبه عن (عورته ) مقدود ) ويستعملون الكلمة التي يخجل الإنسان من ذكرها في هذه المذكرات .   وللحق والإنصاف يجب أن نقول : هذه الشريحة من الناس السذج غير المتعلمين والذين يهرفون بما  لا يدرون مدى الأضرار النفسية التي تسببها هذه الكلمات لسامعيها ، كانوا قلة ، أما غالبية سكان تلك المناطق فكانوا يعاملوننا بكل احترام وتقدير ولم نر منهم إلا كل خير.             انتهت سنة التوجيهي وحصل أحمد في نهايتها على شهادة الثانوية العامة ، وكان معدله في السبعينات ، ولم يكن المعدل الذي كان يطمح إليه للحصول على بعثة دراسية  ، واتجهت أنظاره     الآن إلى البحث عن عمل ، ليدعم به أسرته المكونة من والدته وخمسة من أخوته ، ثلاث من البنات واثنين من البنين هما عبد العزيز وعبد الكريم .  ذكرني أخي وصديق رحلتي في الحياة ، صديق الدراسة والتدريس اسحق أبو لبن ، حادثة في رحلة البحث عن عمل أو وظيفة ، ذهبنا في أحد الأيام إلى مدينة القدس بعد تخرجنا من الثانوية العامة بنجاح ، وذلك لتقديم طلبات التحاق بالكلية العسكرية ، ولمقابلة لجنة الفحص والقبول العسكرية ، وللأسف رُفض طلبانا معا ولم نستطع اجتياز فحص القبول ، خرجنا بعد المقابلة ضاحكين ينظر أحدنا إلى الآخر وكأنه يقول " ما فيش حد أحسن من حد " " سيم سيم صديق " ، لم يرد الله لنا أن نكون عسكريين ، فكل ميسر لما خلق له .     أغرب ما في الأمر هو سبب رفض طلب كل منا : رُفض طلبي لقصر قامتي فكان الحد الأدنى للقبول مئة وسبعين سنتيمترا وكان طولي 168 سم حافي القدمين ، ورُفض طلب صديقي اسحق ولم يجتاز المقابلة بنجاح وذلك بسبب نحافة جسمه - فلم تنفعه زغاليل أم اسحق لاكتساب بعض السمنة - كان طويلا ممشوقا مثل قلم الرصاص ، لا يعيبه شيء غير نحافة الجسم  ونسوا قول الشاعر :           ترى الرجل النحيف فتزدريه               وفي أثوابــــــه أسد هصـــور                                ويعجبك الطرير فتبتليـــــــــه               فيخلف ظنك الرجــل الطرير  والحقيقة أنهم لم يروا عيبا في الورد فعابوه قائلين : " أحمر الخدين " ،  أما أنا فأقول : " عشان الشوك الذي في الورد أحب الورد "؟؟!! .         كانت البعثات التعليمية تأتي من دول الخليج وتطلب معلمين للعمل لديها في التدريس ، وكانت أنظار الجميع متجه نحو هذه البعثات وتقديم الطلبات لها .    وقبل تقديم الطلب للبعثات لا بد من الحصول على جواز سفر ، والعقبة الأولى في طريق عمل هذا الجواز، هو أنني لم أكمل سن الثامنة عشر بعد ، وإذا أراد من لم يكمل الثامنة عشر عمل جواز سفر فلا بد من الحصول على إذن من والده ، وإذا كان والده مُتوفَى، فلا بد من الحصول على شهادة من دوائر وزارة الصحة تشهد بأن والده مُتوفى .   وعندما ذهبت لدائرة الوفيات للحصول على شهادة وفاة والدي ، كان خالي قد سجله باسم /محمد صلاح حيمور ، واسم حيمور هذا اسم شهرة للعائلة الأكبر، أما أسم العائلة الصغرى فينتهي باسم الوادي وليس حيمور فشهادة المدرسة الثانوية  اسمي / أحمد محمد صلاح الوادي، وكذلك في شهادة الميلاد ، وكذلك في (كرت المؤن) بطاقة وكالة الغوث لتشغيل اللاجئين الفلسطينيين .   ولاسم حيمور قصة طويلة ، اسم عام لعائلة كبيرة ، التحق بها كثير من العائلات الصغيرة طمعا في الحصول على بعض المكاسب ،منها أن يكونوا تحت مظلة عائلة كبيرة، وفي نفس الوقت كان هناك رجلان من عائلة حيمور ولهما مراكز هامة في الدولة ‘ أحدهما الحاج خليل حيمور نائب في البرلمان عن منطقة الزرقاء ، وابن عمه خليل بك حيمور وكان قائد منطقة عسكريه  ، حاول كثير من الناس أن ينضموا إلى اسم العائلة الكبيرة حيمور طمعا في الحصول على بعض المكاسب من هذا الاسم ، وذلك على حساب  التخلي عن أسماء عائلاتهم التي عرفوا بها على مدار سنين طويلة ، فقبل الهجرة عام 1948 م لم يكن أحد من أقاربنا ينتسب لهذا الاسم . لم يقتنع أحمد باستبدال اسم عائلته الوادي باسم حيمور رغم توفر الدليل بيده من دائرة الوفيات بوزارة الصحة  ، وطفق يبحث عن دليل رسمي فيه اسم أبيه /محمد صلاح الوادي ، ووجد هذا الدليل عند زوجة عمه محمود ، في وثيقة فلسطينية صدرت في عهد حكومة الانتداب ، وفيها اسم   محمد صلاح وادي وقد أضفت أنا أل التعريف على كلمة وادي لتصبح الوادي أكثر تعريفا ، وكانت وثيقة  الانتداب البريطاني مكتوبة بلغات ثلاث: العربية ، الإنجليزية  والعبرية  .   ذهبت إلى دائرة الجوازات  وبحوزتي وثيقة رسمية تثبت اسم الوادي ، ووثيقة من وزارة الصحة تثبت وفاة والدي ، وبالفعل حصلت على جاوز سفر ولما يكتمل عمري الثامنة عشر سنة بعد .     وبعد خمسين سنة ونيف ، حصل اجتماع في زمن قريب عام 2010م بين مجموعة من العائلات وهي : حيمور ،الحموري ، حمور ، مرقة ، الحسنات ، وهدفهم إنشاء رابطة باسم هذه العائلات تجمعهم تحت اسم واحد يتفقوا عليه ، وقد نشروا إعلانات في الصحف اليومية  يدعون أفراد هذه العائلات لتداول الأمر .    قرأت الإعلان في الجريدة ولم أعره اهتمامي ، لأنهم لم يذكروا عائلة الوادي مثل بقية العائلات المدعوة ، وعند السؤال عن ذلك قالوا لأن عائلة الوادي منضوية تحت اسم حيمور ، وهذا الأمر مرفوض بالنسبة لنا منذ البداية ، وحسب معلوماتي أن هذا التجمع لم ينجح .     وعندما حاول آل حيمور عمل تجمع تحت اسم ديوان آل حيمور، يجمع عائلات البلدات الثلاث  قزازة ، جليا واذنبه  دعينا نحن آل الوادي لنكون إحدى لبنات هذا التجمع .    دعيت شخصيا إلى أحد هذه الاجتماعات ، وكان الاجتماع في عين الباشا وفي منزل ابن العم محمد جبرين ، وكان هدف الاجتماع دعوة الناس للانضمام لهذا التجمع ، وقد انصبت مناقشتي لهؤلاء المجتمعين على اسم حيمور ، لماذا الإصرار على هذا الاسم وترك جميع أسماء عائلاتنا     الأساسية ، وقد سألت جميع المدعوين وبكل صراحة : هل يستطيع أحد منكم أن يثبت أن في عائلته اسم حيمور بوثيقة رسمية أيام حكومة الانتداب البريطاني على فلسطين  أو أيام الحكم التركي ، لم يجبني أحدهم على سؤالي مباشرة ،وذهبوا يبررون أن المقصد من التجمع هو رفع شأن العائلة حتى تصبح ذا شأن أمام العائلات، الكبيرة الأخرى ونحن في عصر التجمع، لم أشترك بهذا التجمع لعدم قناعتي بأهدافه ولأنه يلغي أسماء عائلاتنا الأصيلة ، ومع تباعد الزمن ينسى الإنسان أصله وفصله   وصلات الناس وقرابتهم تكون على درجات ، فمنهم القريب القريب ، ومنهم القريب بعيد القرابة، منهم من يدفع معك في الدم ومنهم من لا يدفع معك ، وهل كل آل حيمور يشتركون في دية رجل واحد ، سيموت الكبار وسيضيع بعدهم الصغار ، والله من وراء القصد .     ولا أدري سبب عدم الاتفاق والاختلاف الدائم والمتكرر في جمعية آل حيمور ، فقد تجمع ناشطون من هذه العائلة عدة مرات ، وفي كل مرة يضعون أسس لجمع شتات هذه العائلة ، وفي كل

الأم الدرع البشري الحنون ---- يوميات شاب من فلسطين

كانت الشعوب العربية  تعيش في حالة من الخلاف والتمزق والتشرذم ، لا يجتمعون على كلمة واحدة،ولا تحت قيادة جيش واحد تشرف عليه قيادة واحدة ، اثنتان وعشرون دولة عربية يجتمعون نظريا تحت اسم جامعة الدول العربية، توجد بينهم اتفاقية دفاع عربية مشتركة على الورق فقط ، فهي غير فاعلة ، وليس للجامعة قوة تنفيذية ضاربة ، تكون دائما على الاستعداد لتذب عن بيضة الأمة ، في أي موقع ، وأمام أي عدو تسول له نفسه الاعتداء على أي جزء من هذه الأمة ، الغنية بثرواتها وإمكانياتها البشرية والاقتصادية والجغرافية التي حباها بها الله عز وجل .   وكما سبق أن ذكرت ، عدت في إجازة عام 1967م ، ووجدت الأهل قد استأجروا في جبل المريخ ، وبعد أن قمت بتأدية الواجب نحوهم سافرت إلى بيروت لتأدية اختبارات، الجامعة التي كانت قد تأخرت بسبب الحرب ، أديت الاختبارات ورجعت إلى الأهل في عمان.     وبينما نحن جلوس وإذا بالوالدة تقول لي : يا بني إن جيراننا دار أبو صدقي ينتظرون منا الرد لأننا قبل النزوح من أريحا تحدثنا في شأن خطوبة ابنتهم وقد رحبوا بنا .   وأخذت تحسن لي الوضع ، (يا ابني ناس ملاح ) ( طيبين بنعرفهم وبعرفونا ) ( والبنت ما عليها كلام أدب وزين وثم بلا لسان ) . كان هذا الكلام يهز أوتار قلبي ، ولو كنت بجانبي لسمعت عزف ألحانها ، ولا أخفي أنني كنت أميل إليها ،خصوصا بعد قرار الاتفاق على خطبتها رسميا السنة القادمة ، كان هذا الأمر في نهاية عام 1966م أي قبل سنة .    تجاوبت مع طلب والدتي ،ومع نبضات قلبي ، وبدأت أبحث عن مكان سكن العم أبو صدقي الجديد ، ولم تعييني الحيلة في البحث ، فقد وقعت على مكان سكنهم في وقت قصير ، ولم يكن يبعدون عن مكان سكننا أكثر من 2كلم .    كانوا يسكنون خيمة كبيرة بجوار معمل (للبلوك ) يمتلكه أخو أبي صدقي ، وكانا يعملان معا ،  أعددنا هدية مناسبة ، لمثل هذه المناسبة ، وذهبت أنا والوالدة لزيارتهم ، ولنحدثهم في أمر خطوبة    ابنتهم كما نحن متفقون عليه من العام الماضي ،وإذا لم يكن الزمان والمكان مناسبا لذلك ، فعلى الأقل نقرأ الفاتحة ، حتى لا يتقدم غيرنا لخطبة الفتاة ، رحبوا بنا أطيب ترحيب ، ورحبوا كذلك بطلب يد ابنتهم وقال والدها بالحرف الواحد ( ما بنلاقي أفضل من الحاج أحمد لبنتنا )، وإن شاء الله يجيب الذي فيه خير، ثم قال الأب : أنا أريد أن أشاور إخوتي ، وسأرد عليكم بعد ثلاثة أيام .   كان اليوم يوم جمعة ، وسيكون الرد على طلبنا الاثنين ، وما أطولها من أيام ، كنت أنا وزميلي  عبد الله عدوي نذرع شارع البادية / الوحدات حيث يسكنون عدة مرات عصر كل يوم من الأيام الثلاثة ونحن نأكل من ( زعاميط ) الترمس ، نتحسس الأخبار ، وننظر يمينا ويسارا ، عسى أن نرى أو نقابل أحدا من أصحاب الدار ولكننا لم نفلح بشيء من الأسرار .   لم نشك يوما بعدم الموافقة على ما يرام ، فقد كانت الظروف مهيأة منذ أكثر من عام ، ومن جميع الأنام ، وقبل ظهر اليوم الموعود الاثنين ، ِِذهبت إلى مكن سكنهم ، وكلي أمل أن أقابل بالابتسامات الجميلة ، والترحيب العظيم ، رفعت صوتي بالاستئذان ، وإذا بأم الفتاة تخرج من الخيمة ، وعندما وقع بصرها عليََ ، فإذا هي تجهش بالبكاء ، فقلت لها : خير يا عمة ، قالت وعيونها مغرورقة  بالدموع : يا حاج أحمد ( مفيش نصيب )، إن ابن عمها ( تبدى فيها )- ومعنى ذلك أنه أحق بالزواجمنها – وهم الآن جميعا في المحكمة لإتمام عقد الزواج . قلت بألم : بارك الله لهم وبارك عليهم وكل شيء قسمة  ونصيب ولم أزد بحرف وقفلت راجعا .  غادرت المكان وأنا – والحمد لله – مقتنع تماما بأن كل شيء يحدث بقدر الله عز وجل ، وسألت الله أن يجيرني في مصيبتي ويخلف لي خيرا، وقد كان والحمد لله ، وقد ارتفعت نفسي من التعلق بهذه الفتاة امتثالا لقول الله عز وجل" ولا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجا منهم ......"(1)  على اعتبار أنه سيكتب كتابها على رجل آخر هذا اليوم فهي من نصيبه  ، ولا يحق لأحد أن يفكر بها بعد اليوم ، فهي محرمة على جميع المسلمين حرمة مؤقتة بمجرد تم العقد عليها .  سبق أن قلت أن الظروف لم تكن مواتية لا لخطبة ولا لزواج عام 1967م عام النزوح ، ولكن إرضاء لرغبة الوالدة ، وخشية ضياع الفرصة في وقت  ------------------------------------------------------------------------------------------(1) سورة طه ، رقم الآية 133 ضاع فيه الناس ، ربما كانت سرعة اغتنام الفرصة هي أحد أسباب ضياعها ، فأنا أريد ، وأنت تريد ، والله يفعل ما يريد .  طوينا فكرة الزواج مدة ثلاث سنوات أخر حتى عام 1970 ، حتى سنحت فرصة أخرى مناسبة رغم قسوة الظروف المادية حتى تاريخه ، فبعد التجربة عرفت أن الإنسان هو الذي يكيف الظروف وليس الظروف هي التي تكيفه، فالتجربة محك الرجال ، ولن تبلغ المجد حتى تلعق الصبرا .      وفي ليلة جميلة  من ليالي صيف عام  1970م ، كان الأخوة  الثلاثة غير الأشقاء أحمد وعبد الله وعائشة ، وكانت أختي عائشة أكبر سنا من والدتي ، وأخي قريبا فى العمر من الوالدة ، كان الأخوة يسمرون  حتى ساعة متـأخرة  من الليل ، وكانا قد خططا لمقاضاتي ومحاكمتي عن سبب تأخري في الإقدام على الزواج ، رغم مرور سبع سنوات على بداية عملي في السعودية ، الناس يذهبون سنة واحدة للسعودية ثم يعودون ويتزوجون ، وتجرأ أخي وسألني بصراحة : هل عندك نقص معين  أو عيب جسدي  يمنعك من الزواج ، وقال بنبرة حادة : لماذا لا تتزوج ؟؟.    عندها ضحكت ، وقلت لهم : إن ظروفي المادية ، لا تسمح بالزواج ، عندها أجابني، لا عليك .بالنسبة للفلوس ، نحن ندعمك وندبر لك الأمر، وأعقب كلامه قائلا: وإذا كنت لا تريد الزواج فأعطني الفلوس الفائضة معك فأنا أريد أتزوج زوجة ثانية .       وكان قد تم نقلي عام 1968م من منطقة القنفذة  إلى منطقة الطائف التعليمية  مدرسا في مدارسها ، وتم تعييني بمدرسة حداد بني مالك على بعد 130 كلم من الطائف ، منها 90كلم معبدة على طريق أبها – بلجرشي ، و40 كلم غير معبدة ، رملية حجرية تسير مع الوادي بين الجبال وكانت حداد بني مالك ولا زالت مركز المنطقة  وحاضرتها ، ينعقد بها السوق التجاري يوم (الربوع )، ويؤمها التجار والباعة والمتسوقون من كل حدب وصوب .    وفي بلاد بني مالك  استجاب الله دعائي –والحمد لله – ويسر لي التعرف على والد زوجتي العم أبو سليمان ، ثم التعرف على ابنته فيما بعد ، وكانت تعمل مدرسة  ووالدها مرافق لها ، كان الرجل – يرحمه الله – على خلق ودين ، وكنت أنا والحمد لله ملتزما ، أقوم بالخطابة  في المسجد  الجامع يوم الجمعة ، في حال غياب الإمام الراتب ( الشيخ هنيدي ) ، حيث كان تاجرا  وعندما يذهب إلى الطائف لإحضار بضاعته ، يرسل لي كتاب خطب الجمعة ذا الأوراق  الصفراء القديمة ويقول لولده : قل للأستاذ أحمد أن يخطب الجمعة في الناس إذا لم أستطع العودة ، لأن السيارات كانت قليلة ولا بد أن يصادف سيارة تسير على نفس الخط فيركب معها ، وكان الناس يسرون عندما أخطب فيهم ، لأنني أحضر خطبة تناسب الزمن الذي نعيش .    كان هذا الاتجاه الديني هو بداية التقارب والألفة بيني وبين العم أبو سليمان ، رغم فارق السن ، فقد كان أحد طلاب المعهد الديني بعكا في فلسطين ، كان والده وعائلته من سكان مدينة حيفا ، وكان والده وجماعته يعملون بمحطة سكة الحديد بحيفا ، كانت وفاة والده أثناء العمل  سببا في انقطاعه عن الدراسة في المعهد الديني بعكا ، لأنه فقد المعيل ، واضطر للانخراط  في العمل صغيرا . ولقد كانت ابنة هذا الرجل ، والتي أصبحت زوجتي فيما بعد ، تدرس مثلي بكلية التجارة بجامعة بيروت العربية ، أنا في السنة الثانية وهي في السنة الأولى، أنا من مواليد عام 1945م وهي من مواليد عام 1946م ، كانت تعمل مديرة لمدرسة العمشان ببني مالك ، ثم انتقلت المدرسة بطاقمها التعليمي إلى مركز المنطقة حداد ، وكان هذا النقل بمثابة رزق ساقه الله إلينا ، فسبحان مسبب الأسباب ورازق الطير في السماء بغير حساب .    لم  يكن هناك مجال في السعودية للتعرف على هذه الفتاة التي بدأ تفكيري يميل إليها ، وفي بيروت وعلى مقعد الاختبار في الجامعة ، وقبيل بداية الاختبار فاجأتها بوجودي أمامها رغم عدم وجود اختبار عندي في ذلك اليوم ، وإنما جئت لمقابلتها ولأول مرة ، وقلت لها : إنني سأكون بانتظارها في بوفيه الجامعة بعد الاختبار.    جلسنا منفردين لأول مرة في بوفيه الجامعة، تداولنا أطراف الحديث من هنا وهناك ، عن الدراسة ، عن العمل في بني مالك ، عن تعليقات المدرسين عن التقارب الوجداني بيني وبين العم أبو سليمان ، وهم يعلقون : ( جاء عمك أبو سليمان ) ( عمك أبو سليمان لا يحب الجلوس إلا على سريرك ) ( عمك أبو سليمان لا يحب يلعب طاولة الزهر إلا معك ) ، وقد لاحظت علامات السرور  على وجهها وهي تسمع هذه التعليقات ، وقالت إنه يحبك كثيرا ، وكان يحدثني عنك كثيرا ، ومرتاح من تصرفاتك .    في اللقاء الثاني سلمتها رسالة مطولة ، شرحت لها فيها ظروف حياتي العائلية ، وقلت لها بكل صراحة، إني أعيل عائلة كبيرة ، مكونة مني ومن والدتي وخمس من الأخوة والأخوات ، وليس لهم معيل إلا الله ثم أنا ، ولا أستطيع الابتعاد عنهم بتاتا ، وإن ظروفي المادية لا تسمح لي بالتقدم لخطبتها هذا العام .    وفي اللقاء الثالث وبعد أن عرفت حقيقة شعوري نحوها ، وما يرافق هذا الشعور من ظروف صعبة ، قالت : ربنا يأتي بما هو خير ، عند ذلك صارحتها بقولي : إذا تهيأت لك ظروف مناسبة للزواج ، فأنت في حل مما جرى بيننا من حديث .   وعندما انتهت الاختبارات عاد كل منا إلى منزله ، هي إلى مخيم اربد وأنا إلى مخيم البقعة ، ولا وسيلة للاتصال بيننا .  بعد هذه العودة من اختبارات الجامعة عام 1970م ، حدث اللقاء الثلاثي بيني وبين أخي وأختي الأكبر مني سنا، واللذان شكًًا فيه بفحولتي كرجل ، ولم يقدرا مسئوليتي بالإنفاق على الأسرة  والإنفاق على دراستي الجامعية ، والإنفاق أثناء العمل في السعودي ، وكل ذلك والحمد لله  من راتب قليل مقاره 45 دينارا شهريا .    وبفضل تشجيعهم لي على الزواج ماديا ومعنويا ، وكان الفرصة أمامي مهيأة  ، وعقبتها الظروف المادية ، قررت الزواج ولم أكن أملك سوى مائتي دينار ، بنيت بمائة منها غرفة ثالثة لأتزوج بها  ، وذهبت من فوري إلى إربد لأتأكد من خلو البنت من الارتباط بغيري ولأمهد الطريق بأننا سنتقدم رسميا لخطبة ابنتهم بالطريقة المتعارف عليها بين الناس ، بحضور جماعة من أهلي وجماعة من أهلها ، ويتم الطلب والموافقة على الطلب .   أخذت معي هدية مناسبة ، وكان معي عنوان البيت في مخيم اربد ، ركبت سيارة تكسي إلى أول  المخيم ، ثم سرت على قدمي مسافة قصيرة سألت خلالها عن البيت ، وأشاروا لي إلى باب البيت ، هممت بالرجوع لأن هذا ليس عادة من يأتي خاطبا ، ثم أقنعت نفسي بأني زائر ولست خاطبا .   طرقت الباب وأنا خجل من زيارتي المفاجئة لهم ، ولما رأوني رحبوا بي أطيب ترحيب ، فرشوا لنا في المجلس ، وقدموا لنا الشاي ثم القهوة ، وبدءوا في إعداد طعام الغداء فلم أعارضهم في ذلك لأنني  كنت بحاجة إلى وقت أطول حتى أرد أنفاسي وأستطيع التحدث في موضوع حساس وعلى غير العادة أن يبدأ بهذا الشكل.     طلبت من العم أبو سليمان أن نخرج قليلا من البيت ، نمتع النظر بمرأى أربد لأني أول مرة أدخلها، ثم نعود للغداء ، خرجنا خارج مخيم اربد وسرنا في طريق فوعرا مسافة طويلة ، وأنا أقدم رجلا وأؤخر رجلا ، تحشرجت الكلمات في حلقي ولم أدر كيف أبدأ الحديث .            وأسعفني الله بالقدرة على الحديث فقلت : يا عم أبو سليمان أنا جئت لعندكم حتى أعرف ظروف ابنتكم هل تقدم أحد لخطبتها في هذه الفترة التي لم نلتق بها ، فأنا أريد أن أحضر أهلي حتى نتقدم رسميا لخطبتها منكم ، وأريد أن أعرف هل هناك موافقة مبدئية على هذا الأمر .   قال : أهلا وسهلا بكم ، البنت لم يتقدم أحد لخطبتها ، وليس عندي شخصيا مانع ، فأنت من خير الشباب ، ولكن لا بد من أخذ رأيها ، فالآن نعود إلى البيت ونسألها ، فإن سكتت فهو دليل موافقتها وكان الرجل محقا فيما قاله .   دخلنا البيت ، وقلبي يتطاير فرحا ، وطلب منهم أن يعملوا لنا فنجان قهوة، وخرج إلى مطبخ البيت وقال لأهله ولابنته ، إن أحمد قادم لمعرفة ظروفك ، وعندما عرف أنه لم يتقدم أحد لخطبتك في الفترة الماضية ، فإنه سيحضر أهله في يوم نتفق عليه لإعلان الخطبة وكتب الكتاب في يوم واحد ، إذا وافقت على ذلك ، لأن الوقت ضيق ولم يبق للسفر سوى أسبوعين .  طلب من ابنته أن تعمل القهوة وتقدمها لنا ، التقت العيون حينها وتعطلت لغة الكلام ، ردت السلام وقالت أهلا وسهلا وهي خجلة ثم خرجت ، واتفقت معهم على الحضور بعد يومين .   رجعت إلى أهلي وأنا فرح بما اتفقنا عليه ،لم أكن أتصور أن قرار الشروع بالزواج والعرس والزواج ورحلة شهر العسل والسفر إلى السعودية ، كل ذلك سيكون خلال أسبوعين ، ولم يكن في جيبي سوى مائة دينار فقط ، إنه توفيق الله وتيسيره ، والحمد لله انه كان دائما معنا ، ومن كان الله معه فلا خوف عليه .    اتفقنا على المهر أربعمائة دينار مقدما  ومثلها مؤخر الصداق ، وقدرنا تكاليف العرس والغداء والسفر بأربعمائة أخرى ، المطلوب الآن نقدا ثمانمائة دينار ، موجود منها فقط مائة  دينار ، العجز مبلغ سبعمائة دينار، ذهبت إلى أختي وأخي الكبيرين وقلت لهما أنتما سبب هذا الزواج ، بارك الله فيكما ، وعليكما الآن تكملة ما يلزم ، كانا مسرورين لأن جهودهما أثمرت، قالا : نحن لها إن شاء الله ، لم يكونا يملكان ما يتبرعان به ، أو يوفرانه معهما ، ولكنهما استدانا هذا المبلغ على حسابي من المعارف والأقارب ، وحقا ما يقال : إن الله سبحانه وتعالى ييسر أمور الزواج والبناء والتعليم ، وقد مررت بهذه الأمور الثلاثة ، وكان الله سبحانه وتعالى ييسر لنا أمر الاستدانة  وأمر سدادها ، وهذا مصداق لحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم:" من أخذ أموال الناس يريد سدادها سد الله عنه "(1)كان ترتيب البيت في البقعة مكون من ثلاث غرف متراصة  بجانب بعضها ، وكان الناس معتادين    أن يناموا في الصيف في ( الحوطة ) مكان معد للجلوس خارج الغرف ، وقد رأيت من الحرج أن أتزوج في إحدى هذه الغرف ، وقررت السفر إلى الشام لمدة ثلاثة أيام ، وبعدها سأبدأ في إعداد نفسي للسفر لقرب حلول موعد العودة إلى السعودية ، وذلك بعد مراجعة السفارة السعودية ، وتغيير محرم المعلمة من والدها إلى زوجها عند الملحق الثقافي السعودي .      وكانت مفاجأة الموسم في حداد بني مالك ، بالنسبة للمدرسين لأنهم كانوا يعرفون جانبا من مسئولياتي وظروفي المادية التي لا تسمح بالزواج هذا العام ، وكذلك بالنسبة لأهالي حداد بني مالك فقد انتشر الخبر انتشار النار في الهشيم ، بأن الشيخ أحمد قد تزوج مديرة المدرسة .   ومضت الحياة في حداد بني مالك / الطائف هانئة رتيبة ، طاب  بها المقام وطال عشر سنوات تقريبا في الفترة ما بين 1387- 1397هـ  ، رزقني الله خلال هذه الفترة ثلاثة أبناء هم : صلاح الدين ، علاء الدين وعماد الدين ، أما بهاء الدين  وابنتي الوحيدة هديل  فقد رزقني الله بهم في مدينة تبوك في السعودية .   لقد سبق كتابة هذه المذكرات ،مشروع كتاب  بعنوان " مذكرات مدرس في السعودية خلال أربعة وأربعة ملوك " لم أذكر فيها شيئا عن أيام الطفولة والصبا والشباب والشيخوخة التي أعيشها الآن ، وإنما اقتصرت على ذكريات الثماني وثلاثين سنة التي عملتها مدرسا في السعودية ، وكل هذه الذكريات مستوحاة من شريط الذكريات الذهني ، ولم أدون منها شيئا في حينه ، وإني لا أزال أحتفظ بهذه الذكريات وكأنني أعيشها ، وكم وكم ذرفت عيني من الدموع ، وأنا أدون هذه الذكرياتحلوها ومرها ، كيف أنسى ذكرياتي وهي أحلام حياتي ، وهل يملك النهر تغييرا لمجراه ؟؟    وسأقفز ألان عن ذكريات الفترة التي قضيتها في السعودية لأنها مدونة في كتاب سابق ، وهي تنشر الآن في هذه الأيام على حلقات في مجلة المعرفة السعودية التي تصدرها وزارة المعارف منذ سنة تقريبا وقد نشر منها حتى كتابة هذه السطور إثنتا عشرة حلقة ولمن يريد الإطلاع عليها يمكن فتح ( مجلة المعرفة الأرشيفية ) عن طريق الإنترنت ، فكل الحلقات موجودة تباعا .  وعندما عاد أحمد إلى الأردن عام 2001م الموافق 1422هـ ، لم يكن يخطر بباله العمل في التعليم بعد هذه الرحلة الطويلة ، ثمان وثلاثين سنة ، تحولنا فيها من شبان على شيبان ، كانت الحياة في بدايتها صعبة ، الحياة قاسية ، والمواصلات ذات طرق غير معبدة ، لم يستطع كثير من المدرسين على الاستمرار أكثر من سنة أو سنتين ، وكان بعضهم يعود في نفس السنة ، خاصة إذا كان من أهل المدن ولم يتعود خشونة الحياة ، وبعضهم كان يبكي ويقول أعيدوني إلى  بلدي .   لقد تحملنا كثيرا من المشاق ، فقد كنا نعلم ما ينتظرننا إذا عدنا ، فمجالات العمل التي مارسناها ونحن طلاب ، أصعب كثير من وضعنا الآن ، ونحن نعمل مدرسين محترمين     فأربع سنوات في منطقة القنفذة  التعليمية في مدارس الليث وحدبة بني عاصم  والمخواة  ، وعشر سنوات في منطقة الطائف كلها في مدرسة واحدة هي حداد بني مالك ، حتى أن مدير تعليم بنات الطائف الأستاذ قاسم الفالح رحمه الله  كان يناديني مداعبا : أهلا بالأستاذ احمد المالكي بدلا من أحمد الوادي ، لأنه عندما كان يأتي ليزور مدرسة البنات ويطلع على سجلاتها بعد دوام الطالبات والمعلمات كان يتصل بي بصفتي زوجا للمديرة حتى أدخل معه المدرسة ويشرف على سجلاتها وأحوالها .         كان في كل مرة يأتي إلى حداد ، أرافقه لنتناول طعام الغداء في الأمارة ، وكنت كل مرة أدعوه هو والأمير لتناول طعام الغداء عندي ، فكان يأخذني جانبا ويسُُر إلي بأن هذا الطعام على حساب الدولة ، فهناك حساب خاص لإطعام ضيوف الإمارة فلا تتحرج من ذلك ، ويكفيك من تستقبلهم      من ضيوف المدرسة من المدرسات الجدد وأولياء أمورهن ، فإنهم دائما يسألون عن بيت مديرة المدرسة وينزلون عندكم حتى يستأجروا بيتا ، وتقومون أنتم بتقديم الواجب لهم ، أعانكم الله ، والحمد لله كنا خير من يطبق حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: " من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه "(1) .    عندما عاد أحمد من السعودية كان معه بعض المدخرات والحمد لله ، وكانت مكافأة نهاية الخدمة مبلغ خمسين ألف ريال بحد أقصى ، ولو لم تكن محدودة لكان نصيبي عن هذه الخدمة الطويلة يتجاوز المائة  ألف ريال سعودي، وقد كتبت موضوعا عنوانه ( مكافأة نهاية خدمة المدرسين المتعاقدين تفتقر إلى الكفاية والعدالة والمساواة) ، وقد تم نشره في مجلة المعرفة السعودية ، ولكن لم يحدث أثر يذكر لهذه المطالبة ، وكنا نشعر بالظلم إذا قارنا أنفسنا بدول الخليج الأخرى .    والحمد لله أنني عدت ومعي بعض التوفير بالإضافة إلى مكافأة نهاية  الخدمة والتي صرفت بمبلغ تسعة ألاف دينار أردني لا غير ، دفعتها في شراكة  مع أخي محمد ، وأضفت عليها ألفا أخرى حتى وصل المبلغ إلى عشرة ألاف دينار .                                                          كان أخي محمد يعمل في توزيع قطع السيارات عن طريق مستودع في البيت ، وحافلة متوسطة يقوم بواسطتها توزيع بضائعه ، وكان وقتها يتعافى من نكسة أصابته في التجارة ، حيث رجع له  -------------------------------------------------------------------------------------------  (1) رواه البخاري ومسلم / متفق عليه .   شيكات بما يعادل 45000 دينارا أردنيا ،استطاع بعون من الله أن يسدد جميع ما عليه من الديون لأنه أخذها من الناس يريد سدادها فسد الله عنه .  كان لا يزال يعاني بعض الشيء من أثار النكسة التجارية ، فعندما عرض علي أن أعمل شريكا معه، لم يخطر ببالي العمل ولا الشراكة ، ويشهد الله أن هدفي كان مساعدته بطريقة غير مباشرة ،ليقف على قدميه من جديد ، فأعطيته خمسة ألاف دينار على أن أكون معه شريكا برأس المال ولا أمارس أي عمل تجاري .   بدأ عمله في الانتعاش واشترى سيارة أخرى للتوزيع ، ثم وسع بناء المستودع ، وبدأ العمل في التحسن ، وزدت  تمويلي في رأس المال حتى بلغ عشرة ألاف دينارا ، وكان التقدم واضحا والعمل يسير من حسن إلى أحسن .    في السنة  الثانية من ترك العمل في السعودية ، تقدمت  بطلب توظيف لديوان الخدمة المدنية في الأردن ، لأنني علمت أن وزارة التربية والتعليم الأردنية بحاجة إلى مدرسين في تخصصات مختلفة    وبعد شهرين اتصل بي صديقي / محمد جميل هاتفيا يقول لي : مبروك الوظيفة ، قلت له: ومن أين عرفت ذلك ، قال: اسمك في الجريدة معين في منطقة اربد الأولى ، وكانت الجريدة أمامي ولما أقرأها بعد ، فتحت الجريدة ، ووجدت اسمي فعلا معينا لتدريس مادة الشريعة الإسلامية ، وكنت قد  أرفقت طلبي بأعلى مؤهل دراسي حصلت عليه وهو ماجستير الدراسات الإسلامية / تخصص اقتصاد إسلامي ، مما  أهلني لتدريس مادة الشريعة الإسلامية .  وعند تقديم أوراقي إلى مديرية تعليم اربد الأولى ، كان تعييني في مدرسة بيت راس الثانوية ، وبيت راس هي البلدة المجاورة لحي حنينا في قصبة اربد ، فلا تبعد المدرسة أكثر من ثلاث كلم عن البيت ، وكان هذا من لطف الله وقدره ، ثم رضاء الوالدين والحمد لله . عملت في مدرسة بيت راس الثانوية الشاملة مدة ثلاث سنوات مع ثلاثة مدراء ، كان مع كل واحد منهم قصة أو أكثر:    تعينت لأول مرة في مدرسة  بيت راس الثانوية عام 2001م ، وكان مديرها يومئذ الأستاذ / وصفي الهزايمة ، وكان مديرا يملأ مكانه بحق، ذا شخصية قوية ، متألق بلباسه الجذاب ، وتعامله الإنساني مع جميع مرؤوسيه .   كنت أريد أن أطلب منذ بداية العام إعفائي من الإشراف اليومي ، لأنني أعاني من خشونة في صابونة الرجل اليسرى ، وأشعر بالألم إذا استمر وقوفي يوما كاملا ، في الفصل خمس أو ست حصص يوميا بالإضافة إلى الوقوف في الممرات خلال الخمس دقائق بين الحصتين ، ونصف ساعة في الفسحة الكبيرة بعد الحصص الثلاث الأولى لمتابعة الطلاب في ساحة المدرسة ، ومثل هذا الوقوف المتواصل يزيد من شدة الألم ، وقد نصحني الطبيب بعدم الإجهاد، وأرشدني أن تكون الصلاة على الكرسي ، نظرا لصعوبة القيام والقعود عند السجود .                                         كنت في تلك السنة أكبر مدرسي المدرسة عمرا، وأثقلهم وزنا حوالي  120كلغم ، وأحصل على تقرير طبي بمراعاة الظروف الصحية .        قبل أن أحدث المدير وأطلب إعفائي من الإشراف اليومي ، أصدر المدير جدول الإشراف اليومي ، ووضعه داخل لوحة الإعلانات ليطلع عليه المعلمون ، وقفت أمام الجدول نادما أنني لم أحدث المدير بظروفي .      لم أجد اسمي في الجدول ، نظرت حولي فوجدت المدير الإنسان ينظر إلي  مبتسما ، وقال: لا تتعب نفسك فأنت بمثابة والد الجميع ، وعمره لا يقل عن خمس وأربعين ، لقد كبر في عيني شكرته على حسن صنيعه واحترمته كثيرا في المدرسة وخارج المدرسة ولا زلت أذكره بالخير دائما .  أما المدير الثاني فهو الأستاذ / عبد القادر أبو الهيجا ، مخلص في عمله ، نشيط لا يكل ولا يمل من العمل يتحرك باستمرار، لا يعتمد على أحد في إنجاز عمله ، واعتقادي أنه لا يثق بأحد، أتعب نفسه وأتعب الآخرين من حوله ، غير جرئ في اتخاذ القرار . حدثته قبل عمل جدول الإشراف اليومي في السنة الجديدة عن ظروفي الصحية ، وأعاني من خشونة في صابونة الرجل اليسرى مما يضطرني إلى  الصلاة على الكرسي ، وطلبت إعفائي من  الإشراف اليومي الكامل لأنه مرهق بالنسبة لي ولا أستطيع القيام به ، وإذا نزل اسمي في جدول الإشراف فإنني  أخجل من زملائي أن لا أقف بجانبهم لأساعدهم في  العمل الذي أنا جزء منه بحكم وجود اسمي في الجدول ، أما عدم ورود اسمي في الجدول فيعرف الجميع أن هناك تقرير طبي ينصح بإزالة الخشونة في العظم ويحتاج ذلك لعملية جراحية غير مضمونة  النتائج .    وشتان بين موقف المديرين ، الأول يراعي الظروف بمجرد ملاحظته الشخصية ، ومعرفته بأقدار الناس وظروفهم ، وبين شخص تضع الحقيقة بين يديه وتطلب منه المساعدة ، فيقول أنا سأنزل اسمك في الإشراف ، وقم بالعمل قدر استطاعتك .                                                      لقد كان هذا التصرف في نظري تعامل غير إنساني ، كان يريد أن يظهر بأنه يعدل بين المدرسين ،ويريد مني أن أحتك بزملائي المدرسين وأظهر أمامهم بأني مقصر في أداء عملي .    لم أراجعه فيما عمل عندما نزََل اسمي في جدول الإشراف اليومي ، واتخذت قرارا شخصيا بعدم الإشراف طيلة العام الدراسي ولو لدقيقة  واحدة مهما كلف الأمر ، وشرحت  لزملائي المدرسين ما حصل بيني وبين المدير من طلب الإعفاء ، ولكنه لم يعر الأمر اهتماما ، وقد قررت عدم المشاركة في الإشراف دقيقة واحدة ولو وصل الأمر لإدارة التعليم .    والحق أقول : كان زملائي في الإشراف اليومي حسب الجدول  ، أكثر كرما وبعد نظر من المدير، فقالوا لا عليك نحن نكفيك الإشراف ، ونقوم مكانك خير قيام ، وشكرتهم على حسن صنيعهم  حيث لم يتضجر منهم أحد . عرفت فيما بعد أن المدير قد عرف بقراري باني لن أباشر الإشراف اليومي أبدا ، وعرف بقرار زملائي المشرفين بأنهم  سيسدوا مكاني فلم يراجعني في الأمر طيلة العام،وكأنه سكت على مضض  موقف آخر مع هذا المدير الثاني : في أحد الأيام كان يقوم بنفسه على عملية التفتيش على نظافة غرف الفصول الدراسية ، وخاصة صفوف الثاني الثانوي العلمي والأدبي ، حيث كانوا غالبا ما يتقاعسون عن نظافة فصولهم ويقولون سرا وجهرا إن هذا ليس من عملنا إنه عمل مستخدمي المدرسة وليس عمل الطلاب .     دخل عليََ المدير في بداية الحصة وأنا في أحد صفوف الثاني الثانوي ، وأنا متوجه بوجهي إلى اللوح  وأكتب البسملة كما اعتدت في بداية كل حصة وأضع تحتها خطا أقسمه نصفين بخط عمودي عليه ، أكتب في اليمين اسم المادة / علوم إسلامية ، وجه اليسار عنوان الدرس الجديد ، لم انته بعد من الكتابة ، وإذا بالمدير يدخل مندفعا إلى الصف ويبدأ في سباب الطلاب وتهديدهم بصوت مرتفع ويقول لهم سأحرمكم من شهادة حسن السيرة والسلوك من المدرسة وسأعمل كذا وكذا ،  ولم يأخذ اعتبارا لوجودي داخل الفصل لا من قريب ولا من بعيد ولم يطرح علي السلام كالمعتاد  بين الزملاء .   استغربت الموقف واستنكرته بشدة في نفسي  ، لأن هذا مخالف للنظام أولا ، ومخالف لما اعتدنا عليه من احترام متبادل بين الهيئة التدريسية خصوصا أمام الطلاب ، ضبطت أعصابي وحملت كتبي وما يختص بي ، وانسحبت من الفصل بهدوء دون أن يشعر بخروجي ، وهو لا يزال بانفعاله الشديد وصياحه في وجه الطلاب يسب ويشتم ويهدد إذا لم يقوموا بجمع القمامة وتنظيف الصف ، تصورته في تلك اللحظة مشرفا على عمال نظافة ، لا مديرا للمدرسة .  قابلني وأنا خارج من الفصل الأستاذ عبد الله الزيتاوي / المرشد الطلابي بالمدرسة ، وقال لي :   ما بالك ؟ هل أخطأت مكان حصتك   قلت له : لا ، وبدون تفكير وبغضب ظاهر ، هناك زبال في الفصل ، يحافظ على نظافة المدرسة ولن أعود إلى الفصل حتى ينتهي درس النظافة، إن مدير المدرسة تصرف معي تصرفا غير صحيح ، وسأحاسبه على ذلك .    قابل الأستاذ عبد لله المدير وهو خارج من الفصل وقال له : إن الأستاذ أحمد عاتب عليك ، دخلت عليه الفصل ، وأنََبت الطلاب وصحت في وجوههم ، دون أن تستأذنه أو تطرح عليه السلام  قال له : وهل كان الأستاذ أحمد في الفصل عندما دخلت على الطلاب ؟!   وجاءني فورا إلى غرفة المدرسين ، وكان فيها خمسة أو ستة مدرسين ، كنت أشرح لهم ما حصل مع  المدير ، وإذا به يدخل علينا فجأة وهو يضحك ، ويأتي لعندي ويقف أمام الطاولة التي أجلس خلفها وقال لي : هل هناك شيء بيني وبينك ، أنت كبيرنا ، والكل يحترمك ويقدرك ، وأمسك بالقرآن الكريم التي كان فوق الطاولة التي أجلس خلفها وأقسم أنه لم يرني داخل الفصل ، وهل من المعقول أني رأيتك ولم أبادرك بالسلام ، وهل سبق أن دخلت الفصل على أي مدرس منكم دون استئذان ، أو دون رد السلام عليه .    بعد أن أقسم يمينا على القرآن دون أن يطالبه أحد بذلك ، قلت في نفسي ربما غضبه وتفكيره في معاقبة الطلاب وتأديبهم  ، أشغله عن رؤيتي .    قلت له انتهى كل شيء، والله إني كنت عاتبا عليك عتبا شديدا ، وحملت كتبي وعدت إلى الفصل وعندما دخلت على الطلاب وجدتهم يضحكون بمجرد دخولي عليهم ، وحاول أحدهم بخبث أن يستدرجني في الحديث عن المدير  فلم يفلح  .    حاولت أن أنهي ما حدث وبسرعة ، قلت لهم : لقد أزعجتني رائحة القمامة في الفصل فلم أطيقها وعندما خفت الرائحة عدت إلى الفصل ، ضحك بعضهم من حسن التخلص ، وعاجلتهم بقولي لم يبق من وقت الحصة إلا القليل وسنحاول أن نشرح الدرس فيما تبقى من  الوقت .    والموقف الثالث مع هذا المدير أيضا :  كان المدير يعتقد أنه كان يتصرف في المدرسة كما يريد ولا يعارضه في تصرفه أحد ، فكيف يوجد في المدرسة من يتصرف دون الرجوع إليه . حدث في إحدى حصص العلوم الإسلامية ، وبعد كتابة العناصر الأساسية في الدرس الجديد على شكل ثلاث أو أربع نقاط كتبتها على السبورة ، ثم طلبت من الطلاب إغلاق كتبهم والانتباه إلى شرح الدرس عن طريق الإلقاء والحوار والمناقشة  ، وهذه هي العادة المتبعة في كل حصة.     في هذه الحصة لم يستجيب لطلبي أحد الطلاب وهو الطالب / إبراهيم الحموري ، فعينته باسمه وقلت له : لماذا لم تغلق كتابك يا إبراهيم  ؟ قال وبنوع من الجلافة : أنا يا أستاذ لا أفهم إلا إذا كان الكتاب مفتوحا ، وألخص الشرح على الكتاب ، وللحق كان إبراهيم من أفضل طلاب الفصل أدبا واجتهادا ، ولكن هذه المرة أخذته العزة بالإثم ، وأحب أن يعاند أستاذه .   قلت له : إذا كنت لا تريد أن تنتبه إلى الشرح ، ولا تسمع لنصح مدرسك ، فلا داعي لوجودك في الفصل ، خذ كتابك واخرج إلى ساحة المدرسة وهناك افتح كتابك واقرأ فيه كيفما تشاء ، هل أنت أفضل من طلاب الفصل حتى تشذ عنهم ؟!! ، لا تحضر حصة العلوم الإسلامية حتى آخر العام إلا إذا التزمت بالطريقة التي أخبرتك بها .    خرج الطالب إبراهيم حاملا كتبه دون أن ينبس ببنت شفة، وكان الإجراء الصحيح في مثل هذه الحالة أن أحيله إلى إدارة المدرسة ولم أفعل ، وتماديت في الخطأ ، فقلت للطالب وهو خارج ، والله لن تدخل الفصل حتى لو أتى مدير المدرسة  أو مدير التعليم  أو وزير التربية إلا بعد أن تلتزم بتوجيهات معلمك .لم يكن عندي أي خلفية عن هذا الطالب أو والده ، ولكن عرفت فيما بعد أن والده من أصحاب النفوذ وله مركز ذو شأن .  في المساء حدث الابن أباه عما حدث معه في المدرسة ، ونقل له حرفيا أن الأستاذ قال :والله لو أن الوزير حضر لن تدخل الفصل إلا بعد أن تلتزم بالتعليمات مثل زملائك في الفصل .             تحركت في الأب شهوة استغلال نفوذه ،وجربها بداية مع مدير المدرسة عن طريق التلفون، وكأني به يخاطب المدير بقوله : من هذا المدرس الذي يعاقب الطلاب في المدرسة  كيفما يريد ،    وازداد غضب المدير بأنه لم يدر بما حدث مع الطالب إلا عندما كلمه والد الطالب ، وأتخيل أنهما اتفقا في الرأي على أن الأستاذ مخطئ ، وغدا سيدخل الطالب الصف رغم أنف الأستاذ .   مجرد تخيل بدا لي صوابه من تصرف المدير في اليوم التالي ، دخلت الفصل في اليوم التالي ، لم يكن الطالب موجودا في الفصل ، وبعد قليل من بداية الحصة ، وإذا بالمدير والطالب يرافقه ، يدخلان الفصل ، وقبل أن ينطق المدير بأي كلمة ، وإذا بالطالب شامخا رأسه عاليا وذهب ليجلس مكانه دون إذن مني ، اعترضت طريقه وقلت له : إلى أين ؟ قال : أريد أن أجلس مكاني قلت له : اخرج خارج الفصل ، وتوجهت بكلامي للمدير قائلا : هل تعرف ماذا عمل هذا الطالبكيف يدخل الطالب الفصل بهذه الطريقة ، على شكل تحدي للمدرس وكأنه داخل رغم أنف المدرس قال : يا أستاذ أنت ما تركت لي مجالا للحديث .قلت له : الحديث يكون قبل جلوس الطالب لا بعد جلوسه ، ويجب أن يعتذر للمدرس ويطلب منه الإذن بالجلوس .    خرج المدير من الفصل غير راض عن تصرفي معه ، وبعد فترة بسيطة أقل من خمس دقائق ، حضر للفصل زميلي الأستاذ / أحمد أبو نصير مدرس الثقافة الإسلامية بالمدرسة ويرافقه الطالب / إبراهيم الحموري .  بدأ حديثه بكلام طيب أمام طلاب الصف وإبراهيم يقف بجانبه خجلا هذه المرة ، ومن ضمن ما قاله : الأستاذ أحمد يعتبر أبا للجميع مدرسين وطلاب ، ويجب علينا جميعا أن نحترمه ونقدره ، وأنا أعتذر عن تصرف الطالب إبراهيم  ، وأنا أتيت به ليعتذر إليك ويجلس في الفصل كما تريد ويلتزم بجميع التوجيهات .  عندها توجهت للطالب وقلت له : اجلس مكانك ، وشكرت الأستاذ أبو نصير على حسن تصرفه وحله للمشكلة بطريقة صحيحة ، وقلت له : إنني لم أطرد الطالب ، وإنما قلت له : اخرج من الفصل وحتى تقتنع بالطريقة التي نعمل بها  تعود إلى الفصل .   بعدها علم المدير بحل المشكلة عن طريق الأستاذ / أبي نصير ، وعندما قابلني عاتبني على تصرفي معه ، وقال لي :إنك خالفت أنظمة الوزارة فلا يجوز لك طرد طالب من المدرسة أو الصف دون الرجوع إلى إدارة المدرسة .        قلت له : إنني لم أطرده ، وإنما قلت له : اخرج من حصة العلوم الإسلامية ، وعندما تقتنع بالطريقة التي أرشدتك إليها ، تعود إلى الحصة وقتما تشاء ، وجاءني مع الأستاذ / أحمد أبو نصير  اعتذر عن تصرفه والتزم بالطريقة التي طلبتها منه ، كان من خيرة طلاب الصف ، واستمر كذلك حتى نهاية العام .     وفي نهاية العام الدراسي ، وقبل أن يبدأ طلاب الثاني الثانوي من التغيب عن الحضور للمدرسة سلمني الطالب / إبراهيم  الحموري رسالة مطولة يشكرني فيها على الجهد المبذول لتدريس الطلاب بأمانة وإخلاص ، ويعتذر لي فيها مرة أخرى عن تصرفه في بداية العام معي ، ويؤكد لي بأنه ثبت لديه عمليا جدوى الطريقة التي أرشدته إليها .  وحتى لا يبقى في نفس المدير شك بسلامة الطريقة التي أتعامل فيها مع الطلاب ، ناولته الرسالة ، فقرأها بتمعن ، وعقََب قائلا : هنيئا لكم أنتم تحصلون على الشكر ونحن نحصل على العتاب واللوم من أولياء  أمور الطلبة على تصرفاتكم .  أما ما حدث مع المدير الثالث لهذه المدرسة ، التي عملت بها ثلاث سنوات فقط ، وهو الأستاذ عبد الرحيم أبو الهيجا الذي حدث النقاش الحاد بينه وبينه  قبل أن يأتي مديرا لمدرسة بيت راس الثانوية   الشاملة  .  حضر ألأستاذ / عبد الرحيم إلى مدرسة بيت راس الثانوية  آخر العام الذي سبق العام الذي تم تعيينه مديرا للمدرسة ، حضر بصفته رئيس لجنة امتحان الشهادة الثانوية الذي يعقد في ثانوية بيت راس كل عام .     ومن العادة أن يتسلم رئيس اللجنة غرفة إدارة المدرسة من المدير لاحتياجه استعمال جهاز الهاتف الموجود داخلها ، وصادف أول يوم اختبار الثانوي ، إعلان وزير التربية ضرورة عودة المدرسين إلى مدارسهم لإدخال درجات الطلاب في برنامج الكمبيوتر التي تم فيه ربط المدارس بإدارات التعليم بالوزارة وذلك لإخراج النتائج بطريقة آلية سريعة ، ويستطيع ولي الأمر في البيت أن يطلع على درجات ولده وهو جالس في البيت .ذهبت إلى المدرسة في نفس اليوم الذي بدأ فيه اختبار التوجيهي ، بناء على  إعلان الوزير واتصال هاتفي من مدير المدرسة  ، وجدت في إدارة المدرسة عند وصولي الأستاذ / بشار مدرس الكمبيوتر  وأحد مستخدمي المدرسة الذي سكب لنا كأسين من الشاي ، وجلسنا في الإدارة نشرب الشاي ونتجاذب أطراف الحديث ، وكيف سنبدأ عملنا في إدخال بيانات الطلاب ودرجاتهم .   دخل علينا رئيس اللجنة وهو غاضب ، وقال لنا بلهجة استفزازية : ممكن تخرجوا من الإدارة ، عندنا لجنة امتحانات وليس مكان للجلوس ، بدأ كأس الشاي يرقص في يدي ، لأنني لم أتحمل إهانة هذا الرجل فكأنه يطردنا من إدارتنا طردا ، فقلت له احترم نفسك يا أستاذ - ولم يكن لي سابق  معرفة به – فنحن مدرسين أصليين في هذه المدرسة ، وأنت ضيف علينا ، فالمفروض أن تكون مؤدبا ، ونحن حضرنا بناء على إعلان الوزير ، واتصال هاتفي من مدير المدرسة .   لقد جن جنونه وأخذ يهذي بما لا يدري ، وذهب غاضبا وأحضر الشرطي الذي يقف بباب المدرسة وطلب منه إخراجنا من إدارة المدرسة  - والذي يفصلها عن قاعات اختبار الطلاب ثلاثة أبواب اثنان من الخشب وثالثهما باب حديدي كبير وهو باب رئيسي  .  وكان الشرطي أكثر حكمة من رئيس اللجنة ، فجاءنا مبتسما وقال : ما هو الإشكال ؟ ورئيس اللجنة يقف بالباب متوقعا من الشرطي أن يدفعنا دفعا إلى  خارج الغرفة ، فحدثناه عن سبب مجيئنا إلى المدرسة ، وقلت له بالحرف الواحد : استدعوا لنا مدير التعليم ومدير الشرطة ، حتى نعرف من صاحب الحق في هذه الإدارة ، الموظف الرسمي فيها أم الموظف الزائر .     قال الشرطي الحكيم : ليس هناك داع للاختلاف ، اشربوا الشاي واتفقوا على ما تريدون عمله ، تركنا رئيس اللجنة  مع الشرطي وذهب يخطط لأمر آخر .    اتفقت أنا ومدرس الكمبيوتر أن نخرج من المدرسة ولن نعود إليها حتى بداية العام القادم ، حيث كنا في إجازة قانونية ، ولكن دافع النشاط والمصلحة العامة هما العاملان اللذان جعلانا نتواجد في المدرسة ، نحن الاثنان من أصل ستة وثلاثون مدرسا .وأثناء خروجنا اختياريا من المدرسة ، وإذا به مع اثنين من زملائه جاء بهم ليشهدوا علينا ، وعندما تقابلنا أشار إلينا أثناء الخروج  بيده ، وقال لزميليه هذان هما ، فأجبته على الفور وأنا غاضب :       والله إنك رجل قليل الحياء ، ولا تستحي أبدا ، عندها قال لمن معه : اشهدوا عليه، وفي نفس اليوم تقدم بشكوى إلى إدارة التعليم ، علم بها مدير مدرستنا فطلب منا أن نتقدم بشكوى نشرح فيها جميع ما حدث .    حاول بعض العقلاء من الزملاء عندما علموا بما حدث التدخل لإصلاح ذات البين ، وعلى رأسهم أخينا وصديقنا الأستاذ / تيسير الغول ، ذهب إلى بيته وكلمه بما فيه الكفاية عما يعلم من  أخلاقنا ، وبأننا ليس من أصحاب المشاكل ، وأقنعه بسحب شكواه ونحن أيضا قمنا بسحب شكوانا من إدارة المدرسة .  وفي العام التالي لهذه المشكلة ، عُيََن الأستاذ عبد الرحيم مديرا لمدرسة بيت راس الثانوية الشاملة  وتفاجأ المدرسون به في أول دراسي ، وعندما دخلت أنا المدرسة وجدت ثلة منهم يقفون  بباب المدرسة وهم يضحكون ، وقالوا لي : إن صاحبك أبا  الهيجا  عُين مديرا للمدرسة .   قلت لهم : أهلا وسهلا  ، إن أراد بنا خيرا فأهلا به  ويبشر بكل خير، وإن أراد بنا شرا فسنرد كيده إلى  نحره .    دخلت إدارة المدرسة وكانت مليئة بالمدرسيين ،بدأت السلام عليهم وغالبيتهم كان العناق بالأحضان لطول زمن العطلة الدراسية ، وكنت أنوي مصافحة المدير الجديد باليد ، لأنني لم أتقابل معه بعد حادثة الملاسنة بيننا آخر العام السابق .     لقد كان هذا المدير خيرا مني، فوقف واستقبلني مرحبا وأخذني بالأحضان  وعانقني بالقبلات، وكأن شيئا لم يحدث بيننا ، وقد أثار هذا الموقف دهشة الزملاء الذين كانوا يسيرون خلفي ليروا ماذا سيحدث عندما نلتقي .    كانت مقابلته لي بهذا الشكل دليل نية طيبة منه على طي صفحة الماضي ، كان تعاملنا في بداية الأمر رسميا عاديا ، ثم تحول إلى صداقة وتقارب، وحاول أن يساعدني فعلا لإتمام دراسة الدكتوراه في معهد الدراسات العربية الذي يحضر فيه رسالته للدكتوراه ، وقد وفقه الله ونجح في الحصول على شهادة الدكتوراه ، ولم أوفق في التسجيل بهذا المعهد لإكمال دراستي .  عينت عام 2001م بوزارة التربية والتعليم الأردنية مدرسا في ثانوية بيت راس الشاملة للبنين ،   لتدريس العلوم الشرعية ، في صفوف المدرسة المختلفة ، الثامن ، التاسع ‘ العاشر ، الأول الثانوي والثاني الثانوي العلمي والأدبي .     كان يعمل معي بالمدرسة نخبة من المدرسين ذوي الأخلاق العالية ، والإمكانيات العلمية  الممتازة ، عشت معهم سنوات ثلاث ما بين ( 57- 60 ) من العمر . كنت خلالها كبير مدرسي المدرسة عمرا وأثقلهم وزنا،وكانت أسرة التعليم بالمدرسة نموذجية .                                   كنت بصفتي مدرسا للعلوم الشرعية بالمدرسة مشرفا على الطلاب الذين يتلون آيات من القرآن الكريم أثناء طابور الصباح في الإذاعة المدرسية ، اختيار الآيات المناسبة  ، اختيار الطلاب الذين يجيدون التلاوة وتدريبهم أثناء الحصص الدراسية، والوقوف بجانبهم عند التلاوة وتصويب أخطائهم الفورية ، وكذلك في الأحاديث النبوية الشريفة  كنت أحيانا ألقي بعض الكلمات في طابور الصباح وخاصة في المناسبات الدينية : المولد النبوي الإسراء والمعراج ، الهجرة النبوية وغيرها.   وفي إحدى المرات ، بمناسبة الهجرة النبوية  ، ألقيت كلمة عنوانها " دروس من الهجرة النبوية " واخترت درسين فقط للحديث عنهما :      الدرس الأول : حسن اختيار الصحبة .     الدرس الثاني : حب الوطن .   تحدثت في الدرس الأول : عن حسن اختيار الرسول صلى الله عليه وسلم لصاحبه أبي بكر الصديق رفيقه في الهجرة  " ثاني اثنين إذ هما في الغار إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا "(1) فمن كان مع الله كان الله معه ، ومن كان الله عليه فمن معه ؟!!   أبو بكر الصديق رضي الله عنه كان أول من آمن من الرجال ، يقول عنه الرسول صلى الله عليه وسلم  : " ما طلعت الشمس ولا غربت بعد النبيين على أفضل من أبي بكر "(2) ، فهل بعد هذا القول قول ، وهل بعد هذا الوصف وصف ، يعجز البلغاء والفصحاء على أن يأتوا بمثله ، وهو الذي نزل فيه قول الحق جل وعلا: " وما لأحد عنده من نعمة تجزى * إلا ابتغاء وجه ربه الأعلى*  ولسوف يرضى " (3) .                                                                                                           --------------------------------------------------------------------------------------------------------------------  (1)  سورة التوبة ، الآية رقم (40) .                             (2) رواه النسائي                       (3) سورة الليل ، رقم الآيات ( 19-20-21)                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                              رضي الله عن أبي بكر الصديق فقد كان نموذجا فذا في زمانه ، وصلى الله على سيدنا محمد الذي أعطانا درسا عمليا في حسن اختيار الصحبة ، وذلك عندما اختار أبا بكر الصديق رفيقه في الهجرة من مكة  إلى  المدينة .    ولنا في رسول الله أسوة حسنة عند اختيار الأصدقاء ، فيجب علينا اختيار الأصدقاء ذوي السمعة الطيبة والأخلاق الفاضلة ، والابتعاد عن الأشرار وأصدقاء السوء ، وقد شبه لنا عليه الصلاة والسلام هذين الفريقين بحامل المسك ونافخ الكير في الحديث بما معناه أو كما قال : " مثل الجليس الصالح والجليس السوء ، كحامل المسك ونافخ الكير ، فحامل المسك إما أن يحذيك أو تشتم منه رائحة طيبة ، وحامل الكير إما أن يحرق ثوبك أو تشتم منه رائحة خبيثة "(1) ، وفي الحديث الآخر : " المرء على دين خليله فينظر أحدكم من يخالل "(2) .     أما الدرس الثاني: فكان عن حب الوطن – وأنا من العشاق المغرمين بهذا الحب – وقد ضرب لنا الرسول عليه الصلاة والسلام المثل الأعلى في ذلك ،عند خروجه من مكة مهاجرا إلى المدينة ، تلفت نحو مكة وهو خارج منها وقال بما معناه : " والله إني أعلم أنك أحب البلاد إلى الله  وأحب البلاد إلي ، ولولا أن أهلك أخرجوني منك ما خرجت "(3)    ولقد عملت من هذا الدرس إسقاطا تاريخيا عن هجرتنا من فلسطين إلى الأردن ، ونحن الآن –بين الأنصار - في مدرسة بيت راس الثانوية فوق هذه الربوة المشرفة على جبال فلسطين ، نراها بأعيننا ، ماثلة أمامنا قاب قوسين أو أدنى ، فأشرت إليها بيدي واستعنت بقول الشاعر:                       هناك بذلك العـــــــــلم              مرابعنا من الــقدم                                                      ترى عيني مرابعها                 ولا تسعى لها قدم                                ------------------------------------------------------------------------------------------  (1) متفق عليه ، رواه الشيخان البخاري ومسلم .                                                                                  (2)  أخرجه أحمد في مسنده ، وأبو داود في صحيحه .                                                                              (3) رواه البهقي وابن حجر العسقلاني .                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                   وضج الطلاب وضجت المدرسة كلها بالتصفيق الحاد الذي طال أكثر من دقيقة ، حتى رفعت صوتي متبعا هذه بأبيات لشاعر آخر يقول فيها :                    بلاد باعها بالســـــحت            سمسار وخـــــــوان                                                    وأهل شردوا في الأرض         لولا الغدر ما هانوا     وارتجت المدرسة بالتصفيق الحاد مرة أخرى ، تحرك مدير المدرسة الأستاذ/ عبد القادر أبو الهيجا مارا أمام  (الميكروفون ) جيئة وذهابا ، وهو ينظر إلى ساعته ، طالبا بطريقة  غير مباشرة إنهاء الكلمة .    وقد شجعني حماس الطلاب على الاستمرار في الحديث عن حب الوطن الذي يملأ شغاف قلبي ،  كانت الكلمة ارتجالية غير مكتوبة ، وللأسف كانت آخر كلمة يسمح لي فيها بالحديث في طابور الصباح  ، دون أن أعلم سببا لذلك ، أو يعلمني أحد عن السبب .    ففي العام التالي أعددت كلمة بمناسبة الهجرة  النبوية إعدادا ذهنيا ، وأبلغت المدير بذلك ، واشترط عليََ عدم الإطالة حرصا على وقت الحصص ، فأجبته : إن شاء الله لن أطيل .    وفي صبيحة يوم إلقاء الكلمة ، تأخر قرع جرس الطابور الصباحي خمس دقائق ، وزاد التمرين الرياضي على غير العادة خمس دقائق أخرى ، لم يبق وقت لإلقاء الكلمة واعتذروا لي بطريقة مواربة  لم أكن راضيا عنها .     وقد علمت بعد التحري والبحث ، أن تأخير قرع الجرس كان متعمدا ، وأن إطالة وقت التمرين الرياضي كان مقصودا أيضا  ، لمنعي من إلقاء الكلمة ، وإنا لله وإنا إليه راجعون .              ويشهد الله أنني كنت أنوي الاستمرار في مناقشة موضوع حب الوطن ، وبالتحديد مناقشة الشعار الذي كان متداولا آنذاك وهو شعار " الأردن أولا ""وأجبت بنعم : " الأردن أولا : انتماء وعطاء وإخلاصا " و" فلسطين أولا جهادا وتضحية وفداء" ، شعاران لا يتعارضان ولا  يتقاطعان ويسيران معا جنبا إلى جنب دون إفراط ولا تفريط .                       الأردن أولا انتماء : حيث يفتخر كل منا بأنه يحمل هذه الجنسية وينتمي إليها ، ولا يتنكر لها ، وقد وقفت يوما ما موقفا مشرفا للدفاع عن هذا الانتماء لكل من الأردن وفلسطين ، وكان ذلك وقت أزمة الخليج ، حيث كنت أعمل مدرسا في السعودية ، تغيرت في تلك الفترة نفسيات كثير من الناس وانعكست سياسات دول المنطقة ، على تصرفات بعض أفراد شعوبها ، وحصلت بعض التجاوزات أحيانا ، ففي أحد الأيام دخل علينا أحد الزملاء الذين يعملون معنا بمدرسة سعد بن أبي وقاص بتبوك وهو يسب ويشتم حكومات الأردن وفلسطين بألفاظ بذيئة وغير محتملة .    رددت عليه ردا أفحمه وألجمه ، وكاد النقاش يتحول إلى عراك بالأيدي ، لولا وجود بعض الأخوة العقلاء الذين منعوا تفاقم الأمر ، أدانوا تصرفه وأخرجوه من الغرفة  ، وقالوا لي أأنت مجنون حتى تقول ما قلت ؟؟!!   وقد اعتذر لي هذا الأخ فيما بعد عن تصرفه الانفعالي ، وأصبحنا فيما بعد أصدقاء حميمين ، لا يزال يزورني باستمرار في الأردن ، ولطالما أهداني أنواعا من التمور الجيدة (من حلوة حايل ) ،  ونحن على اتصال هاتفي مستمر .    والأردن أولا عطاء :  فيجب على كل منا أن يبذل قصارى جهده لخدمة هذا الوطن المعطاء ، الذي عششنا في ظله وأكلنا من خيراته .    والأردن أولا إخلاصا :  لأن من لا يخلص لبلده فليس له حق العيش فيه ، والحق ليس له وجهان فإما أبيض أو أسود ، وذو الوجهين لا يكون عند الله وجيها .  وفلسطين أولا جهادا وتضحية وفداء :       وأقصد بذلك أنه ما دام هناك شبر واحد محتل من أرض فلسطين ، فالجهاد فريضة على كل مسلم ومسلمة ، وليس على أهل فلسطين فقط ، وإنما حسب المفهوم الشرعي  يوجب على المسلمين جميعا الدفاع عن كل شبر من أرض المسلمين ومن كل مكان ، الأقرب فالأقرب .                       وقد ردََ صلاح الدين الأيوبي عندما سئل عن سبب عدم رؤيته مبتسما ، قال: كيف أبتسم والقدس محتلة من قبل الصليبيين !!! .   هل يحق لنا أن نبتسم ونلهو ونلعب وإسرائيل تعلو راية  في حمى المهد وظل الحرم ؟؟!!   هذان الشعاران لا يتقاطعان وإنما يسيران في خطين متوازيين لا تفضيل بينهما ولا ترجيح كفة على أخرى : الأردن أولا انتماء وعطاء وإخلاصا ، وأيضا فلسطين أولا جهادا وتضحية وفداء.إنهما شعاران متكاملان ، وقد أدرك من أبرز الشعار الأول على حساب الشعار الثاني ، أدرك خطأه بعد حين عندما جاء بشعار آخر ( كلنا الأردن ) لا فرق بيننا ، رغم اختلاف المنابت والأصول .    ويجب أن لا أنسى أن أذكر بكل الفخر والاعتزاز طلاب مدرسة بيت راس الثانوية - طلاب الأنصار - معظمهم من أصول أردنية وعائلاتهم معروفة : حموري ، طعاني، شوحه ، هيلات  وعنبر ويعيش بينهم كثير من العائلات – المهاجرين- التي من أصل فلسطيني ، التحمت هذه العائلات معا بعلاقات نسب ومصاهرة  ومجاورة فشابهوا بتعاونهم وترابطهم المهاجرين والأنصار  عندما آخى بينهم الرسول صلى الله عليه وسلم في المدينة المنورة .     إن أكف هؤلاء الطلاب التي ضجت بالتصفيق عند سماع الكلمة الأولى ، كانت عقولهم تعي حقا ما حدثتهم به ، والحقيقة لا تُغطى بغربال .   وهناك أصوات نشاز تخرج بين الفينة والفينة، تحاول التفريق بين هذا التلاحم الوطني الكبير، بين المهاجرين والأنصار، بين الأردنيين والفلسطينيين ، وإنها لأصوات شاذة حقا وقد تصدى لهم نخبة موفقة من الوطنيين الأحرار أمثال دولة / أحمد عبيدات ودولة فيصل الفايز والسيد نقيب المهندسين السابق/ ليث شبيلات  وفي مقدمة هؤلاء الملك المفدى / عبد الله الثاني ، الذي يدعو باستمرار وفي كل مناسبة إلى أهمية اللحمة  الوطنية بين جميع أفراد الشعب الأردني مع مختلف وشتى المنابت والأصول ، وناكر الجميل جدير بأن لا يكون له مكان بين الجميلين، ويجب أن نكون جميعا دعاة وحدة لا دعاة فرقة واختلاف قال تعالى: " ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم "(1)                 ---------------------------------------------------------------------------------------------------------          (1) سورة الأنفال ، الآية (46) .                                                                                                                                                                                                                 في 1/1/2005 م جاءني كتاب وزارة التربية ، بإنهاء خدمتي في الوزارة لبلوغ السن القانوني للخدمة المدنية ستين عاما ، لم استحق راتبا تقاعديا ، ولا ضمانا اجتماعيا ، لقلة عدد سنوات خدمتي داخل المملكة ، وسحبت مني كذلك بطاقة التأمين الصحي ، لعدم وجود راتب تقاعدي يحسم منه رسوم التأمين الصحي .      خرج الإنسان من عمله – والحمد لله – صفر اليدين ( لا وراه ولا قدامه ) ، وذلك من نتائج الغربة الطويلة خارج الوطن ، يدفع الإنسان ضريبة الغربة دون أن يدري ، يعود من الغربة بدريهمات قليلة لا يدري كيف أنفقها هنا وهناك ، وقد وجد أترابه الذين كانوا معه  على مقاعد الدراسة ، وبقوا يعملون داخل الوطن ، أسسوا أنفسهم ، وحصلوا على راتب تقاعدي أو راتب من الضمان الاجتماعي وكذلك تأمين الصحي ، فضلا عن أنهم يعرفون مداخل ومفاتيح البلد ومخارجها علاقاتهم الاجتماعية قوية، أما المغترب- أعانه الله – فيبدأ حياته من جديد ، ويوكل أمره إلى الله .

     عملت برفقة أخي محمد بعض الوقت في شركة الوادي  لبيع قطع السيارات والتي كنت شريكا فيها ، لم يناسبني العمل في الشركة لأنني ألفت العمل بالتدريس خلال أربعين عاما ، في التدريس كان الراتب محددا ، وتخطط لنفقاتك ضمن حدود هذا الراتب ( تمد رجليك على قدر فراشك )، أما في التجارة ، فسيعتاد التاجر رغم أنفه (أحيانا) وربما (غالبا ) أن يمد  رجليه خارج السرير ، وربما يتركهما في البرد بدون غطاء فيحس بالبرد ، وربما يتجمدان قبل أن يحس ببرودتهما ، كنت دائما قلقا عير مطمئن وأنا أعمل بالتجارة ، وخاصة عندما كنت أكتب الشيكات البنكية للتجار آخر كل شهر ، كنت أبلغ أخي محمد بنذير الخطر عندما يكون مجموع الشيكات الصادرة من الشركة أكثر من مجموع المبيعات الشهرية ، كان أخي محمد أكثر طمأنينة مني ، وفي كل مرة يقول لي توكل على الله ربنا يسهل الأمر، وكنت أرد عليه دائما ، والله يا أخي إنني رجل مؤمن مثلك ومتوكل على الله ، ولكن الرسول صلي الله عليه وسلم يقول بما معناه : " اعقلها وتوكل "(1) ، وتحت ضغط الشيكات النفسي، وعدم قدرتي على تحمل المديونية الزائدة التي لم أعتدها تركت العمل بالشركة.     ______________________________________________________ 

الأم الدرع البشري الحنون ---- يوميات شاب من فلسطين

أخي محمد رجل عملي ومكافح وأمين ، يتعامل مع كثير من الناس ، بنفس الثقة والأمانة التي نشأ عليها وتطبع بها ، وبعض الناس لا يستحقون هذه الثقة ، واكتشف هذا الأمر مؤخرا بعد أن ضبطهم متلبسين بالخيانة .   قد لا تصدق ، أو لا تتصور أن أحد الأشخاص الذين وثق بهم ، وعملوا عنده لمدة سنتين ، عندما ضبطوه متلبسا بالجريمة ، داهموا منزله فجأة وهو يرافقهم رغما عنه إلى البيت ، وجدوا الأجهزة الكهربائية التي يتاجرون بها مكدسة في خزانة ملابسة ليبيعها بمعرفته خارج وقت الدوام .    إن أحد أساليب السرقة الشيطانية التي يتعامل بها هذا الموظف اللص ، حيث كان من ضمن عمله المحافظة على نظافة المحل وعمل الشاي والقهوة بعد انتهاء الأعمال الخاصة بحافلات التوزيع ، كان يعمل الشاي أو القهوة لأخي وشريكه وهما يعملان في المكتب ويتجاذبان أطراف الحديث ، ويعد لهما الأرجيلة ( الشيشة ) ، وعندما يراهما منسجمين في الحديث مع القهوة والأرجيلة ، كان يخرج بكرتون القمامة من أمامهم رافعه إلى  الأعلى متظاهرا بتعبئته بالقمامة ، وكان يضع في كل غدوة وروحة إلى حاوية القمامة جهازا كهربائيا أو اثنين ويمر على سيارته التي تقف بشكل متعمد قريبة من الحاوية ليخبئ بداخلها مسروقاته ، وقد نسي اللعين أن الله رقيبا عليه في كل حركة يقوم بها : " يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور"(1) .                    وبالصدفة المحضة مررت على  أخي بالشركة وأنا في طريقي إلى  عمان ، وكان ذلك في نفس يوم اكتشاف  هذا الرجل اللص ، وبمجرد أن رآني دخلت المكتب رمى نفسه عليََ وهجم علي يقبل رأسي قائلا : أنا داخل عليك يا عم أبو صلاح ، قلت له : تدخل علي بعد أن  ارتكبت هذا العمل المشين ؟؟!!  لقد خنت الأمانة وعضضت اليد التي امتدت لتساعدك ،  قام إليه شريك أخي بانفعال ، وصفعه كفا ، وضربه بحذائه ، فمنعته من الاستمرار ، وكتبوا عليه إقرارا يعترف فيه بالسرقة ، وأنه استلم كافة حقوقه من الشركة ، فالشركة الجديدة كانت في طور الإنشاء والترخيص، ولا جدوى من تسليمه للعدالة ما دامت الشركة غير مرخصة بعد .      _______________________________________________________ (1) سورة غافر ، رقم الآية (19) .                                                                                                                                                                                            إن الثقة بالناس يجب أن تكون ثقة منضبطة بمعايير محددة ، تمنع الانفلات ، وتمنع ضعاف النفوس الذين ربما تسول لهم نفوسهم الضعيفة استباحة أموال الآخرين ، بحجة أنه مظلوم ، أو أن راتبه قليل أو غير ذلك من التبريرات التي تحلل له الحرام !! .     بعد أن تركت العمل في التدريس لبلوغ السن القانوني للعمل، وكذلك العمل في الشركة طوعا لعدم القدرة على تحمل أعباء العمل الذي لم أعتاده ، اتصل بي أبنائي حفظهم الله جميعا وقالو لي :  لقد آن لك أن تستريح ، عملت بما فيه الكفاية ، ربيتنا أفضل تربية ، وعلمتنا أحسن تعليم ، وبنيت لنا سكنا مريحا ، وتزوجنا جميعا والحمد لله ، وكلنا يعمل في وظائف مناسبة ، وهذا كله بفضل الله ثم بفضل جهودكم المتواصلة أنتم والوالدة الكريمة .    استرح في البيت يا والدنا الكريم ، وانقطع للعبادة ما بين البيت والمسجد ، زر الأقارب وصل الأرحام ، وتجولا أنتما والوالدة في بقاع الأرض وأنتم مرتاحون الآن ، بعد أن سبق لكم وتجولتم في بقاع الأرض وأنتم متعبون تحملون هموم الدنيا كلها على أكتافكم .    نحن إن شاء الله سنكفيكم بكل ما تطلبون ، أنتم تأمرون ونحن علينا تلبية طلباتكم ، ولا نطلب منكم إلا أن تبقوا راضين عنا ، وتدعوا لنا بالسداد والتوفيق ، أنتم ووالدتنا الحنونة التي تعبت وجاهدت معكم ، معلمة في المدارس ومديرة لها على  مدى عشرين عاما ، ومربية وحاضنة لنا في البيت ، وباعترافك يا والدي كانت ولا زالت خير زوجة  تقوم على رعاية حقوق زوجها وتلبية طلباته ، وبالطبع كنت أنت لها كذلك خير راع يحافظ على حقوق الزوجية ويطبقها ، نعم كنت لها كأبي زرع لأم زرع  .   لقد آن لنا أن نسد بعض هذا الدين الذي طوقتم به أعناقنا ، استريحوا  كفاكم الشقاء والتعب على مدى أربعين عاما ، لقد جاء دورنا حتى نوفر لكم أسباب الراحة ، ما بقي لكم من حياة إن شاء الله ، وربنا يطيل في أعماركم حتى تستمروا في الدعاء ، فنحن بفضل الله ثم بفضل دعائكم موفقين في أعمالنا وحياتنا ، والله يحفظكم لنا ذخرا وسندا .      نعم لقد آن لهذا الفارس أن يستريح من عناء العمل ، بعد  أن عمل إحدى وأربعين سنة في مهنة التعليم ، ولا يعرف مشقة مهنة التعليم إلا من جربها ، فقد جربها الشاعر الفلسطيني / إبراهيم طوقان حين عارض أمير الشعراء /أحمد شوقي بقوله :             شوقي يقول وما درى بمصيبتي                 قم للمــعلم وفه التبـــجيلا                               لو جرب التــعليم شوقي  ساعة                 لقضى الحياة شقاوة وخمولا   وجربها عميد الأدب العربي د. طـه حسين ، أستاذ الجامعة ، ووزير المعارف المصري ، حيث قال عبارته الشهيرة في عيد تكريم المعلمين حاثا على تحسين أوضاع المعلمين المادية والاجتماعية قال : " المعلمون أكثر الناس إجهادا وإملاقا " .   وانحط الواقع الاجتماعي في فترة من الزمن عند كثير من الناس حتى صار بعض ضعاف العقول  ينظرون إلى المعلم نظرة غير لائقة  بسبب ضآلة دخله  وفقره ، حتى أن بعض الفتيات رفضت الزواج من المعلم حسام ، لا لعيب فيه سوى أنه كان يعمل مدرسا ، فيقول الشاعر على لسان تلك الفتاة الجاحدة لفضل المعلم ، وغير مقدرة لظلم المجتمع له  :         أنا لا أريد حسام لست أريده              أنا لا أريد حسام فهو معلم ولو كنت مكان حسام لامتشقت حسامي وعاجلتها بطعنة من حسامي قطعت به أنفاسها قبل أن أقطع لسانها ، الذي تحرك ليجرح كرامة هذا المعلم الذي ورث رسالة الأنبياء .  وقد أراحني الشاعر الفذ ، وخلصني من وزر ارتكاب جريمة القتل ، بدفاعه عن هذا المعلم المجروح بقوله :         إن الذي يبني الوجود بكفه             أضحى بكف الجاهلات يهدم ويقول الشاعر الآخر :       أرأيت أشرف أو أجل من الذي          يبني وينشئ أنفســـــا وعقولا           نعم لقد آن لنا نستريح أنا وزوجتي الشريفة المناضلة بجانبي ، والتي رافقتني رحلة العمر ، رحلة الكفاح الطويلة بحلوها ومرها ، ساهمت معي وساعدتني في التغلب على ظروف هذه الحياة القاسية التي عشناها ، في الإنفاق على العائلة ،وفي الإنفاق على دراستنا معا في جامعة بيروت العربية، وفي شراء قطعة الأرض وبناء البيت الذي نسكن فيه على مراحل عدة ابتداء من عام 1980ولغاية عام 1989 سنة نبني العظم ، وسنة نكسيه باللحم ، وأخرى نسد فيها الدين الذي لحقنا من جراء عملية البناء ما بين اللحم والعظم .    وقد نفذنا الخطة التي رسمناها لأنفسنا ، وهي أن ينتهي بناء البيت قبل أن يتخرج أول أبنائنا من الثانوية العامة،لأنه سيدخل في الحساب مصاريف مستجدة هي مصاريف الدراسة الجامعية( والحبل على الجرار) ، أعمار الأبناء متقاربة ويمكن أن يجتمع ثلاثة منهم في مرحلة الدراسة  الجامعية ، وهكذا كان ، ومصاريف الجامعة وما أدراك ما مصاريف الجامعة ، وأيضا هذه المهمة لا يشعر بها إلا من جربها خصوصا إذا كان واحد أو اثنين من الأبناء يدرسون حسب نظام التعليم الموازي ، ولم يحصلوا على مقاعد جامعية وفق نظام التنافس العام المعمول به في الأردن ، أو أن الابن لم يعجبه مجال الدراسة الذي كان يتوافق مع درجاته في التنافس العام ، وأصر على أن يدرس المجال الذي يفضله ، أو يبقى بدون دراسة ، عندها يضطر الأب إلى إدخال ابنه قسم التعليم الموازي ، حرصا على  مصلحة ابنه ، حتى ولو تحمل فوق طاقته من الإنفاق ، لأن لديه قناعة تامة بأن بناء الإنسان أهم بكثير من بناء القصور والعمارات ، ولأن الإنسان هو الذي يبني القصور ، ولا تبني القصور الإنسان أو تعلمه .    وقد ثبت صحة  هذا الكلام عمليا بمثال من واقع حياتنا المعاش ، لم يحصل ابني الأول  صلاح الدين على الاختيار المناسب في التنسيق العام ، وكان يفضل دراسة الحاسب الآلي ، وفتحت أول جامعة أهلية في الأردن وهي جامعة عمان الأهلية وكان صلاح من أوائل الطلبة الذين سجلوا في هذه الجامعة وكان الرسم السنوي لأبناء المغتربين بالدولار ويبلغ خمسة ألاف دولار ، خُفض في السنة الثانية إلى أربعة ألاف دولار لحدوث حرب الخليج وعودة الأردنيين من الكويت .                                                                                                                                                                        قال لي أبو برهان وهو احد الزملاء الذين يعملون معي في المدرسة ، يا رجل أأنت مجنون حتى تدفع رسوم جامعية على تعليم الولد مبلغ 13000 دولار، غير مصاريف السكن والمصاريف الأخرى بما يعادل 150 دينارا شهريا ، يا رجل لو فتحت له (سوبر ماركت ) بالمبلغ لدر عليك دخلا أفضل من راتب الوظيفة التي سيعمل بها .    قلت له : إن الواجب علينا أن نؤدب الابن ونحسن تأديبه ، ونعلمه ونحسن تعليمه ، أما الوظيفة والأرزاق فهي بيد من لا يغفل ولا ينام يقسمها كيف يشاء ، وقد جاء في الحديث القدسي فيما يرويه الرسول عن ربه عز وجل قال بما معناه أو كما قال:" إن من عبادي من لا يصلحه إلا الفقر ولو أغنيته لأفسدت عليه دينه،وإن من عبادي من لا يصلحه إلا الغنى ولو أفقرته لأفسدت عليه دينه "(1) .    وكم من الناس لم يكملوا تعليمهم ، كانوا معنا على  مقاعد الدراسة ، وهم اليوم من الأثرياء ، وكم من الناس الذين أكملوا تعليمهم وعملوا في وظائف عديدة ويعيشون الكفاف وحالهم مستور ويحمدون الله على كل حال ، قال تعالى : " نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا ... "(2)     ودارت الأيام وباعدت بيني وبين زميلي السابق الذكر ( أبو برهان )، تخرج ابنه من الثانوية العامة ، وظلت فكرة ( السوبر ماركت ) تدغدغ أفكاره ، وفتح لابنه مكتبة ليعمل فيها قبل أن يكمل دراسته الجامعية ، واستمر فيها ثلاث سنوات حتى أدرك فشل مشروعه التجاري ، وتلاشى راس المال ، لأنه كان يأكل من جلده ، وباع ما بقي في المكتبة بتراب الفلوس ، بعدها أستدرك ما فاته ، دخل ابنه جامعة اليرموك / قسم الإعلام وهو الآن موظف كبير في شركة بترا الأردنية للإعلام .     وجمعتنا الأيام مؤخرا في مناسبة فرح لابن أحد أصدقائنا ، وجلسنا على طاولة واحدة بعد عناق وقبلات حارة ، وكنا مجموعة من الأصدقاء القدامى ، التفت إلي أبو برهان قائلا : والله إنك كنت   -------------------------------------------------------------------------------------------- (1))رواه الطبراني . .                                                                                                                  (2) سورة الزخرف ، رقم الآية (32)  على حق يا أبا صلاح عندما أدخلت أبناءك في الجامعة من بداية الطريق ، وسرد لنا قصته السابقة مع المكتبة وكيف ضاعت الفلوس ، وضاعت ثلاث سنوات من عمر الابن كذلك بين جدران المكتبة مقهورا بدون فائدة ، وكل ميسر لما خلق له ، والحمد لله على كل حال .       ولله در الشاعر حيث يقول :               تعلم فليس المرء يولد عالما             وليس أخو علم كم هو جاهل                                    وإن كبير القوم لا علم عنده            صغير إذا التفت عليه المحافل                     ويكفي طالب العلم خيرا ما يبشره به رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديث الشريف بما معناه أو كما قال : " من سلك طريقا يلتمس به علما سهل الله له به طريقا إلى الجنة ... "(1) .        إنني قد بلغت الآن السادسة والستين ، ولا زلت أطمح في إكمال دراستي الجامعية والحصول على درجة الدكتوراه فهي أمنية طالما حلمت بتحقيقها ، وأحمد الله أنني لم أتمنى أمنية في حياتي إلا وحققها الله لي ، إلا هذه الأمنية لحكمة أرادها الله وربما يكون في ذلك خير لي  " وعسى أن تحبوا شيئا وهو شر لكم ... " (2) ، غير أني لم أيأس ولن أقنط من رحمة الله .   وكانت آخر أمنية سألت الله أن يحققها لي هي أن يرزقنا  بعشرة أحفاد من الذكور ، وقلت في نفسي سأذبح إن شاء الله عجلا عند تحقيق هذه الأمنية ، نأكل منه ونوزع الباقي على الأرحام والأصدقاء والمساكين ، وقد تحققت الأمنية وذبح العجل وتم توزيعه والحمد لله .    إنني أعتز وأفتخر بجميع أفراد عائلتي الصغيرة ، فنحن سبعة ، الأب والأم وخمسة من الأبناء: أربعة من الذكور ووحيدتنا هديل ( ست إخوتها ) كما تحب أن تلقبها أمها بذلك ، جميعنا والحمد لله من حملة الشهادات الجامعية:                                                                               ------------------------------------------------------------------------------------------   (1)رواه مسلم .                                         (2) سورة البقرة ، الآية رقم (216) .  الأب : يحمل خمس شهادات جامعية : ثلاثا منها بكالوريوس تجارة ، تخصص اقتصاد ، تخصص          محاسبة وتخصص إدارة أعمال ، الرابعة دبلوم الدراسات الإسلامية العليا ، والخامسة               ماجستير دراسات إسلامية تخصص اقتصاد وعلوم مالية .الأم : بكالوريوس تجارة / تخصص إدارة أعمال .صلاح الدين : بكالوريوس حاسب آلي / تخصص نظم واتصالات علاء الدين : بكالوريوس هندسة / تخصص هندسة كيماوية .عماد الدين : بكالوريوس طب / تخصص باطني .بهاء الدين : بكالوريوس حاسب آلي / تخصص اتصالات .هديــــــــل : بكالوريوس لغـــــــــــــــــــة إنجليزية .    جميعهم متزوجون ومستقرون في بيوتهم وأعمالهم والحمد لله ، ورزقني الله وإياهم حتى الآن أحد عشر حفيدا منهم عشرة ذكور وطفلة واحدة ، وأسأل الله أن يصل عددهم إلى الرقم خمسة وعشرين، إن شاء الله يرزق كل واحد من أبنائي الخمسة ، خمسة من الأبناء كما رزق أباهم خمسة من قبل ونسأل الله أن يحفظهم جميعا ويبارك فيهم .   أقضي معظم وقتي والحمد لله بين البيت والمسجد ، أذهب إلى السوق كل يومين أو ثلاثة لشراء بعض لوازم البيت من مختلف الحاجيات ، خضار وفواكه ، لحوم ودجاج وأسماك وغيرها .    أذهب كل أسبوع أو أسبوعين للمبيت عند الوالدة  ، وأصطحب معي في كل مرة أختي الصغرى  تبيت معي عند الوالدة ، تقوم بترتيب شؤون البيت وتنظيفه وعمل كل ما يلزم ، وأقوم أنا بتوفير الحاجات اللازمة للبيت من ألفها إلى يائها ، قاربت الوالدة على المائة عام ، وأصبحت غير قادرة    على القيام بأعمال الطبخ والغسل ، يقوم دار أخي عبد  العزيز بعمل كل ما يلزم في حال عدم وجودنا عندها ، ولا زالت الحاجة ترفض البقاء عند أحدنا في منزله أكثر من يومين أو ثلاثة ، وأحيانا ترفض الذهاب مع أي واحد منا ، وتردد لنا المثل الذي تحفظه عن ظهر قلب ولطالما سمعناه منها : ( حبيبي رآني ورأيته ، وباقي عليََ خزوق بيته ) ، ( أنا شفتكم يامه ، وأنتم تأتون لعندي باستمرار) ( وما في داعي أتعب نفسي في الذهاب عند أحدكم ) ( أنا في بيتي بستريح أكثر من كل البيوت )    وأمام إصرارها نضطر إلى تركها عند دار أخي عبد العزيز ، يرعون شؤونها ، وتبقى عندها واحدة من بنات أخي عبد العزيز ، تؤنس وحشتها ، وتقدم لها ما تريد ,    إن هذه الأم الصابرة المصابرة ، مهما قدمنا لها من خدمات ، فإنها لن تعادل عشر  معشار التضحيات العظيمة التي قدمتها لنا في شبابها ، عندما كنا أطفالا صغارا ، كانت تسعى سعي الرجال  لتقوم بتأمين احتياجاتنا .      وكما سبق أن أشرت لا زالت هذه الأم ترفض العيش في بيت أحد أبنائها مع العائلة ، لأنها ترفض أن تعيش في ظل امرأة أخرى رغم شيخوختها وضعف قدراتها العقلية والجسدية وتقول دائما : " أنا هيك مستريح أكثر " .      لن أنسى في يومياتي هذه ، ذكر صحبة المسجد ، ورفقاء صلاة الفجر وصلاة الضحى وبداية وقتها بعد شروق الشمس بثلث ساعة ، وقد تعودنا ما بين صلاة الفجر ووقت الضحى على قراءة القرآن  وسماع درس من التفسير أو الحديث أو  سيرة أحد الصحابة أو التابعين أو  قصص الأنبياء وقصص الصالحين  وذلك للتأسي بهم ، واقتباس المواعظ والعبر من أخبارهم.    وفي نهاية الجلسة وبعد أداء صلاة الضحى ، نجلس مرة أخرى ليأكل كل واحد منا سبع حبات من التمر عملا بحديث الرسول صلى الله عليه وسلم بما معناه أو كما قال : " من تصبح بسبع تمرات عجوة ، لم يضره سم ولا سحر "(1)                                                                   ---------------------------------------------------------------------------------------- (1) رواه البخاري .                                                       أما هؤلاء الأخوة الأفاضل الذين يرافقونني باستمرار ومنذ ثلاث سنوات تقريبا وهم ، السادة / أبو عاطف الجمرة  ، أبو حسن الجادوري ، أبو محمد أبو حطب ، أبو نضال ، أبوبسام  الجوابره وأبو محمود ، والأستاذ / جهاد جردات، والأخ/ حسين جردات ، ومن الطلاب : الطالب محمد والطالب خالد .   إن العلاقة والأخوة التي تربط بين أفراد هذه المجموعة ، هي علاقة قوية تسودها المحبة والأخوة في الله ، والذين آمنوا أشد حبا في الله ، غير مبنية على المصلحة  أو المنافع الدنيوية ، إذا غاب أحد أفراد هذه المجموعة عن صلاة الفجر ، فإن الجميع يسأل عنه ، ويقابلونه بالسؤال وهم يبتسمون قائلين له : هل ضحك عليك أبو مرة البارحة ؟؟!! ويعنون بذلك الوسواس الخناس الذي يوسوس في صدور الناس ، ويضرب على آذانهم فلا يستيقظون وتفوتهم الصلاة ، لذلك فأفضل طريقة وبمجرد أن يستيقظ الإنسان يقوم من فراشه على الفور، وبذلك يكون قد قهر وسوسة الشيطان .    وما هو جدير بالذكر تقديم الشكر الجزيل لإمام المسجد الشيخ / محمد خالد الطيطي ، ومؤذن المسجد السيد /مالك لإتاحتهم لنا فرصة المكوث في المسجد بعد صلاة الفجر حتى يحين وقت صلاة الضحى ، وأحيانا يشاركوننا البقاء في المسجد والمكوث فيه للعبادة  جزاهم الله خيرا .    والحمد لله على كل حال ، أجزل علينا نعمه وعطاءه ، وأكرمنا بنعمة الأمن والأمان ، والصحة والعافية ، وأفاء علينا من خيراته التي لا تحصى ، ونسأله تعالى أن يديم علينا هذه النعمة والفضل والعطاء ، وأن يبقي ألسنتنا رطبة بذكره وشكره في السراء والضراء وحين البأس ، إنه على كل شيء قدير وبالإجابة جدير والحمد لله رب العالمين .         ِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِرحلة العمرة الدينية التاريخية السياحيةعود على بدء     في التاسع عشر من نيسان عام 1411م الموافق الخامس عشر من جمادى الأولى لعام 1432هـ   قررت الذهاب لزيارة أبنائي في مدينة الرياض بالمملكة العربية السعودية ، بعد غياب عن المملكة دام عشر سنوات  ( 2001- 2011) م ( 1422- 1432) هـ ، حيث كنت أحد المدرسين المتعاقدين الذين تم الاستغناء عنهم لإحلال كوادر سعودية مكانهم ، بعد خدمة دامت ثمان وثلاثون سنة في وزارة التربية والتعليم .    وكان من الأهداف الرئيسة للزيارة أداء مناسك العمرة وزيارة بيت الله الحرام والمسجد النبوي الشريف ، بعد غياب طويل عنهما ، خصوصا وأنني قد اعتدت على هذه الزيارة مرة أو مرتين كل عام خلال وجودي في المملكة في السنوات السابقة ، وكم كنت في شوق لهذه الزيارة .    يعمل أبنائي الثلاثة في شركات مختلفة في مدينة الرياض ، يعمل صلاح الدين مهندسا في شركة المعمر للاتصالات ، ويعمل علاء الدين مهندسا كيماويا في شركة ( وتكو ) لتحلية المياه ،أما بهاء الدين فيعمل مهندسا في شركة الاتصالات المتكاملة .    لقد سبق لي أن زرت الرياض عام 1976م ، أي قبل خمس وثلاثين سنة تقريبا ، كنت يومها أحضر رسالة ماجستير في الاقتصاد الإسلامي ، وكان يشرف على رسالتي الدكتور/ محمد شوقي الفنجري ، كان أستاذا بجامعة الرياض .  مكثت في الرياض مدة شهر ونصف ، طيلة العطلة الصيفية  المدرسية لذلك العام ، حيث كنت حينها أعمل في مدارس مدينة تبوك ، كنت في تلك الفترة أتردد على مكتبة جامعة الملك سعود في    موقعها القديم بالملز ، ومكتبة معهد الإدارة في نفس الحي على ما أتذكر ، وكنت  لا أخرج من تلك المكتبات إلا مع انتهاء دوام موظفيها ، وكثيرا ما كانوا ينبهونني إلى انتهاء الوقت ، وكانت مكتبات تبوك لا تفي بالغرض ، فكنت حريصا على استغلال وقت تواجدي في الرياض ، حيث المكتبات عامرة بالمراجع القيمة . كنت في تلك الفترة أتردد على منزل الأستاذ الدكتور/ محمد شوقي الفنجري ، على فترات متقاربة أسبوعية ، أعرض عليه ما أعددته من مواضيع الرسالة ، يجيز بعضها ، ويعدل على بعضها ، ويشطب بعضها ، ويرشدني إلى المراجع القيمة ، أهداني بعضا من مؤلفاته ، ومن كتب الاقتصاد الموجودة عنده ، كان جزاه الله خيرا متواضعا كريما ، بسيطا في بيته ، كان أعزبا ، ترك زوجته  عند أبنائه الذين يدرسون بجامعات القاهرة ، لذلك كنا نأخذ راحتنا معه في البيت ، فكنت أرافقه عند عمل الشاي والقهوة ، وأحيانا كنت أغسلها معه ، رغم إصراره ورفضه الشديد لذلك .                   وبنظرة متأنية لمعالم الرياض اليوم ، وما كانت عليه أيام زيارتي الأولى لها قبل خمسة وثلاثين عاما ، فشتان بين الأمس واليوم وخاصة من حيث التطور الحضاري والعمراني ، في الماضي لم تكن الرياض بهذا الاتساع في بعديها الأفقي والعمودي ، لم نكن نشاهد تلك الأبراج الشاهقة الارتفاع ، كنا نشاهد أثناء المرور ببعض الأحياء السكنية بعض البيوت المبنية من الطين والتي لم أشاهد أثرا لوجودها الآن .   أذكر من المعالم القديمة التي شاهدتها في زيارتي السابقة ، مبنى وزارة الداخلية بتصميمه المميز والذي يلفت نظرك من مسافة بعيدة ، وكذلك حي السفارات ، حيث كانت حدائق هذا الحي متنفسا ومتنزها جيدا يذهب إليها الناس للراحة والاستجمام ليلا ، وقد تجاوزتها متنزهات الرياض الآن .    في زيارتي السابقة للرياض ، ذهبنا في زيارة تاريخية لمدينة الدرعية ، كانت تبعد عن الرياض مسافة لا بأس بها ، أما اليوم فهي أشبه ما تكون بحي من أحياء الرياضِ فالمباني شبة متصلة ولا يكاد يفصل بينهما فاصل ، كانت الدرعية بلدة بسيطة  ، معظم بيوتها من الطين ، أما اليوم فتجد فيها   العمارات الشاهقة ، والشوارع العريضة المنظمة ، وقد طغت المعالم الحضارية الحديثة ، على المعالم التاريخية القديمة فيها .   أتذكر في زيارتي الأولى للرياض أسواق  ( الديرة )و ( البطحاء) لبيع الخضار والتمور، كانت أسواقا شعبية ، ترى ( مكاتل ) التمور بأنواعها المختلفة تعرض على الأرصفة وفي جانبي الشارع   هنا وهناك بدون ترتيب ولا نظام ، أما هذه الأيام فعندما زرتها ، وجدت أسواقا خاصة بالخضار والتمور ، مرتبة ومنظمة تنظيما دقيقا ، في أماكن فسيحة واسعة ، شوارعها عريضة ومنظمة ومضاءة بالكهرباء ، فيها مواقف خاصة لسيارات المشترين ، قريبة من أماكن التسوق ،يقضي الناس حوائجهم بكل يسر وسهولة.   أما محلات بيع التمور فلها أماكن خاصة بها ، تعرض أنواع التمور المختلفة بطرق فنية ، بعبوات مختلفة وزنا وحجما وشكلا وجودة ، أنواعها كثيرة يصعب على غير ذوي الخبرة بالتمور حفظ هذه الأنواع والتمييز بينها ، فمنها البرني والبرحي والصقعي والخلاص والسكري والحلوة وغيرها كثير أما أسعارها فلكل حسب مقدرته الشرائية ، فبعضها أسعارها عادية يستطيعها كثير من الناس شراءها ، وبعضها أسعارها مرتفعة لا يشتريها إلا أصحاب الدخول المرتفعة ممن لديهم القدرة على شرائها ، وكان موعدنا لزيارة أسواق التمور في غير موسم البلح  ، فقد رأينا ثمار النخيل في شوارع الرياض على الشجر بسرا أخضر ولما ينضج بعد .    ظاهرة الأبراج في الرياض تلفت النظر ، اصطحبني ابني علاء الدين وأفراد عائلته ، لمشاهدة برج المملكة عن قرب ، وقد أعدت صالة زجاجية كبيرة ، صممت بطريقة هندسية عجيبة ، تربط بين شعبتي برج المملكة الشاهقين في عنان السماء ، على ارتفاع مائة طابق ، وقد أعدت هذه الصالة لمشاهدة كافة أنحاء الرياض من خلال هذه الصالة الزجاجية .   وصلنا برج المملكة الساعة التاسعة مساء ، وجدنا الناس يصطفون في طوابير طويلة  أمام مصاعد البرج التي يتسع الواحد منها لأكثر من عشرين شخصا ، في البداية تبدأ بدفع رسوم الدخول   بمقدار خمسة وعشرين ريالا عن كل شخص ، ثم  تأخذ موقعك من الطابور أمام المصعد سريع الحركة ، سرعته مدهشة ، يصل بك المصعد إلى قمة  البرج ، حيث الصالة الزجاجية في ثوان قليلة ، وربما تكون أقل من وقت مصعد في عمارة عادية مكونة من أربعة طوابق، وكذلك لا تشعر بحركة هذا المصعد أثناء سيره.   وفي أعلى البرج توجد الصالة الزجاجية التي تطل على الرياض من جميع نواحيها ، شرفة واسعة تشاهد الناس فيها يقفون خلف البلور الزجاجي الضخم ، متمسكون بقضبان غليظة من الكروم  تفصلك عن الالتصاق بالألواح الزجاجية ولتمنع خطورة العبث بها حال الاقتراب منها، يسير الناس في هذه الصالة من أولها إلى آخرها وهم ينظرون بدهشة وانبهار إلى  الرياض من علٍٍ يشاهدون السيارات تسير في الشوارع كأنها دمى أطفال صغيرة ، والعمارات الشاهقة كأنها أكشاك قميئة لبيع المرطبات والسجائر.   يوجد في نهاية الصالة بوفيه تستطيع شراء ما تريد من المرطبات والعصائر والحلويات والبوظة ويوجد أمامها عددا من الطاولات والكراسي لمن يريد الجلوس ، ويلاحظ على أسعار هذه البوفيه أنها مرتفعة ، فثمن علبة البوظة الصغيرة عشر ريالات !!   إنك تحس وأنت داخل هذه الصالة الزجاجية التي تسبح في الفضاء ، كأنك في عالم آخر ، الرياض أمام ناظريك كأنها كتلة مشتعلة من الأضواء الكهربائية ، استقامات الشوارع الطويلة والعريضة ، كأنها مساطر كهربائية مضاءة منثورة في جميع الاتجاهات ، ولا بد في تلك اللحظة أن يتذكر الإنسان قدرة الله الذي علم الإنسان ما لم يعلم ، ويشكره على هذه النعم الكثيرة التي لا تحصى قال تعالى : " وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها "(1) ، " فبأي آلاء ربكما تكذبان "(2)  . ------------------------------------------------------------------------------------------------------ (1)  سورة إبراهيم ، الآية رقم (34)                           

 (2) سورة الرحمن ، الآية رقم الآية (13)

 .   في زيارتي الأولى للرياض قبل خمس وثلاثين سنة تقريبا عام 1976م ، كانت المقاهي الشعبية  منتشرة داخل الرياض ، مقاعدها من الكراسي الخشبية العالية المشدودة من الحبال وسعف النخيل   وتسمى ( القعادة ) ، كنا نذهب للاستراحة بها ليلا سيرا على الأقدام . أما هذه الأيام فقد منع وجود مثل هذه المقاهي داخل الرياض ، وسمح بإنشاء مقاهي خارج الرياض على بعد 20 -30 كلم ، وفرق شاسع بين هذه وتلك ، مقاهي اليوم عبارة عن استراحات مغلقة ومكيفة ، فيها جلسات مريحة مفروشة بالسجاد وتحيط بجدرانها المراكي  والمساند الوثيرة     وجلسات أخرى طاولات وكراسي مريحة  ، والورود الطبيعية المزروعة بين تلك الجلسات تضفي على الجو بهاء وجمالا، وهكذا أصبح المقهى يحمل طابع الاستراحة أكثر من كونه مقهى .   أصر عليََ أحد أبنائي وهو بهاء الدين أن يصطحبني معه في أحد الأيام إلى هذه  المقاهي، وشجعني على ذلك ، فأنا ليس من رواد المقاهي ، ولا أحب الجلوس في هذه الأماكن ، ويوم مباراة كرة القدم بين (ريال مدريد وبرشلونة ) ، قال تعال معي وستشاهد أمما هناك إنه عالم آخر ، نعم إنه عالم آخر من اللهو واللعب ، وحبذا لو استُغل فيما هو أفضل وأكثر نفعا .   وبالفعل كما قال رأيت عالما آخر ، تحجز فيه المقاعد حجزا من الظهر أو العصر على الهاتف ،   لكل طاولة تلفاز خاص بها ، وكذلك لكل من الجلسات الرومانسية الأرضية الأجهزة الخاصة بها   ويطوف بين هذه وتلك النادلون يخدمون رواد المقهى فيقدمون الشاي والقهوة والعصير والشيش (والأراجيل) على  اختلاف أنواعها وأشكالها ، وحملة الجمر يذرعون القهوة ذهابا وإيابا يزودون الشيش بالنار عند الحاجة إليها .   كان البعض يلعب الورق ، وآخرون يلعبون الزهر ، وآخرون يجلسون لمشاهدة التلفاز ، وآخرون يتجاذبون أطراف الحديث من هنا وهناك ، عالم لهو وصخب كله ، جنبنا الله وإياكم الاعتياد على زيارة هذه الأماكن فإنها مضيعة للوقت .   وللحق وللأمانة لا بد من ذكر مشاهدة طيبة وسط هذا الجو المشحون ، يوجد مسجد كبير لأداء الصلاة في وقتها ، تسمع الأذان وإقامة الصلاة ، ويكون الناس في المسجد بالمئات يؤدون الصلاة في وقتها ، وكثير منهم من يتكاسل عن أداء الصلاة في وقتها ، وقد شاهدت المقاهي مقفولة أثناء تأدية الصلاة .   وفي أحد الأيام وأنا بالرياض اتصل بي ابن أخي / عمر عبد العزيز ، وهو يعمل بشركة (الصافي/ دنون)  للألبان بمدينة الخرج ، وقال لي أريدك أن ترافقني في نزهة لإحدى استراحات الرياض ، وكان اسمها ( الضوء الخافت ).    بمجرد دخولنا الاستراحة شعرنا ببرودة رذاذ الماء المنطلق من أنابيب تعلو هاماتنا على طول الممر الذي يؤدي إلى مكان الجلسات الهادئة المعدة بشكل متقن ، والمفروشة بالسجاد ومحاطة من جانبها بالمراكي والمساند الوثيرة ، ومن حولك أشجار الورد بعبقها الشذي، ومن أمامك بركة واسعة مليئة بالأسماك المتنوعة التي تسبح باتجاهات مختلفة ، وفي وسط البركة نافورة ماء ذات دفع قوي يرتفع ماؤها عدة أمتار في الهواء  الطلق ، وإذا ما هبت نسمات  من الهواء تشعر برذاذ الماء البارد ناعما على جسمك ، ومن حولك النوادل يعرضون عليك  تقديم خدماتهم من شاي أو قهوة أو عصائر مختلفة ، أو عشاء إذا كنت ترغب في تناول الطعام .   وشتان بين هذه الاستراحات أو المقاهي ، وبين تلك المقاهي التي كانت منذ زمن داخل الرياض  فالكراسي الخشبية متراصة بجانب بعضها ، والناس يجلسون عليها كتفا لكتف ، وكل الجالسين مدخنون سواء تدخينا طوعيا أم سلبيا ، فرائحة (الجراك ) المحترق تكاد تخنقك ، والضجيج يوشك أن يصم أذنيك . نموذج آخر من نماذج هذه الاستراحات الممتازة خارج مدينة الرياض ومحيطها ، هو انتشار ظاهرة الاستراحات النموذجية المتكاملة الخدمات ، فبعض المستثمرين اتجه إلى هذا المجال،    اشتروا قطعا واسعة من الأراضي ، وقسموها إلى قطع أصغر على شكل مر بعات أو مستطيلات ، مساحات القطعة الواحدة 2000 م  مربع ، وعمل منها استراحات منفصلة عن بعضها البعض بأسوار عالية يصل ارتفاعها إلى ثلاثة أمتار ، وبداخل كل منها مبنى مكون من غرفتين واسعتين ومرافق عامة وتشطيب جيد ، وأمام هذا المبنى خيمة عربية واسعة مفروشة بالسجاد والمساند تتسع لأكثر من خمسين شخصا ، وعلى جوانبها أماكن معدة للطبخ وأماكن أخرى  معدة للشواء ، في الوسط مسبح نظامي مصغر (10×6) ويوجد به (فلاتر) لتغيير الماء وتعقيمة ، وفي الجهة الأخرى من الاستراحة يوجد ملعب مصغر أيضا لكرة القدم مزروع بالإنجيل ، وهنا وهناك طاولات وكراسي  ومظلات  شمسية ، وسعر هذه الاستراحات بين 500 -700 ريالا حسب العرض والطلب عليها.   استضافني أصهاري من آل الخطيب لقضاء يوما كاملا في هذه الاستراحة ، وكان يوما جميلا حقا ، بما تخلله من نشاطات وفعاليات ومسابقات رياضية وثقافية وشعرية ، وتوزيع جوائز على الفائزين بهذه المسابقات ، وكانت هذه الجوائز أيضا تحمل طابعا مضحكا ففيها شوك وسكاكين وأحذية ، وأجمل ما كان في الاستراحة أننا تناولنا طعام الغداء من المشاوي ، ونحن الأربعة الكبار عمرا من الرجال كنا نجلس حول الطاولة داخل المسبح في الجزء المعد لسباحة الأطفال ، وكان يوما لا ينسى ، لولا ما نغص علينا من إصابة بسيطة لأحد أصهاري وهو / محمد نمر الخطيب حيث أصيب بشد عضلي شديد أقعده عن العمل عدة أيام وبقي مدة طويلة يعاني من هذا الألم شفاه الله وعافاه . .    حاول كل من أبنائي الثلاثة أن أقضي عنده أطول فترة ممكنة أثناء زيارتي لهم ، ولكني قلت لهم: أقضي فترة أسبوع عند كل واحد منكم بالترتيب حسب العمر ، ورضي جميعهم بهذا الحل.، اللهم ارض عنهم جميعا ووفقهم لما تحبه الله ويرضاه ، فقد رحبوا بي ترحيبا شديدا ، وحملوني على أكف الراحة .  وقت الزيارة المسموح به رسميا شهر من تاريخ دخول المملكة ، وقد قارب الشهر على الانتهاء  ولم تتهيأ لنا الظروف لأداء مناسك العمرة أنا وأبنائي الثلاثة معا ، لاختلاف طبيعة أعمالهم ،ثم مددنا مدة الزيارة شهرا آخر . وعندما لم يتمكن أبنائي من أخذ إجازة في وقت واحد ، قررت السفر أنا واثنين منهم وهما علاء الدين وبهاء الدين . بدأت رحلة العمرة المباركة يوم الأربعاء عصرا برا بسيارة خاصة مريحة – جيب انفنتي حديث – من الرياض إلى المدينة المنورة لزيارة المسجد النبوي الشريف والسلام على الحبيب المصطفى عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم ، والصلاة في روضته الطاهرة ، ونسأل الله أن يسقينا جميعا من حوض نبيه يوم القيامة ، شربة لا نظمأ بعدها أبدا .   وصلنا المدينة مساء الأربعاء ، ويسر الله لنا فندقا بجوار المسجد النبوي الشريف ، تطل نوافذه على فناء المسجد ، اغتسلنا وتوضأنا ثم نزلنا للصلاة في المسجد والسلام على الرسول عليه الصلاة والسلام .    وعند خروجنا من المسجد، سألنا عن مطعم نتناول فيه طعام العشاء ، وبعد مشاورة اتفقنا على البحث عن مطعم   ( البيك ) ، قال الشباب أن أكله طيب ونظيف ، وعند السؤال عن  مكانه قالوا لنا إنه قريب من هنا ومشينا حتى حفيت أقدامنا من المشي ، ونحن متعبون أصلا من عناء السفر .    وما إن وصلنا مطعم البيك حتى شاهدنا الناس طوابير لأخذ طلباتهم ،ولا مجال للجلوس على الطاولات المشغولة بالزبائن ، وبجانب كل طاولة زبون ينتظر قيام الزبون الأول ، جلسنا على إحدى الطاولات أنا وعلاء وذهب بهاء لإحضار العشاء ، وما أحسبني إلا غفيت عدة غفوات قبل مجيء الطعام ، وكان العشاء لذيذا وطيبا حقا وخاصة مع الجوع.    عدنا أدراجنا إلى الفندق ، ونمنا نوما عميقا من أثر وعثاء السفر ، استيقظنا جميعا على صوت المؤذن لصلاة الفجر ، بعد أداء صلاة الفجر اتجهنا  نحو ضريح الرسول عليه السلام وصاحبيه الكريمين أبو بكر وعمر بن الخطاب رضي الله عنهما للسلام عليهم جميعا . بذلنا جهدا للحصول على مكان لنصلي ركعتين أو أكثر في الروضة ، ويا لشدة الزحام هناك، فالكل حريص على أن يصلي بها ،وكثير من يحجز المكان ويبقى جالسا في الروضة للاستراحة أو لقراءة  القرآن ، ونسي أن غيره يريد أن يصلي على الأقل ركعتين في هذا المكان الذي أكد الرسول صلى الله عليه وسلم أفضليته بقوله في الحديث الشريف بما معناه أو كما قال: " ما بين بيتي ومنبري روضة من رياض الجنة "(1) .، وهل هناك أفضل من أن يرتع الإنسان في مثل هذه الأماكن الطاهرة  .  بقينا في المسجد نصلي ونقرأ القرآن حتى وقت صلاة الضحى ، صلينا الضحى وخرجنا من المسجد ، وعند وصولنا إلى باحة المسجد الخارجية فاجأنا منظر المظلات الشمسية المتحركة كهربائيا ، الكبيرة في حجمها ، الغريبة في شكلها ،الرائعة في حركتها الهادئة  وتداخل كل مجموعة منها على حده ، لتشكل وحدة متكاملة ، يستظل المصلون في ظلالها حيث تقيهم حر الشمس الساطعة في وضح النهار، وتعود المظلات إلى أغمادها عند زوال حرارة الشمس وهكذا دواليك .    ما أروعه من منظر وما أبهجها من حركة ، فكرة رائعة ، وتصميم بديع ، وجزى الله حكومة المملكة العربية السعودية على هذا الإنجاز الرائع ، من ضمن توسعة الحرمين الشريفين ، وكانت آخر زيارة لي للمسجد النبوي الشريف قبل عشر سنوات وقبيل مغادرتي المملكة حال إنهاء عملي بها فكانت التوسعة الحديثة للمسجد تحت التشغيل، بعض الأعمال منجزة وبعضها لما يتم إنجازه بعد     وأذكر في الزيارة الأخيرة وقبل العودة إلى الأردن ، كان برفقتي صهري الكريم /محمد توفيق  وكنا منفردين وفراشنا داخل سيارتنا فهي الفندق المتنقل لنا ، وكانت ساحات المسجد الخارجية غاصة بورشات العمل المختلفة ، وقررنا المبيت في تلك الساحات الخارجية ، اخترنا إحدى الجرافات العملاقة  ووضعنا فراشنا بين أذرع هذه الجرافة العملاقة ، ونمنا في فندق الجرافة حتى قبيل الأذان لصلاة الفجر ، ولم ينغص علينا سوى صوت حجر ارتطم بشدة في حديد هيكل الجرافة فاستيقظنا مرعوبين  ظانين بأن سائق الجرافة قد جاء ليحركها ولم يدر بوجودنا بين أذرعها ، فقلنا في أنفسنا (رحنا في ورطة ) ؟!                                                                            ------------------------------------------------------------------------------------------- (1) متفق عليه ، رواه الشيخان البخاري ومسلم .     نظرنا حولنا فوجدنا أحد المصلين القادمين إلى المسجد النبوي قبل الأذان قد روعه منظر كلب يسير إلى جانبه في الشارع ، خاف منه وقذفه بحجر انتهى في دحرجته حتى اصطدم في جسم الجرافة  مما سبب لنا الهلع ، وأطار النوم من أعيننا ، وعندما ثبنا إلى رشدنا ضحكنا كثيرا لعدم محافظة الفندق على راحتنا التامة ، لملمنا فراشنا ووضعناه داخل سيارتنا التي تقف قميئة بجانب فندقنا الضخم (الجرافة ).    أخذنا بعض الصور التذكارية أثناء حركة فتح المظلات الشمسية العملاقة في الصباح ، ثم غادرنا المسجد بنية الاتجاه إلى بيت الله الحرام لأداء مناسك العمرة .    اتفقنا قبل مغادرة المدينة أن نعمل جولة في المدينة المنورة لزيارة الأماكن الدينية  والتاريخية فيها : جبل أحد ، المساجد السبعة ، مسجد القبلتين ، والصلاة في مسجد قباء .   استأجرنا حافلة صغيرة على أن يقوم بتمريرنا على جميع هذه الأماكن ونقف على كل منها ما فيه الكفاية لآداب الزيارة  ، كان السائق رجلا طيبا من أهل المدينة ،وفضلا عن أنه كان يقود السيارة  كان يقوم بعمل المرشد السياحي الديني ، وكان في أثناء سيره في الطريق يشرح لنا عن كل معلم من المعالم المتجهين إليها ، رغم معرفتنا السابقة لهذه الأماكن ، إلا أن الرجل كان على علم ومعرفة حقه بتاريخ وقدسية معالم المدينة فجزاه الله خيرا ، وصدق من قال : أهل مكة أدرى بشعابها .   اغتسلنا وأحرمنا للعمرة قبل مغادرة  الفندق ، ثم اتجهنا إلى آبار علي ميقات أهل المدينة ، صلينا ركعتين في المسجد  ، نوينا العمرة واتجهنا بعون الله إلى مكة .     عند وصولنا مكة اتجهنا إلى فندق القدس ، وكان ولدي بهاء يعرف مكانه  لأنه سبق أن نزل به في مرة سابقة ، فندق درجة  أولى من ذات النجوم الخمسة ، تجاوزنا النقاش في أجرة الغرفة لأننا لن نمكث إلا ليلة واحدة ، كان الفندق فخما ومريحا ، وخاصة الحافلات الصغيرة التي تنقل الزوار والمعتمرين من الفندق إلى الحرم ليلا نهارا على مدار الساعة ،وتعتبر هذه الحافلة من ضمن الخدمات الفندقية التي تريح المعتمرين والحجاج .                                                                                                                                                                                                                                  بعد أن استرحنا قليلا في الفندق ، اتجهنا إلى بيت الله الحرام لإتمام مناسك العمرة ، ويا له من منظر رائع وأنت ترى من بعيد مآذن الحرم المرتفعة وهي تشق عنان السماء ، ويبهرك منظر الحرم بروعة تصميمه وجمال بنائه ، وعندما تدخل من أحد أبواب الحرم وتقع عينك على الكعبة تشعر بالهيبة والجلال والخشوع لله عز وجل ، وترى الناس من حولك ما بين راكع وساجد وتال للقرآن ورافع يديه إلى السماء ، وكل يدعو الله بما يتيسر من الدعاء .    بدأنا فور دخول الحرم بالطواف حول الكعبة سبعة أشواط ، كان صحن الكعبة مليء بالناس ولكن بدون زحام والحمد لله ، دعونا الله وسألناه العفو والعافية والمعافاة الدائمة في الدين والدنيا والآخرة،كان ابني علاء الدين يمسك بيدي أثناء الطواف ، قال لي : لا تنسانا من الدعاء يا أبي ، ورفعت يدي إلى السماء قائلا : اللهم وفق أولادي جميعا لما تحبه وترضاه ، اللهم وفقهم وسدد خطاهم ، وابعد عنهم شر الضلال والفساد والعناد ، وقهم شر أنفسهم ، اللهم أرنا جميعا الحق حقا وارزقنا إتباعه وأرنا الباطل باطلا وارزقنا اجتنابه ، اللهم إني أشهدك أني راض عنهم فارض عنهم ، واحفظهم من كل شر يا أرحم الراحمين .     وفي نهاية الشوط السابع وقفنا عند باب الملتزم ، ودعونا الله ما شاء لنا من الدعاء ، ثم صلينا ركعتين عند مقام إبراهيم عليه السلام ثم اتجهنا للسعي بين الصفا والمروة سبعة أشواط كذلك ، وأحمد الله الذي أعانني على سعي الأشواط السبعة مشيا على الأقدام ، فقد كنت أظن أنني لن أقوى عليها ، نتيجة لخشونة في صابونتي الرجلين ، وربما أحتاج للركوب في العربة الخاصة بذلك ، والحمد أني سعيت جميع الأشواط مشيا وكنت أهرول في كل شوط بين علامتي الهرولة في المسعى وفي نهاية الشوط السابع قصرنا من شعرنا ، وبذلك نكون قد أنهينا مناسك العمرة بخير وسلام  والحمد لله .   عدنا إلى الفندق ، وفي الطريق اشترينا عشاءنا من الوجبات الجاهزة ( كودو) وما أدراك ما الكودو  ، تسمع بالمعيدي خير من تراه ، الجوع يجعلك تأكل بعض الأشياء التي تحبها وأحيانا التي  لا تحبها ، ما أحببت أن أحرج أبنائي الذين جاءوني بالعشاء ، فأكلت ما قسم الله لنا ، وبعد الأكل قلت لهم : والله إن شطيرة الفلافل أحسن بدرجات من هذا الكودو الذي يزيد سعره عن ثمن شطيرة الفلافل بعشرة أضعاف .     ارتحنا تلك الليلة بالفندق ، واستيقظنا لأداء صلاة الفجر في المسجد الحرام ، وبقينا في المسجد نصلي ونقرأ القرآن حتى بعد شروق الشمس بثلث ساعة  تقريبا ، بداية موعد صلاة الضحى  فصلينا ، ثم طفنا بالكعبة طواف الوداع  وغادرنا البيت الحرام .    كنت قد أبديت رغبتي لأبنائي أكثر من مرة ، إن شاء الله إن تهيأت لي الظروف ، سأزور المناطق التعليمية التي خدمت بها قبل خمسين عاما تقريبا منذ عام 1963م – 1383هـ وهي : الليث المخواة ، حدبة بني عاصم ، حداد بني مالك / الطائف ، تبوك ، ضباء  من أقصى الجنوب إلى أقصى الشمال .    وكم كنت حقا في شوق لرؤية تلك الأماكن التي عشت فيها أجمل سنوات العمر زهرة الشباب ،  ولنا فيها من المعارف والأصحاب ومن طلابنا الكثير ، كنت أحدث نفسي أحيانا لو رأيتهم الآن ، هل يعرفونني ، هل أعرفهم  ، هل يتنكرون لنا أو يقابلونا بالأحضان ؟؟!!     وفاجئني أبنائي الأحباء علاء الدين وبهاء الدين بأنهما يريدان تحقيق حلمي بالعودة لزيارة  الأماكن التي كنت أعمل فيها  منذ بداية قدومي إلى السعودية عام 1383هـ  ، وكم كان سروري عظيما عندما سمعت منهما استعدادهما لزيارة تلك الأماكن التي لا يعرفون طرقها ، وهل يستطيعون القيام بهذه الرحلة فيما يتبقى لديهم من الوقت لمباشرة عملهم في الرياض ، قالا : سنبذل قصارى جهدنا من أجل تحقيق رغبتك القوية لهذه الزيارة .   عقدنا العزم وتوكلنا على الله وسألناه أن يسهل لنا هذه الرحلة ويطوي لنا الأرض طيا ، انطلقنا بسيارتنا بعد أن سألنا عن بداية الطريق إلى الليث ، وشغلنا خارطة ( جي .بي .أس ) لتحدد لنا   سلامة سيرنا في الطريق ، وفي هذه الرحلة تبين عظيم فائدة وجود مثل هذه الخارطة في السيارة خصوصا في السفريات الخارجية ، بمجرد أن تحدد الجهة التي تريدها يُرسم سهم أمامك على الخارطة يحدد اتجاه سيرك ، وتنطق الخارطة المبرمجة : استمر في نفس الاتجاه ، خذ المسرب اليمين ، أو خذ المسرب  اليسار ، أخطأت الاتجاه ، عد إلى  الخلف وخذ الاتجاه الآخر ، على بعد 300م خذ اليمين ، أو خذ اليسار وهكذا حتى تقف على المكان المراد .    بدأنا السير في طريق الليث ، أولى المدارس التي عملت بها في المملكة عام 1383هـ ، ويا للفرق الشاسع بين هذا الطريق المزدوج ( اوتو – ستراد ) وبين طريق (الغراز) الصحراوي أو بين طريق ( السبخة ) بمحاذاة البحر ، وكلا الطريقين أحلاهما مر !!    كنا نمكث في الطريق بين جدة ومركز عملنا في القنفذة ( 380كلم ) مدة يومين أو ثلاثة أيام ، أما هذه الأيام فلا تستغرق نفس المسافة أكثر من ساعتين أو ثلاثة ، حسب مهارة السائق ونوع السيارة .   بعد ساعة تقريبا من انطلاقنا من مكة وصلنا مدينة الليث الحديثة وليس بلدة الليث القديمة ، لقد تغيرت معالم الليث القديمة تغيرا كليا ، ولم تقع عيني على أثر من المعالم القديمة ، كانت معظم البيوت القديمة من العشش التي لا أثر لوجودها ، كانت البلدة القديمة تبعد حوالي ثلاث كيلومترات عن شاطئ البحر .    مدينة الليث الآن تقع على شاطئ البحر مباشرة ، وقد اجتثت شجيرات النخيل التي كانت منتشرة على شاطئ البحر هنا وهناك ، وأصبح مكانها كورنيشا مضاء بالكهرباء ، وتخترقه خطوطا معبدة ، وتنتشر فيه الجلسات المظللة ، والاستراحات ، ومراجيح ألأطفال المتنوعة .  اتجهنا إلى الشاطئ ، شاهدنا بعض الشباب من أهالي الليث ، يقفون فوق لسان بحري يدخل إلى مسافة مائة متر داخل البحر، أوقفنا السيارة على الكورنيش قريبا من اللسان ، ونزلنا لنستمع بمنظر البحر الجميل وأحسست بنفسي تخاطبه قائلة : أتذكرني يا بحر عندما كنت أجلس وحيدا منفردا على شاطئك وكانت وسيلة تنقلي بين الليث والبحر دراجة هوائية اشتريناها جديدة أنا وصديقي اسحق بثلاثين ريالا ، وكنا نستعملها بالتناوب حسب حاجة كل منا لاستعمالها.                                                                                                                                                  سألت أحد الشباب عن بعض الأسماء التي أتذكرها من أهالي الليث مثل : أحمد حنكس ، عبد الله باسالم ، يحيى البركاتي ، حمد البطاح الدعيجي ، قال لي : لا أعرف أحدا وحاول الابتعاد مستنكرا، توجهت نحو اثنين من الأخوة العرب الذين كانوا يمارسون هواية صيد الأسماك ، وسألتهم إذا كانوا يعملون في مدينة الليث ، وسألتهم عن عملهم فقالوا نعمل في التدريس ، قلت إنني عملت مدرسا في الليث منذ خمسين سنة وأحب أن أتعرف على بعض الأشخاص إذا كانوا موجودين الآن في الليث ، قالوا : ( ما بنعرفش حد ) وحاولوا أن يجمعوا سنانيرهم  وهموا بمغادرة المنطقة التي كنا نقف فيها  لم يستضيفونا على عادة العرب ولم (يتمعذروا ) معنا بكلمة تنم عن أنهم من أصول عربية.      عندها تقدم مني ولدي بهاء الدين وقال لي ضاحكا : أنت من خلال سؤالك هؤلاء جعلت منا أناسا مشبوهين ، الناس ينظرون إلينا بريبة وشك ،ولقد شبهت هذا الموقف بفتية أهل الكهف الذين آمنوا بربهم ، الذين لبثوا في كهفهم ثلاثمائة سنة وازدادوا تسعا ، بعد ذلك عاد أحدهم إلى المدينة التي خرجوا منها ليشترى لهم أزكى طعاما بورقهم الذي كان معهم منذ ذلك الزمن البعيد، والذين قال فيهم عز وجل: " لو اطلعت عليهم لوليت منهم فرارا ولملئت منهم رعبا "(1) )    تصورت نفسي في تلك اللحظة وأنا أسأل أهل الليث ، أنني خارج من الكهف الذي كنت أعمل فيه قبل خمسين سنة ، وقد انتقل إلى رحمة الله جميع الناس القدامى .   لم أيأس من كثرة السؤال ، فليس من المعقول أن أغادر الليث قبل أن أتعرف على بعض الناس   ومعرفة أخبار من أعرفهم ، شاهدت رجلا كبيرا في السن يجلس مع أهله وأولاده يلعبون على المراجيح من حوله ، اتجهت نحوه ، حاول ابني بهاء أن يثنيني عن سؤال الرجل بحجة أن أهله معه، قلت له : ( إنك لن تستطيع معي صبرا )(2) ، وأومأت للرجل من بعد بأنني محتاج إلى محادثته ، فجاءني وسألته عن معارفي القدامى فقال : إن أحدهم قد مات ، والآخر قد غادر البلد ، وأما أحمد حنكس فتجده الآن يقرأ القرآن في الجامع الكبير وأشار إليه ، وكان سروري عظيما بوجود أحد الأشخاص الذين أعرفهم .                                                              -----------------------------------------------------------------------------------------  (1) سورة الكهف ، رقم الآية ( 18) .        (2) سورة الكهف ، رقم الآية (67) .    كان الوقت ظهرا توضأنا ودخلنا المسجد للصلاة وكذلك للسؤال عن أحمد حنكس ،بعد صلاة تحية المسجد ، توجهت إلى  المؤذن وسألته عن أحمد حنكس ، تلفت يمينا ويسارا وقال : كل يوم مثل هذا الوقت يتواجد في المسجد واليوم غير موجود وربما يأتي بعد قليل ، وبعد أن صلينا الظهر جماعة ، أعدت سؤال الرجل ، فقال لي غير موجود ، كان هناك أحد المصلين قريبا منا وسمع سؤالي فقال : إن أحمد سالم حنكس قد صلى معنا وخرج بعد الصلاة ، وإن كنتم  بحاجة  إليه تجدونه الآن في ( السوبر ماركت ) الخاص به في الشارع العام .     بعد بحث ليس باليسير وقفنا أمام محله ، ونزل أحد أبنائي ليسأل عنه فوجده حاضرا ، وقال له إن أبي يريد التعرف عليك ، جاءنا رجل كبير السن ذو لحية بيضاء، وعندما رآني لم يعرفني لأول وهلة لطول الزمن ، فقلت له : ألا تعرفني !! قال: لا ، من أنت ؟! قلت له : أنا الأستاذ أحمد الوادي ، درستك في الصف السادس الابتدائي ، أيام كان الأستاذ حمد البطاح مديرا للمدرسة ، تفرس في وجهي وهجم علي يقبلني ويقبل رأسي ، وحاول جاهدا أن يستضيفنا عنده للغداء ، اعتذرنا منه وقلنا له : إن أمامنا رحلة  طويلة ، استوقفنا قليلا وانطلق إلى محله وعاد لنا يحمل كيسا مليئا بالمياه الصحية والعصائر المختلفة وأصر على أن نأخذها وقال : إن هذا أقل الواجب ، سألته عن بعض الناس الذين كانوا معنا في ذلك الزمن ، فقال بعضهم توفي ، وبعضهم ترك إلليث وذهب إلى مكة أو إلى جدة  ودعناه وغادرنا الليث إلى المخواة .   اتجهنا إلى الطريق الرئيسي المؤدي إلى القنفذة ، وصادفنا وجود أحد الركاب على الطريق ، وقفنا بجواره وسألناه عن الطريق إلى  المخواة ، فقال : هناك طريقان الأول والأقرب طريق الشاقة  والطريق الثاني طريق القنفذة .     أركبناه معنا إلى الشاقة ، وأشار لنا إلى بداية الطريق المؤدي إلى المخواة ، شغلنا خارطة الجي بي إس وعلم مؤشرها في الاستمرار بالاتجاه الصحيح ، وفي خلال أقل من ساعة ونصف كنا نقف على أطلال بلدة حدبة بني عاصم القديمة التي هجرها أهلها إلى المباني الحديثة والعمارات الشاهقة   وكذلك مررنا بالمخواة فرأيت معظم المباني حديثة ، ولم استطع التعرف على شيء من المعالم القديمة ، كان الوقت بين الظهر والعصر وكان الطقس حارا ومعظم الناس يقيلون في بيوتهم ، شاهدنا مبنى ضخم اتجهنا نحوه فكان مبنى كلية البنات ، وجدنا موظف في غرفة خارجية  عند الباب ، سألته عن بعض الأشخاص فلم يعرف منهم ، غير الأستاذ عبد الله عطران مدير مدرسة الحدبة وقال لي : لقد تقاعد من العمل وهو الآن في قريته المجاورة للحدبة ، ويعرف رقم هاتف ولده لأنه من أصحابه ، أخذت رقم هاتف الابن ، علني أستطيع محادث  الأب ، لكنني لم أفلح رغم الاتصال المتكرر .   غادرنا المخواة ونحن آسفين أننا لم نر أحدا من معارفنا ، ولم نشف غليلنا بالتعرف على كل الأماكن القديمة فقد غطت عليها المباني الحديثة ، ولكنني استطعت أن أقف أمام المجمع السكني الكبير والقديم والذي كانت تسكنه عائلة الشيخ عوض وإخوانه حاسن وصالح وعلي وأقاربه ، إنه أشبه ما يكون بالحصن ، قالوا لنا قبل خمسين عاما أن عمر هذا المبنى أكثر من مائتي سنة ، حجارته من صفائح الصخور السوداء الداكنة ، وعرض جدار المبنى يقارب المتر ، بحيث تستطيع أن تجلس وتتربع داخل النافذة .      شاهدت البيت القديم الذي كنت أسكنه ، وكان أحد الحصون الصغيرة في القرية ، يتألف من ثلاث طوابق ، وقد استأجرت أنا الطابق الثاني بثلاثين ريالا ، وكان أصحاب البيت يسكنون الطابق الثالث ، وكان لي سرير فوق سطح البيت  عليه فراش وتجلله ناموسية لكي أنام عليه ليلا طلبا لبرودة الجو، تذكرت وأنا أنظر إليه قول الشاعر الجاهلي عندما مر على أطلال قومه المهجورة فقال :           قل لمن يبكي على رسم درس             واقفا ما ضر لو كان جلس                                    يصف الربع ومن كان بـــــــه            مثل سلمى ولبينى  وخنــس       سألنا في المخواة عن الطريق إلى حداد بني مالك/ الطائف ، لزيارة البلد التي جلست فيها عشر سنوات بالتمام والكمال ولي فيها من الذكريات ما لا يحصى ، فقالوا لنا إما أن تعودوا إلى مكة ثم   الطائف وبعدها إلى حداد ، وإما أن تصعدوا العقبة في طريقه الجبلي الجديد والممتع ، فيوصلكم إلى الباحة ومنها إلى حداد بني مالك ثم تذهبون أخيرا إلى  الطائف .   اخترنا الطريق الجبلي الأقصر والأصعب طمعا في التعرف على بلدان جديدة لم نراها ، وكان نعم الاختيار بتوفيق من الله عز وجل .    أيام كنت أعمل في المخواة كانت هذه الطريق غير سالكة ولا آمنة ، يسلكها الناس سيرا على الأقدام أو ركوبا على الحمير والجمال ، ويقطعونها بمشقة وخطورة ، ولا بد أن يكونوا مسلحين خشية من الوحوش المفترسة مثل النمور والضباع كما كانوا يقولون لنا ، وكانت الطريق تسمى عقبة السبت أو عقبة الباحة على ما أذكر .  أما اليوم فإن هذا الطريق يعتبر معلما من معالم الحضارة والتطور ، ولولا أن أبالغ في الوصف لقلت : إنه يعتبر من العجائب على الأقل على مستوى العالم العربي فقد زرت من البلدان العربية : سوريا ، لبنان ، الأردن ، فلسطين ، السعودية ، مصر فلم أر أروع ولا أجمل من هذا الطريق ، الطريق الذي يربط بين تهامة الساحل والباحة  عبر سلسلة الجبال الشاهقة ، تسير الساعات الطوال صاعدا قمم الجبال ، في طريق متعرج ما بين جسور كثيرة تصل بين الجبال ، أو أنفاق عديدة  تخترق جوف الجبال ، فتغيب خلالها وقتا لا بأس به ، تخرج من نفق إلى نفق آخر لا يبعد عنه مسافة كبيرة ، وتنتقل من جسر إلى جسر ، تحفك الأشجار التي تغطي تلك الجبال الشاهقة بمنظرها الخلاب الذي يريح النفس ويبهر العيون .     ومما يلفت الانتباه في هذه الطريق كثرة وجود القرود على جوانب الطريق ، توجد في أعالي الجبال وعلى الخط المعبد مساحات جانبية متباعدة ، عملت خصيصا لوقوف المسافرين على جوانب الطريق ليقفوا فيها ويستمتعوا بالمناظر الجميلة والخلابة ، خاصة وأنت ترى الأعماق السحيقة للوديان البعيدة عنك وأنت معلق بين السماء والأرض على رؤوس تلك الجبال.      وبمجرد أن تقف السيارة في إحدى الاستراحات الجانبية ، وخلال ثوان يتكاثر وجود هذه القرود التي تعودت على تناول الأطعمة والفواكه التي يقدمها لها المسافرون ذهابا وإيابا عبر تلك الطريق ، لم نعتد التعامل مع القرود ، فقد خفنا من اقترابها منا في بداية الأمر ، لم ننزل من السيارة ، فصعدت القرود فوق السيارة ومدت أيديها من خلال فتحة الشبابيك الصغيرة التي تركناها لنقدم لها ما معنا من خضار وفواكه ، وكانت إحدى القرود تحمل ولدها وتطعمه أمامنا من بعض ما تحصل عليه من الفواكه ، وكان نصيبها من الطعام أكثر من غيرها رحمة بصغيرها .    الحقيقة أننا لم نحسب حساب هذه القرود ، حيث لم نكن نتوقع وجودها ، بصفتنا نسلك هذا الطريق لأول مرة ، وبعد قليل جاءت سيارة ثانية ووقفت بجوارنا ، ولاحظنا أنهم جلبوا معهم موزا لإطعام القرود فهي تحب الموز ، وتأكله كالإنسان تقشره أولا ثم تأكل الثمرة وترمي القشرة ، تأكله بشراهة وتستمتع بأكله ثم تعود لتحصل على قرن موز آخر.     أخذنا صورا تذكارية للقرود وهي فوق السيارة  تتناول منا ثمار الجزر ، وأسوأ ما في هذه القرود ، أنها لا تعرف الحياء وخاصة الذكور منها فهي تعرض ( بضاعتها بلا حياء) ، وكأنها تستعرض الأمر أمام الناس متعمدة هذا الفعل الشنيع ، وخاصة في حضرة النساء .    كانت درجة الحرارة في مكة عندما غادرناها صباح يوم الخميس ثاني أيام الرحلة ، تقارب خمسا وأربعين درجة ، بدأت الحرارة تنخفض منذ بداية صعود العقبة ، وما كدنا نصل منتصف الطريق ونحن ننتقل من جسر إلى جسر ، ونخترق الجبال من نفق إلى نفق ، وإذا بالسماء تبرق وترعد والمطر ينهمر غزيرا جدا ، ماسحة الزجاج تعمل بأقصى سرعتها ، والطريق تكاد لا تبين من شدة المطر المنهمر بغزارة ، ما أروعه من منظر ، وما أجملها من رحلة ، شاهدنا فيها ما لم نكن نتوقعه من مناطق جميلة ، نظرنا إلى ميزان الحرارة يشير إلى درجة 26 درجة مئوية ، قبل ساعات فقط كانت درجة الحرارة في مكة 45م ، سبحان من بيده ملكوت كل شيء وهو على كل شيء قدير .    وصلنا الباحة وهي مدينة جميلة حقا ، في بيوتها الفخمة التي تحيط بها الأشجار  الكثيفة ، ومناخها اللطيف حتى في فصل الصيف ، الزهور والورود الطبيعية تنبت على جوانب الطرق فسبحان الله الذي حباها هذا الجمال .لم نمكث كثيرا في الباحة ، تزودنا بالوقود من إحدى المحطات ، وشربنا القهوة من أحد الأكشاك الموجودة في المحطة والمتخصصة لبيع القهوة ، كنا نطمح في أن نصل حداد بني مالك قبل غروب الشمس ، فهي آخر مرحلة في مخططنا السياحي ، وكانت من أهم الأماكن التي كنا نريد مشاهدتها في وضح النهار ، فهي البلد التي مكثنا بها عشر سنوات بالتمام والكمال ولنا فيها من الذكريات والأصحاب الكثير الكثير  ، وهي مسقط رأس أحد أبنائي الذي يرافقني رحلة العمرة علاء الدين ، وقد سُر كثيرا بمشاهدة البيت الذي ولد فيه .    انطلقنا نحو حداد بني مالك من الباحة ، كانت الطريق بينهما لا تقل روعة وجمالا عن طريق العقبة – تهامة / الباحة – وهي متعرجة  ومحفوفة بالأشجار من كلا الجانبين ، وصلنا حداد بني مالك قبل غروب الشمس ، ولاحظنا أن معظم بيوت البلدة القديمة قد هجرت إلى البيوت الجديدة خارج البلدة القديمة والتي بقيت على وضعها السابق دون تغيير شيء يذكر.   سألنا عن بيت محمد عمر المالكي ، مدير المدرسة الذي عملت معه ، والذي كان أحد طلابي يوما ما ، فأشاروا لنا إلى بيت فوق هضبة قريبة ، وقالوا هناك بيت محمد عمر ، وعندما وصلنا قريبا من البيت  ، خرج علينا رجل سألناه عن محمد عمر ، أهلا بكم أنا محمد عمر ، فقلت له باستغراب أأنت محمد عمر؟؟ الذي كان مديرا لمدرسة حداد ، عندها ابتسم الرجل ورحب بنا مرة أخرى ، إن الأستاذ محمد عمر الذي تسألون عنه قد ترك الإقامة بحداد ، تقاعد من التعليم  ، واشترى عمارة في الطائف ويسكن هناك ، وحاول الرجل أن يستضيفنا بشدة ، سألناه  عن مسفر بن جبر وهو أحد الزملاء السعوديين الذين عملت معهم بحداد وكان أحد طلابي يوما ما ، فقال : لقدتقاعد من التعليم ، وهو الآن إمام مسجد ، وأشار لنا إلى المسجد الذي يؤم الناس فيه ، انطلقنا نحوه  وكان الوقت وقت غروب الشمس ، وعند وصولنا المسجد كانت الصلاة قد أقيمت ، قصدنا نحو دورات المياه لتجديد وضوئنا ، فكانت مقفلة ،توضأنا سريعا بالمياه الصحية المعدة للشرب ،وأدركنا صلاة الجماعة .    قبل أن ندخل إلى المسجد قلت لأبنائي ، إن هذا الصوت الذي أسمعه يؤم الناس هو صوت مسفر لم يتغير ، أدركنا الركعة الثالثة من الصلاة وأتممناها بعدهم ، تغير شكل مسفر كثيرا ، كبر وطالت لحيته وخالط شعرها البياض ، حاولت مداعبته قبل أن أعرفه بنفسي ، فقلت له : يا شيخ نحن أناس مسافرون ، وعرجنا على المسجد القريب من الشارع العام لنشارككم في تأدية الصلاة ، وللأسف وجدنا دورة المياه مقفلة مما اضطرنا لاستعمال مياه الشرب لنتوضأ بها ، قال : إنها مفتوحة وهذا المفتاح معلق  ويأخذه من يريد استعمال دورة المياه .   اقتربت منه وسلمت عليه ، فقال نحن متأسفين وحقكم علينا ، قلت له : ألا تعرفني ؟ ألم تسمع بهذا الصوت قبل الآن ؟!  تفرس في وجهي قليلا ثم قال : الأستاذ أحمد الوادي  ثم هجم علي يقبلني وسلم عليََ من جديد . وأصر على استضافتنا في بيته ، وقبل أن نذهب معه ، اشترطنا القهوة فقط ، لأننا على عجلة  من أمرنا ، وأمامنا رحلة  طويلة فقبل شرطنا  ، ولكن بعض الأخوة من أهالي حداد الذين كانوا موجدين في المسجد وتعرفوا علينا ، لم يعجبه هذا الشرط وأصروا أن يستضيفونا للعشاء عندهم فاعتذرنا لهم  .   وأخص بالذكر منهم السيد / مسفر بن جار الله متعهد البريد السيار في ذلك الزمن الغابر ، اكفهر وجهه وغضب لأننا رفضنا العشاء عنده وقبلنا القهوة عند مسفر بن جبر، قال لي وهو يقف إلى جانبي بعفوية واضحة، هؤلاء أولادك ما شاء الله ، وأولاد سهام يعني زوجتي ، حدق به أحد أبنائي غاضبا ، كيف يأتي على ذكر اسم والدته صريحا أمام الناس !! كان رجلا كبير السن ذو لحية  بيضاء ، أدركت الموقف وأنا أضحك وقلت له يا ولدي : إن هذا الرجل يعرف اسم والدتك قبل أن أعرفه أنا ، إن هذا الرجل كان متعهد للبريد ، وكان يتعامل مع والدتك أسبوعيا عن طريق فراش المدرسة ، يسلمها البريد ويستلم منها البريد الرسمي بصفتها مديرة المدرسة .       كنا نقف بباب المسجد ساعة الغروب  ، وبجانبنا مدرسة حداد بني مالك القديمة التي عملت بها تسع سنوات ، وهي مهجورة وعلى وضعها القديم ، وانتقلت المدرسة إلى مبناها الحديث أثناء وجودي بها في السنة الأخيرة ، وكذلك كان يوجد أمامنا مبنى مدرسة البنات على الطابق الثاني ، وكان الطابق الأول محلات تجارية وباب المدرسة في منتصف السوق ، صوَر أبنائي مبنى المدرسة القديم وأرسلوه لأمهم في أمريكا ، وكانت في زيارة لابنتنا هناك ، وسألوها إن كانت تعرف هذه الصورة ، فأجابتهم على الفور إنها صورة مدرسة البنات في حداد بني مالك ، وهي     لا تعرف أننا متواجدون في حداد نفس لحظة إرسال الرسالة لها .                                                                                                                                                         ذهبنا لتناول القهوة عند الشيخ مسفر بن جبر ، وبرفقتنا بعض رواد المسجد الذين أحبوا البقاء معنا ، قال لي أحدهم أنه كان من طلابي ولكنني لم أذكره لطول الزمن وتغيير الملامح ، فعشر سنوات في بني مالك مر عليََ فيها آلاف الطلاب ، شاخوا الآن وتغيرت أشكالهم .    لقد بالغ الشيخ مسفر في إكرامنا وتقديرنا ،وقدم لنا القهوة يرافقها اللوز البجلي مع الزبيب على عادة أهل المنطقة ، فبلاد بني مالك تسمى منطقة بجيلة ، ومن أهالي تلك المنطقة  الصحابي الجليل جرير بن عبد الله البجلي ، واللوز البجلي من إنتاج تلك المنطقة ،ويقدمون هذا اللوز للضيوف مع القهوة والزبيب .    ومن الكلمات التي لا زلت أحفظها منهم والمرافقة لتلك العادة كلمة ( اقدع يا أستاذ اقدع ) وتعني كُل من اللوز والزبيب ، وبمجرد أن قدم الشيخ مسفر اللوز والزبيب مع القهوة ، قلت أنا لأبنائي اقدعوا يا شباب اقدعوا  ، ضحك مسفر والحاضرون وقالوا: بعدك ذاكر يا أستاذ أحمد ما نسيت القدع ، قلت لهم وكيف ينسى الإنسان ذكريات سنين طويلة ، قدعنا فيها كثيرا من اللوز والزبيب في بلاد بجيلة .    سألت مسفر بن جابر عن هاتف الأستاذ / محمد عمر المالكي ، فقال : إنه موجود معي وحاول   الاتصال به ،وبعد محادثته قال له : عندي صديق يريد التحدث معك ، سلمت عليه وسألته عن حاله وعن العيال والأولاد ، فأجابني بخير والحمد لله  ، لم يعرفني ، قلت له :  ألم تسمع هذا الصوت من قبل  ؟؟ قال : بلى ولكنني نسيت صاحبه ، قلت له : عد بذاكرتك إلى الوراء عندما كنت طالبا في متوسطة مدرسة حداد بني مالك ، ثم عندما عدت إليها مدرسا ثم أصبحت مديرا لها ، درسك وعمل معك أناس كثيرون وأنا أحدهم .  أجابني فورا : أبو صلاح ، الأستاذ / أحمد الوادي أهلا وسهلا وألف مرحبا ، تراحيب السيل، أين أنت الآن ؟ قلت له : أسأل عنك في حداد  وأنت هارب منا إلى  الطائف ، قال أنا بانتظارك في الطائف بمجرد دخولك الطائف تترك الإشارة الأولى والثانية وتدخل يمينا قبل الثالثة تجدك واقفا أمام بنك الرياض ، اتصل بي وبعد دقائق سأكون عندك إن شاء الله .                                         غادرنا حداد إلى الطائف عشاء ، كان الليل قد أرخى سدوله ، ولم أتمكن من أخذ أبنائي إلى مكان المواريد ، مجرى الماء وغدير (أبو سبعة ) والذي لنا عنده كثير من الذكريات وقد سمع به أبنائي ولكنهم لم يروا مكانه ، تذكرت قول الشاعر وأنا أمر بالقرب من المكان :         أمر على الديار ديار سلمى            أقبل ذا الجدار وذا الجدار                                         وما حب الديار شغفن قلبي            ولكن حب من سكن الديار أدركنا الوقت وخيم الليل ، وقد شاهدنا من المعالم ما لم  نكن نحلم أن نراه ، من مكة إلى الليث ، ومنها إلى المخواة فحدبة بني عاصم ومنها إلى الباحة ثم إلى بلاد بني مالك ثم إلى الطائف ، رحلة طويلة وموفقة والحمد لله  وفي يوم واحد .     لم تستغرق الرحلة من بني مالك إلى الطائف أكثر من ساعة  في طريق معبد وجميل،  كنا نجلس فيها الساعات الطوال ونعاني ما نعانيه من رمال وحجارة وصخور الوادي الذي تسير فيه السيارة بعد مفرق غزايل .    بمجرد وقوفنا أمام بنك الرياض حسب الوصف ، اتصلت بالأخ / أبو عمر ، خلال دقائق كان أمامنا بلحمه ودمه ، لم يتغير شكله كثيرا سوى تلك اللحية البيضاء ، وبعض لآثار مرض قد أصابه وعافاه الله منه .    تقابلنا بالأحضان وطال عناقنا ، وأصر على أن يقبل رأسي عدة مرات ، وعرف ابنه عليََ قائلا له : هذا والدي وأستاذي أحمد الوادي / أبو صلاح  ، أهلا وسهلا وألف مرحبا ، هيا إلى البيت ، قلنا له قبل أن نذهب إلى  البيت لنا شرط ، القهوة فقط .     قال حياكم الله على الرحب والسعة ، عندنا عمارة من خمس طوابق ، أحد هذه الطوابق مفروش ولا يوجد به أحد البتة ، فهو مخصص للضيوف ، فخذوا راحتكم به ولا تنزعجوا من شيء فلا أحد حولكم . رحب بنا السيد / محمد عمر ترحيبا كثيرا ، وبالغ في إكرامنا أشد الكرم ، جمع أولاده الخمسة وهم ما شاء الله شباب في ريعان الشباب جميعهم متعلمون فمنهم الطبيب ومنهم المهندس وكلهم موظفون في وظائف جيدة ، بارك الله فيهم جميعا ، وعندما جمعهم قال لهم : هذا والدي وأستاذي ، والله لو أن والدي خرج من القبر الآن ، ما سررت به سروري بمشاهدة أستاذي أبو صلاح ، سار المسافات الطويلة ، وجاء يبحث عنا في بني مالك ، أي إنسان هذا ؟ !!                                                                                                                                                                 جند أولاده جميعا لخدمتنا بعضهم يحضر الماء وبعضهم يحضر الشاي والقهوة ، وآخر يحضر الزبيب واللوز ، انسجم الشباب مع بعضهم ، وجلس أبو عمر  بجانبي يحدثني بأسى عن رحلته الطويلة مع المرض المستعصي ، وقد عافاه الله منه والحمد لله بعد جلسات كيماوية عديدة .    كان ينظر إلي كما ينظر الابن إلى والده حقا ، ويقوم بين الفينة والفينة ليقبل رأسي مرة تلو أخرى ، وقد أحرجني  تصرفه هذا أمام أبنائه ، وفي كل مرة يقول لهم إنه أبي وليس أستاذي فقط .    وبعد شرب القهوة والشاي والقدع من الزبيب واللوز البجلي ، طلبنا الإذن بالمغادرة ، فقال هيهات هيهات ، والله بمجرد اتصالكم بدأنا بإعداد العشاء وبعد قليل سيكون أمامكم ، والله إن واجبكم عندنا كبير .    وبعد قليل دخل العشاء ، وكان الرجل قد أرسل ذبيحته إلى المطعم لطبخها ، وكان الرز مطبوخا بطريقة السليق ، وعند خروجنا سألني أبنائي عن طعم الرز المطبوخ على غير ما اعتادوا عليه ، قلت لهم هذا الرز السليق يوضع عليه حليب أثناء طبخه .    جلس محمد عمر بجانبي على السفرة ، وكأني به لم يذق طعم الأكل ، طيلة جلوسه وهو يقطع اللحم ويضعه أمامي وأمام أبنائي ، وعدة مرات يصر على وضع قطعة اللحم في فمي ، حتى أن أبنائي دهشوا من شدة  احترامه لي .    وبعد الانتهاء من طعام العشاء ، وشرب الشاي والقهوة بعد العشاء ، طلبنا الإذن بالمغادرة ، وإذا أبو عمر يرمي عقاله علينا وهو يقول : داخل على الله ثم عليكم أن تبيتوا عندنا هذه الليلة ، الحقيقة كان لي رغبة البقاء عنده ، لكن سبقني ابني بهاء إلى  العقال ، ووضعه على  رأس أبو عمر وقبل رأسه مرارا وقال له : لقد حجزنا في الفندق على الهاتف ، وبارك الله فيكم وأنتم لم تقصروا ، وكلفتم أنفسكم كثيرا وجزاكم الله خيرا .     قال : والله إن الطابق كله غير مسكون ، وأنه محجوز للضيوف الأعزاء من أمثالكم  ، وأخيرا سمحوا لنا بالخروج تحت إصرارنا الشديد ، وجميعهم رافقونا حتى أوصلونا إلى باب السيارة ، وأرسل أحد أبنائه معنا بسيارته ليدلنا على  الطريق الرئيسي .    لم ندخل مدينة الطائف وإنما تابعنا سيرنا إلى منطقة الهدى ،المنتجع السياحي للطائف ، والمصيف لجميع مناطق المملكة العربية السعودية، تجدها في الصيف تعج بالمصطافين من كل حدب وصوب ، حيث يوجد بها الفنادق الفخمة ذات الخمسة نجوم ، وفيها الشقق الفندقية المتنوعة في درجاتها ، وفيها محطة تلفريك تنقلك من أعالي الجبال الشاهقة إلى الأراضي السهلية في سفوح تلك الجبال .  عندما وصلنا الهدى كان الوقت متأخرا ، وقد بلغ منا التعب مبلغه ، وقابلتنا أثناء سيرنا عمارة كبيرة كتب عليها شقق فندقية ، وقفنا أمامها وسألنا الرجل المسئول فيها ، عن إحدى الشقق الفارغة قال : عندنا شقق لذوي العائلات فقط ، وعندما رآني رجلا كبير السن ، قال : لا عليكم ما دام معكم هذا الحاج ، وأعطانا مفتاح أحد الشقق الأرضية .    أنزلنا متاعنا من السيارة ، وأخذ كل واحدا منا حماما ساخنا ، بعد يوم ديني في بدايته في مكة ، ثم سياحي تاريخي في بقيته ، حيث طفنا بلاد الله الواسعة ، وأصبح الحلم حقيقة بمشاهدة جميع المناطق التي عملت بها عدا تبوك وضواحيها ، وإن شاء الله إن كان في العمر بقية سنمر عليها ، فلنا فيها كثير من الأصحاب والأحباب والذكريات .وفي صبيحة  اليوم الثالث من أيام الرحلة ، وكان يوم جمعة ، سألنا عن وقت تشغيل محطة (التلفريك) ،عسى نستطيع استعماله قبل سفرنا ، قالوا لنا إنه يبدأ عمله بعد ظهر كل يوم حتى المساء  كنا على  سفر ولا نستطيع المكوث في الهدى لغاية الظهر .    حزمنا أمتعتنا ونوينا العودة إلى الرياض من حيث انطلقنا ، شغلنا خارطة الجي بي اس التي في السيارة لتدلنا على طريق الرياض فأشار السهم إلى طريق مختصر يوصل إلى الرياض دون العودة   إلى مدينة الطائف ، فسلكنا هذا الطريق ، وقبل التوغل في ذلك الطريق الصحراوي ، مررنا بإحدى محطات الوقود ، ملأنا السيارة بالوقود ، وتزودنا من (السوبرماركت ) المجاور بالوقود الآدمي  من مياه صحية وشطائر مختلفة وعصائر متنوعة .    أدركنا صلاة الجمعة في أحد المساجد على طريق الرياض  ، يقع المسجد ضمن محطة محروقات كبيرة ، وفيها (سوبر ماركت ) كبير ، ومرافق صحية ودورات مياه للرجال وللنساء     تستطيع القول أنها حقا متكاملة الخدمات ، وأن صاحبها بعيد النظر ، وذو عقلية تجارية فذة ، حيث تشاهد مئات السيارات تقف أمام المسجد لأداء الصلاة ، وبعد الصلاة تقف طوابير السيارات أمام المحطة للتزويد بالوقود ، وبالحاجيات المختلفة من ( السوبرماركت ) .   وصلنا الرياض مع غروب شمس اليوم الثالث ، بعد أن أدينا مناسك العمرة والحمد لله ، وطفنا بلاد الله الواسعة من المدينة المنورة في شمال المملكة إلى مكة المكرمة في غربيها  إلى القنفذة والباحة في جنوبها ثم إلى الطائف ، وأخيرا عدنا إلى الرياض وسط المملكة .     كانت رحلة دينية  تاريخية سياحية موفقة ، بكل ما تحمله الكلمة من معنى ، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين ، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين . .  

رحلة العمرة الدينية التاريخية السياحية

ِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِ بسم الله الرحمن الرحيم      

رحلة العمرة الدينية التاريخية السياحية

عود على بدء   

  في التاسع عشر من نيسان عام 1411م الموافق الخامس عشر من جمادى الأولى لعام 1432هـ   قررت الذهاب لزيارة أبنائي في مدينة الرياض بالمملكة العربية السعودية ، بعد غياب عن المملكة دام عشر سنوات  ( 2001- 2011) م ( 1422- 1432) هـ ، حيث كنت أحد المدرسين المتعاقدين الذين تم الاستغناء عنهم لإحلال كوادر سعودية مكانهم ، بعد خدمة دامت ثمان وثلاثون سنة في وزارة التربية والتعليم .    وكان من الأهداف الرئيسة للزيارة أداء مناسك العمرة وزيارة بيت الله الحرام والمسجد النبوي الشريف ، بعد غياب طويل عنهما ، خصوصا وأنني قد اعتدت على هذه الزيارة مرة أو مرتين كل عام خلال وجودي في المملكة في السنوات السابقة ، وكم كنت في شوق لهذه الزيارة .    يعمل أبنائي الثلاثة في شركات مختلفة في مدينة الرياض ، يعمل صلاح الدين مهندسا في شركة المعمر للاتصالات ، ويعمل علاء الدين مهندسا كيماويا في شركة ( وتكو ) لتحلية المياه ،أما بهاء الدين فيعمل مهندسا في شركة الاتصالات المتكاملة .    لقد سبق لي أن زرت الرياض عام 1976م ، أي قبل خمس وثلاثين سنة تقريبا ، كنت يومها أحضر رسالة ماجستير في الاقتصاد الإسلامي ، وكان يشرف على رسالتي الدكتور/ محمد شوقي الفنجري ، كان أستاذا بجامعة الرياض .  مكثت في الرياض مدة شهر ونصف ، طيلة العطلة الصيفية  المدرسية لذلك العام ، حيث كنت حينها أعمل في مدارس مدينة تبوك ، كنت في تلك الفترة أتردد على مكتبة جامعة الملك سعود في   موقعها القديم بالملز ، ومكتبة معهد الإدارة في نفس الحي على ما أتذكر ، وكنت  لا أخرج من تلك المكتبات إلا مع انتهاء دوام موظفيها ، وكثيرا ما كانوا ينبهونني إلى انتهاء الوقت ، وكانت مكتبات تبوك لا تفي بالغرض ، فكنت حريصا على استغلال وقت تواجدي في الرياض ، حيث المكتبات عامرة بالمراجع القيمة . كنت في تلك الفترة أتردد على منزل الأستاذ الدكتور/ محمد شوقي الفنجري ، على فترات متقاربة أسبوعية ، أعرض عليه ما أعددته من مواضيع الرسالة ، يجيز بعضها ، ويعدل على بعضها ، ويشطب بعضها ، ويرشدني إلى المراجع القيمة ، أهداني بعضا من مؤلفاته ، ومن كتب الاقتصاد الموجودة عنده ، كان جزاه الله خيرا متواضعا كريما ، بسيطا في بيته ، كان أعزبا ، ترك زوجته  عند أبنائه الذين يدرسون بجامعات القاهرة ، لذلك كنا نأخذ راحتنا معه في البيت ، فكنت أرافقه عند عمل الشاي والقهوة ، وأحيانا كنت أغسلها معه ، رغم إصراره ورفضه الشديد لذلك .                   وفي نظرة متأنية لمعالم الرياض اليوم ، وما كانت عليه أيام زيارتي الأولى لها قبل خمسة وثلاثين عاما ، فشتان بيت الأمس واليوم وخاصة من حيث التطور الحضاري والعمراني ، في الماضي لم تكن الرياض بهذا الاتساع في بعديها الأفقي والعمودي ، لم نكن نشاهد تلك الأبراج الشاهقة الارتفاع ، كنا نشاهد أثناء المرور ببعض الأحياء السكنية بعض البيوت المبنية من الطين والتي لم أشاهد أثرا لوجودها الآن .   أذكر من المعالم القديمة التي شاهدتها في زيارتي السابقة ، مبنى وزارة الداخلية بتصميمه المميز والذي يلفت نظرك من مسافة بعيدة ، وكذلك حي السفارات ، حيث كانت حدائق هذا الحي متنفسا ومتنزها جيدا يذهب إليها الناس للراحة والاستحمام ليلا .    في زيارتي السابقة للرياض ، ذهبنا في زيارة تاريخية لمدينة الدرعية ، كانت تبعد عن الرياض مسافة لا بأس بها ، أما اليوم فهي أشبه ما تكون بحي من أحياء الرياضِ فالمباني شبة متصلة ولا تكاد تفصل بينهما ، كانت الدرعية بلدة بسيطة  ، معظم بيوتها من الطين ، أما اليوم فتجد فيها   العمارات الشاهقة ، والشوارع العريضة المنظمة ، وقد طغت المعالم الحضارية الحديثة ، على المعالم التاريخية القديمة فيها .   أتذكر في زيارتي الأولى للرياض أسوق  ( الديرة )و ( البطحاء) لبيع الخضار والتمور، كانت أسواقا شعبية ، ترى ( مكاتل ) التمور بأنواعها المختلفة تعرض على الأرصفة وفي جانبي الشارع   هنا وهناك بدون ترتيب ولا نظام ، أما هذه الأيام فعندما زرتها ، وجدت أسواقا خاصة بالخضار والتمور ، مرتبة ومنظمة تنظيما دقيقا ، في أماكن فسيحة واسعة ، شوارعها عريضة ومنظمة ومضاءة بالكهرباء ، فيها مواقف خاصة لسيارات المشترين ، قريبة من أماكن التسوق ،يقضي الناس حوائجهم بكل يسر وسهولة.   أما محلات بيع التمور فلها أماكن خاصة بها ، تعرض أنواع التمور المختلفة بطرق فنية ، بعبوات مختلفة وزنا وحجما وشكلا وجودة ، أنواعها كثيرة يصعب على غير ذوي الخبرة بالتمور حفظ هذه الأنواع والتمييز بينها ، فمنها البرني والصقعي والخلاص والسكري والحلوة وغيرها كثير أما أسعارها فلكل حسب مقدرته الشرائية ، فبعضها أسعارها عادية يستطيعها كثير من الناس شراءها ، وبعضها أسعارها مرتفعة لا يشتريها إلا أصحاب الدخول المرتفعة ممن لديهم القدرة على شرائها ، وكان موعدنا لزيارة أسواق التمور في غير موسم البلح  ، فقد رأينا ثمار النخيل في شوارع الرياض على الشجر بسرا أخضر ولما ينضج بعد .    ظاهرة الأبراج في الرياض تلفت النظر ، اصطحبني ابني علاء الدين وأفراد عائلته ، لمشاهدة برج المملكة عن قرب ، وقد أعدت صالة زجاجية كبيرة ، صممت بطريقة هندسية عجيبة ، تربط بين شعبتي برج المملكة الشاهقين في عنان السماء ، على ارتفاع مائة طابق ، وقد أعدت هذه الصالة لمشاهدة كافة أنحاء الرياض من خلال هذه الصالة الزجاجية .   وصلنا برج المملكة الساعة التاسعة مساء ، وجدنا الناس يصطفون في طوابير طويلة  أمام مصاعد البرج التي يتسع الواحد منها لأكثر من عشرين شخصا ، في البداية تبدأ بدفع رسوم الدخول   بمقدار خمسة وعشرين ريالا عن كل شخص ، ثم  تأخذ موقعك من الطابور أمام المصعد سريع الحركة ، سرعته مدهشة ، يصل بك المصعد إلى قمة  البرج ، حيث الصالة الزجاجية في ثوان قليلة ، وربما تكون أقل من وقت مصعد في عمارة عادية مكونة من أربعة طوابق، وكذلك لا تشعر بحركة هذا المصعد أثناء سيره.   وفي أعلى البرج توجد الصالة الزجاجية التي تطل على الرياض من جميع نواحيها ، شرفة واسعة تشاهد الناس فيها يقفون خلف البلور الزجاجي الضخم ، متمسكون بقضبان غليظة من الكروم  تفصلك عن الالتصاق بالألواح الزجاجية ولتمنع خطورة العبث بها حال الاقتراب منها، يسير الناس في هذه الصالة من أولها إلى آخرها وهم ينظرون بدهشة وانبهار إلى  الرياض من علٍٍ يشاهدون السيارات تسير في الشوارع كأنها عصافير صغيرة ، والعمارات الشاهقة كأنها أكشاك قميئة لبيع المرطبات والسجائر.   يوجد في نهاية الصالة بوفيه تستطيع شراء ما تريد من المرطبات والعصائر والحلويات والبوظة ويوجد أمامها عددا من الطاولات والكراسي لمن يريد الجلوس ، ويلاحظ على أسعار هذه البوفيه أنها مرتفعة ، فثمن علبة البوظة الصغيرة عشر ريالات !!   إنك تحس وأنت داخل هذه الصالة الزجاجية التي تسبح في الفضاء ، كأنك في عالم آخر ، الرياض أمام ناظريك كأنها كتلة مشتعلة من الأضواء الكهربائية ، استقامات الشوارع الطويلة والعريضة ، كأنها مساطر كهربائية مضاءة منثورة في جميع الاتجاهات ، ولا بد في تلك اللحظة أن يتذكر الإنسان قدرة الله الذي علم الإنسان ما لم يعلم ، ويشكره على هذه النعم الكثيرة التي لا تحصى قال تعالى : " وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها "(1) ، " فبأي آلاء ربكما تكذبان "(2)  .

 ------------------------------------------------------------------------------------------------------ (1)  سورة إبراهيم ، الآية رقم (3  

 (2) سورة الرحمن ، الآية رقم الآية (13)

 .   في زيارتي الأولى للرياض قبل خمس وثلاثين سنة تقريبا عام 1976م ، كانت المقاهي الشعبية  منتشرة داخل الرياض ، مقاعدها من الكراسي الخشبية العالية المشدودة من الحبال وسعف النخيل   وتسمى ( القعادة ) ، كنا نذهب للاستراحة بها ليلا سيرا على الأقدام . أما هذه الأيام فقد منع وجود مثل هذه المقاهي داخل الرياض ، وسمح بإنشاء مقاهي خارج الرياض على بعد 20 -30 كلم ، وفرق شاسع بين هذه وتلك ، مقاهي اليوم عبارة عن استراحات مغلقة ومكيفة ، فيها جلسات مريحة مفروشة بالسجاد وتحيط بجدرانها المراكي  والمساند الوثيرة     وجلسات أخرى طاولات وكراسي مريحة  ، والورود الطبيعية المزروعة بين تلك الجلسات تضفي على الجو بهاء وجمالا، وهكذا أصبح المقهى يحمل طابع الاستراحة أكثر من كونه مقهى .   أصر عليََ أحد أبنائي وهو بهاء الدين أن يصطحبني معه في أحد الأيام إلى هذه  المقاهي، وشجعني على ذلك ، فأنا ليس من رواد المقاهي ، ولا أحب الجلوس في هذه الأماكن ، ويوم مباراة كرة القدم بين (ريال مدريد وبرشلونة ) ، قال تعال معي وستشاهد أمما هناك إنه عالم آخر ، نعم إنه عالم آخر من اللهو واللعب ، وحبذا لو استُغل فيما هو أفضل وأكثر نفعا .   وبالفعل كما قال رأيت عالما آخر ، تحجز فيه المقاعد حجزا من الظهر أو العصر على الهاتف ،   لكل طاولة تلفاز خاص بها ، وكذلك لكل من الجلسات الرومانسية الأرضية الأجهزة الخاصة بها   ويطوف بين هذه وتلك النادلون يخدمون رواد المقهى فيقدمون الشاي والقهوة والعصير والشيش (والأراجيل) على  اختلاف أنواعها وأشكالها ، وحملة الجمر يذرعون القهوة ذهابا وإيابا يزودون الشيش بالنار عند الحاجة إليها .   كان البعض يلعب الورق ، وآخرون يلعبون الزهر ، وآخرون يجلسون لمشاهدة التلفاز ، وآخرون يتجاذبون أطراف الحديث من هنا وهناك ، عالم لهو وصخب كله ، جنبنا الله وإياكم الاعتياد على زيارة هذه الأماكن فإنها مضيعة للوقت .   وللحق وللأمانة لا بد من ذكر مشاهدة طيبة وسط هذا الجو المشحون ، يوجد مسجد كبير لأداء الصلاة في وقتها ، تسمع الأذان وإقامة الصلاة ، ويكون الناس في المسجد بالمئات يؤدون الصلاة في وقتها ، وكثير منهم من يتكاسل عن أداء الصلاة في وقتها ، وقد شاهدت المقاهي مقفولة أثناء تأدية الصلاة .   وفي أحد الأيام وأنا بالرياض اتصل بي ابن أخي / عمر عبد العزيز ، وهو يعمل بشركة (نادك)  للألبان بمدينة الخرج ، وقال لي أريدك أن ترافقني في نزهة لإحدى استراحات الرياض ، وكان اسمها ( الضوء الخافت ).    بمجرد دخولنا الاستراحة شعرنا ببرودة رذاذ الماء المنطلق من أنابيب تعلو هاماتنا على طول الممر الذي يؤدي إلى مكان الجلسات الهادئة المعدة بشكل متقن ، والمفروشة بالسجاد ومحاطة من جانبها بالمراكي والمساند الوثيرة ، ومن حولك أشجار الورود بعبقها الشذي، ومن أمامك بركة واسعة مليئة بالأسماك المتنوعة التي تسبح باتجاهات مختلفة ، وفي وسط البركة نافورة ماء ذات دفع قوي يرتفع ماؤها عدة أمتار في الهواء  الطلق ، وإذا ما هبت نسمات  من الهواء تشعر برذاذ الماء البارد ناعما على جسمك ، ومن حولك النوادل يعرضون عليك  تقديم خدماتهم من شاي أو قهوة أو عصائر مختلفة ، أو عشاء إذا كنت ترغب في تناول الطعام .   وشتان بين هذه الاستراحات أو المقاهي ، وبين تلك المقاهي التي كانت منذ زمن داخل الرياض  فالكراسي الخشبية متراصة بجانب بعضها ، والناس يجلسون عليها كتفا لكتف ، وكل الجالسين مدخنون سواء تدخينا طوعيا أم سلبيا ، فرائحة (الجراك ) المحترق تكاد تخنقك ، والضجيج يوشك أن يصم أذنيك . نموذج آخر من نماذج هذه الاستراحات الممتازة خارج مدينة الرياض ومحيطها ، هو انتشار ظاهرة الاستراحات النموذجية المتكاملة الخدمات ، فبعض المستثمرين اتجه إلى هذا المجال،    اشتروا قطعا واسعة من الأراضي ، وقسموها إلى قطع أصغر على شكل مر بعات أو مستطيلات ، مساحات القطعة الواحدة 2000 م  مربع ، وعمل منها استراحات منفصلة عن بعضه البعض بأسوار عالية يصل ارتفاعها إلى ثلاثة أمتار ، وبداخل كل منها مبنى مكون من غرفتين واسعتين ومرافق عامة وتشطيب جيد ، وأمام هذا المبنى خيمة عربية واسعة مفروشة بالسجاد والمساند تتسع لأكثر من خمسين شخصا ، وعلى جوانبها أماكن معدة للطبخ وأماكن أخرى  معدة للشواء ، في الوسط مسبح نظامي مصغر (10×6) ويوجد به (فلاتر) لتغيير الماء وتعقيمة ، وفي الجهة الأخرى من الاستراحة يوجد ملعب مصغر أيضا لكرة القدم مزروع بالإنجيل ، وهنا وهناك طاولات وكراسي  ومظلات  شمسية ، وسعر هذه الاستراحات بين 500 -700 ريالا حسب العرض والطلب عليها.   استضافني أصهاري من آل الخطيب لقضاء يوما كاملا في هذه الاستراحة ، وكان يوما جميلا حقا ، بما تخلله من نشاطات وفعاليات ومسابقات رياضية وثقافية وشعرية ، وتوزيع جوائز للفائزين بهذه المسابقات ، وكانت هذه الجوائز أيضا تحمل طابعا مضحكا ففيها شوك وسكاكين وأحذية ، وأجمل ما كان في الاستراحة أننا تناولنا طعام الغداء من المشاوي ، ونحن الأربعة الكبارعمرا من الرجال كنا نجلس على الكراسي والطاولة داخل المسبح في الجزء المعد لسباحة الأطفال ، وكان يوما لا ينسى ، لولا ما نغص علينا من إصابة بسيطة لأحد أصهاري وهو / محمد نمر الخطيب حيث أصيب بشد عضلي شديد أقعده عن العمل عدة أيام وبقي مدة طويلة يعاني من هذا الألم شفاه الله وعافاه . .    حاول كل من أبنائي الثلاثة أن أقضي عنده أطول فترة ممكنة أثناء زيارتي لهم ، ولكني قلت لهم: أقضي فترة أسبوع عند كل واحد منكم بالترتيب حسب العمر ، ورضي جميعهم بهذا الحل.، اللهم ارض عنهم جميعا ووفقهم لما يحبه الله ويرضاه ، فقد رحبوا بي ترحيبا فوق العادة ، وحملوني على أكف الراحة .  وقت الزيارة المسموح به رسميا شهر من تاريخ دخول المملكة ، وقد قارب الشهر على الانتهاء  ولم تتهيأ لنا الظروف لأداء مناسك العمرة أنا وأبنائي الثلاثة معا ، لاختلاف طبيعة أعمالهم ،ثم مددنا مدة الزيارة شهرا آخر . وعندما لم يتمكن أبنائي من أخذ إجازة في وقت واحد ، قررت السفر أنا واثنين منهم وهما علاء الدين وبهاء الدين . بدأت رحلة العمرة المباركة يوم الأربعاء عصرا برا بسيارة خاصة مريحة – جيب انفنتي حديث – من الرياض إلى المدينة المنورة لزيارة المسجد النبوي الشريف والسلام على الحبيب المصطفى عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم ، والصلاة في روضته الطاهرة ، ونسأل الله أن يسقينا جميعا من حوض نبيه يوم القيامة ، شربة لا نظمأ بعدها أبدا .   وصلنا المدينة مساء الأربعاء ، ويسر الله لنا فندقا بجوار المسجد النبوي الشريف ، تطل نوافذه على فناء المسجد ، اغتسلنا وتوضأنا ثم نزلنا للصلاة في المسجد والسلام على الرسول عليه الصلاة والسلام .    وعند خروجنا من المسجد، سألنا عن مطعم نتناول فيه طعام العشاء ، وبعد مشاورة اتفقنا على البحث عن مطعم   ( البيك ) ، قال الشباب أن أكله طيب ونظيف ، وعند السؤال عن  مكانه قالوا لنا إنه قريب من هنا ومشينا حتى حفيت أقدامنا من المشي ، ونحن متعبون أصلا من عناء السفر .    وما إن وصلنا مطعم البيك حتى شاهدنا الناس طوابير لأخذ طلباتهم ،ولا مجال للجلوس على الطاولات المشغولة بالزبائن ، وبجانب كل طاولة زبون ينتظر قيام الزبون الأول ، جلسنا على إحدى الطاولات أنا وعلاء وذهب بهاء لإحضار العشاء ، وما أحسبني إلا غفيت عدة غفوات قبل مجيء الطعام ، وكان العشاء لذيذا وطيبا حقا وخاصة مع الجوع.    عدنا أدراجنا إلى الفندق ، ونمنا نوما عميقا من أثر وعثاء السفر ، استيقظنا جميعا على صوت المؤذن لصلاة الفجر ، بعد أداء صلاة الفجر اتجهنا  نحو ضريح الرسول عليه السلام وصاحبيه الكريمين أبو بكر وعمر بن الخطاب رضي الله عنهما للسلام عليهم جميعا . بذلنا جهدا للحصول على مكان لنصلي ركعتين أو أكثر في الروضة ، ويا لشدة الزحام هناك، فالكل حريص على أن يصلي بها ،وكثير من يحجز المكان ويبقى جالسا في الروضة للاستراحة أو لقراءة  القرآن ، ونسي أن غيره يريد أن يصلي على الأقل ركعتين في هذا المكان الذي أكد الرسول صلى الله عليه وسلم أفضليته بقوله في الحديث الشريف بما معناه أو كما قال: " ما بين بيتي ومنبري روضة من رياض الجنة "(1) .، وهل هناك أفضل من أن يرتع الإنسان في مثل هذه الأماكن الطاهرة  .  بقينا في المسجد نصلي ونقرأ القرآن حتى وقت صلاة الضحى ، صلينا الضحى وخرجنا من المسجد ، وعند وصولنا إلى باحة المسجد الخارجية فاجئنا منظر المظلات الشمسية المتحركة كهربائيا ، كبيرة في حجمها ، غريبة في شكلها ،رائعة في حركتها الهادئة  وتداخل كل مجموعة منا على حده ، لتشكل وحدة متكاملة ، يستظل المصلون في ظلالها حيث تقيهم حر الشمس الساطعة في وضح النهار، وتعود المظلات إلى أغمادها عند زوال حرارة الشمس وهكذا دواليك .    ما أروعه من منظر وما أبهجها من حركة ، فكرة رائعة ، وتصميم بديع ، وجزى الله حكومة المملكة العربية السعودية على هذا الإنجاز الرائع ، من ضمن توسعة الحرمين الشريفين ، وكانت آخر زيارة لي للمسجد النبوي الشريف قبل عشر سنوات وقبيل مغادرتي المملكة حال إنهاء عملي بها فكانت التوسعة الحديثة للمسجد تحت التشغيل، بعض الأعمال منجزة وبعضها لما يتم إنجازه بعد     وأذكر في الزيارة الأخيرة وقبل العودة إلى الأردن ، كان برفقتي صهري الكريم /محمد توفيق  وكنا منفردين وفراشنا داخل سيارتنا فهي الفندق المتنقل لنا ، وكانت ساحات المسجد الخارجية غاصة بورشات العمل المختلفة ، وقررنا المبيت في تلك الساحات الخارجية ، اخترنا إحدى الجرافات العملاقة  ووضعنا فراشنا بين أذرع هذه الجرافة العملاقة ، ونمنا في فندق الجرافة حتى قبيل الأذان لصلاة الفجر ، ولم ينغص علينا سوى صوت حجر ارتطم بشدة في حديد هيكل الجرافة فاستيقظنا مرعوبين  ظانين بأن سائق الجرافة قد جاء ليحركها ولم يدر بوجودنا بين أذرعها ، فقلنا في أنفسنا (رحنا في ورطة ) ؟!                                                                            ------------------------------------------------------------------------------------------- (1) متفق عليه ، رواه الشيخان البخاري ومسلم .     نظرنا حولنا فوجدنا أحد المصلين القادمين إلى المسجد النبوي قبل الأذان قد روعه منظر كلب يسير إلى جانبه في الشارع ، خاف منه وقذفه بحجر انتهى في دحرجته حتى اصطدم في جسم الجرافة  مما سبب لنا الهلع ، وأطار النوم من أعيننا ، وعندما ثبنا إلى رشدنا ضحكنا كثيرا لعدم محافظة الفندق على راحتنا التامة ، لملمنا فراشنا ووضعناه داخل سيارتنا التي تقف قميئة بجانب فندقنا الضخم (الجرافة ).    أخذنا بعض الصور التذكارية أثناء حركة فتح المظلات الشمسية العملاقة في الصباح ، ثم غادرنا المسجد بنية الاتجاه إلى بيت الله الحرام لأداء مناسك العمرة .    اتفقنا قبل مغادرة المدينة أن نعمل جولة في المدينة المنورة لزيارة الأماكن الدينية  والتاريخية فيها : جبل أحد ، المساجد السبعة ، مسجد القبلتين ، والصلاة في مسجد قباء .   استأجرنا حافلة صغيرة على أن يقوم بتمريرنا على جميع هذه الأماكن ونقف على كل منها ما فيه الكفاية لآداب الزيارة  ، كان السائق رجلا طيبا من أهل المدينة ،وفضلا عن أنه كان يقود السيارة  كان يقوم بعمل المرشد السياحي الديني ، وكان في أثناء سيره في الطريق يشرح لنا عن كل معلم من المعالم المتجهين إليها ، رغم معرفتنا السابقة لهذه الأماكن ، إلا أن الرجل كان على علم ومعرفة حقه بتاريخ وقدسية معالم المدينة فجزاه الله خيرا ، وصدق من قال : أهل مكة أدرى بشعابها .   اغتسلنا وأحرمنا للعمرة قبل مغادرة  الفندق ، ثم اتجهنا إلى آبار علي ميقات أهل المدينة ، صلينا ركعتين في المسجد  ، نوينا العمرة واتجهنا بعون الله إلى مكة .     عند وصولنا مكة اتجهنا إلى فندق القدس ، وكان ولدي بهاء يعرف مكانه  لأنه سبق أن نزل به في مرة سابقة ، فندق درجة  أولى من ذات النجوم الخمسة ، تجاوزنا النقاش في أجرة الغرفة لأننا لن نمكث إلا ليلة واحدة ، كان الفندق فخما ومريحا ، وخاصة الحافلات الصغيرة التي تنقل الزوار والعمار من الفندق إلى الحرم ليلا نهارا على مدار الساعة ،وتعتبر هذه الحافلة من ضمن الخدمات الفندقية التي تريح المعتمرين والحجاج .                                                                                                                                                                                                                                  بعد أن استرحنا قليلا في الفندق ، اتجهنا إلى بيت الله الحرام لإتمام مناسك العمرة ، ويا له من منظر رائع وأنت ترى من بعيد مآذن الحرم المرتفعة وهي تشق عنان السماء ، ويبهرك منظر الحرم بروعة تصميمه وجمال بنائه ، وعندما تدخل من أحد أبواب الحرم وتقع عينك على الكعبة تشعر بالهيبة والجلال والخشوع لله عز وجل ، وترى الناس من حولك ما بين راكع وساجد وتال للقرآن ورافع يديه إلى السماء ، وكل يدعو الله بما يتيسر من الدعاء .    بدأنا فور دخول الحرم بالطواف حول الكعبة سبعة أشواط ، كان صحن الكعبة مليء بالناس ولكن بدون زحام والحمد لله ، دعونا الله وسألناه العفو والعافية والمعافاة الدائمة في الدين والدنيا والآخرة،كان ابني علاء الدين يمسك بيدي أثناء الطواف ، قال لي : لا تنسانا من الدعاء يا أبي ، ورفعت يدي إلى السماء قائلا : اللهم وفق أولادي جميعا لما تحبه وترضاه ، اللهم وفقهم وسدد خطاهم ، وابعد عنهم شر الضلال والفساد والعناد ، وقهم شر أنفسهم ، اللهم أرنا جميعا الحق حقا وارزقنا إتباعه وأرنا الباطل باطلا وارزقنا اجتنابه ، اللهم إني أشهدك أني راض عنهم فارض عنهم ، واحفظهم من كل شر يا أرحم الراحمين .     وفي نهاية الشوط السابع وقفنا عند باب الملتزم ، ودعونا الله ما شاء لنا من الدعاء ، ثم صلينا ركعتين عند مقام إبراهيم عليه السلام ثم اتجهنا للسعي بين الصفا والمروة سبعة أشواط كذلك ، وأحمد الله الذي أعانني على سعي الأشواط السبعة مشيا على الأقدام ، فقد كنت أظن أنني لم أقوى عليها ، نتيجة لخشونة في صابوني الرجلين ، وربما أحتاج للركوب في العربة الخاصة بذلك ، والحمد أني سعيت جميع الأشواط مشيا وكنت أهرول في كل شوط بين علامتي الهرولة في المسعى وفي نهاية الشوط السابع قصرنا من شعرنا ، وبذلك نكون قد أنهينا مناسك العمرة بخير وسلام  والحمد لله .   عدنا إلى الفندق ، وفي الطريق اشترينا عشاءنا من الوجبات الجاهزة ( كودو) وما أدراك ما الكودو  ، تسمع بالمعيدي خير من تراه ، الجوع يجعلك تأكل بعض الأشياء التي تحبها وأحيانا التي  لا تحبها ، ما أحببت أن أحرج أبنائي الذين جاءوني بالعشاء ، فأكلت ما قسم الله لنا ، وبعد الأكل قلت لهم : والله إن شطيرة الفلافل أحسن بدرجات من هذا الكودو الذي يزيد سعره عن ثمن شطيرة الفلافل بعشرة أضعاف .     ارتحنا تلك الليلة بالفندق ، واستيقظنا لأداء صلاة الفجر في المسجد الحرام ، وبقينا في المسجد نصلي ونقرأ القرآن حتى بعد شروق الشمس بثلث ساعة  تقريبا ، بداية موعد صلاة الضحى  فصلينا ، ثم طفنا بالكعبة طواف الوداع  وغادرنا البيت الحرام .    كنت قد أبديت رغبتي لأبنائي أكثر من مرة ، إن شاء الله إن تهيأت لي الظروف ، سأزور المناطق التعليمية التي خدمت بها قبل خمسين عاما تقريبا منذ عام 1963م – 1383هـ وهي : الليث المخواة ، حدبة بني عاصم ، حداد بني مالك / الطائف ، تبوك ، ضباء  من أقصى الجنوب إلى أقصى الشمال .    وكم كنت حقا في شوق لرؤية تلك الأماكن التي عشت فيها أجمل سنوات العمر زهرة الشباب ،  ولنا فيها من المعارف والأصحاب ومن طلابنا الكثير ، كنت أحدث نفسي أحيانا لو رأيتهم الآن ، هل يعرفونني ، هل أعرفهم  ، هل يتنكرون لنا أو يقابلونا بالأحضان ؟؟!!     وفاجئني أبنائي الأحباء علاء الدين وبهاء الدين بأنهم يريدون تحقيق حلمي بالعودة لزيارة  الأماكن التي كنت أعمل فيها  منذ بداية قدومي إلى السعودية عام 1383هـ  ، وكم كان سروري عظيما عندما سمعت منهم استعدادهم لزيارة تلك الأماكن التي لا يعرفون طرقها ، وهل يستطيعون القيام بهذه الرحلة فيما يتبقى معهم من الوقت لمباشرة عملهم في الرياض ، قالوا : سنبذل قصارى جهدنا من أجل تحقيق رغبتك القوية لهذه الزيارة .   عقدنا العزم وتوكلنا على الله وسألناه أن يسهل لنا هذه الرحلة ويطوي لنا الأرض طيا ، انطلقنا بسيارتنا بعد أن سألنا عن بداية الطريق إلى الليث ، وشغلنا خارطة ( جي .بي .أس ) لتحدد لنا   سلامة سيرنا في الطريق ، وفي هذه الرحلة تبين عظيم فائدة وجود مثل هذه الخارطة في السيارة خصوصا في السفريات الخارجية ، بمجرد أن تحدد الجهة التي تريدها يُرسم سهم أمامك على الخارطة يحدد اتجاه سيرك ، وتنطق الخارطة المبرمجة : استمر في نفس الاتجاه ، خذ المسرب اليمين ، أو خذ المسرب  اليسار ، أخطأت الاتجاه ، عد إلى  الخلف وخذ الاتجاه الآخر ، على بعد 300م خذ اليمين ، أو خذ اليسار وهكذا حتى تقف على المكان المراد .    بدأنا السير في طريق الليث ، أولى المدارس التي عملت بها في المملكة عام 1383هـ ، ويا للفرق الشاسع بين هذا الطريق المزدوج ( اوتو – ستراد ) وبين طريق (الغراز) الصحراوي أو بين طريق ( السبخة ) بمحاذاة البحر ، وكلا الطريقين أحلاهما مر !!    كنا نمكث في الطريق بين جدة ومركز عملنا في القنفذة ( 380كلم ) مدة يومين أو ثلاثة أيام ، أما هذه الأيام فلا تستغرق نفس المسافة أكثر من ساعتين أو ثلاثة ، حسب مهارة السائق ونوع السيارة .   بعد ساعة تقريبا من انطلاقنا من مكة وصلنا مدينة الليث الحديثة وليس بلدة الليث القديمة ، لقد تغيرت معالم الليث القديمة تغيرا كليا ، ولم تقع عيني على أثر من المعالم القديمة ، كانت معظم البيوت القديمة من العشش التي لا أثر لوجودها ، كانت البلدة القديمة تبعد حوالي ثلاث كيلومترات عن شاطئ البحر .    مدينة الليث الآن تقع على شاطئ البحر مباشرة ، وقد اجتثت شجيرات النخيل التي كانت منتشرة على شاطئ البحر هنا وهناك ، وأصبح مكانها كورنيشا مضاء بالكهرباء ، وتخترقه خطوطا معبدة ، وتنتشر فيه الجلسات المظللة ، والاستراحات ، ومراجيح ألأطفال المتنوعة .  اتجهنا إلى الشاطئ ، شاهدنا بعض الشباب من أهالي الليث ، يقفون فوق لسان بحري يدخل إلى مسافة مائة متر داخل البحر، أوقفنا السيارة على الكورنيش قريبا من اللسان ، ونزلنا لنستمع بمنظر البحر الجميل وأحسست بنفسي تخاطبه قائلة : أتذكرني يا بحر عندما كنت أجلس وحيدا منفردا على شاطئك وكانت وسيلة تنقلي بين الليث والبحر دراجة هوائية اشتريتها جديدة بثلاثين ريالا .                                                                                                                                                                                                                                    سألت أحد الشباب عن بعض الأسماء التي أتذكرها من أهالي الليث مثل : أحمد حنكس ، عبدالله باسالم ، يحيى البركاتي ، حمد البطاح الدعيجي ، قال لي : لا أعرف أحدا وحاول الابتعاد مستنكرا، توجهت نحو اثنين من الأخوة العرب الذين كانوا يمارسون هواية صيد الأسماك ، وسألتهم إذا كانوا يعملون في مدينة الليث ، وسألتهم عن عملهم فقالوا نعمل في التدريس ، قلت إنني عملت مدرسا في الليث منذ خمسين سنة وأحب أن أتعرف على بعض الأشخاص إذا كانوا موجودين الآن في الليث ، قالوا : ( ما بنعرفش حد ) وحاولوا أن يجمعوا سنانيرهم  وهموا بمغادرة المنطقة التي كنا نقف فيها  لم يستضيفونا على عادة العرب ولم (يتمعذروا ) معنا بكلمة تنم عن أنهم من أصول عربية.      عندها تقدم مني ولدي بهاء الدين وقال لي ضاحكا : أنت من خلال سؤالك هؤلاء جعلت منا أناسا مشبوهين ، الناس ينظرون إلينا بريبة وشك ،ولقد شبهت هذا الموقف بفتية أهل الكهف الذين آمنوا بربهم ، الذين لبثوا في كهفهم ثلاثمائة سنة وازدادوا تسعا ، بعد ذلك عاد أحدهم إلى المدينة التي خرجوا منها ليشترى لهم أزكى طعاما بورقهم الذي كان معهم منذ ذلك الزمن البعيد، والذين قال فيهم عز وجل: " لو اطلعت عليهم لوليت منهم فرارا ولملئت منهم رعبا "(1) )    تصورت نفسي في تلك اللحظة وأنا أسأل أهل الليث ، أنني خارج من الكهف الذي كنت أعمل فيه قبل خمسين سنة ، وقد انتقل إلى رحمة الله جميع الناس القدامى .   لم أيأس من كثرة السؤال ، فليس من المعقول أن أغادر الليث قبل أن أتعرف على بعض الناس   ومعرفة أخبار من أعرفهم ، شاهدت رجلا كبيرا في السن يجلس مع أهله وأولاده يلعبون على المراجيح من حوله ، اتجهت نحوه ، حاول ابني بهاء أن يثنيني عن سؤال الرجل بحجة أن أهله معه، قلت له : ( إنك لن تستطيع معي صبرا )(2) ، وأومأت للرجل من بعد بأنني محتاج إلى محادثته ، فجاءني وسألته عن معارفي القدامى فقال : إن أحدهم قد مات ، والآخر قد غادر البلد ، وأما أحمد حنكس فتجده الآن يقرأ القرآن في الجامع الكبير وأشار إليه ، وكان سروري عظيما بوجود أحد الأشخاص الذين أعرفهم .                                                                ---------------------------------------------------------------------------------   (1) سورة الكهف ، رقم الآية ( 18) .        (2) سورة الكهف ، رقم الآية (67) .    كان الوقت ظهرا توضأنا ودخلنا المسجد للصلاة وكذلك للسؤال عن أحمد حنكس ،بعد صلاة تحية المسجد ، توجهت إلى  المؤذن وسألته عن أحمد حنكس ، تلفت يمينا ويسارا وقال : كل يوم مثل هذا الوقت يتواجد في المسجد واليوم غير موجود وربما يأتي بعد قليل ، وبعد أن صلينا الظهر جماعة ، أعدت سؤال الرجل ، فقال لي غير موجود ، كان هناك أحد المصلين قريبا منا وسمع سؤالي فقال : إن أحمد سالم حنكس قد صلى معنا وخرج بعد الصلاة ، وإن كنتم  بحاجة  إليه تجدونه الآن في ( السوبر ماركت ) الخاص به في الشارع العام .     بعد بحث ليس باليسير وقفنا أمام محله ، ونزل أحد أبنائي ليسأل عنه فوجده حاضرا ، وقال له إن أبي يريد التعرف عليك ، جاءنا رجل كبير السن ذو لحية بيضاء، وعندما رآني لم يعرفني لأول وهلة لطول الزمن ، فقلت له : ألا تعرفني !! قال: لا ، من أنت ؟! قلت له : أنا الأستاذ أحمد الوادي ، درستك في الصف السادس الابتدائي ، أيام كان الأستاذ حمد البطاح مديرا للمدرسة ، تفرس في وجهي وهجم علي يقبلني ويقبل رأسي ، وحاول جاهدا أن يستضيفنا عنده للغداء ، اعتذرنا منه وقلنا له : إن أمامنا رحلة  طويلة ، استوقفنا قليلا وانطلق إلى محله وعاد لنا يحمل كيسا مليئا بالمياه الصحية والعصائر المختلفة وأصر على أن نأخذها وقال : إن هذا أقل الواجب ، سألته عن بعض الناس الذين كانوا معنا في ذلك الزمن ، فقال بعضهم توفي ، وبعضهم ترك إلليث وذهب إلى مكة أو إلى جدة  ودعناه وغادرنا الليث إلى المخواة .   اتجهنا إلى الطريق الرئيسي المؤدي إلى القنفذة ، وصادفنا وجود أحد الركاب على الطريق ، وقفنا بجواره وسألناه عن الطريق إلى  المخواه ، فقال : هناك طريقان الأول والأقرب طريق الشاقة  والطريق الثاني طريق القنفذة .     أركبناه معنا إلى الشاقة ، وأشار لنا إلى بداية الطريق المؤدي إلى المخواة ، شغلنا خارطة الجي بي إس وعلم مؤشرها في الاستمرار بالاتجاه الصحيح ، وفي خلال أقل من ساعة ونصف كنا نقف على أطلال بلدة حدبة بني عاصم القديمة التي هجرها أهلها إلى المباني الحديثة والعمارات الشاهقة   وكذلك مررنا بالمخواة فرأيت معظم المباني حديثة ، ولم استطع التعرف على شيء من المعالم القديمة ، كان الوقت بين الظهر والعصر وكان الطقس حارا ومعظم الناس يقيلون في بيوتهم ، شاهدنا مبنى ضخم اتجهنا نحوه فكان مبنى كلية البنات ، وجدنا موظف في غرفة خارجية  عند الباب ، سألته عن بعض الأشخاص فلم يعرف منهم ، غير الأستاذ عبدالله عطران مدير مدرسة الحدبة وقال لي : لقد تقاعد من العمل وهو الآن في قريته المجاورة للحدبة ، ويعرف رقم هاتف ولده لأنه من أصحابه ، أخذت رقم هاتف الابن ، علني أستطيع محادث  الأب ، لكنني لم أفلح رغم الاتصال المتكرر .   غادرنا المخواة ونحن آسفين أننا لم نر أحدا من معارفنا ، ولم نشف غليلنا بالتعرف على كل الأماكن القديمة فقد غطت عليها المباني الحديثة ، ولكنني استطعت أن أقف أمام المجمع السكني الكبير والقديم والتي كانت تسكنه عائلة الشيخ عوض وإخوانه حاسن وصالح وعلي وأقاربه ، إنه أشبه ما يكون بالحصن ، قالوا لنا قبل خمسين عاما أن عمر هذا المبنى أكثر من مائتي سنة ، حجارته من صفائح الصخور السوداء الداكنة ، وعرض جدار المبنى يقارب المتر ، بحيث تستطيع أن تجلس وتتربع داخل النافذة .      شاهدت البيت القديم الذي كنت أسكنه ، وكان أحد الحصون الصغيرة في القرية ، يتألف من ثلاث طوابق ، وقد استأجرت أنا الطابق الثاني بثلاثين ريالا ، وكان أصحاب البيت يسكنون الطابق الثالث ، وكان لي سرير فوق سطح البيت  عليه فراش وتجلله ناموسية لكي أنام عليه ليلا طلبا لبرودة الجو، تذكرت وأنا أنظر إليه قول الشاعر الجاهلي عندما مر على أطلال قومه المهجورة فقال :           قل لمن يبكي على رسم درس             واقفا ما ضر لو كان جلس                                    يصف الربع ومن كان بـــــــه            مثل سلمى ولبينى  وخنــس       سألنا في المخواة عن الطريق إلى حداد بني مالك/ الطائف ، لزيارة البلد التي جلست فيها عشر سنوات بالتمام والكمال ولي فيها من الذكريات ما لا يحصى ، فقالوا لنا إما أن تعودوا إلى مكة ثم   الطائف وبعدها إلى حداد ، وإما أن تصعدوا العقبة في طريقه الجبلي الجديد والممتع ، فيوصلكم إلى الباحة ومنها إلى حداد بني مالك ثم تذهبون أخيرا إلى  الطائف .   اخترنا الطريق الجبلي الأقصر والأصعب طمعا في التعرف على بلدان جديدة لم نراها ، وكان نعم الاختيار بتوفيق من الله عز وجل .    أيام كنت أعمل في المخواة كانت هذه الطريق غير سالكة ولا آمنة ، يسلكها الناس سيرا على الأقدام أو ركوبا على الحمير والجمال ، ويقطعونها بمشقة وخطورة ، ولا بد أن يكونوا مسلحين خشية من الوحوش المفترسة مثل النمور والضباع كما كانوا يقولون لنا ، وكانت الطريق تسمى عقبة السبت أو عقبة الباحة على ما أذكر .  أما اليوم فإن هذا الطريق يعتبر معلما من معالم الحضارة والتطور ، ولولا أن أبالغ في الوصف لقلت : إنه يعتبر من العجائب على الأقل على مستوى العالم العربي فقد زرت من البلدان العربية : سوريا ، لبنان ، الأردن ، فلسطين ، السعودية ، مصر فلم أر أروع ولا أجمل من هذا الطريق ، الطريق الذي يربط بين تهامة الساحل والباحة  عبر سلسلة الجبال الشاهقة ، تسير الساعات الطوال صاعدا قمم الجبال ، في طريق متعرج ما بين جسور كثيرة تصل بين الجبال ، أو أنفاق عديدة  تخترق جوف الجبال ، فتغيب خلالها وقتا لا بأس به ، تخرج من نفق إلى نفق آخر لا يبعد عنه مسافة كبيرة ، وتنتقل من جسر إلى جسر ، تحفك الأشجار التي تغطي تلك الجبال الشاهقة بمنظرها الخلاب التي يريح النفس ويبهر العيون .     ومما يلفت الانتباه في هذه الطريق كثرة وجود القرود على جوانب الطريق ، توجد في أعالي الجبال وعلى الخط المعبد مساحات جانبية متباعدة ، عملت خصيصا لوقوف المسافرين على جوانب الطريق ليقفوا فيها ويستمتعوا بالمناظر الجميلة والخلابة ، خاصة وأنت ترى الأعماق السحيقة للوديان البعيدة عنك وأنت معلق بين السماء والأرض على رؤوس تلك الجبال.      وبمجرد أن تقف السيارة في إحدى الاستراحات الجانبية ، وخلال ثوان يتكاثر وجود هذه القرود التي تعودت على تناول الأطعمة والفواكه التي يقدمها لها المسافرون ذهابا وإيابا عبر تلك الطريق ، لم نعتاد التعامل مع القرود ، فقد خفنا من اقترابها منا في بداية الأمر ، لم ننزل من السيارة ، فصعدت القرود فوق السيارة ومدت أيديها من خلال فتحة الشبابيك الصغيرة التي تركناها لنقدم لها ما معنا من خضار وفواكة ، وكانت إحدى القرود تحمل ولدها وتطعمه أمامنا من بعض ما تحصل عليه من الفواكة ، وكان نصيبها من الطعام أكثر من غيرها رحمة بصغيرها .    الحقيقة أننا لم نحسب حساب هذه القرود ، حيث لم نكن نتوقع وجودها ، بصفتنا نسلك هذا الطريق لأول مرة ، وبعد قليل جاءت سيارة ثانية ووقفت بجوارنا ، ولاحظنا أنهم جلبوا معهم موزا لإطعام القرود فهي تحب الموز ، وتأكله كالإنسان تقشره أولا ثم تأكل الثمرة وترمي القشرة ، تأكله بشراهة وتستمتع بأكله ثم تعود لتحصل على قرن موز آخر.     أخذنا صورا تذكارية للقرود وهي فوق السيارة  تتناول منا ثمار الجزر ، وأسوأ ما في هذه القرود ، أنها لا تعرف الحياء وخاصة الذكور منها فهي تعرض ( بضاعتها بلا حياء) ، وكأنها تستعرض الأمر أمام الناس متعمدة هذا الفعل الشنيع ، وخاصة في حضرة النساء .    كانت درجة الحرارة في مكة عندما غادرناها صباح يوم الخميس ثاني أيام الرحلة ، تقارب خمسا وأربعين درجة ، بدأت الحرارة تنخفض منذ بداية صعود العقبة ، وما كدنا نصل منتصف الطريق ونحن ننتقل من جسر إلى جسر ، ونخترق الجبال من نفق إلى نفق ، وإذا بالسماء تبرق وترعد والمطر ينهمر غزيرا جدا ، ماسحة الزجاج تعمل بأقصى سرعتها ، والطريق تكاد لا تبين من شدة المطر المنهمر بغزارة ، ما أروعه من منظر ، وما أجملها من رحلة ، شاهدنا فيها ما لم نكن نتوقعه من مناطق جميلة ، نظرنا إلى ميزان الحرارة يشير إلى درجة 26 درجة مئوية ، قبل ساعات فقط كانت درجة الحرارة في مكة 45م ، سبحان من بيده ملكوت كل شيء وهو على كل شيء قدير .    وصلنا الباحة وهي مدينة جميلة حقا ، في بيوتها الفخمة التي تحيط بها الأشجار  الكثيفة ، ومناخها اللطيف حتى في فصل الصيف ، الزهور والورود الطبيعية تنبت على جوانب الطرق فسبحان الله الذي حباها هذا الجمال .لم نمكث كثيرا في الباحة ، تزودنا بالوقود من إحدى المحطات ، وشربنا القهوة من أحد الأكشاك الموجودة في المحطة والمتخصصة لبيع القهوة ، كنا نطمح في أن نصل حداد بني مالك قبل غروب الشمس ، فهي آخر مرحلة في مخططنا السياحي ، وكانت من أهم الأماكن التي كنا نريد مشاهدته في وضح النهار ، فهي البلد التي مكثنا بها عشر سنوات بالتمام والكمال ولنا فيها من الذكريات والأصحاب الكثير الكثير  ، وهي مسقط أحد أبنائي الذي يرافقني رحلة العمرة علاء الدين ، وقد سُر كثيرا بمشاهدة البيت الذي ولد فيه .    انطلقنا نحو حداد بني مالك من الباحة ، كانت الطريق بينهما لا تقل روعة وجمالا عن طريق العقبة – تهامة / الباحة – وهي متعرجة  ومحفوفة بالأشجار من كلا الجانبين ، وصلنا حداد بني مالك قبل غروب الشمس ، ولاحظنا أن معظم بيوت البلدة القديمة قد هجرت إلى البيوت الجديدة خارج البلدة القديمة والتي بقيت على وضعها السابق دون تغيير شيء يذكر.   سألنا عن بيت محمد عمر المالكي ، مدير المدرسة الذي عملت معه ، والذي كان أحد طلابي يوما ما ، فأشاروا لنا إلى بيت فوق هضبة قريبة ، وقالوا هناك بيت محمد عمر ، وعندما وصلنا قريبا من البيت  ، خرج علينا رجل سألناه عن محمد عمر ، أهلا بكم أنا محمد عمر ، فقلت له باستغراب أأنت محمد عمر؟؟ الذي كان مديرا لمدرسة حداد ، عندها ابتسم الرجل ورحب بنا مرة أخرى ، إن الأستاذ محمد عمر الذي تسألون عنه قد ترك الإقامة بحداد ، تقاعد من التعليم  ، واشترى عمارة في الطائف ويسكن هناك ، وحاول الرجل أن يستضيفنا بشدة ، سألناه  عن مسفر بن جبر وهو أحد الزملاء السعوديين الذين عملت معهم بحداد وكان أحد طلابي يوما ما ، فقال : لقدتقاعد من التعليم ، وهو الآن إمام مسجد ، وأشار لنا إلى المسجد الذي يؤم الناس فيه ، انطلقنا نحوه  وكان الوقت وقت غروب الشمس ، وعند وصولنا المسجد كانت الصلاة قد أقيمت ، قصدنا نحو دورات المياه لتجديد وضوئنا ، فكانت مقفلة ،توضأنا سريعا بالمياه الصحية المعدة للشرب ،وأدركنا صلاة الجماعة .    قبل أن ندخل إلى المسجد قلت لأبنائي ، إن هذا الصوت الذي أسمعه يؤم الناس هو صوت مسفر لم يتغير ، أدركنا الركعة الثالثة من الصلاة وأتممناها بعدهم ، تغير شكل مسفر كثيرا ، كبر وطالت لحيته وخالط شعرها البياض ، حاولت مداعبته قبل أن أعرفه بنفسي ، فقلت له : يا شيخ نحن أناس مسافرون ، وعرجنا على المسجد القريب من الشارع العام لنشارككم في تأدية الصلاة ، وللأسف وجدنا دورة المياه مقفلة مما اضطرنا لاستعمال مياه الشرب لنتوضأ بها ، قال : إنها مفتوحة وهذا المفتاح معلق  ويأخذه من يريد استعمال دورة المياه .   اقتربت منه وسلمت عليه ، فقال نحن متأسفين وحقكم علينا ، قلت له : ألا تعرفني ؟ ألم تسمع بهذا الصوت قبل الآن ؟!  تفرس في وجهي قليلا ثم قال : الأستاذ أحمد الوادي  ثم هجم علي يقبلني وسلم عليََ من جديد . وأصر على استضافتنا في بيته ، وقبل أن نذهب معه ، اشترطنا القهوة فقط ، لأننا على عجلة  من أمرنا ، وأمامنا رحلة  طويلة فقبل شرطنا  ، ولكن بعض الأخوة من أهالي حداد الذين كانوا موجدين في المسجد وتعرفوا علينا ، لم يعجبه هذا الشرط وأصروا أن يستضيفونا للعشاء عندهم فاعتذرنا لهم  .   وأخص بالذكر منهم السيد / مسفر بن جارالله متعهد البريد السيار في ذلك الزمن الغابر ، اكفهر وجهه وغضب لأننا رفضنا العشاء عنده وقبلنا القهوة عند مسفر بن جبر، قال لي وهو يقف إلى جانبي بعفوية واضحة، هؤلاء أولادك ما شاء الله ، وأولاد سهام يعني زوجتي ، حدق به أحد أبنائي غاضبا ، كيف يأتي على ذكر اسم والدته صريحا أمام الناس !! كان رجلا كبير السن ذو لحية  بيضاء ، أدركت الموقف وأنا أضحك وقلت له يا ولدي : إن هذا الرجل يعرف اسم والدتك قبل أن أعرفه أنا ، إن هذا الرجل كان متعهد للبريد ، وكان يتعامل مع والدتك أسبوعيا عن طريق فراش المدرسة ، يسلمها البريد ويستلم منها البريد الرسمي بصفتها مديرة المدرسة .       كنا نقف باب المسجد ساعة الغروب  ، وبجانبنا مدرسة حداد بني مالك القديمة التي عملت بها تسع سنوات ، وهي مهجورة وعلى وضعها القديم ، وانتقلت المدرسة إلى مبناها الحديث أثناء وجودي بها في السنة الأخيرة ، وكذلك كان يوجد أمامنا مبنى مدرسة البنات على الطابق الثاني ، وكان الطابق الأول محلات تجارية وباب المدرسة في منتصف السوق ، صوَر أبنائي مبنى المدرسة القديم وأرسلوه لأمهم في أمريكا ، وكانت في زيارة لابنتنا هناك ، وسألوها إن كانت تعرف هذه الصورة ، فأجابتهم على الفور إنها صورة مدرسة البنات في حداد بني مالك ، وهي     لا تعرف أننا متواجدون في حداد نفس لحظة إرسال الرسالة لها .                                                                                                                                                         ذهبنا لتناول القهوة عند الشيخ مسفر بن جبر ، وبرفقتنا بعض رواد المسجد الذين أحبوا البقاء معنا ، قال لي أحدهم أنه كان من طلابي ولكنني لم أذكره لطول الزمن وتغيير الملامح ، فعشر سنوات في بني مالك مر عليََ فيها آلاف الطلاب ، شاخوا الآن وتغيرت أشكالهم .    لقد بالغ الشيخ مسفر في إكرامنا وتقديرنا ،وقدم لنا القهوة يرافقها اللوز البجلي مع الزبيب على عادة أهل المنطقة ، فبلاد بني مالك تسمى منطقة بجيلة ، ومن أهالي تلك المنطقة  الصحابي الجليل جرير بن عبد الله البجلي ، واللوز البجلي من إنتاج تلك المنطقة ،ويقدمون هذا اللوز للضيوف مع القهوة والزبيب .    ومن الكلمات التي لا زلت أحفظها منهم والمرافقة لتلك العادة كلمة ( اقدع يا أستاذ اقدع ) وتعني كُل من اللوز والزبيب ، وبمجرد أن قدم الشيخ مسفر اللوز والزبيب مع القهوة ، قلت أنا لأبنائي اقدعوا يا شباب اقدعوا  ، ضحك مسفر والحاضرون وقالوا: بعدك ذاكر يا أستاذ أحمد ما نسيت القدع ، قلت لهم وكيف ينسى الإنسان ذكريات سنين طويلة ، قدعنا فيها كثيرا من اللوز والزبيب في بلاد بجيلة .    سألت مسفر بن جابر عن هاتف الأستاذ / محمد عمر المالكي ، فقال : إنه موجود معي وحاول   الاتصال به ،وبعد محادثته قال له : عندي صديق يريد التحدث معك ، سلمت عليه وسألته عن حاله وعن العيال والأولاد ، فأجابني بخير والحمد لله  ، لم يعرفني ، قلت له :  ألم تسمع هذا الصوت من قبل  ؟؟ قال : بلى ولكنني نسيت صاحبه ، قلت له : عد بذاكرتك إلى الوراء عندما كنت طالبا في متوسطة مدرسة حداد بني مالك ، ثم عندما عدت إليها مدرسا ثم أصبحت مديرا لها ، درسك وعمل معك أناس كثيرون وأنا أحدهم .  أجابني فورا : أبو صلاح ، الأستاذ / أحمد الوادي أهلا وسهلا وألف مرحبا ، تراحيب السيل، أين أنت الآن ؟ قلت له : أسأل عنك في حداد  وأنت هارب منا إلى  الطائف ، قال أنا بانتظارك في الطائف بمجرد دخولك الطائف تترك الإشارة الأولى والثانية وتدخل يمينا قبل الثالثة تجدك واقفا أمام بنك الرياض ، اتصل بي وبعد دقائق سأكون عندك إن شاء الله .                                         غادرنا حداد إلى الطائف عشاء ، كان الليل قد أرخى سدوله ، ولم أتمكن من أخذ أبنائي إلى مكان المواريد ، مجرى الماء وغدير (أبو سبعة ) والذي لنا عنده كثير من الذكريات وقد سمع به أبنائي ولكنهم لم يروا مكانه ، تذكرت قول الشاعر وأنا أمر بالقرب من المكان :         أمر على الديار ديار سلمى            أقبل ذا الجدار وذا الجدار                                         وما حب الديار شغفن قلبي            ولكن حب من سكن الديار أدركنا الوقت وخيم الليل ، وقد شاهدنا من المعالم ما لم  نكن نحلم أن نراه ، من مكة إلى الليث ، ومنها إلى المخواة فحدبة بني عاصم ومنها إلى الباحة ثم إلى بلاد بني مالك ثم إلى الطائف ، رحلة طويلة وموفقة والحمد لله  وفي يوم واحد .     لم تستغرق الرحلة من بني مالك إلى الطائف أكثر من ساعة  في طريق معبد وجميل،  كنا نجلس فيها الساعات الطوال ونعاني ما نعانيه من رمال وحجارة وصخور الوادي الذي تسير فيه السيارة بعد مفرق غزايل .    بمجرد وقوفنا أمام بنك الرياض حسب الوصف ، اتصلت بالأخ / أبو عمر ، خلال دقائق كان أمامنا بلحمه ودمه ، لم يتغير شكله كثيرا سوى تلك اللحية البيضاء ، وبعض لآثار مرض قد أصابه وعافاه الله منه .    تقابلنا بالأحضان وطال عناقنا ، وأصر على أن يقبل رأسي عدة مرات ، وعرف ابنه عليََ قائلا له : هذا والدي وأستاذي أحمد الوادي / أبو صلاح  ، أهلا وسهلا وألف مرحبا ، هيا إلى البيت ، قلنا له قبل أن نذهب إلى  البيت لنا شرط ، القهوة فقط .     قال حياكم الله على الرحب والسعة ، عندنا عمارة من خمس طوابق ، أحد هذه الطوابق مفروش ولا يوجد به أحد البتة ، فهو مخصص للضيوف ، فخذوا راحتكم به ولا تنزعجوا من شيء فلا أحد حولكم . رحب بنا السيد / محمد عمر ترحيبا كثيرا ، وبالغ في إكرامنا أشد الكرم ، جمع أولاده الخمسة وهم ما شاء الله شباب في ريعان الشباب جميعهم متعلمون فمنهم الطبيب ومنهم المهندس وكلهم موظفون في وظائف جيدة ، بارك الله فيهم جميعا ، وعندما جمعهم قال لهم : هذا والدي وأستاذي ، والله لو أن والدي خرج من القبر الآن ، ما سررت به سروري بمشاهدة أستاذي أبو صلاح ، سار المسافات الطويلة ، وجاء يبحث عنا في بني مالك ، أي إنسان هذا ؟ !!                                                                                                                                                                 جند أولاده جميعا لخدمتنا بعضهم يحضر الماء وبعضهم يحضر الشاي والقهوة ، وآخر يحضر الزبيب واللوز ، انسجم الشباب مع بعضهم ، وجلس أبو عمر  بجانبي يحدثني بأسى عن رحلته الطويلة مع المرض المستعصي ، وقد عافاه الله منه والحمد لله بعد جلسات كيماوية عديدة .    كان ينظر إلي كما ينظر الابن إلى والده حقا ، ويقوم بين الفينة والفينة ليقبل رأسي مرة تلو أخرى ، وقد أحرجني من تصرفه هذا أمام أبنائه ، وفي كل مرة يقول لهم إنه أبي وليس أستاذي فقط .     وبعد شرب القهوة والشاي والقدع من الزبيب واللوز البجلي ، طلبنا الإذن بالمغادرة ، فقال هيهات هيهات ، والله بمجرد اتصالكم بدأنا بإعداد العشاء وبعد قليل سيكون أمامكم ، والله إن واجبكم عندنا كبير .    وبعد قليل دخل العشاء ، وكان الرجل قد أرسل ذبيحته إلى المطعم لطبخها ، وكان الرز مطبوخا بطريقة السليق ، وعند خروجنا سألني أبنائي عن طعم الرز المطبوخ على غير ما اعتادوا عليه ، قلت لهم هذا الرز السليق يوضع عليه حليب أثناء طبخه .    جلس محمد عمر بجانبي على السفرة ، وكأني به لم يذق طعم الأكل ، طيلة جلوسه وهو يقطع اللحم ويضعه أمامي وأمام أبنائي ، وعدة مرات يصر على وضع قطعة اللحم في فمي ، حتى أن أبنائي دهشوا من شدة  احترامه لي .    وبعد الانتهاء من طعام العشاء ، وشرب الشاي والقهوة بعد العشاء ، طلبنا الإذن بالمغادرة ، وإذا أبو عمر يرمي عقاله علينا وهو يقول : داخل على الله ثم عليكم أن تبيتوا عندنا هذه الليلة ، الحقيقة كان لي رغبة البقاء عنده ، لكن سبقني ابني بهاء إلى  العقال ، ووضعه على  رأس أبو عمر وقبل رأسه مرارا وقال له : لقد حجزنا في الفندق على الهاتف ، وبارك الله فيكم وأنتم لم تقصروا ، وكلفتم أنفسكم كثيرا وجزاكم الله خيرا .     قال : والله إن الطابق كله غير مسكون ، وأنه محجوز للضيوف الأعزاء من أمثالكم  ، وأخيرا سمحوا لنا بالخروج تحت إصرارنا الشديد ، وجميعهم رافقونا حتى أوصلونا إلى باب السيارة ، وأرسل أحد أبنائه معنا بسيارته ليدلنا على  الطريق الرئيسي .    لم ندخل مدينة الطائف وإنما تابعنا سيرنا إلى منطقة الهدى ،المنتجع السياحي للطائف ، والمصيف لجميع مناطق المملكة العربية السعودية، تجدها في الصيف تعج بالمصطافين من كل   حدب وصوب ، حيث يوجد بها الفنادق الفخمة ذات الخمسة نجوم ، وفيها الشقق الفندقية المتنوعة في درجاتها ، وفيها محطة تلفريك تنقلك من أعالي الجبال الشاهقة إلى الأراضي السهلية في سفوح تلك الجبال .  عندما وصلنا الهدى كان الوقت متأخرا ، وقد بلغ منا التعب مبلغه ، وقابلتنا أثناء سيرنا عمارة كبيرة كتب عليها شقق فندقية ، وقفنا أمامها وسألنا الرجل المسئول فيها ، عن إحدى الشقق الفارغة قال : عندنا شقق لذوي العائلات فقط ، وعندما رآني رجلا كبير السن ، قال : لا عليكم ما دام معكم هذا الحاج ، وأعطانا مفتاح أحد الشقق الأرضية .    أنزلنا متاعنا من السيارة ، وأخذ كل واحدا منا حماما ساخنا ، بعد يوم ديني في بدايته في مكة ، ثم سياحي تاريخي في بقيته ، حيث طفنا بلاد الله الواسعة ، وأصبح الحلم حقيقة بمشاهدة جميع المناطق التي عملت بها عدا تبوك وضواحيها ، وإن شاء الله إن كان في العمر بقية سنمر عليها ، فلنا فيها كثير من الأصحاب والأحباب والذكريات .وفي صبيحة  اليوم الثالث من أيام الرحلة ، وكان يوم جمعة ، سألنا عن وقت تشغيل محطة التلفريك ،عسى نستطيع استعماله قبل سفرنا ، قالوا لنا إنه يبدأ عمله بعد ظهر كل يوم حتى المساء  كنا على  سفر ولا نستطيع المكوث في الهدى لغاية الظهر .    حزمنا أمتعتنا ونوينا العودة إلى الرياض من حيث انطلقنا ، شغلنا خارطة الجي بي اس التي في السيارة لتدلنا على طريق الرياض فأشار السهم إلى طريق مختصر يوصل إلى الرياض دون العودة   إلى مدينة الطائف ، فسلكنا هذا الطريق ، وقبل التوغل في ذلك الطريق الصحراوي ، مررنا بإحدى محطات الوقود ، ملأنا السيارة بالوقود ، وتزودنا من (السوبرماركت ) المجاور بالوقود الآدمي  من مياه صحية وشطائر مختلفة وعصائر متنوعة .    أدركنا صلاة الجمعة في أحد المساجد على طريق الرياض  ، يقع المسجد ضمن محطة محروقات كبيرة ، وفيها (سوبر ماركت ) كبير ، ومرافق صحية ودورات مياه للرجال وللنساء      تستطيع القول أنها حقا متكاملة الخدمات ، وأن صاحبها بعيد النظر ، وذا عقلية تجارية فذة ، حيث تشاهد مئات السيارات تقف أمام المسجد لأداء الصلاة ، وبعد الصلاة تقف طوابير السيارات أمام المحطة للتزويد بالوقود ، وبالحاجيات المختلفة من ( السوبرماركت ) .   وصلنا الرياض مع غروب شمس اليوم الثالث ، بعد أن أدينا مناسك العمرة والحمد لله ، وطفنا بلاد الله الواسعة من المدينة المنورة في شمال المملكة إلى مكة المكرمة في غربيها  إلى القنفذة والباحة في جنوبها ثم إلى الطائف ، وأخيرا عدنا إلى الرياض وسط المملكة .     كانت رحلة دينية  تاريخية سياحية موفقة ، بكل ما تحمله الكلمة من معنى ، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين ، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .   

العلاقات الإنسانية في ضوء القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة

   العلاقات الإنسانية في ضوء القرآن الكريم  والسنة النبوية الشريفة

 بحث أعده الطالب /علاء الدين أحمد الوادي 

مسابقة البحوث الدينية بمدرسة ثانوية تبوك   

 خطة البحث 

تمهيد 

المبحث الأول :- أثر العلاقات الإنسانية في ضوء القرآن الكريم        

الفرع الأول:- أثر القرآن الكريم على الفرد .         الفرع الثاني:- أثر القرآن الكريم على المجتمع.        

 الفرع الثالث:- أثر القرآن الكريم على الإنسانية بصفة عامة  

المبحث الثاني:- أثر العلاقات الإنسانية في رياض السنة النبوية                   الشريفة .          

الفر ع الأول :- أثر توجيهات الرسول على الفرد .        

 الفرع الثاني :- أثر توجيهات الرسول على المجتمع .          الفرع الثالث :- أثر توجيهات الرسول على

 الإنسانية بصفة                           عامة .                         تمهيد :-    

 بعث الله سبحانه وتعالى رسوله الكريم هاديا ومبشرا ونذيرا، وأنزل عليه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى من الهدى والفرقان ، دستورا للمسلمين صالحا لكل زمان ومكان ، لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ، وقد حفظه من التغيير والتبديل ، قال تعالى : " إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون(1) " .    وأمرنا الله سبحانه وتعالى بإتباع سبيله المستقيم الذي لا عوج فيه، حيث كانت رسالة الدين الإسلامي خاتمة الرسالات ، وكان سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم خاتم الأنبياء والمرسلين ، فكانت رسالته عامة للبشرية كافة ، وأرسل للإنسانية كافة رحمة للعالمين، قال تعالى : " وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين(2) " .   وقال تعالى : " وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن                          سبيله (3) " .  وأمرنا الله سبحانه وتعالى بإتباع رسوله في كل ما ورد عنه من قول أو عمل أو تقرير أو صفة خِلقية أو خُلقية ، قال تعالى:    " ما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا(4) " .

  وقال عليه الصلاة والسلام: ( ألا وإني أوتيت القرآن ومثله معه(5) ) .

(1) سورة الحجر ، رقم الآية (9) .(2) سورة الأنبياء ، الآية (107) .(3) سورة الأنعام ، الآية (153) .(4) سورة الحشر ، الآية رقم (7) .(5) رواه ابن بطة ، عن المقدام بن معدي كرب ، وفيه خلاف  بالمتن .  

  وأمرنا الله سبحانه وتعالى باتخاذ الرسول صلى الله عليه وسلم قدوة في القول والعمل قال تعالى: " لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر(1)   وقال عليه الصلاة والسلام : ( صلوا كما رأيتموني أصلي(2) ) .وقال أيضا : ( خذوا عني مناسككم (3) ) .     وفي مجال العلاقات الإنسانية أرشدنا الله سبحانه وتعالى في القرآن الكريم ، ووجهنا حبيبنا المصطفى إلى إرشادات وتوجيهات ، كان لها أثرها الكبير في سلوك الأفراد ، وفي حياة المجتمع الإسلامي ، وكان لها أثرها على المجتمع الإنساني قاطبة ، قال تعالى : " هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله (4) ) .      ونعالج هذا الموضوع في مبحثين، في الأول نبين أثر القرآن الكريم في الناحية الإنسانية على الفرد والمجتمع والعالم أجمعين ، ثم ننتقل إلى ما جاء في السنة النبوية الشريفة وما له من أثر على النواحي ألإنسانية في الفرد والمجتمع والعالم أجمع .    ومن الصعوبة التفريق بين  القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة وأثرهما في الناحية الإنسانية ، فقد جاءت السنة المشرفة مبينة لمبهم ما جاء في القرآن الكريم ، مفصلة لمجمله ، آمرة بتنفيذ أحكامه وتشريعاته ، فمن ابتغى العزة بغيرهما أذله الله،    ولن يصلح آخر هذا الأمر إلا بما صلح به أوله : التمسك بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم .--------------------------------------------------------------------------------- (1) سورة الممتحنة ، رقم الآية (6) .(2) رواه البخاري .(3) رواه أحمد ومسلم والنسائي .(4) سورة التوبة ، رقم الآية (33) .     

 

المبحث الأول:- العلاقات الإنسانية في ضوء القرآن الكريم     

 أرسل الله سيدنا محمدا صلى الله عليه وسلم رحمة للعالمين ، وهاديا ومبشرا ونذيرا ، لينقذ الناس من الظلمات إلى النور ، وليحرر الناس من عبادة العباد إلى  عبادة رب العباد ، ونبين في هذا المبحث أثر القرآن الكريم على الفرد الذي هو نواة المجتمع ومحور ارتكازه ، فإذا صلح الفرد صلحت الأسرة ، وإذا صلحت الأسرة صلح المجتمع الذي يتكون من الأسر المختلفة ، وإذا كثرت المجتمعات الصالحة انعكس ذلك على الإنسانية جمعاء، ونبين ذلك في ثلاثة فروع هي:-

 الفرع الأول :- أثر القرآن الكريم على الفرد    

 ونبين أثر القرآن الكريم على الفرد في النواحي التالية :-

 1- الأثر النفسي :-   

 أ) التعلق بالخالق وحده أعطى النفس القوة والعزيمة والثبات " ومن يتوكل على الله        فهو حسبه(1) " .   ب) زرع الطمأنينة في النفس " ألا بذكر الله تطمئن القلوب(2) " .   ج) النفس البشرية ارتفعت إلى مستوى الإخوة والرحمة والمحبة:        1- الأخوة : " إنما المؤمنون أخوة(3) " .                                                    2- الرحمة: " محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم(4) "         3- المحبة : " يؤثرون على  أنفسهم ولو كان بهم خصاصة(5) " .                  -------------------------------------------------------------------------------  (1) الطلاق، رقم الآية (3)                     (2)الرعد ، رقم الآية (28)                 (3) الحجرات ، رقم الآية (10)   (4)  الفتح ، رقم الآية (29)                     (5) الحشر ، رقم الآية (9) .  

 ثانيا -الأثر العقلي :- أ) حرر العقل من الخرافة " فاسألوهم إن كانوا ينطقون(1) " .                      ب) حث على التأمل في الكون : " قل انظروا....." ، " لعلكم تعقلون "                            " أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها(2) " .     ج)الحث على النظر والتفكر في العلوم الكونية والإنسانية : " أفلا ينظرون إلى              الإبل كيف خلقت وإلى السماء كيف رفعت(3) " .     د)  توسيع مدارك العقل واهتماماته : " سنريهم آياتنا في الأرض وفي أنفسهم حتى          يتبين لهم الحق من ربك (4) " .  

ثالثا -الأثر التعبدي :-      أ) الأمر  بالتوجه إلى الله في كل العبادات : " وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين          له الدين وذلك دين القيمة(5) " .    ب) تحرير الإنسان من العبودية لأي مخلوق : " وأن المساجد لله فلا تدعو مع الله          أحدا(6) " ، ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية : ( الإسلام على مفترق طريقين : إما         عبودية لله وحده ، وإما عبودية  لغيره ) .   ج)تشريع بعض العبادات التي تبقي الإنسان قويا بربه وتؤدي به إلى الاستقامة:              فالصلاة – نظام – وحدة صف ووحدة هدف – عدالة ومساواة- ألفة ومحبة .   ------------------------------------------------------------------------------- (1) سورة الأنبياء ، الآية رقم (63)                          (2) سورة محمد، الآية رقم (24)                                     (3) سورة الغاشية ، الآيات (17- 18)                      (4) سورة فصلت ، الآية رقم (53)                                   (5) سورة البينة ، الآية رقم (5)                             (6) سورة الجن ، الآية (18 ) .   

 رابعا :- الأثر العقدي للقرآن الكريم    أ) توحيد الإلوهية : " هو الله الذي لا إله إلا هو(1) "    ب) استقامة الطريق : " إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا(2) "   ج) وحدة التلقي : " أإله مع الله .....(3) " .    د) وحدة الهدف : " من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنكم من ينتظر وما بدلوا تبديلا(4) ) .      هـ) العقيدة قوة ترابط وأخوة : " إنما المؤمنون أخوة(5) " .   و) العقيدة الإسلامية دعت إلى القصد والاعتدال، ورعت بناء الفرد من حيث كونه         جسدا وروحا : " وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة ولا تنس نصيبك من الدنيا            وأحسن كما أحسن الله إليك(6) " .    ز) الإسلام يرفض الإلحادية المادية – الطغيان – الظلم : " إن الإنسان ليطغى أن           رآه استغنى(7) " .   ر) العقيدة تدعو الفرد إلى  الصدق في دعوته ومسلكه : " من المؤمنين رجال               صدقوا ما عاهدوا الله عليه(8) " .   س) وحدة العقيدة تؤكد وحدة ما جاء به الرسل ، وأن الدين الذي جاءوا به هو                الإسلام: " إن الدين عند الإسلام(9) " .                                               ص) القرآن الكريم يحدد المنهج القويم للعقيدة الإسلامية ، وذلك من خلال أركان             الإيمان الستة : " آمن الرسول بما أنزل إليه والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته           وكتبه ورسله لا نفرق  بين أحد من رسله(10) " .                                     ---------------------------------------------------------------------------     (1) الحشر ، الآية  (22)                      (2) فصلت ، ألآية  (30)                 (3) سورة النمل ،الآية (60)            (4) الأحزاب ، الآية (23)                      (5) الحجرات ، الآية (10)               (6) القصص، الآية (77)              (7) العلق ،الآيات ( 6-7)                      (8) الأحزاب ، الآية (2                   (9) آل عمران ، الآية (19)            (10) البقرة ، الآية (285)    

الفرع الثاني:- أثر القرآن الكريم على المجتمع الإسلامي    

لا شك أن للقرآن الكريم أثرا كبيرا على المجتمع، لأن هذا الدستور الإلهي العظيم صالح لكل زمان ومكان ، ولا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، ولا يخلق على مر السنين ، قال تعالى : " إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون(1) " .     ونعالج أثر القرآن الكريم على المجتمع الإسلامي من خلال الأسرة وخارج نطاق الأسرة على النحو التالي:

 

أولا:- أثر القرآن الكريم على المجتمع الإسلامي من خلال نطاق الأسرة     أ) يوجه الفرد ذكرا أم أنثى إلى مادة  البناء الصالح للأسرة قال تعالى: " ولأمة مؤمنة خير من مشركة ولو أعجبتكم(2) " .             " ولعبد مؤمن خير من خير من مشرك ولو أعجبكم(3) ) .   ب) تقوية عنصر الترابط بين الزوجين :       قال تعالى : " ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم                        مودة ورحمة(4) " .   ج) يحدد المعاملة بين الزوج وزوجته :       قال تعالى : " وعاشروهن بالمعروف(5) " .

---------------------------------------------------------------------------------  (1) سورة الحجر ، لآية رقم (9)                                      (2) سورة البقرة ، الآية رقم (221)                         (3)سورة البقرة ، الآية (221) .                                      (4) سورة الروم ، الآية رقم (21)                            (5) سورة النساء ، الآية (19) .    

 د) تحديد السلطة المشرفة على  نظام الأسرة:     قال تعالى :- " الرجال قوامون على النساء بما فضل الله بعضهم على بعض وبما                        أنفقوا من أموالهم(1) " .هـ) القرآن وضع في أيدي الرجل بعض العقوبات لتقويم اعوجاج الأسرة:    قال تعالى:( والتي تخافون نشوزهن فعظوهن واهجروهن في المضاجع واضربوهن               فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلا(2) " .و) القرآن الكريم يحدد العلاقة بين الأبوين والأولاد:   1- قال تعالى : " وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا(3) " .   2- حسن المعاملة لهما وبرهما " ووصينا الإنسان بوالديه إحسانا حملته أمه وهنا           على وهن وفصاله في عامين أن اشكر لي ولوالديك إلي المصير(4) " .   3- القرآن الكريم يمنع الطاعة في معصية الله قال تعالى : " وإن جاهداك على  أن تشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما(5) " .ر) القرآن الكريم يوازن بين أفراد الأسرة ويأمرنا بإقامة العدل في التعامل بينهم   قال تعالى : " والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين(6) " .               

 " ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق نحن نرزقهم وإياكم(7) "

.-------------------------------------------------------------------------------- (1) سورة النساء ، الآية (34)                                (2)سورة النساء ، الآية (34) .(3) سورة الإسراء ‘ الآية (2                                 (4) سورة لقمان ، الآية (14)(5) سورة لقمان ، الآية (15)                                (6) سورة القرة ، الآية (233)

(7)سورة الإسراء ، الآية (31) .

    ثانيا :- أثر القرآن الكريم خارج نطاق الأسرة   

 أ) وحدة الأصل والعقيدة فلا عنصرية ولا جنسية أمام الله       1- وحدة الأصل: " يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة(1)".       2- وحدة العقيدة:"يا أيها الناس اعبدوا ربكم والذين من قبلكم لعلكم تتقون(2)"    ب) القرآن الكريم ينمي الوعي الجماعي عند الفرد المسلم ليمارس تصرفاته            ضمن دائرة المجتمع ، بما يكفل للمجتمع الأمن والتقدم قال تعالى :                  " وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر(3) " .   ج) القرآن الكريم يلغي الفردية والانعزالية والأنانية الحاقدة       قال تعالى: " والذين تبوءوا  الدار والإيمان من قبلهم يحبون من هاجر إليهم                     ولا يجدون في صدورهم حاجة  مما أوتوا ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة(4) " .   د) القرآن الكريم يحمي المجتمع من جميع عناصر الشر والجريمة والعدوان          ويحافظ على الدين والأنفس والأرواح والأموال والأعراض والعقول .     قال تعالى: " وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله(5) " – الدين .                 " ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق(6) " – النفس .                 " الزاني والزانية فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة(7)"- الأعراض                " ولا تؤتوا السفهاء أموالكم التي جعلها الله لكم قياما(8) " – الأموال                 "إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان                   فاجتنبوه(9) " – العقل .     وهذه الأمور أطلق عليها علماء الشريعة الكليات الخمسة ، أو الضروريات التي أوجب الإسلام الحفاظ عليها ، لأن الحياة البشرية لا تستقيم بدون الحفاظ عليها ورعايتها ، وبذلك يسود الأمن والأمان البلاد الإسلامية .                      ---------------------------------------------------------------------------  (1)  سورة النساء ، الآية (1)                                      (2) سورة البقرة ، الآية (2)                             (3)  سورة العصر ، الآية (3)                                     (4) سورة الحشر ، الآية (9)                            (5) سورة البقرة ، الآية (193)                                    (6) سورة الإسراء ، (33)                               (7) سورة النور ، الآية (2)                                        (8) سورة النساء ، الآية (4)                             (9) سورة المائدة ، الآية (9)    

الفرع الثالث:- أثر القرآن الكريم على الإنسانية جميعا      لقد كان الرسول محمد صلى الله عليه وسلم خاتم الأنبياء والمرسلين ، وكانت رسالته خاتمة الرسالات السماوية ، وكانت رسالته عامة إلى جميع الخلق قال تعالى : " وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين " ، ويقول عليه الصلاة والسلام :        ( بعثت إلى كل أحمر وأسود ) وقال تعالى : " هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره  المشركون(1) " .     ومسك الختام في خاتمة الرسالات قوله تعالى : " إن الدين عند الله الإسلام(2)" " ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين(3)" .    ونعالج فيما يلي الأثر العالمي للقرآن الكريم على الإنسانية جميعا على النحو التالي : 1- القرآن الكريم يؤكد أن الرب واحد لجميع العالمين:     قال تعالى : " الحمد لله رب العالمين(4) " .2- الكعبة هي بيت الله للعالمين:     قال تعالى : " إن أول بيت وضع للناس للذي ببكة مباركا وهدى للعالمين(5)" 3- الرسول محمد رسول الله للعالمين:    قال تعالى : " وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين(6) " .                 " وما أرسلناك إلا كافة للناس بشيرا ونذيرا(7) " .4- القرآن الكريم هدى للعالمين:   قال تعالى " إن هو إلا ذكر للعالمين(8) "

 .                                           -------------------------------------------------------------------------- (1) سورة التوبة ، الآية (33)                                  (2) سورة آل عمران ، الآية (19)                          (3) سورة آل عمران ، الآية (85)                             (4) سورة الفاتحة ، الآية (2)                               (5) سورة آل عمران ، الآية (96)                             (6)سورة الأنبياء ، الآية (107 )
(7) سورة سبأ ، الآية (28)                                     (8) سورة ص ، الآية (8)      5-

القرآن الكريم يؤكد على  وحدة الأصل البشري :    قال تعالى : " يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء(1) " .6- القرآن الكريم يقوي دعائم التعارف البشري :    قال تعالى : " يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل                 لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم(2) " .7- القرآن الكريم أمد الإنسان بنظرة صائبة وشاملة عن الكون والحياة والإنسان:   قال تعالى: " وفي الأرض آيات للموقنين * وفي أنفسكم أفلا تبصرون(3) " .8- القرآن الكريم يحرر العالم من العبودية لغير الله ، ويحرم الظلم والاستعباد ، ويعطي للإنسان كرامته :   قال تعالى : " ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر(4) " .9- القرآن الكريم يمد البشرية بتاريخ حقيق للأمم السابقة، وبتشريعات تكفل الأمن     والسعادة والاستقرار.  قال تعالى " لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب ما كان حديثا يفترى ولكن           تصديق الذي بين يديه وتفصيل كل شيء وهدى ورحمة لقوم يؤمنون(5)"      وفي الختام نرى أنه لا يصلح آخر هذا الأمر إلا بما صلح به أوله ، فلا بد من العودة إلى كتاب الله الكريم وسنة رسوله المطهرة ، فحتمية  الحل الإسلامي تفرض نفسها أمام هذا الصراع العقائدي مع الشرق والغرب ، وأمام هذا الخواء الفكري والانحلال الأخلاقي الذي استشرى وامتدت جذوره إلى كثير من البلاد الإسلامية ، قال تعالى : " وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله(6) "                                                               ---------------------------------------------------------------------------- (1) سورة النساء ، الآية (1)                                    (2) سورة الحجرات ، الآية (13)                         (3) سورة الذاريات، الآيات (20-21)                          (4)سورة ألإسراء ، الآية (70 )

(5) سورة يوسف، الآية (111)                                 (6)سورة الأنعام ، الآية ( 153 ) 

 

العلاقات الإنسانية في ضوء القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة

 المبحث الثاني :- أثر العلاقات الإنسانية في ضوء السنة النبوية     

 بعث الله الرسول صلى الله عليه وسلم هاديا ومبشرا ونذيرا ، وأنزل عليه القرآن الكريم دستورا للمسلمين في كل زمان ومكان ، يهدي للتي هي أقوم ، وأمرنا بإتباع سبيله المستقيم الذي لا عوج فيه قال تعالى: " وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله(1) " .     وأمرنا بإتباع رسوله الكريم في كل ما جاء به قال تعالى : " ما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا(2) " .    وأمرنا باتخاذ الرسول عليه السلام قدوة حسنة ونبراسا يحتذى في القول والعمل قال تعالى: " لقد كان لكم في رسول الله أسوة  حسنة(3) " .    وقال عليه الصلاة والسلام :                " صلوا كما رأيتموني أصلي(4) " .               " حذوا عني مناسككم(5) " .   وفي مجل العلاقات الإنسانية وجهنا الرسول صلى الله عليه وسلم توجيهات وإرشادات كان لها أثرها في سلوك الأفراد في حياة  المجتمع الإسلامي ، وكان  لها أثرها على المجتمع الإسلامي قاطبة ، حيث أرسله سبحانه وتعالى رحمة للعالمين، فكانت رسالة الإسلام عامة للناس كافة قال تعالى : " هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله(6) " .    ونعالج هذا البحث في ثلاثة فروع على النحو التالي:-الفرع الأول:- أثر توجيهات الرسول عليه السلام على الفرد .الفرع الثاني:- أثر توجيهات الرسول عليه السلام على المجتمع المسلم .الفرع الثالث:- أثر توجيهات الرسول عليه السلام على الإنسانية بصفة عامة .  --------------------------------------------------------------------------(1) سورة الأنعام ، الآية (153)                              (2) سورة الحشر ، الآية (7)(3) سورة الأحزاب ، الآية (21)                             (4) رواه البخاري(5) روا أحمد ومسلم والنسائي                                (6) سورة التوبة ، الآية (33) .      

 

الفرع الأول :- أثر توجيهات الرسول عليه السلام في سلوك الأفراد  كان عليه السلام على خلق عظيم ، وكان خلقه القرآن ، وقد وجهنا إلى التمسك بالعادات الحسنة والأخلاق الفاضلة ، والتي ينعكس أثرها على العلاقات الإنسانية بشكل إيجابي ، مما يكون له الدور الكبير في إقامة المجتمع الإسلامي الفاضل ، ومن هذه التوجيهات ما يلي :-

 أولا:- الالتزام بالصدق والنهي عن الكذب     قال عليه الصلاة والسلام: " عليكم بالصدق فإن الصدق يهدي إلى البر ، والبر يهدي إلى الجنة ، وما زال الرجل يصدق ويتحرى الصدق حتى يكتب عند الله صديقا"(1)

.ُثانيا:- الحث على إتقان العمل     قال عليه السلام : " إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملا أن يتقنه(2) .

ثالثا:- الحث على أداء الأمانة وعدم الخيانة      قال عليه السلام : " أدِِ الأمانة إلى من ائتمنك ولا تخن من خانك(3) " .

رابعا:- الحرص على تقديم العون والمساعدة للآخرين     قال عليه السلام : " الخَلق عيال الله وأحبهم إلى الله أنفعهم لعياله(4) " .

خامسا:- الحث على رعاية الأيتام والعناية بهم     قال عليه السلام : " خير بيت في بيوت المسلمين بيت فيه يتيم يُحسن إليه ، وشر بيت في بيوت المسلمين بيت فيه يتيم يساء إليه(5) " .

سادسا:- الحث على الرفق واللين والابتعاد عن الغلظة والفظاظة  قال عليه السلام:- " عليك بالرفق لا يكون في شيء إلا زانه ولا ينزع من شيء إلا شانه(6)" -----------------------------------------------------------------------------(1) رواه مسلم                                                        (2) صححه الألباني وقال بعض العلماء ضعيف .             (3) رواه أبو داود والترمذي وصححه الحاكم                      (4) رواه أبو يعلى والطبراني وضعفه الألباني(5) رواه مسلم                                                        (6) رواه مسلم عن عائشة رضي الله عنها .     

 سابعا:- لا يجوز شرعا الإضرار بالنفس أو بالنفس أو بالآخرين      قال تعالى :- " ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة(1)" .     وقال عليه الصلاة والسلام: " لا ضرر ولا ضرار(2)وهذا غيض من فيض ، وأمثلة على سبيل المثال لا على سبيل الحصر، من توجيهاته صلى الله عليه وسلم في مجال العلاقات الإنسانية ، مما يخص الأفراد الذين هم نواة الأسرة ، والحجر الأساسي في بناء المجتمع ، فإذا صلح الفرد صلحت الأسرة وبالتالي يصلح المجتمع .  

 

الفرع الثاني :- أثر توجيهاته عليه السلام في المجتمع الإسلامي     

 إن المجتمع الإسلامي هو مجتمع التكافل والتعاون ، مجتمع التعاطف والمحبة والمساواة، ولقد ضرب لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه الكرام المثل الأعلى  في التآخي والإيثار ، وذلك عندما آخى الرسول صلى الله عليه وسلم بين الهاجرين والأنصار في المدينة المنورة في بداية الدعوة الإسلامية ، حتى  أن أحد الصحابة تنازل عن إحدى زوجاته - بعد طلاقها- لأخيه المسلم إذا أراد ذلك ، فأنعم به وبأصحابه حيث ضربوا لنا المثل الأعلى في العلاقات الإنسانية بين أفراد المجتمع .    ومن أهم توجيهاته صلى الله عليه وسلم في تقويم سلوك المجتمع الإسلامي ما يلي :-

 

أولا:- حث الرسول عليه الصلاة والسلام على انتشار التعاطف والمحبة في المجتمع   قال عليه السلام: " مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الأعضاء بالسهر والحمى(3) " .---------------------------------------------------------------------------------(1) سورة البقرة ، الآية رقم (195) .                                                                (2)رواه الطبراني ، وصححه لغيره الألباني .(3) رواه مسلم .  

 ثانيا:- نهى الرسول صلى الله عليه وسلم عن انتشار النزاع والخلاف بين المسلمين     قال تعالى: " ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم(1) " .     وقال عليه السلام: " المسلم للمسلم كالبنيان يشد بعضه بعضا(2) " .ثالثا:- مسئولية كل فرد في الأمة أن يقوم بالعمل الموكل به خير

 قيام    قال عليه السلام:- " كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته(3) " .    وقال أيضا :- " أنت على ثغرة من ثغور الإسلام فلا يؤتين من قبلك(4) " .رابعا:- مسئولية الأفراد في المجتمع الإسلامي مسئولية جماعية تضامنية

تعاونية      قال عليه الصلاة والسلام:"مثل القائم في حدود الله والواقع فيها كمثل قوم استهموا على سفينة ، فصار بعضهم أعلاها وبعضهم أسفلها ،وكان الذين في أسفلها إذا استقوا من الماء مروا على من فوقهم فقالوا لو أنا خرقنا في نصيبا خرقا،ولم نؤذ من فوقنا فإن تركوهم وما أرادوا هلكوا جميعا وإن أخذوا على أيديهم نجوا ، ونجوا جميعا(5) " .     وقال تعالى :-" لعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داود وعيسى ابن مريم ذلك أنهم كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه(6) "     وقال عليه السلام بما يؤكد المسئولية الجماعية: " من رأى منكم منكرا فليغيره بيده فمن لم يستطع فبلسانه ، فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان(7)خامسا:- في نطاق الأسرة المسلمة   

  نظم الدين الإسلامي حقوق الزوجين وجعل بينهما مودة ورحمة ، ونظم كذلك العلاقة بين الآباء والأبناء .     في الاحترام بين الزوجين يقول عليه الصلاة والسلام : " لو أمرت أحدا أن يسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها "  .      ويطلب من الأزواج الرجال العطف على زوجاتهم، ومعاملتهن بالرفق واللين فيقول عليه الصلاة والسلام : " إنما النساء شقائق الرجال ما أكرمهن إلا كريم وما أهانهن إلا لئيم(8) " ، وفي أحاديث أخرى كثيرة حث على الرفق بالنساء: " رفقا سويقك بالقوارير يا أنجشة"  " استوصوا بالنساء خيرا "                                                  -----------------------------------------------------------------------  (1) سورة الأنفال ، الآية (46)                                 (2) رواه مسلم                                                    (3) رواه مسلم                                                     (4) ورد في الأثر ، ضعفه الألباني                               (5) رواه البخاري                                                 (6) سور ة المائدة ، الآية (78)(7) رواه مسلم                                                     (8) رواه أحمد والترمذي ، صححه الألباني                                        وفي العلاقة بين الآباء والأبناء يقول عليه أفضل الصلاة والسلام:       " ما نحل والد ولده أفضل من أدب حسن(1) " .  وفي تنظيم العلاقة المالية بين الآباء والأبناء يقول لأحد الأبناء موجها :       " أنت ومالك لأبيك(2) " .

سادسا:- يجب على المجتمع المسلم أن يظل عزيزا قويا متعاونا   

 يعد العدة باستمرار للحفاظ على الدين وعلى الأموال والأعراض ، وينتبه إلى كيد الأعداء وغدرهم قال تعالى:          " وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم وآخرين من دونهم لا تعلمونهم ......(3) "وقال عليه الصلاة والسلام بما يكفل منعة الأمة وقوتها :         " الجهاد ماض إلى قيام الساعة(4) " .      " الخيل معقود بنواصيها الخير إلى يوم القيامة(5) " والخيل رمز الأسلحة المتقدمة      " إذا وطئ شبر من أرض المسلمين بات الجهاد فريضة على كل مسلم ومسلمة(6)" فما بالنا اثاقلنا إلى الأرض ، وقد اغتصبت أقطار بأكملها وليست أشبارا ؟؟؟!!!! 

 

الفرع الثالث:- أثر توجيهات الرسول عليه السلام على المجتمع                  الإنساني كافة      

 جاءت رسالة الإسلام خاتمة الرسالات السماوية، وجاء الدين الإسلامي ليظهر على الدين كله، ولو كره المشركون ، ولوكره المنافقون ، ولو كره الكافرون ، قال تعالى :  " إن الدين عند الله الإسلام(7) " .         " ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين(8)"    فرسالة الإسلام عامة للناس أجمعين ، وغير خاصة بقوم أو منطقة أو لون قال تعالى : " وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين(8) " .-------------------------------------------------------------------------------------------------------------------   (1) ذكره ألألباني في سلسلة الأحاديث الضعيفة            (2) رواه أحمد وأبو داود (3) سورة الأنفال ، الآية (60)                              (4)رواه أحمد وقال بأنه من فقه حديث ( الخيل معقود بنواصيها....(5) متفق عليه                                                (6) قاعدة شرعيه تفهم من النصوص المختلفة .(7) سورة آل عمران ، الآية (19)                         (8) سورة الأنبياء ، الآية (107) .         ومن أهم توجيهات الرسول عليه السلام في العلاقات الإنسانية وانعكاساتها على المجتمع الإنساني قاطبة ما يلي :-

أولا:- عمومية وشمولية رسالة الإسلام إلى الناس كافة   

فخير هذه الرسالة وكل ما فيها من توجيهات وإرشادات ومبادئ وقوانين تهم المجتمع الإنساني قاطبة ، وتنظم العلاقات بين أفراده  قال تعالى :-" قل يا أهل الكتاب  تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله(1) "  وقال عليه الصلاة والسلام:" بعثت إلى الناس كافة إلى كل أحمر وأسود(2) " .                               " إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق(3) " .ثانيا:- لا يفرق الدين الإسلامي بين عربي وعجمي إلا بالتقوى       فالناس أمام قوانين الإسلام سواء مهما اختلفت ألوانهم ولغاتهم :قال تعالى: " يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا               إن أكرمكم عند الله أتقاكم(4) " .ويقول عليه الصلاة والسلام: " الناس سواسية كأسنان المشط(5) "

ثالثا:- ينظم الإسلام العلاقة بين المسلمين وغير المسلمين حسب مبادئ ثابتة   

يحافظ على العهود الدولية، ولا يرضى الغش والخداع ، قال تعالى :       " وأوفوا إليهم عهدهم إلى مدتهم(6) " .وقال عليه الصلاة والسلام :- " آية المنافق ثلاث : إذا حدث كذب وإذا وعد أخلف وإذا                                  ائتمن خان(7) "

 رابعا:- يجب على المسلمين نشر راية الإسلام في جميع أصقاع الأرض   

وقد أرسل عليه السلام الرسائل إلى كسرى فارس وإمبراطور الروم وإلى النجاشي ملك الحبشة ، يعرفهم مبادئ الدين الإسلامي ومحاسنه ، وعرض عليهم الإسلام .    قال تعالى: " وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله(8) " .    ولا يكون ذلك كذلك هذه الأيام إلا إذا اعتصمنا بحبل الله جميعا ، وطبقنا تعاليم الإسلام على أنفسنا - قبل أن نطلب من غيرنا الدخول في الإسلام- وعلينا أن ننتج ما يكفينا من الطعام، ويكون سلاحنا من صنع أيدينا وبنات أفكارنا وداخل مصانعنا .                   --------------------------------------------------------------------- (1) آل عمران ،الآية (107)           (2) رواه الطبراني         (3)أخرجه أحمد والحاكم      (4) الحجرات (93)       (5) مسند الإمام أحمد                   (6) التوبة (4)              (7)  متفق عليه                (8) البقرة (193) . 

 الخاتمة :-        

 تبين لنا من خلال ما سبق أن سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، كان رسول الإنسانية جمعاء ، بعث إلى الناس كافة لينقذهم من الظلمات إلى النور ، فكان رحمة للعالمين ، وقد نظم العلاقات الإنسانية في جميع مجالاتها ، العلاقة بين الأفراد ، والعلاقة بين الجماعات ، والعلاقة بين الدول ، وبين أن أساس هذه العلاقات يبنى على الاحترام المتبادل ، والتعاون والإخاء ، والشهامة والمروءة ، والصدق والأمانة .       وكان رسول الله عليه السلام وأصحابه الكرام المثل الأعلى ، والنبراس الذي يحتذى في القول والعمل ، وكيف لا يكون ذلك كذلك وقد وصفه جل وعلا في محكم التنزيل بقوله : " وإنك لعلى خلق عظيم(1) " .    وقال تعالى " فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك(2) " .    وما علينا نحن المسلمين في هذه الأيام الكالحة السواد ، والتي تكالبت فيها الأمم على قصعتنا لتنهشنا من كل جانب ،ما علينا إلا العودة إلى تطبيق أوامر ربنا وإحياء سنة نبينا، أمران ما إن تمسكنا بهما لن نضل أبدا، ولن يكون صلاح هذا الأمر إلا بهما ، ونترك النزاع والفرقة والاختلاف فيما بيننا ، نوحد أمتنا ونرص صفوف جيوشنا كالبنيان المرصوص، للدفاع عن بيضتنا التي تآكلت قشرتها ، وسال محاحها. قال تعالى: " واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا(3) " .            " ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم(4) " .           " إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفا كأنهم بنيان مرصوص(5) " .  وقال عليه الصلاة والسلام:"المؤمن للمؤمن كالبنيان المرصوص يشد بعضه بعضا"                               " الخيل معقود بنواصيها الخير إلى يوم القيامة(6) " .--------------------------------------------------------------------------------- (1) سورة القلم ، الآية (4)                 (2)سورة آل عمران (159)               (3)سورة أل عمران(103)             (4) ألأنفال ، الآية (46)                    (5) سورة الصف ، الآية (4)              (6) متفق عليه .      

 فهرس المراجع

 1-

القرآن الكريم وتفاسيره

كتب الأحاديث النبوية الشريفة ، الصحاح والمسانيد والسنن .3

- محاضرات في علوم القرآن الكريم ، إعداد نخبة من الموجهين        التربويين، دورة علوم القرآن بمنطقة تبوك .4

- ما يقال عن الإسلام ، عباس محمود العقاد

.5- حتمية الحل الإسلامي ، د.يوسف القرضاوي .

6

- النظم الدولية في القانون والشريعة ، د. عبد الحميد الحاج ، معهد     الدراسات الإسلامية – القاهرة .7

- دراسات في السياسات الإسلامية والعربية والنظرية السياسية في      الإسلام ، معهد الدراسات الإسلامية – القاهرة .          

اليوم الآخر

اليوم الآخر

بحث أعدهالطالب/ صلاح الدين أحمد الوادي

الصف/ الأول ثانويمدرسة ثانوية تبوك

مسابقات البحوث الإسلاميةبمنطقة تبوك التعليميةعام 1407 هـ   

خطة البحث:-

المقدمة

 

الفرع الأول:-  1- إمارات الساعة .

                  2- أحوال القبر .

الفرع الثاني:-  مشاهد يوم القيامة                

 1- النفخ في الصور .

                 2- الحشر .   

              3-أحوال الناس في الموقف .                 4- القضاء والحساب بين العباد . 

                5- الميزان ووزن أعمال العباد .

                 6- تطاير الصحف .

                 7- المرور على الصراط .

 

الفرع الثالث:- 1- النار وعذابها .                 2- الجنة ونعيمها .

 

الخاتمة :- أثر مشاهد ووقائع وأهوال اليوم الآخر في سلوك الصالحين .   

 

 المقدمة:-     إن الإيمان باليوم الآخر ركن من أركان الإيمان، بل هو العنصر الهام الذي يلي الإيمان بالله مباشرة، لأن الإيمان بالله يحقق المعرفة بالمصدر الأول الذي يصدر عنه هذا الكون، والإيمان باليوم الآخر يحقق المعرفة بالمصير الذي ينتهي إليه هذا الوجود .     ولا يجني الفرد ثمرة الإيمان باليوم الآخر إلا إذا ترقَى إيمانه إلى درجة اليقين . وهذا هو سبيل المهتدين وإيمان المتقين(1) ، قال تعالى : " ألم ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين * الذين يؤمنون بالغيب ومما رزقناهم ينفقون * والذين يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك وبالآخرة هم يوقنون *أولئك على هدى من ربهم وألئك هم المفلحون(2) " .    إن الإيمان باليوم الآخر شرط لصحة الإيمان فمن أنكره أو شكً فيه ، فهو كافر مرتد عن الإسلام بلا خلاف .     وقد ورد اليوم الآخر في القرآن بألفاظ عديدة منها : يوم القيامة ، يوم الدين ، يوم البعث ، يوم النشور ، القارعة ، الصاخة ، الطامة ، الواقعة ، وغيرها من الألفاظ التي لا تخفى على أحد . 

   الفرع الأول :- أولا : إمارات الساعة(3) :-      إن للساعة علامات كبرى وعلامات صغرى ، فالعلامات الصغرى هي التي تكون قرب الساعة ، وأما العلامات الكبرى فتكون بين يديها قريبا جدا.---------------------------------------------------------------------------------  (1) اليوم الآخر ، عبد القادر الرحباوي ، دار السلام ، ص4 وما بعدها . (2) سورة البقرة ، الآيات (1-5) . (3) اليوم الآخر ، المرجع السابق ، ص 56 .  أ ) العلامات الصغرى     وهي كثيرة نذكر بعضا منها وهي : بعثة الرسول صلى الله عليه وسلم ، والتطاول في البنيان، وزخرفة المساجد ، وإضاعة الأمانة ، وكثرة الزنا وشرب الخمور، واتخاذ القينات ( المغنيات ) ، وعد الخائن أمينا ، وتولية الأمور لغير أهلها ، وكثرة البدع ، وقلة الحياء من النساء ، ورفع العدل من الرجال ، وكلها وردت فيها أحاديث صحيحة وإليك بعضا منها : 1- بعثة الرسول :- عن سهل بن سعد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:       ( بعثت أنا والساعة كهاتين وأشار بإصبعية السبابة والتي تليها(1) ).2- زخرفة المساجد:- عن أنس بن مالك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:         ( لا تقوم الساعة حتى يتباهى الناس في المساجد(2) ).3- التطاول في البنيان : عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال : بينما نحن جلوس عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ، إذ طلع علينا رجل .................. قال: أخبرني عن الساعة ؟  قال : ما المسئول عنها بأعلم من السائل ، قال: اخبرني عن إماراتها؟ قال: ( أن تلد الأمة ربتها ، وأن ترى الحفاة العراة رعاء الشاة يتطاولون في البنيان(3) ) .
4- إضاعة الأمانة :- عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إذا ضيعت الأمانة فانتظر الساعة(4) ). ب) العلامات الكبرى:-    1- خروج المهدي: وهو من أبناء فاطمة رضي الله عنها ، يملأ الأرض قسطا وعدلا كما ملئت جورا وظلما .                                                              ------------------------------------------------------------------------------  (1) رواه البخاري ومسلم .                                                                                                            (2) رواه أحمد .                                                                                                                         (3) رواه مسلم .                                                                                                                         (4) رواه البخاري .                                                                                                                     (5) اليوم الآخر ، المرجع السابق ، ص 61 .     قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( لا تذهب الدنيا ولا تنقضي ، حتى يملك رجل من أهل بيتي يواطئ اسمه اسمي(1) ) .2- خروج الدجال:-    وإنه لأكبر فتنة للناس حيث يقدره الله على أمور خارقة للعادة ، فعن أنس رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( ما من نبي إلا وقد أنذر أمته الأعور الكذاب ، ألا إنه أعور وإن ربكم عز وجل ليس بأعور مكتوب بين عينيه ك ف ر (2) ) 3- نزول عيسى عليه السلام:-    عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( والذي نفسي بيده ليوشكن أن ينزل فيكم عيسى بن مريم حكما منصفا، فيكسر الصليب ويقتل الخنزير ويقبض المال حتى لا يضله أحد حتى تكون السجدة الواحدة خير من الدنيا وما فيها(3) ) .4-  خروج دابة الأرض :-    قال تعالى : " وإذا وقع القول عليهم أخرجنا لهم دابة من الأرض تكلمهم أن الناس كانوا بآياتنا لا يؤمنون(4) ).    5- طلوع الشمس من مغربها :-    عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( لا تقوم الساعة حتى تطلع الشمس من مغربها(5) ) .                                                 --------------------------------------------------------------------------------  (1) رواه الترمذي                                                                                                                        (2) رواه   مسلم .                                                                                                                        (3) متفق عليه                                                                                                                            (4)سورة النمل ، الآية رقم 82 .                                                                                                        (5) متفق عليه .   6- خروج نار على أرض الحجاز عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( لا تقوم الساعة حتى تخرج نار من أرض الحجاز تضيء أعناق الإبل ببصرى(1) ) .وقيل أن هذه النار تخرج من قعر عدن تسوق الناس إلى الشام . ثانيا :- أحوال القبر     عن أنس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( أن العبد إذا وضع في قبره وتولى عنه أصحابه وإنه ليسمع قرع نعالهم إذا انصرفوا ، أتاه ملكان فيقعدانه فيقولان له : ما كنت تقول في هذا الرجل محمد صلى الله عليه وسلم؟ فأما المؤمن فيقول: أشهد أنه عبد الله ورسوله، فيقال له : انظر إلى مقعدك من النار أبدلك الله به مقعدا قي الجنة فيراهما جميعا ، ويفتح له من قبره إليه . وأما الكافر أو المنافق فيقول لا أدري، كنت أقول كما يقول الناس، فيقال : لا دريت ولا تليت ، ثم يضرب بمطرقة من حديد ضربة بين أذنيه فيصيح صيحة فيسمعها  من يليه إلا الثقلين(2) ) .قال الله تعالى :     " يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة ، ويضل الله الظالمين ويفعل الله ما يشاء (3) ."  --------------------------------------------------------------------------------(1) متفق عليه .                                                                                                                          (2) رواه البخاري                                                                                                                        (3 ) سورة إبراهيم ، رقم الآية  (27) .                                                                                    روى البخاري ومسلم عن البراء بن عازب عن النبي صلى الله عليه وسلم  أنه قال:( إن التثبيت بالقول الثابت في الآخرة هو جواب سؤال الملكين في القبر(1) ) .    وجا في الحديث الشريف : ( القبر روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النار(2) ) .  الفرع الثاني:- مشاهد يوم القيامةأولا :- النفخ في الصورأ) النفخة الأولى :-    والصور قرن عظيم يروى أن دائرته سعة السماوات والأرض، موكل به إسرافيل عليه السلام فإذا أراد الله القضاء على المخلوقات بالموت ونهاية الدنيا يأمر إسرافيل عليه السلام بالنفخ فيه فتموت الخلائق جميعا ، إلا من شاء الله وهم جبريل وميكائيل وإسرافيل وعزرائيل وحملة العرش ومن في الجنة من الحور والولدان ومالك خازن النار(3) .قال الله تعالى : " ونفخ في الصور فصعق من في السماوات والأرض إلا من شاء الله ثم نفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون(4) " .ب) النفخة الثانية :-      إن يوم القيامة يبدأ من النفخة الثانية وهي نفخة البعث ، وهو اليوم الذي مقداره خمسون ألف سنة. قال تعالى : " تعرج الملائكة والروح إليه في يوم كان مقداره خمسون ألف سنة مما تعدون فاصبر صبرا جميلا إنهم يرونه بعيدا ونراه قريبا(5) ) .  -------------------------------------------------------------------------------- (1) متفق عليه .                                                                                                                         (2) رواه الترمذي .                                                                                                                    (3)اليوم الأخر ، مرجع سابق ،ص 71 .                                                                                             (4) سورة الزمر ، رقم الآية (68) .                                                                                                 (5) سورة المعارج ، الآيات ( 5 – 6) .    وقال تعالى : " يوم يسمعون الصيحة بالحق ذلك يوم الخروج (1) " .وفال تعالى : " ونفخ في الصور فإذا هم من الأجداث إلى ربهم ينسلون قالوا يا ويلنا من بعثنا من مرقدنا هذا ما وعد الرحمن وصدق المرسلون(2) " .     وروى البخاري ومسلم وأصحاب السنن إلا الترمذي عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( ما النفختين أربعون . قيل أربعون يوما؟ قال أبو هريرة : أبيت . قيل أربعون شهرا ؟ قال أبو هريرة : أبيت . قيل أربعون سنة ؟ قال أبو هريرة : أبيت . ثم ينزل من السماء ماء فينبتون كما ينبت البقل وليس شيء من الإنسان إلا  يبلى إلا عظم واحد وهو عجب الذنب ، ومنه يركب الخلق يوم القيامة (3) ) .     ومشاهد ذلك اليوم كثيرة وعظيمة ولا نستطيع حصرها ، ومنها قوله تعالى : " يوم يكون الناس كالفراش المبثوث * وتكون الجبال كالعهن المنفوش "  ، " إذا السماء انفطرت  " ، " إذا الشمس كورت " ، " وإذا الكواكب انتثرت " ، " وإذا البحار سجرت " ، فإذا النجوم طمست " .  ثانيا :- يوم الحشـــــر     بعد أن يبعث الله الخلائق من الأرض ، ويقوم الناس من قبورهم ، فإنهم يساقون إلى أرض المحشر . قال تعالى : -    " ذلك يوم مجموع له الناس وذلك يوم مشهود (4) " .    " يوم يجمعكم ليوم الجمع ذلك يوم التغابن (5) " .     " هذا يوم الفصل جمعنكم والأولين (6) " .---------------------------------------------------------------------------------  (1) سورة ق ، الآية (42) .                                                                                                             (2) سورة يونس ، الآيات ( 51 – 52 )                                                                                             (3)متفق عليه .                                                                                                                          (4) سورة هود ، الآية (104) .                                                                                                       (5) سورة التغابن ، الآية ( 9 ) .                                                                                                      (6) سورة المرسلات ، الآية  ( 38 ) .             وكما أنه يحشر البشر فكذلك يحشر الحيوانات قال تعالى :    " وإذا الوحوش حشرت(1) " .    وروى الترمذي عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :  ( يحشر الناس يوم القيامة  ثلاثة أصناف : صنفا مشاة ، وصنفا ركبانا ، وصنفا على وجوههم ، قيل يا رسول الله وكيف يمشون على وجوههم قال : إن الذي أمشاهم على أقدامهم قادر على أن يمشيهم على وجوههم، أما أنهم يتقون بوجوههم كل حدب وشوك(2) ) .         وهكذا تساق الخلائق إلى أرض المحشر ، وهم في ذلك متفاوتون على قدر أعمالهم، فمنهم الراكب ومنهم الماشي ومنهم من يمشي على وجهه، كما جاء في الحديث الشريف . قال تعالى :     " وجوه يومئذ مسفرة *ضاحكة مستبشرة * ووجوه يومئذ عليها غبرة * ترهقها قترة * أولئك هم الكفرة الفجرة(3) " . ثالثا: - أحوال الناس في الموقف        يحشر الناس على أرض بيضاء مستوية، وفيها يقفون موقفا طويلا ينتظرون فصل القضاء والملائكة محيطون يهم، والناس متفاوتون حسب أعمالهم ، وفي هذا اليوم لا يخفى من الأعمال خافية، وإن الشمس  تدنو من الرؤوس مقدار ميل حتى تغلي  الأدمغة من شدة حرها ، قال تعالى:      " يوم يقوم الروح والملائكة صفا لا يتكلمون إلا من أذن له الرحمن وقال صوابا(4) " .     " يوم تبلى السرائر فما له من قوة ولا ناصر(5) " .--------------------------------------------------------------------------------- (1) سورة التكوير، الآية رقم (5) .                                                                                                     (2) رواه الترمذي .                                                                                                                     (3) سورة عيس ، الآيات ( 38 – 42 ) .                                                                                           (4) سورة النبأ ، الآية (38) .                                                                                                         (5) سورة الطارق ، الآيات ( 9 – 10 ) .            "إذا رأتهم من مكان بعيد سمعوا لها تغيظا وزفيرا(1) " .       " سمعوا لها شهيقا وهي تفور(2)" .    " يوم ترى المؤمنين والمؤمنات يسعى نورهم بين أيديهم وبأيمانهم بشراكم اليوم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ذلك الفوز العظيم(3) " .     روى مسلم عن المقداد رضي الله عنه قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ( تدني الشمس يوم القيامة من الخلق حتى تكون منهم كمقدار ميل، يقول سليم بن عامر الراوي عن مقداد، فما أدري أهو الميل مسافة الأرض ، أم الذي يكتحل به، فيكون الناس على مقدار أعمالهم في العرق ، فمنهم من يكون إلى كعبيه، ومنهم من يكون إلى ركبتيه ، ومنهم من يلجمه العرق لجاما ، وأشار بيده إلى فيه (4)  " . رابعا:- الحساب والقضاء  بين العباد     عندما يأذن الله بالحساب والقضاء بين الخلائق ، فأول ما يدعو الرسل ويسألهم عن تبليغ ما أرسلوا به ، قال تعالى :     " فلنسئلن الذين أرسل إليهم ولنسئلن المرسلين(5) " .فإذا أخبروا أنهم بلغوا رسالات ربهم فعندها يدعو الأمم ، وأول ما يدعو أمة محمد صلى الله عليه فيسألهم قال تعالى:   " فور بك لنسألنهم أجمعين عما كانوا يعملون(6) "وبعد هذا العرض العام يعرضون فرادى للحساب قال تعالى :   " إن إلينا إيابهم ثم إن علينا حسابهم(7) " .                                                 _______________________________________________ (1) سورة الفرقان، الآية رقم (12) .                                                                                                 (2) سورة الملك ، الآية رقم (8) .                                                                                                     (3) سورة الحديد، الآية رقم (12)                                                                                                     (4) رواه مسلم .                                                                                                                        (5) سورة الأعراف ، الآية رقم (5) .                                                                                                (6) سورة الحجر ، الآية رقم (92) .                                                                                                 (7) سورة الغاشية ، الآيات ( 35 -36 ) .        وروى الترمذي عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( يعرض الناس يوم القيامة ثلاث عرضات ، فأما عرضتان فجدال ومعاذير ، فعند ذلك تطير الصحف في الأيدي، فآخذ بيمينه وآخذ بشماله(1) ) .      وهكذا يعرضون على الله للحساب ، وإن حساب الله يتفاوت على قدر أعمالهم .   وأول ما يحاسب العبد من أعماله الصلاة فإن صلحت وقبلت فقد فاز وأفلح ، وإن فسدت ولم تقبل فقد خاب وخسر .      عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ( إن أول ما يحاسب به العبد يوم القيامة من عمله صلاته ، فإن صلحت فقد أفلح ونجح   وإن فسدت فقد خاب وخسر ........... وإنما يحاسب الله العبد ويسأله عن أربع : عمر ه ، وعمله ، وماله ، وجسمه (2) ) .  خامسا :- الميزان ووزن أعمال العباد       إن الذين توزن أعمالهم يوم القيامة هم المؤمنون الذين خلطوا أعمالا صالحة وأعمالا سيئة، أما الكافرون فلا ينصب لهم ميزان ، حيث أن الله يعجل لهم ثواب حسناتهم في الدنيا ، وأما في الآخرة فلا شيء لهم . قال تعالى:    " وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثورا(3) " .    " أولئك الذين كفروا بآيات ربهم ولقائه فحبطت أعمالهم ، فلا نقيم لهم يوم القيامة وزنا (4) " .     وإن السابقين من الصديقين والشهداء لا ينصب لهم ميزان وهم الذين يدخلون الجنة من غير حساب .   " فأما من ثقلت موازينه فهو في عيشة راضية * وأما من خفت موازينه فأمه هاوية(5) " .                                                                                   -------------------------------------------------------------------------------(1) رواه الترمذي .                                                (4) سورة الكهف ، الآية  (105 ).                              (2) رواه الترمذي                                                  (5) سورة القارعة ، الآيات ( 5 ، 8 ) .                       (3)سورة الفرقان ، الآية رقم (13) .       وإن موطن ميزان الأعمال من المواطن الرهيبة بالنسبة ليوم القيامة ، حيث ينسى فيه العبد أهله وأحبابه ، بل ينشغل بنفسه .      عن عائشة رضي الله عنها قالت : ذكرت النار فبكيت ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( ما يبكيك؟ قلت : ذكرت النار فبكيت . فهل تذكرون أهليكم يوم القيامة ؟ قال : أما في ثلاثة مواطن ، فلا يذكر أحد احدا : عند الميزان حتى يعلم أيخف ميزانه أم يثقل ؟ وعند تطاير الصحف حتى يعلم أين يقع كتابه في يمينه أم شماله ؟ أم وراء ظهره ؟ وعند الصراط إذا وضع بين ظهراني جهنم حتى يجوز(1) ) .  سادسا:- تطاير الصحف      إن الناس يكونون يوم القيامة ثلاثة أصناف : السابقون وأصحاب اليمين وأصحاب الشمال .     فالسابقون هم الذين يدخلون الجنة بغير حساب ، فلا توزن لهم أعمالا  ولا يعطون كتابا .     وأما أصحاب اليمين فهم الذين يعطون كتبهم بأيمانهم .     وأما أصحاب الشمال فهم الذين يعطون كتبهم بشمائلهم ، فمن أعطي كتابه بشماله فقد خاب وخسر .     فاعلم أنه بعد أن يفرغ الناس من الحساب والعرض على الله تطير الصحف فآخذ بيمينه وآخذ بشماله ، قال تعالى :  " وإذا الصحف نشرت(2)  " .    " وكل إنسان ألزمناه طائره في عنقه ونخرج له يوم القيامة كتابا يلقاه منشورا اقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا(3) " .    " فأما من أوتي كتابه بيمينه فيقول هآؤم اقرءوا كتابيه إني ظننت أني ملاق حسابيهفهو في عيشة راضية في جنة عالية(4) " .                                                   ------------------------------------------------------------------------------- (1) رواه أبو داوود .(2) سورة التكوير ، رقم الآية (10) .                                                                                                  (3) سورة الإسراء ( 13 – 14 ) .                                                                                                  (4) سورة الحاقة ، الآيات ( 19       " وأما من أوتي كتابه بشماله فيقول يا ليتني لم أوت كتابيه ولم أدر ما حسابيه يا ليتها كانت القاضية ما أغنى عني ماليه هلك عني سلطانيه خذوه فغلوه ثم الجحيم صلوه(1)        سابعا :- المرور على الصراط      إن من مشاهد يوم القيامة المخيفة ، والأهوال المفزعة التي ينسى فيها العبد أهله وذويه، العبور على الصراط ، وإن الصراط جسر على جهنم ممدود ، طوله ثلاثة ألاف عام ، ألف عام صعود وألف عام هبوط وألف عام استواء ، وهو أدق من الشعرة وأحد من السيف ، وأوله في الموقف وآخره عند مرج ، أي فضاء فيه درج يصعد عليها إلى باب الجنة(2) .     واعلم أن الناس كلهم يمرون على الصراط بما فيهم الرسل ، فقد روى البخاري ومسلم والترمذي عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:      ( يضرب الصراط بين ظهراني جهنم ، فأكون أول من أجوز من الرسل بأمته، ولا يتكلم يومئذ أحد إلا الرسل، وكلام الرسل يومئذ : اللهم سلم سلم ، وفي جهنم كلاليب مثل شوك السعدان ، هل رأيتم شوك السعدان ؟ قالوا : نعم ، قال: فإن فيها مثل شوك السعدان ، غير أنه لا يعلم قدر عظمها إلا الله تعالى ، تخطف الناس بأعمالهم ، فمنهم من يوبق بعمله ومنهم من يخردل(أي يخدش) ثم ينجو(3)  ) .  وقال الله تعالى : " وإن منكم إلا واردها كان على ربك حتما مقضيا ثم ننجي الذين اتقوا ونذر الظالمين فيها جثيا(4) " . --------------------------------------------------------------------------------- (1) الحاقة ، الآيات ( 25 – 31 ) .                                                                                                  (2) اليوم الآخر ، مرجع سابق ، ص 133 .                                                                                        (3) متفق عليه .                                                                                                                         (4) سورة مريم ، الآيات ( 71 72 ) .      الفرع الثالث أولا :- النار وعذابها       إن النار دار عذاب الله أعدها للكافرين والمنافقين وبعض العصاة، ولقد حذر الله سبحانه وتعالى منها في كثير من آيات القرآن الكريم، قال تعالى :    " يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم نارا وقودها الناس والحجارة عليها ملائكة غلاظ شداد لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون(1) " .    وإن للنار سبع طبقات ، كل طبقة أشد عذابا من الأخرى، وإن لكل طبقة  أهل على حسب أعمالهم وكفرهم قال تعالى :     " وإن جهنم لموعدهم أجمعين لهل سبعة أبواب لكل باب منهم جزء مقسوم(2) " .وهي : جهنم ، لظى ، الحطمة ، السعير ، سقر، الجحيم ، والهاوية ، أجارنا الله منهاوقد ذكر القرآن الكريم بعض الأعمال التي توجب دخول كل منها ، فمثلا جهنم أعدت للكافرين قال تعالى : " إنا أعددنا جهنم للكافرين نزلا(3) " .     وقد ذكر القرآن أن لظى لمن لا يشكرون عند الرجاء ، ولا يصبرون عند البلاء ، ويمنع حق المال وتولى ويعرض عن الحق ، قال تعالى :      " كلا إنها لظى نزاعة للشوى تدعو من أدبر وتولى وجمع فأوعى إن الإنسان خلق هلوعا إذا مسه الشر جزوعا وإذا مسه الخير منوعا إلا المصلين (4) " .  --------------------------------------------------------------------------------- (1) سورة التحريم ، الآية رقم (6) .                                                                                                  (2) سورة الحجر ، الآيات (43 – 44 ) .                                                                                           (3) سورة الكهف ، الآية (103) .                                                                                                    (4) سورة المعارج ، الآيات ( (15 – 23 ) .          وأما حرها وعمقها ، فإن حرها شديد ، وقعرها بعيد ، ومقامعها من حديد ، كما قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه.    أما حرها فعن أيي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:( ناركم التي توقدون جزء من سبعين جزء من نار جهنم(1) .    إن بعض أهل النار من تنطوي عليهم النار وتجرهم إليها ، ومنهم من يساقون إلى  النار سوقا، وهم مكبلون بالسلاسل والأغلال تسوقهم الزبانية ، قال تعالى:   " إذ الأغلال في أعناقهم والسلاسل يسحبون في الجحيم ثم في النار يسجرون(2) ) .   " يعرف المجرمون بسيماهم فيؤخذ بالنواصي والأقدام(3) " .وهكذا تأخذه الملائكة الغلاظ الشداد، من ناصيته وقدميه فتطويه ثم تقذفه في النار، قال تعالى :      " خذوه فغلوه ثم الجحيم صلوه ثم في سلسلة ذرعها سبعون ذراعا فاسلكوه(4)  ) .أما طعامهم وشرابهم وثيابهم فكله عذاب والعياذ بالله، قال تعالى :    " ليس لهم طعام إلا من ضريع لا يسمن ولا يغني من جوع(5) ) .    " يطوفون بينها وبين حميم آن(6) " .    " سرابيلهم من قطران وتغشى وجوههم النار(7) ) .                                     ________________________________________________  (1) رواه الإمام أحمد                                                                                                                 (2) سورة غافر ، الآية (72).                                                                                                          (3) سورة الرحمن، ألآية (41)                                                                                                         (4) سورة الغاشية ، الآيات ( 6 – 7 ) .                                                                                               (5)سورة الحاقة ، الآيات ( 30-32) .                                                                                                 (6) سورة الرحمن ، الآية (44) .                                                                                                      (7) سورة ابراهيم ، الآية (50 ) .   ثانيا :- الجنة ونعيمها      الجنة هي دار النعيم التي أعدها الله لعباده المؤمنين والمتقين الأبرار ، جزاء إيمانهم الصادق وعملهم الصالح في الدنيا وجزاء مجاهدتهم لأنفسهم ، في ترك المعاصي والمحرمات ، قال تعالى :       " تلك الجنة التي أورثتموها بما كنتم تعملون(1) " .      " إن الأبرار لفي نعيم(2) ) .ولقد رغب الله تعالى فيها وحث المؤمنين على العمل من أجلها فقال جل شأنه:  " وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السموات والأرض أعدت للمتقين(3)" . واعلم أن الجنة هي فوق ما نقرأ أو نسمع ، وفوق ما يخطر ببالك، حيث أن تصورنا وإدراكنا لا يحيط بالجنة ومعرفتها ، وشعورنا قاصر عن إدراك حقيقتها، وأما ما جاء في السنة والقرآن من وصف بنائها وقصورها وولدانها وذهبها ، وأنهارها وأشجارها وثمرها ، لا يشبه شيئا من جنسه في الدنيا ، وليس هو مثله وإن اشتركا في الاسم.    فقد روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:   ( قال الله تعالى : أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت ولا  أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، واقرءوا إن شئتم : " فلا تعلم نفس ما أخفي لها من قرة أعين(4) ) --------------------------------------------------------------------------------- (1) الزخرف ، الآية رقم ( 72 ) .                                                                                                     (2) سورة المطففين ، الآية رقم )22) .                                                                                                (3) سورة آل عمران ، الآية ( 133 ) .                                                                                               (4) رواه البخاري ومسلم .     أما نعيم الجنة  فإن فيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين ، وفيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، فترابها الزعفران وحصباؤها اللؤلؤ وملاطها المسك، وفيها أربعة أنهار : من ماء ولبن وخمر وعسل، قال تعالى :    " مثل الجنة التي وعد المتقون، فيها أنهار من ماء غير آسن ، وأنهار من لبن لم يتغير طعمه، وأنهار من خمر لذة للشاربين ، وأنهار من عسل مصفى ولكم فيها من كل الثمرات(1) " .   " لكن الذين اتقوا ربهم لهم غرف من فوقها غرف مبنية تجري من تحتها الأنهار وعد الله لا يخلف الله الميعاد(2) " .     وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:   ( أدنى أهل الجنة منزلة ، الذي له ثمانون ألف خادم ، واثنان وسبعون زوجة، وتنصب له قبة من لؤلؤ وزبرجد وياقوت كما بين الجابية وصنعاء(3) ) . فهذه هي مساكن الجنة وقصورها .قال تعالى :    " فيها سرر مرفوعة وأكواب موضوعة ونمارق مصفوفة وزرابي مبثوثة(4) " .    " ولهم فيها أزواج مطهرة وهم فيها خالدون(5) " .   " وعندهم قاصرات الطرف عين كأنهن بيض مكنون(6) " .    " ونزعنا ما في صدورهم من غل إخوانا على سرر متقابلين(7) " .                     -------------------------------------------------------------------------------  (1) سورة محمد، الآية رقم (15 ) .                                                                                                    (2) سورة الزمر ، الآية رقم (20) .                                                                                                   (3) رواه الترمذي .                                                                                                                      (4) سورة الغاشية ، ( 15 ، 16 ) .                                                                                                    (5) سورة البقرة ، الآية  ( 25  ) .                                                                                                     (6) سورة الصافات ، الآيات ( 48 – 49 ) .                                                                                         (7) سورة الحجر ، الآية  ( 47 ) .         إن الجنة ليست إلا جنة واحدة وإنما هي أربع جنات ، وقيل ثمان جنات وإن ما بين الجنة والجنة تفاضل في النعيم .     فقد روى الترمذي عن عبادة بن الصامت رضي  الله قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :  ( في الجنة مائة درجة ما بيت كل درجة  ودرجة كما بين السماء والأرض، والفردوس أعلاها ، ومنها تفجر أنهار الجنة الأربعة ، ومن فوقها يكون العرش ، فإذا سألتم فاسلوا الله الفردوس(1) ) .    وأعلى الجنان الفردوس ثم عدن ثم الخلد ثم المأوى فهذه هي الجنان الأربعة قال تعالى :  " ولمن خاف مقام ربه جنتان(2) ) .   وروى البخاري ومسلم والترمذي عن أبي موسى الأشعري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( جنتان من فضة آنيتهما وما فيهما ، وجنتان من ذهب آنيتهما   وما فيهما ، وما بين القوم وبين أن ينظروا إلى ربهم إلا رداء الكبرياء على وجهه في جنة عدن(3) ) .    وللجنة ثمانية أبواب : باب خاص لأمة محمد صلى الله عليه وسلم ، ويشاركون باقي الأمم في الأبواب الأخرى ، وهذه الأبواب كل باب منها خاص بعمل صالح، فعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:   "  ما منكم من أحد يتوضأ فيسبغ الوضوء ثم يقول : أشهد أن لا إله إلا الله  وحده لا شريك له وأن محمدا عبده ورسوله إلا فتحت له أبواب الجنة الثمانية يدخل من أيها شاء(4) ) .________________________________________________  (1) رواه الترمذي .                                                                                                                      (2) سورة الرحمن ، الآية (46 ) .                                                                                                     (3) متفق عليه .                                                                                                                          (4) رواه مسلم .     الخاتمة :- أثر مشاهد يوم القيامة في نفوس الصالحين     إن الإيمان باليوم الآخر ركن من أركان الإيمان ، ومن ينكر يوم البعث كافر .ومشاهد ووقائع يوم القيامة ، والتي سبق ذكرها بهذا البحث ، والتي يثبت بالدليل القاطع كما جاء في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، هي جزء من الإيمان بهذا اليوم.    وإن المؤمن يسارع في فعل الخيرات والابتعاد عن المنكرات، طمعا في الجنة وخوفا من عذاب النار، وقد حفت الجنة بالمكاره وحفت النار بالشهوات، ( فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا كأنما يصََعد في السماء(1) ) .    وإن مشاهد ووقائع يوم القيامة فيها مواعظ وعبر ، فيها بشرى وطمأنينة لمن أطاع الله ، وفيها تهديد ووعيد لمن خالف أوامر الله وعصاه .  فعندما نسمع عن النار وسعيرها ، وأن حرارة نار الدنيا جزء من سيعين جزء من حرارة جهنم ، فلا شك أن الإنسان يقشعر بدنه وترتعد فرائصه من هول ذلك الموقف العظيم ، ويعيد حسابه مع نفسه فيسارع لفعل الخيرات ويبتعد عن المنكرات .   وعندما يقرأ الإنسان ويسمع عن الجنة ونعيمها والحور وولدانها وقصورها وأنهارها وما أعد الله فيها للمتقين مما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على  قلب بشر، كل هذه الأمور تشوق الإنسان إلى  نيل هذه الخيرات والحصول عليها .    ولهذا لا بد أن يثوب الإنسان إلى رشده ، ويرتدع عن غيه ، ويسارع إلى  فعل الخيرات والابتعاد عن فعل النكرات . ---------------------------------------------------------------------------------  (1) سورة  الأنعام ، الآية ( 125 ) .   ونسرد أمثلة بعض  مواقف الصالحين وتأثرهم بمشاهد ووقائع يوم القيامة :    يحكى أن رجلا من قادة المسلمين يدعى عبد الواحد بن زيد رحمه الله كان يتحدث عن الجهاد والاستشهاد في سبيل الله، وذكر قوله تعالى " إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم بأن لهم الجنة يقاتلون في سبيل الله فيقتلون ويقتلون(1) " .   فقام شاب من القوم يدعى سعيد فقال : الله سبحانه وتعالى يشتري منا أنفسنا وأموالنا بالجنة ؟ قال الشيخ : نعمقال : أشهدك بأني بعت الله نفسي وما لي بالجنة ، فقال له عبد الواحد : إنك حديث السن وأخشى أنك لا تستطيع تنفيذ البيعة ، قال بلى أشهد بأني بعت الله نفسي ومالي بالجنة ف قال  له الشيخ : بيع رابح ودعا له بالتوفيق .   وكان قتالهم مع الروم ، فذهب الشاب سعيد وأنفق ماله في سبيل الله ، ولم يبق له إلا ما يحتاجه للجهاد من فرس ودرع وسلاح وتجهيز الجيش لغزو الروم وتجهز سعيد وغزا معهم ، وقبل ان يلتقوا العدو بساعات ، وكانوا في وقت استراحتهم من السير واستعدادا للقاء العدو ، نام سعيد وكان بالقرب منه أحد إخوانه المجاهدين، فرأى سعيد يتكلم يمد يده ثم يردها ، فعلم أنه في رؤيا فلم يوقظه ، وبعد أن استيقظ سعيد من نومه سأله صاحبه : ماذا رأيت في نومك؟ لقد سمعتك تتكلم وتمد يدك ، فقال له لم أر شيئا فألح عليه فقال : لا أحدثك بما رأيت حتى تعاهدني بأنك لا تتكلم عما أخبرك به حتى أموت .      فأعطاه عهدا لا يحدث بما يخبره به حتى يموت ، فقال له: لقد رأيت كأني دخلت الجنة وإذا بنهر من ماء عليه حور وغلمان فلما رأوني قالوا : أهلا ومرحبا بزوج  العيناء المرضية ، فقلت :أفيكن العيناء ؟ قلن : لا ليتنا خدم لها ، امض أمامك فمضيت  فإذا بنهر من لبن عليه من الحور والولدان أجمل مما رأيت على نهر الماء، وإذا بهم يرحبون ويقولون أهلا ومرحبا بزوج العيناء المرضية. فقلت : أفيكن العيناء؟ قلن: لا---------------------------------------------------------------------------------  (1) سورة التوبة ، رقم الآية (111)  .   ليتنا خدم لها ، امض أمامك ، قلما سمعت منهن ذلك ازددت شوقا لرؤيتها ،فمضيت وإذا بنهر من خمر وعليه من الحور والغلمان أجمل وأحسن مما رأيت على نهر اللبن، وإذا بهم يرحبون ويقولون أهلا وسهلا  بزوج العيناء المرضية ، فدنوت منهن وقلت أفيكن العيناء المرضية ؟ قلن ليتنا خدم لها ، امض أمامك فمضيت ، فإذا بنهر من عسل، وعليه من الحور والغلمان أجمل مما رأيت على نهر الخمر ، وإذا أسمع مناد ينادي : يا عيناء  أبشري هذا زوجك قد حضر ، فخرجت على باب قصر تتسم وترحب بي ، ودخلت القصر معها ، وجلسنا على سرير من ذهب فلما نظرت إليه فتنت بجمالها فمددت يدي لأحضنها حتى أقبلها ، فقالت إليك عني فأنك لا زلت في دار الدنيا فتركتها ، غير نسيت ذلك من حسنها ومددت يدي ثانية لأعانقها ، فقالت إليك عني ، أما قلت لك أنك في دار الدنيا ، فقلت لها متى أخرج  من الدنيا  ؟ إنك تفطر الليلة عندنا إن شاء الله حيث كان صائما ، فاستيقظت وهذا ما رأيت ، وإن شاء الله أفطر عندها اليوم.     وبعد ذلك وقع قتال بين الروم والمسلمين فأبلى سعيد بلاء حسنا، وكان يتقدم بين صفوف المشركين ويقاتل ، يريد أن يقتل حتى عجب منه أصحابه لبلائه وشجاعته ولا يخشى الموت ، وقبل انتهاء المعركة أصيب بطعنة بالغة ، فحمله أصحابه ، وانتهى القتال ، وجاء صاحبه الذي قص عليه الرؤيا التي رآها ، وإذا سعيد يجود بروحه ، فقال له هنيئا لك يا سعيد بالعيناء المرضية ، فقال له أصحابه ما هذه العيناء المرضية ؟ فأراد أن يحدثهم ، فنظر إليه سعيد وعض شفته مذكرا له بالعهد، فسكت ولم يحدثهم بخبره حتى مات رحمه الله(1) .    فهذا مثلا من الإيمان الصادق، وهذه هي الرغبة الصادقة في الجنة وفي الحور العين ، ومن يخطب الحسناء لم يغلها المهر .    وكثير من الصالحين من كان إذا قرأ أو سمع ذكر النار في القرآن الكريم يبكي حتى تخضل لحيته من الدموع ، ومنهم عمر بن الخطاب ، ومنهم أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها .                                    ________________________________________________   (1) اليوم الآخر ، مرجع سابق ، ص185 .    وقد روى أبو داود عن عائشة رضي الله عنها قالت : ( ذكرت النار فبكيت ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (  ما يبكيك؟ قلت ذكرت النار فبكيت، فهل تذكرون أهليكم يوم القيامة ، قال : أما في ثلاثة مواطن فلا يذكر أحد أحداً : عند الميزان حتى يعلم أيخف ميزانه أم يثقل؟ وعند تطاير الصحف ، حتى يعلم أين يقع كتابه في يمينه أم في شماله ؟ أم وراء ظهره ؟  وعند الصراط إذا وضع بين ظهراني جهنم حتى يجوز(2) ) .    نسأل الله عز وجل أن يجعلنا وإياكم ممن يسمعون  القول فيتبعون أحسنه ،وأن يهدينا إلى عمل يقربنا من الجنة ويبعدنا عن النار .        --------------------------------------------------------------------------------- (1) اليوم الآخر ، مرجع سابق، ص185 .(2) رواه أبو داود      " مراجع البحث " 1- القرآن الكريم وتفاسيره .  2- كتب الحديث الشريف ، الصحاح ، والمسانيد ، والسنن .  3- المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم، محمد فؤاد عبد الباقي .  4- اليوم الآخر لمؤلفه ، عبد القادر الرحباوي ، مطبعة السلام  للطباعة والنشر ، القاهرة ، 1983 م .  5- التخويف من النار ، للحافظ أبي الفرج الحنبلي ، تعليق د. محمد  جميل غازي ، المكتبة العلمية ، لبنان – بيروت ، 1982م .                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                           

 

الأبعاد الإنسانية في حياة الملك عبد العزيز آل سعود

 الأبعاد الإنسانية

في حياة المغفور له بإذنه تعالى

الملك عبد العزيز آل سعود

بحث أعده المعلم/ أحمد صلاح الوادي

الإدارة العامة للتعليم بمنطقة تبوك

مسابقة البحوث العلمية للمدرسين

ضباء – مركز الإشراف التربوي

بمحافظة ضباء

بمناسبة مرور مائة عام على تأسيس المملكة العربية السعودية (1319هـ - 1419هـ )  

 

خطة البحث 

تمهيد

المبحث الأول: حياة المغفور له الملك عبد العزيز .      

الفرع الأول:- نسبه ، مولده ، نشأته .      

الفرع الثاني:- نبذة مختصرة عن الدولة السعودية في أدوارها الثلاثة      

 الفرع الثالث:- أثر انعكاس الأبعاد الإنسانية على إنجازات الدولة . 

 

المبحث الثاني: الأبعاد الإنسانية في حياة المغفور له الملك عبد العزيز.     

 الفرع الأول :- بعض المواقف الإنسانية مع أبيه ، أبنائه، أحفاده، وأهل بيته.      

الفرع الثاني :- بعض المواقف الإنسانية مع رعيته وأبناء وطنه .      

 الفرع الثالث :- بعض المواقف الإنسانية مع الدول العربية والإسلامية بصفة                          خاصة ، ومع العالم الخارجي بصفة عامة.

 الخاتمة: دروس مستفادة من تجربة المعاملة الإنسانية في حياة الملك عبد العزيز           

 

 تمهيد:-    إن الإنسان لا يقاس بحسبه ولا بنسبه ، وإن المقياس الحقيقي هو الأعمال الجليلة التي يقوم بها في حياته، وحقيقة تقوى هذا الإنسان وقربه وبعده من الله عز وجل، وقد قال عليه الصلاة والسلام " ..... ومن أبطأ به عمله لم يسرع به نسبه (1) " .    فكيف إذا جمع هذا الإنسان بين رفعة الحسب والنسب ، والقيام بالأعمال العظيمة التي يشار إليها بالبنان، وكل ذلك كان من خلال تقوى الله والعمل الدائب لرفع راية الإسلام عالية في كل مكان، ومحاربة البدع والخرافات أينما وجدت .    إن الملك عبد العزيز – المرحوم بإذنه تعالى – جمع إلى جانب عراقة النسب ، جلائل الأعمال وأعظمها ، وكان يوصي نفسه وأولاده دائما بتقوى الله ، والعمل على تطبيق أحكام الشريعة الإسلامية الغراء ، وكان حربا على الشرك وأهله، حتى ولو كانت على شكل مقامات داخل بيت الله الحرام، فقد أزيلت جميعها لتكون العبادة خالصة لوجه الله تعالى .    وحتى نلم بالأبعاد الإنسانية في حياة الملك عبد العزيز، لا بد من استعراض جانبا من حياته: نسبه ومولده ونشأته ، لنعرف كيف نشأ ، وكيف تربى ، ومن أين جاءت هذه المواقف الإنسانية في حياة الرجل ، ومن الأشخاص الذين تأثر بهم في تاريخ حياته، ومع ذلك قسمنا هذا البحث إلى مبحثين وخاتمة.  

  ويتضمن المبحث الأول: حياة الملك عبد العزيز في ثلاثة فروع هي:الفرع الأول :- نسبه ومولده ونشأته .الفرع الثاني :- نبذة مختصرة عن الدولة السعودية في أدوارها الثلاثة .

الفرع الثالث: أثر انعكاس الأبعاد الإنسانية على إنجازات الدولة .

(1) رواه مسلم .

  ويتضمن المبحث الثاني :- ثلاثة فروع هي:   الفرع الأول :- بعض الواقف الإنسانية مع أبيه وأبنائه وأحفاده وأهله .الفرع الثاني:- بعض المواقف الإنسانية مع رعيته وأبناء وطنه .الفرع الثالث :- بعض المواقف الإنسانية مع الأمة العربية والإسلامية بصفة خاصة                    ومع العالم الخارجي بصفة عامة .  

 أما الخاتمة :- فنخلص بها إلى الدروس المستفادة من حقيقة وعظمة هذا الرجل الذي عمل جاهدا على تأسيس دولة عصرية بكل ما تحمله هذه الكلمة من معنى ، فقد تمكن من جمع شمل القبائل التي كانت فقيرة ومتناحرة ، يعيش معظمها حياة البدو الرحل، الذين صدق فيهم قول الشاعر :         غزاة ينشدون الرزق دومـــــا            على صهوات خيل لا تضام          إذا ضاقت بهم أرزاق أرض             يطيب بغيرها لهــم المقــــامنعم ، الرجال يقاسون بأفعالهم لا بأنسابهم ، ويكفي الملك عبد العزيز فخرا ، تأسيس هذه الدولة القارة، المترامية الأطراف، على أساس من عقيدة التوحيد ، والحنكة السياسية ، والشجاعة والقوة العسكرية ، والأبعاد الإنسانية الفذة التي انعكست على كل مجالات حياته، فأضفت إليها طابعا من السماحة والكرم والشهامة والرجولة والمروءة .    والمملكة إذ تحتفل اليوم بعيدها المئوي الأول ، فهي تنتقل من تقدم إلى آخر ، وأصبحت تجاري ركب الدول المتقدمة في النواحي التقنية والحضارية ، ومستوى المعيشة ، بل وتتفوق عليها في النواحي الأمنية والعقائدية، حيث ينعم العباد والبلاد بالأمن والاستقرار ، وتأدية الشعائر الدينية في راحة ويسر وطمأنينة .    وكل ذلك بفضل الله عز وجل ، ثم بفضل الأسس والقواعد الثابتة التي أرساها المرحوم – بإذنه تعالى – الملك عبد العزيز وأبناؤه الأشاوس من بعده ، يسيرون على هديه ويتبعون خطواته ، وخاصة في التمسك بكتاب الله وسنة نبيه الطاهرة، فهذان الأمران ما داموا متمسكين بهما لن يضلوا أبدا ، وصدق من لا ينطق عن الهوى.----------------------------------------------------------------------------  

 المبحث الأول: حياة الملك عبد العزيز رحمه الله   

 إن الحديث عن الملك عبد العزيز وما حققه من إنجازات، سيكون كمثل إنسان يقف في روضة غناء ، فيها من ألوان الزهور وأشكالها ، فكلما حاول أن يختار زهرة ، فإنه يجد أمامه أفضل منها ، فلا يكون أمامه ليحقق طلبه إلا بأخذ باقة من الزهور.    والحديث عن شخصية الملك وحياته وانجازاته سيظل غير مكتمل ، وما نختاره في هذا البحث هو جزء بسيط من أبعاده الإنسانية من خلال انجازاته العظيمة وملامح شخصيته الباهرة.    وسأتناول هذا المبحث في الفروع التالية :-

 

الفرع الأول: نسبه ومولده ونشأته (1) نسبه:    هو عبد العزيز بن عبد الرحمن بن فيصل بن تركي بن عبدالله بن محمد بن سعود بن محمد بن مقرن بن فرحان بن ابراهيم بن موسى بن مانع بن الحارث بن سعيد بن همام بن مرة بن ذهل بن شيبان بن بكر بن وائل بن جديلة بن أسد بن ربيعة بن نزار بن معد بن عدنان.

مولده :      ولد في شهر ذي الحجة عام 1297 هـ الموافق 1880 م في مدينة الرياض، ونشأ الفتى في جناح من القصر ترضعه أمه وهي السيدة سارة بنت الأمير أحمد السديري من رؤساء قبيلة الدواسر.

    وكانت ككل نساء العرب ذوات النسب الرفيع تعيش في الخدر، مع النساء خلف النوافذ، لم تتعلم من القراءة سوى ( القرآن ) ، ولقد أوتيت حظا وافرا من الذكاء ، وكانت تقية أخت ورع ، أريبة عاقلة ، وأصابت قدرا بالغا على من التأثير على الذين من حولها .

(1) من حياة الملك عبد العزيز ، تأليف محمد عبد العزيز محمد الأحيدب ، ط1، ص 21 . نشأته :    ما كاد عبد العزيز يجاوز الفطام حتى عهد به إلى مربين يشرفون على خدمته وتربيته ، ويقومون على حراسته، ولم يكد يصبح قادرا على المشي، حتى تولى أبوه الأمير عبد الرحمن تربيته ، وكان ذلك الأمير تقيا حريصا على دينه، متشددا فيه ، وهو يومئذ إمام السلفية قائم على تطبيق الشريعة الإسلامية، ومستمر في العمل على بناء الدولة التي أسسها (محمد بن سعود). ويؤلف من العرب أمة واحدة ويجعل منهم سلفيين صادقين.

الفرع الثاني: نبذة مختصرة عن الدولة السعودية في أدوارها الثلاثة   

اصطلح المؤرخون على تقسيم التاريخ السعودي الحديث إلى ثلاثة أدوار(1) :الدور الأول : بدأ بالاتفاق بين الشيخ محمد بن عبد الوهاب ومحمد بن سعود وانتهى باستسلام                   الإمام عبدالله بن سعود للقوات المصرية العثمانية سنة 1233هـ - 1817م .الدور الثاني: بدأ بنجاح الإمام تركي بن عبدالله في إخراج بقية جنود الحاميات                 العسكرية التابعة لمحمد علي حاكم مصر سنة 1240هـ - 1824م وانتهى                بسيطرة الأمير محمد بن عبدالله آل رشيد على الرياض سنة 1309 هـ -                1891 م .الدور الثالث : بدأ باستيلاء عبد العزيز بن عبد الرحمن على الرياض سنة 1319هـ -                 1901م.

     وهذا التاريخ هو الذي تحتفل به المملكة العربية السعودية كيوم وطني، لبيان ما قام به الملك عبد العزيز من إنجازات عظيمة في توحيد هذه البلاد . وما حصل بها من تقدم في جميع المجالات الاقتصادية  والأمنية والعمرانية ، ارتقت بها إلى مصاف الدول المتقدمة ، ونعم المواطنون بالرخاء والاستقرار وعاش الناس، ولا يزالون في بحبوبة من العيش وسعة من الرزق ، وكل ذلك بفضل الأعمال الجليلة التي قام بها مؤسس الدولة السعودية في دورها الثالث الملك عبد العزيز وأبناؤه الميامين من بعده .

(1) جوانب مضيئة في حياة الملك عبد العزيز، د. محمد عبدالله الزعارير، مذكرة بكلية البنات بضباء، 1419هـ، ص 3    

  الفرع الثالث: أثر انعكاس الأبعاد الإنسانية على إنجازات الدولة  

 إن حياة المغفور له – بإذنه تعالى – الملك عبد العزيز وبطولاته وشهامته  وتضحياته ملحمة خالدة ، كتب عنها المؤلفون والمؤرخون من الشرق والغرب ، ومهما كتبوا أو ألفوا فلن يوفوا البحث حقه ، لأن حياته كانت حافلة بالأمجاد والبطولات ، وتمضي مئات أخرى من السنين ، ولا زالت سيرته معينا لا ينضب من الأحداث المتألقة ، والجديرة بالدراسة والبحث .    ونحن بصدد الاحتفال بمرور المائة الأولى على ذكرى تأسيس هذه الدولة الفتية ، نحاول أن نلقي بعض الضوء على جانب واحد في حياة هذا الرجل العملاق، الذي أسس دولة عصرية حديثة وسط صحراء قاحلة ومن مجموعة من القبائل المتناحرة.    وفي هذا الفرع من البحث نحاول أن نبرز أثر الأبعاد الإنسانية في حياة الملك عبدالعزيز، وانعكاس هذا الأثر على كافة المجالات الأخرى . 

أ) أثر الأبعاد الإنسانية على حركة التوحيد   لقد سار الملك عبد العزيز على خطا جده الأكبر محمد بن سعود الكبير، في توفير الدعم العسكري لحركة  الإصلاح الديني التي أنشأها الشيخ محمد بن عبد الوهاب ، وكان إيمان الملك الكبير بالله ، وأن النصر من عند الله وحده ، وعقيدة التوحيد الراسخة في ذهنه ، ومناصرته للحق ومحاربته للظلم هي الدعائم الأساسية في تثبيت أركان الدولة السعودية العصرية التي استوعبت جميع معطيات الحضارة العصرية ، مع محافظتها على الطابع الإسلامي الأصيل واعتزازها بهذا الطابع.--------------------------------------------------------------------------------                                                                                                                                                                                 ب) انعكاس الأبعاد الإنسانية على الناحية الاقتصادية    عاش مجتمع شبه الجزيرة العربية بعامة ، وسكان نجد بخاصة في شظف من العيش ، وفي حالة من الفرقة والشتات .     وبعد أن تم للملك عبد العزيز توحيد أطراف الدولة ، وجمع شملها تحت اسم المملكة العربية السعودية ، واتفق مع شركات إنتاج البترول وبدأت إيرادات الدولة في التزايد حتى اهتمت الدولة بجميع المجالات الاقتصادية زراعة وصناعة وتجارة وغيرها من الأنشطة ، وذلك في حدود الإمكانيات المتاحة  ، وبالتدريج من حسن إلى أحسن . 

 ج) الأبعاد الإنسانية وأثرها على الأوضاع السياسية    رغم شجاعة الملك عبد العزيز وبطولاته العسكرية ، فلم يكن سفاحا للدماء ، وإنما كان محبا للسلم ، يعرض الصلح على المدن قبل اقتحامها ، ويتفاوض مع الوفود لوضع حد لسفك الدماء ، وكثير من المدن دخلت صلحا وبدون إراقة دماء .    وكم من زعماء الثورات ضد الدولة في بداية عهدها ، هم الآن يعملون بإخلاص في مؤسسات الدولة، وكل ذلك بفعل المعاملة الإنسانية والتسامح والعفو عن كثير من الخلافات السابقة .    إن من الأفعال المجيدة العظيمة ، تجميع أطراف الدولة السعودية  تحت راية واحدة بعد أن كانت قبائل متنافرة متناحرة .    وفي السابع عشر من شهر جمادى الأولى عام 1351هـ صدر مرسوم ملكي بتوحيد البلاد باسم المملكة العربية السعودية ، واتخذ الملك عبدالعزيز لقب ملك المملكة العربية السعودية .---------------------------------------------------------------------------------

      د) عبد العزيز الإنسان رجل محب للعلم والعلماء    كان التعليم في المناطق التي وحدها الملك ضعيفا بصفة عامة ، وكان هناك نوعان من التعليم :-1- الكتاتيب ويدرس فيها القرآن الكريم ومبادئ القراءة والكتابة .2- حلقات العلماء في المساجد ، ويتركز التعليم فيها على أصول الدين وفروعه ،وشيء     من اللغة العربية .    وكان اهتمام الملك بالناحية العلمية واضحا ، فقد كان يقدر العلماء ولا يخلو مجلسه منهم، وكان يشجع طلاب العلم وفق إمكاناته المحدودة في بدايات قيام الدولة ، وفي عام 1344هـ  أمر  الملك بإنشاء " مديرية المعارف العمومية " ولم تمض ثلاثة أشهر على إنشائها حتى فتحت المدارس ، ثم "فتح المعهد العلمي السعودي" والهدف منه تخريج مدرسين للمرحلة الابتدائية الأولية .    وتم كذلك إبتعاث الطلاب للدراسة خارج البلاد ، ووضعت نواة للتعليم الجامعي بإنشاء كلية الشريعة بمكة سنة 1369هـ ، ثم كلية المعلمين فيها عام 1372 هـ ، وفي مطلع السنة التالية فتحت كلية الشريعة بالرياض.    ولم تكتف الدولة في عهد عبد العزيز بجعل التعليم مجانا ، بل خصصت مكافآت مجزية لطلاب بعض المدارس والمعاهد وطلاب الكليات . 

هـ)أثرالأبعاد الإنسانية في بناء نظام اجتماعي مستقرهو نظام الهِِِجَر  

 إن الملك عبد العزيز استطاع بنظرته الإنسانية الثاقبة أن يستحدث نظام الهجر الذي أدى إلى التوطين والتحضر وهو تجربة فريدة في التاريخ الحديث .--------------------------------------------------------------------------------

           وقد أدرك الملك عبد العزيز بثاقب فكره وعقله ، أن حياة البدو غير المستقرة هي من العوائق الأساسية في إنشاء الدولة التي يريدها ، فراح بفكر في قواعد انقلابية عملية جديدة ، فيصبح للبدوي الراحل دائما وأبدا وطن يستقر به ، ويعيش في ظلاله الوارفة ويشعر بالنعيم المقيم .    وتأسست الهجر وبدأت تتكاثر ، غير أنه صدم بعقبات لم تكن متوقعة ، ذلك أن المهاجرين أخذوا يشعرون أنهم جند الله وليس جند ابن سعود ، وكان هذا سببا خطيرا في إهمال السكان لواجبهم في زراعة الأرض ، وانصرفوا إلى الصلاة وحدها ، تاركين مهمة العناية بالفلاحة والزراعة للنساء .    وهذا ما جعل الإمام عبد العزبز يفكر كثيرا في إيجاد مخرج له ، فكان علماء الدين هم الملاذ الوحيد لتسوية هذه الحالة ، وهكذا كان فأصدر العلماء الفتاوى اللازمة ، بأن ليس في كسب المادة ما يتنافى مع الشرع الحنيف ، بل العكس هو الصحيح ، فأقلع المغالون عن مغالاتهم ، وازدهرت حالة " الهجر " ، وبهذا تم تحضير عشائر البادية في قواعد الهجر(1) .

و) أثر الأبعاد الإنسانية في استقرار الأمن والنظام    وقد استطاع بحنكته وسداد رأيه أن يدرك أنه بدون الأمن لا يمكن أن يكون استقرار في النظام، فعمل على  إنشاء " مديرية للشرطة العامة  بالحجاز " عام 1344هـ ، وربطت بمدير الأمن العام الذي كان مرجعه الرئيسي في مكة المكرمة ، ثم أنشئت مديريات أخرى للشرطة في مناطق متعددة .

    وفي عام 1349هـ جعلت جميعها تحت رئاسة مدير الأمن العام ، ومسئوليتها حفظ الأمن وتوفير أسباب الراحة ، ومنع الجرائم قبل وقوعها ، وضبطها بعد ارتكابها ، كما أنشئ جهاز آخر لحماية الأجزاء الساحلية وسمي " حرس خفر السواحل " ، وأصبح المسافر برا أو بحرا أو جوا آمنا على نفسه وماله .

 (1) جوانب مضيئة من حياة الملك عبد العزيز ، مرجع سابق ، ص 190 . .       

المبحث الثاني: الأبعاد الإنسانية في حياة الملك عبدالعزيز    

كان الملك عبد العزيز رحيما في مواقف الرحمة ، شديدا في مواطن الشدة ، يضع الأمور في نصابها بثاقب فكره وعزيمته الصادقة، لا تأخذه في الله لومة لائم، ولا يزيغه عن الحق قرابة قريب أو صداقة صديق أو مخافة عدو ، ويتبين كل ذلك من خلال المواقف التالية :-

 الفرع الأول: بعض المواقف الإنسانية مع والده وأبنائه وأحفاده وإخوانه                    وأهل بيته .

أولا:- بعض المواقف الإنسانية مع والده(1) 

أ) عبد العزيز وسيرته مع أبيه:    كان عبد العزيز بعد أن تولى الإمارة يزور أباه الإمام عبد الرحمن في قصره بالرياض صباح كل يوم، أما والده فيزوره بعد صلاة الجمعة من كل أسبوع، وعندما يصل يقفز عبد العزيز من مكانه فيستقبله ويقدمه إلى صدر المجلس (مقعد الإمارة)، ويجلس بين يديه صامتا ينظر ما يأمر به .

ب) من أدبه مع أبيه:

    قال متحدث(2) : أذكر يوما عدنا فيه من مكة إلى الرياض في ركاب الملك عبد العزيز، وكان الإمام عبد الرحمن حيا ، فوصلنا إلى ( مرات ) فبعث يستأذن أباه من دخول المدينة، وعيًن الوقت الذي يمكن أن يصل فيه على الرياض، وفي صباح اليوم

(1) من حياة الملك عبد العزيز، عبد العزيز محمد الأحيدب، مطابع الإشعاع، الرياض ، 1404هـ ، ص30 وما بعدها .        (2) جريدة أم القرى، في شوال 1369هـ .  

 

التالي مشى حتى بلغ أسوار المدينة فبل الميعاد الذي حدده بخمس وأربعين دقيقة، ولم يدخل المدينة حتى بعث يستأذنه مرة أخرى ، وقصد بيت أبيه ومكث في فناء الدار ما يقرب من عشر دقائق ، ثم جاء الخادم وأخبره بإذن والده بالدخول عليه ، فدخل وقبل رأس أبيه، قال المتحدث : لم يكن عبد العزيز في ذلك الموقف ملكا ، وإنما كان في مظهر التأدب المخلص المطيع . 

ج) حرصه على رضاه   

 أراد عبد العزيز السفر من الرياض إلى الحجاز ( في أواخر عام 1346هـ ) فدخل على أبيه يودعه، وكان يخشى أن يكون هذا هو الوداع الأخير ، فكان يقبل يديه ويسأله هل أنت راض عني؟ فيجيبه الوالد وهو جلد صبور: لاشك.....كررها مرارا حتى شفى نفسه ...... وكان ذلك آخر اجتماع بأبيه. 

د) كان الملك عبد العزيز ينزوي في مجلس أبيه

       تحدث " فلبي"(1) عن أول مرة رأى فيها الملك عبد العزيز سنة 1333هـ - 1915 م ، فقال ما خلاصته : وصلت الرياض يصحبني ( الكولونيل – أكانليف أويل ) وجندي يخدمنا وقد ارتدينا الملابس العربية، وكان في استقبالنا ابراهيم بن جميعة، فدخل بنا القصر إلى غرفة كان بها شيخ ضئيل الجسم في نحو السبعين من عمره، سلمنا عليه ودعانا للجلوس ، وجيء بالقهوة وهو يسأل عن أحوالنا ويلاطفنا.                             قال "فلبي" : وبينما كنت أقول في نفسي ، من هذا وأين ابن سعود؟ وإذا بالشيخ ينهض متمهلا ويقول : مرحبا بكم ، حديثكم مع الابن عبد العزيز، وما كان يتوارى حتى انتصب من زاوية المجلس عملاق أقبل علينا فعرفنا أنه سيد الجزيرة . 

(1) فيبيب حتي ، مؤرخ أجنبي مشهور .  

هـ ) كلمة لأبيه فيه    

 اعتاد عبد العزيز أن يطلع أباه على كل ما يريد توجيهه إلى حكام العرب أو الأجانب من الرسائل لمعرفة رأيه ، ولإحاطته علما بما فيها، ولكن أباه كان يردها مع الرسول كما هي .    قال يوسف ياسين(1) : لاحظت ذلك في إحدى زياراتي للإمام عبد الرحمن ، فقلت: إن عبد العزيز أرسلها لكم لترشدوه إذا رأيتم فيها خطأ ، فقال : إن عبد العزيز موفق ، خالفناه في آرائه كثيرا ، ولكن ظهر لنا بعد ذلك أنه هو المصيب ونحن المخطئون ، إن نيته مع ربه طيبة ، لا يريد إلا الخير للبلاد وأهلها ، فالله يوفقه ويأخذ بيده " إن تنصروا الله ينصركم " . 

 و) عبد العزيز يحمل أباه

   قال صاحب كتاب " الحجاز مهبط الوحي "(2) : حدثني شيخ كبير من علماء مكة قال: لما استقرت الأمور للمك عبد العزيز في الحجاز، حضر والده عبد الرحمن بن فيصل آل سعود ليؤدي فريضة الحج ، فدخل المسجد الحرام يطوف بالبيت العتيق ومعه ابنه الملك عبد العزيز ، وكان الأب قد جاوز المائة من العمر ، ضعيفا لا يقوى على المشي ، والتعب قد أثر فيه فأدركه الإعياء ، فهبط على الأرض بعد ثلاثة أشواط من الطواف ، فما كان من ابنه الملك عبد العزيز – الذي كان بإمكانه أن يصدر الأمر إلى خدمه وعبيده بأن يحملوه على أكف الراحة – ما كان منه إلا أن يحمل والده على مرأى من الناس جميعا وأتم بقية الأشواط. 

(1) من حياة الملك عبد العزيز ، مرجع سابق ، ص 32 .(2) رحلة في أواخر أيام الملك ، نقله أحمد حمد الطاهر عن الرجع السابق ، ص 32 .        

 ز) بعد وفاة والده     كان عبد العزيز بعد وفاة والده لا يذكر اسمه إلا ترحم عليه وطلب له الغفران ، ولا تكاد تعرض مناسبة إلا أشاد بما لوالده ووالدته من الفضل في تربيتهم وتوجيههم ، وإلى جانب بره بأبيه ، كان عظيم البر بأسرته، يسأل يوميا عن الجميع ، ومن لم يتيسر أن يزوره منهم ، يحدثه بالهاتف، وله مجالس خاصة بالأسرة يحضره أفرادها .             

 ثانيا:- بعض المواقف الإنسانية مع أبنائه

 أ) الملك عبد العزيز كما يصفه ابنه فيصل(1)   " ليس من اليسير أن أتحدث عن والدي (كملك) لأن ذلك من حق التاريخ وحده، وربما كان غيري أقدر مني على إنصاف رجل عظيم مثله، بنى ملكا بعصا ميتة ، وحفظ للعرب تراثا مجيدا في البلاد المقدسة، وأقام الأمن والنظام في بقاع كانت تسودها الفوضى ويهددها الخوف في طرقها وأرجائها، وتتألف من مقاطعات وإمارات وقبائل شتى في مساحات واسعة، غير أنني أستطيع أن أذكر بعض المزايا التي هيأت له أن يبني هذا المُلك ، وأن يشيد هذا الملك والسلطان على الرغم مما صادفه من شدائد وأهوال لم تثنه عن الوصول إلى غايته ، ولم تصرفه عن تحقيق أهدافه ، وكل هذا بفضل المزايا التي كان يتحلى بها ومنها:1- وأولى هذه المزايا التي يتصف بها والدي قوة الإيمان بالله ، فما رأيته منذ نشأت قد      ضعف إيمانه ، أو تخلى عن ثقته بنصر الله .2- وثاني هذه المزايا التي يتصف بها جلالته قوة إرادته وشجاعته التي تبرز في أحرج     المواقف وأدق الظروف، ومن أبرز هذه الأمثلة موقفه في معركة الحريق ، حيث برز في مقدمة الجند متقلدا سيفه وممتطيا جواده ونادى : " أيها الأخوان من كان يحب عبد العزيز فليتقدم ، ومن يؤثر الراحة والعافية فليذهب إلى أهله، فوالله لن أبرح هذا المكان حتى أبلغ النصر أو الموت " .3- وثالثة هذه المزايا حكمته وأناته في معالجة  الأمور، وهو يتوخى حل المشاكل بالسلم أولا، كما أنه متسامح مع خصومه ، واسع الصدر لا يدخر وسعا في استخدام المرونة ووسائل اللين ، ولا يلجأ إلى الشدة حتى يستنفذ هذه الوسائل " .--------------------------------------------------------------------------------- (1) نشر هذا الحديث سنة (1367هـ - 1948م ) ، حياة الملك عبد العزيز، وانظر أيضا شبه الجزيرة للزركلي ، ج1، ص

الأبعاد الإنسانية في حياة الملك عبد العزيز آل سعود

     تكملة لحديث ابنه فيصل : "أستطيع أن أقول أنه يُعتَبر أبا لكل فرد من أفراد الشعب ، لما عرف من عناية بأبناء رعيته ، وعطفه الكبير ، وحنانه الواسع .                إن والدي في تربيته لنا يجمع بين الرحمة والشدة ، ولا يفرق بيننا وبين أفراد شعبه وليس للعدالة ميزانا يزن بميزان أحدهما لأبنائه ويزن بالآخر لأبناء شعبه ، فالكل سواء عنده والكل أبناؤه ، وأذكر أن أحد إخواني الأطفال اعتدى على آخر فما كان إلا أن عاقبه ولم يشفع له أنه ابن ملك .    وليس لشفقة والدي وحنانه على أبنائه حدود، بل يغمرهم بعطفه كل آن ، وهو يحب أن يراهم يوميا ، وخاصة صغارهم فيجتمعون بعد مغرب كل يوم في قصره، ويجلس ويلاطفهم واحدا واحدا  ويقدم إليهم الهدايا والحلوى .    ويحب جلالته المباسطة على المائدة خلال تناول الطعام، ويمازح أبناءه وجلساءه، ويحادثهم أحاديث طويلة لا أثر للكلفة فيها ، ويعاملهم معاملة الصديق للصديق .     كان إنسانا قبل أن يكون ملكا ، اتصف بالبساطة والصراحة المطلقة .    ومن الناحية العائلية كانت من أهم ميزاته بساطته في معيشته، ومعاملته لأفراد أسرته معاملة  الأب الرحيم ورب الأسرة المخلصة . يكره أن يرى أولاده على شيء من البذخ ، بل يحب أن يشعرهم دائما بأنهم أفراد عاديون ، ليس لهم أي ميزة عن الآخرين . ثالثا ) بعض المواقف الإنسانية مع أحفاده.        أملى الأمير عبد الله الفيصل على الأستاذ / صاحب مجلة المنهل مطولا في الحديث عن جده الملك عبد العزيز قال فيها(1) :---------------------------------------------------------------------------------  (1) مجلة المنهل منقولا عن كتاب ، حياة الملك عبد العزيز ، على لسان حفيده عبالله الفيصل ، مرجع سابق ، ص43 وبعدها         " أجدني مضطرا لحديثي عن المغفور له ، إلى التحدث عن بعض نواحي عظمته رحمه الله. للملك عبد العزيز مزايا خارقة يشترك معه فيها كثير من أبطال المسلمين ، ولم يصلوا إلى ما وصلوا إليه، فما هو السر في ذلك؟ إنني أعزو ذلك إلى عدة أسباب منها : 1- الصلة بين العبد المؤمن الصادق في إيمانه وبين الخالق جل وعلا ، إن صلة عبد العزيز بالله لم تكن صلة مقرونة برغبة دنيوية ، فعقيدته خالصة لوجه الله ، وإيمانه مطلق ليس له حد ، فلذلك نجد التوفيق حليفة له في أعماله.2- هي عدم اندفاع عبد العزيز أمام مغريات الحياة، فتفكيره السليم الذي يسبق رغباته ، وهذه له أثر كبير في عدم تورطه في أمور لا يعلم في نيتها إلا الله .3- حارب عبد العزيز فكرة تلقيبه بخليفة المسلمين ، وهو أجدر بها من كثير ممن سعوا لها ، ولم يغره المال ولا بهارج الحياة ، ولم يستطع ما هيأه له من خيرات الدنيا أن يغير ما في نفسه، أو على الأقل أن يغير ملبسه أو مأكله ، من بدايته إلى أن قبض الله روحه  ولم يخلف الملك عبد العزيز قصرا ولا مزرعة ولا ثروة ، ولم يرث أحد من أبنائه شيئا .4- المعروف عن أبطال التاريخ أو أكثرهم الذين كانت أهم ميزاتهم الشجاعة ، أن تكون رحمتهم وإنسانيتهم أقل من شجاعتهم ، إلا أن عبد العزيز رحمه  الله ، كن يتجنب سفك الداء إلى أبعد حد ، ويدفع في سبيل  ذلك أي ثمن ، لدرجة أن المحيطين به بعض الأحيان، يشكون في شجاعته ، ولكنه في نفس الوقت ، إذا رأى أنه ليس من ذلك بد صمد ، وخصوصا التي تجد فيها أنه تساوى الشجاع والجبان في الهزيمة ، وهذه كان لها ثقل كبير . ثالثا:- بعض المواقف الإنسانية مع أهل بيته(1)    وكان مما أملاه الحفيد عبدالله الفيصل على صاحب مجلة المنهل :
أ) أحب أن أتحدث عن حادثة تكشف عن حياته الخاصة مع أهله ونظرته لحقوق الزوجية .
(1) نفس المرجع السابق ، حياة الملك عبد العزيز ، ص 45 .      من المعروف عنه حبه للنظافة والطيب ، وكان ذلك في أثناء النهار ، ليس موضع استغراب بالنسبة لي ، ولكني لاحظت في إحدى الليالي، أنه قبل أن يذهب إلى فراشه ذهب إلى الحمام ، واستحم ولبس للنوم ملابس نظيفة ، ودعا بالبخور وتبخر بالعود ، وتعطر بعطر الورد ودهن العود الذي كان يحبه ، فتجرأت بسؤاله عن هذا ، وهو ذاهب إلى فراشه ، فقال : إن زوجتي حرصت على أن أراها في أبهى منظر ، وأن أشم معها أحسن رائحة  / أو ليس لها نفس الحق أن  تراني في أبهى منظر ، وأن تشم معي أبهى رائحة ؟ فدار في خلدي تلك اللحظة ، من منا فكر في حقوق الزوجية ، وأن من حق الزوجة أن ترى زوجها في أبهى منظر، وخصوصا في وقت الراحة !! أظنه أقل من القليل .ب) وكان يخصص رحمه الله ما بين المغرب والعشاء من ليلة الجمعة لنساء الأسرة ، كذلك يوم الجمعة في الظهر يكون غداؤهن عنده في القصر، ولا يغيب منهن أحد ، فيصادف بعض الأحيان أن يتفقد بعض المسنات في الأسرة ، فيسأل عنها فيعلم أنها مريضة ، فيأمر طبيبه الخاص بزيارتها مرتين في اليوم وإخباره عنها ، ويتصل بها تلفونيا يوميا .ج) وبهذه المناسبة أذكر أنه في أحد الأيام تأخر جلالته عن الحج ، وبعد الحج وبعدما طلعنا الطائف وصلتني منه برقية ، وكان مولاي جلالة الملك فيصل مسافرا ، وهذا نصها:- " أنا ولهان على إخوانك وعيالك. أمرنا منصور أن يحضر لهم طائرتنا ، ابعثوهم لنا في الرياض " وكان أكبرهم في سن العاشرة ....... جلست أفكر في الرجل يحمل أعباء أمة ومشاكلها ........ ولا يغفل عن أحفاده .    --------------------------------------------------------------------------------   الفرع الثاني: بعض المواقف الإنسانية مع أبناء وطنه      لم تقتصر عظمة الملك عبد العزيز – رحمه الله – على شجاعته وفتوحاته العسكرية المتلاحقة فحسب، بل تعدت ذلك إلى حنكة سياسية ، وأبعاد إنسانية ، استطاع أن يكسب فيها أبناء شعبه ، وجعلهم ي يلتفون حوله بعد أن كانوا أعداء يحاولون تعطيل مسيرة الدولة في أطرافها المختلفة.     وكان رحمه الله شديدا في مواقف الشدة ، لينا في مواطن اللين ، يمتثل قول الله عز وجل ، وسيرة المصطفى صلى الله عليه وسلم في سياسته الحكيمة ، قال تعالى مخاطبا نبيه :    " فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك(1) "ويقول عليه السلام في الحديث الشريف :   " ما كان الرفق في شيء إلا زانه وما انتزع من شيء إلا زانه(2) "ويتبين لنا من خلال المواقف التالية ، مدى تطبيق المغفور له – بإذنه تعالى – الملك عبد العزيز لهذه السياسة الحكيمة ، وأثرها في تثبيت دعائم الدولة السعودية  في أطرافها المترامية :أ) عظمته في عفوه
   وأما عظمته في عفوه وحلمه وكرمه، فلأنه كان يمد للمسيء حبل حلمه لعله ينثني عن رغبته، ولا يؤاخذه في أول هفواته أو الثانية ، وإذا وقع في الثالثة ثم لجأ إليه عفا عنه وهو قادر عليه ، وبهذا قد قلب كثيرا من أعدائه أصدقاء ، نتيجة تأليف قلوبهم ، ثم عطفه وإغداق أمواله عليهم .
(1) سورة آل عمران ، رقم الآية 159 .                                                                                                 (2) رواه أحمد في مسنده                                                                                                                  (3) حياة الملك عبد العزيز ، مرجع سابق، ص 26 .     ومن رعاياه المتفانين في الإخلاص للعرش السعودي المفدى ، من كانوا حربا عوانا عليه، ومثيرين للفتن ضده على الحدود وداخل البلاد ، مما كلفه كثيرا من الدماء والأموال ، ثم أصبحوا من المقدمين المرموقين، وكانوا من أشد الناس تأثرا بالفجيعة ، وأكثرهم ذرفا للدمع الشجين عليه . ب) حرصه في الاطمئنان على الأمة في دينها ودماءها وأعراضها وأموالها    ونلمس ذلك من خلال ما ما أملاه حفيده عبدالله الفيصل على صاحب مجلة المنهل فصولا في الحديث عن جده قال(1) :    " كان من عادته أن يجتمع عنده في الصباح الباكر ، كبار موظفي الدولة ، وزراء ومستشارين لعرض ما لديهم من الأمور لدراستها وتلقي توجيهاته ، قبل الذهاب إلى مكاتبهم ، وفي أحد الأيام كان في غاية الانشراح ، وفجأة وجم وبكى بحرقة ، فقال له أحد الشخصيات الكبيرة : لماذا يا صاحب الجلالة ، وأنت ولله الحمد في وضع كل ما فيه يسرك ، وليس بالعاجز عن شيء ؟؟  مر ما تريد ينفذ أمرك حالا ، فقال بعد أن  هدأ : فلان أنت لا تعلم ما يبكيني ، إنني فكرت في حال هذه الأمة ومصيرها ، والله إن أحب ما إلي أن أدفن مع أولادي وبقية أسرتي وأنا مطمئن على الأمة  في دينها ودمائها وأعراضها وأموالها " .ج) كان يعامل أفراد رعيته بالحلم والأناة والعفو والكرم    وكانت هذه القصة الطريفة من بعض ما أملاه الأمير عبدالله الفيصل على صاحب المنهل فصولا عن جده قوله :    " في إحدى السنين شح المطر على المملكة ، وارتفع ثمن الأغنام والسمن ، فأمر رحمه الله بمنع تصدير السمن والأغنام إلى سورية والأردن وغيرها ، وكان في تبوك تاجر من أهل نجد ، ففي أحد الأيام نقل من دكانه إلى منزله عشرين صفيحة من السمن ---------------------------------------------------------------------------------  (1) من حياة الملك عبد العزيز، نقلا عن النهل ، مرجع سابق ، ص 44 .  فقبض عليها رجال الشرطة وصادرتها المالية ، فأبرق للمرحوم يتكلم ويدعي أنه نقلها من دكانه إلى بيته ، وهذا غير ممنوع ، وأن مصادرة سمنه ظلم . ووصلت برقيته قبل أن ترفع إليه المالية شيئا ، فأمر بالرد عليه حالا ، وقال بالحرف  الواحد : " أنت ينطبق عليك المثل الذي يقول : ( الصاحب المزََاح إن شيف ولا راح ) ، لم تقصد إخراجها من دكانك إلا التهريب في الليل ، والمالية لم تعمل إلا واجبها " فأتاه الرد ثاني يوم من التاجر يعترف بأن هذا هو الواقع ، ويطلب العفو ، وقد أمر رحمه الله بإعادة سمنه إليه على أن لا يعود(1) " .    د) كان يسمع من عجائز الرياض دعاءهن له بأن يفتح عليه خزائن الأرض     ولا يتكبر عن مقابلة أحد من أفراد شعبه    وفيما يرويه عبدالله الفيصل قال(2) :   " سمعت منه رحمه الله ، أنه في ابتداء أمره كان يسمع من بعض عجائز الرياض دعاءهن له بأن يفتح الله عليه خزائن الأرض ، فقال رحمه الله : " إنني عندما أسمع دعواتهن كنت أضمر في نفسي لاعتقادي أنه لا يوجد مغفل يدفن ماله في الأرض ويبقى إلى أن أعثر عليه ، ولكن بعد خروج البترول ، عرفت ما خزائن الأرض، وأن الله استجاب دعواتهن . " هـ ) كان كريما وشديد الثقة بالله      واستمرارا لما يرويه الحفيد عبد الله الفيصل قال :
 " وبهذه المناسبة قال بعض الناس : إنك تعطي كثيرا فلو اقتصدت !! قال: إن الله عودني عادة أن يتفضل علي ، وعودت عباده عادة أن أوسع عليهم ، فأخاف أن أقطع عادتي فيقطع الله عادته عني ، وأنا لن أبني بها قصرا ، ولن أشتري بها مزرعة ، كل ما يرد أنفقه على المسلمين وهذا حق لهم . "
   (1) المرجع السابق ، ص 44 .                                                                                         (2) نفس المرجع السابق ص 48 ،                                                                     و) كان لا يستهين في حدود الله ويعفو عند المقدرة      واستمرارا لما يرويه الأمير عبد الله الفصل عن جده قال(1) :" حدث حادث قتل من أحد أفراد قبيلة عتيبة لأحد أفراد القبيلة نفسها، وقد هرب القاتل ودام البحث عنه سنتين، وفي أحد الأيام كان المرحوم في جدة ، وكنت عائدا من القصر إلى البيت في الظهر، عندما كنت وكيل نائب الملك، فوجدت رجلا عند الباب سلًم عليً ، ودخل الدار معي وقال : أنا فلان القاتل الذي تبحثون عنه، وقلت له : " حسبي الله عليك ولا عاد اليوم الذي رأيتك فيه، وأخذته في السيارة وذهبت إلى القصر حالا ، فوجدت والدة الأمير طلال وسألتها عن المرحوم، فقالت إنه نائم ، وكنت في حالة من القلق غير عادية ، فقلت أريد أن أراه في أمر هام الآن ، فدخلت عليه وبعد خروجها قالت : تفضل ، فدخلت فوجدته على فراشه ، فبادرني بقوله : ويش فيها ؟!  فقلت  أنا مبتلى وجئت لتزيل كربي، فقال : وما هو الأمر؟ فقلت فلان القاتل الذي تبحث عنه سنتين وجدته بين محارمي في بيتي ، وجئت لك به الآن ، وهو معي في السيارة لتأمر فيه بما تراه .   فقال لي بالحرف الواحد:  "يا ولد، نحن ما أعزنا الله إلا بإقامة الحدود الشرعية " ، والشرع لو حكم على أي إنسان كبير ما تأخرت في تنفيذ الحكم ، ولكن أنت استدع أولياء المقتول، وأعطهم من المال واطلب منهم أن يسقطوا حق القصاص ، وإذا سقط حق القصاص فأنت عاف عن الحق العام، وإذا لم يرضوا سلمه لهم ليقتلوه ، وقد كان أن استدعيت أولياء المقتول، وقدروني جزاهم الله خيرا وعفوا عنه ."ز) الملك عبد العزيز مشهور في البلاد العربية بكرم الأخلاق وبسط اليد    " كان رحمه الله لا يعرف أي قيمة للدرهم إلا أنه وسيلة لبناء المجد أو حسن الذكرى، فقلما يرد سائلا يطلب معونة ، أو محتاجا قصد بابه، وهو بنفسه يشرف على إعطاء القاصدين حسب منازلهم، وديوانه مفتوح يقابل زائريه مهما صغر شأنهم بوجه باش، ويأخذ ألبابهم بابتسامته التي لا تكاد تفارقه، ومجلسه لا يخلو من خطبة صغيرة يراعي فيها نفسية السامعين ، ولا يضيق صدره ألا عندما يجد خزانته تضيق بالطلبات والعطايا، فهو يتكدر حقيقة أن يظهر بمظهر العاجز أمام السائلين الذين تعودوا رفده(1)".  -----------------------------------------------------------------------------------------------------------  (1) تاريخ العرب في القرن العشرين ، حافظ وهبه ، نقلا عن حياة الملك عبد العزيز ، المرجع السابق، ص56 . س) حلمه وأناته      الملك عبد العزيز ربما كان أحلم أمراء العرب ، وأبعدهم تعن الانتقام من الموظفين، ولا سيما الموظفين الذين يعرف لهم سوابق خدمة أو إخلاص، فإن هؤلاء أقصى عقوبة لهم العزل ، والملك يتساهل في كل شيء إلا ما يمس سيطرته الشخصية، أو يمس مركز حكومته فإنه لا يتساهل فيه، وقد يعاد المعزول إلى المنصب أو أعلى منه إذا تصرف بعد العزل تصرفا يرضي الملك.     لقد عزل الملك أمير الطائف  1356هـ الموافق 1927م لشدته ، فلما أن أحضر إلى مكة ، قال له الملك: إننا لم نعزلك من منصبك لنقص في دينك أو شبهة في أمانتك، ولك نحيناك لشدتك، ونحن نريد اللين مع الناس، فقال له الأمير : الحمد لله الذي ولاك على المسلمين وأنت أعلم بمصالحهم ، ولئن حرمت من المنصب فإني أتمتع برويتك صباحا ومساء، وهذا لا يعادله شيء في الدنيا ، فسر الملك لهذا الجواب اللطيف ، فلم تمض بضعة أشهر على عزله ، حتى عينه أمير للمدينة . "                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                   الفرع الثالث: بعض المواقف الإنسانية مع أبناء الأمة العربية                  والإسلامية بصفة خاصة والعالم الخارجي بصفة عامة    لم تقتصر إنسانية الملك عبد العزيز – رحمه الله – على أبنائه وأهل بيته ، وأبناء بلده فقط ، بل تعدت ذلك لتشمل أبناء الأمة العربية والإسلامية بالعون والمساعدة والاهتمام والرعاية لشؤونهم أينما وجدوا وحيثما حلوا ، وذلك امتثالا لقوله تعالى :      " وتعانوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان(1) " .وقال عليه الصلاة والسلام : " مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى(2)  " .      وامتدت علاقته  الإنسانية لتشمل دول العالم بصفة عامة، وقد عقد معها جلالة الملك الاتفاقات والاجتماعات، وكان له صداقات متعددة من خارج العالم العربي والإسلامي.   ونناقش هذا الفرع بعض المواقف الإنسانية مع أبناء الأمة العربية والإسلامية بصفة خاصة ، ودول العالم بصفة عامة على النحو التالي : أولا :- بعض المواقف  الإنسانية مع الدول العربية والإسلامية أ ) موقفه من القضية الفلسطينية
   وكان أشهر وأهم موقف لجلالة الملك عبد العزيز – رحمه الله – موقفه من القضية الرئيسية قضية الشعب الفلسطيني، فقد كان واقعيا في نظرته إلى هذه القضية ، فلم يكن من رأيه دخول الدول العربية للمحاربة في فلسطين ، بل كان يرى نجدة الفلسطينيين بالسلاح والمال والمتطوعين ، حتى تظل الدول العربية محتفظة بكرامتها في حالة هزيمة عرب فلسطين ، وحتى تكون لهم كلمة مسموعة في الأوساط الدولية لحل قضيتهم ، لأنه كان غير مطمئن لحسن العاقبة ما دامت الدول الكبرى تصر على دق أطناب اليهود في البلاد العربية ، ولكنه وافق على اشتراك بلاده في تلك الحرب مسايرة للجماعة ، مع احتفاظه برأيه .
(1) سورة المائدة ، رقم الآية  (2) .                                                                                                     (2) متفق عليه      وإنني كفلسطيني أحيي موقف هذا الملك الفذ ، والذي يدل على صدق حدسه وواقعيته وأن الشعب الفلسطيني لا زال بحاجة على إمداده بالسلاح والمال أكثر من حاجته إلى الجيوش الجرارة التي رجعت دون تحقيق هدفها !!!! وقد ازداد الطين بِلة بعد انسحابها. ولنترك المجال لأطفال الحجارة يقضون مضاجع العدو ليلا ونهارا ، ويجبرونهم على النوم في ملاجئهم تحت الأرض ، جراء إطلاق صواريخ ( الكاتيوشا ) التي تصنع يدويا بأيدي أبطال المقاومة ، ولتبق أسلحة الجيوش الجرارة ، لتصدأ في مرا بضها ، حتى يتاح لها المشاركة مرة أخرى ، إن كان ذلك ممكنا ؟؟!! ب) حرصه في الاطمئنان على الأمة في دينها ودمائها وأعراضها وأموالها    ويتبين لنا ذلك من خلال القصة التي أملاها الأمير عبدالله الفيصل على صاحب مجلة المنهل في المبحث السابق :      وفحواها أنه بينما كان جلالة المغفور له الملك عبد العزيز هاشا باشا في مجلسه بين رجالات الدولة ، وفجأة وإذا به يبكي بحرقة ، فسأله أحد كبار الشخصيات في المجلس، ماذا يبكيك يا طويل العمر ، وأنت من أنت من المنعة والسلطان؟!    وكان جوابه بعد أن هدأ ، يا فلان إنك لا تعلم ما يبكيني ، إنني فكرت في حال هذه الأمة ومصيرها، والله إن أحب ما إليً أن أدفن مع أولادي وبقية أسرتي، وأنا مطمئن على هذه الأمة في دينها ودمائها وأعراضها وأموالها ، لم يبكني غير ذلك .   إن مثل هذا الإحساس لا يصدر إلا عن عظيم ، تهمه أمته وأبناء جلدته ، وأبناء دينه سواء أكانت هذه الأمة  في وضعها القطري أو الإقليمي أو العالمي .  ---------------------------------------------------------------------------------        ج) عمق سياسته مع إخوانه العرب والمسلمين    وكان فيما أملاه  الأمير عبد الله الفيصل على صاحب مجلة المنهل فصولا عن جده قوله(1) :-" في إحدى السنين كان المرحوم في روضة التنهاة ، وزاره وفد من العراق على رأسه نوري السعيد، وكان في تلك المدة وزيرا للخارجية ، ورئيس الحكومة رشيد عالي ، للبحث في أهم القضايا المعلقة وأهمها، وكان جلالة الملك فيصل أدامه الله موجودا ، ففي أول الاجتماع قال لنوري السعيد: ماذا تريد يا نوري ؟   فسرح له نوري مهمته، فأمر املك بإحضار دفتر وقلم أ وأعطاها لنوري وقال له:    اكتب كل ما تريد وفيصل يوقع عليه ..... وبعد أن انتهى نوري ، أعطى الدفتر لجلالة الملك فيصل، وأمره بالتوقيع عليه ، فحاول قراءة ما كتب قبل التوقيع، فقال : لا تقرأ ولا حرفا ، وقع  ، فوقع الملك فيصل بصفته وزيرا للخارجية .   وأعطى نوري الوثيقة وقال له : أنا موافق عليها ،هيا سافر . وبعد خروج نوري ، قال رحم الله : لاحظت أنك انزعجت يا فيصل بما في الوثيقة ، نوري لم يحضر وهو يقصد الإنفاق ، بل أراد الخلاف لذلك كلفته كتابة ما يريده ، وأمرتك بالتوقيع عليها ، فاتركها تأتي منه ، وفعلا بعد رجوع نوري إلى بغداد ، عارض في الاتفاقية وقال له رشيد علي: ألم تكتبها بخط يدك وتوافق عليها .   وكانت السبب في انقسام الوزارة وسقوطها ، وطبعا رفضت الاتفاقية . وهكذا أدرك الملك عبد العزيز بثاقب بصره ، ما وراء الستار وما سيكون من النتائج البعيدة المغزى وكل ذلك حرصا على معاملة مستقرة مع البلاد العربية .   --------------------------------------------------------------------------------(1) نقلا عن حياة الملك عبد العزيز، مرجع سابق ،ص 46 .   ثانيا) بعض المواقف الإنسانية مع العالم الخارجي     والملك عبد العزيز لأنه من الشخصيات البارزة في التاريخ العربي المعاصر، فقد صنع تاريخ أمة عريقة وأقام لها أمجاد خالدة ، وأتاح لها أن تلعب دورا هاما في سياسة الشرق الأوسط ، فرفع ذلك من ذكره في أنحاء العالم الإسلامي والعالم الخارجي، ولفت أنظار طوائف الساسة والمؤرخين والكتاب من مختلف الجنسيات فاتجهوا إليه يطلبون وده ، ويؤرخون حياته .  أ) الملك عبد العزيز في عداد أعظم مئة رجل في العالم  وقد أرخ لحياته الصحفي الأمريكي الشهير ( دونالد روبنسون) في كتابه ( أعظم مئة رجل في العالم ) ، وقد ارتفع بعاهل الجزيرة إلى مصاف قادة الفكر والرأي العالميين  الذين شاء لهم القدر أن يسيطروا على مصير أممهم ويعملوا على توجيه الإنسانية إلى نواحي الخير والحق والعدل والتعاطف الإنساني والإخاء العالمي(1) . ب) إمبراطورية أبن سعود    في كتاب (الإسلام اليوم ) الذي أشرف على إخراجه المستشرقان البريطانيان  (د.آرثر آربري وروم لاندو )، يقول ( روم لاندو ) في الفصل الذي عقده عن            ( إمبراطورية ابن سعود ) :
    " إن تاريخ المملكة العربية السعودية في حقيقة الأمر تاريخ لحياة الملك ابن سعود، فالعلاقة بين الاثنين أشد اتصالا منها بحياة تركيا الحديثة بكمال أتاتورك، فالزعيم التركي يعتبر مصلحا لأشياء كانت موجودة من ذي قبل ، أما ابن سعود فقد أنشأ إمبراطورية، لهذا فهو مسئول عن كل شيء ، يجعل من الصحراء القاحلة، والقبائل المتباينة العناصر في وحدة وطنية(1) .
(1) الإسلام اليوم ، لمؤلفه د. آرثري بري.و روم لاندو . ج) استفادة ابن سعود بخير ما في الحضارة الحديثة من مزايا ومنافع لا          تخالف روح الدين الإسلامي    يقول شيخ المستشرقين الألمان ( كارل بروكلمان ) في كتابه ( تاريخ الشعوب الإسلامية )  عن استفادة ابن سعود بخير ما في الحضارة الحديثة من مزايا ومنافع لا تخالف روح الدين الإسلامي ، وبحيث يتيح استخدامها زيادة رفاهية الشعب، ورفع المستوى الفكري والمادي له: " .... كذلك أدخل ابن سعود السيارة إلى شبه الجزيرة ، حتى لقد انتهت صعوبة مواصلات الحج بالكلية، بل لقد اصطنع ابن سعود منذ أمد طويل كلا من التلفون والراديو في دوائر الحكومة، وطفق يسعى مؤخرا وخاصة بعد أن لمس شخصيا حسنات الطب الأوروبي ، إلى أن يجعل منافع علمي الصحة والقلب الحديثين في متناول رعاياه ..... كذلك لقي التعليم الذي كان مهملا ، حتى في شبه الجزيرة العربية ، وباستثناء مكة والمدينة، اهتماما  تاما من جانب العاهل السعودي(1) . د) حكومة ابن سعود كانت  ديمقراطية    في كتاب ( البلاد العربية السعودية ) للمهندس الجيولوجي الأمريكي (كارل كوشل) ويقول كوشل في الفصل الذي أداره عن الحكومة العربية السعودية : " .... وهي وإن كانت حكومة ملكية ، إلا أنها في شؤونها الشعبية تعتبر حكومة ديمقراطية، فأقل بدوي بوسعه أن يدخل على أميره ، ويطالبه بحكم الشرع ، وإقامة العدل بينه وبين خصومه .    وللملك ساعة معينة من كل يوم فيها ، للنظر في شؤون الرعية ، والاستماع إلى شكاواهم ، التي يعرضها عليه نفر من الرؤساء ، وأوامره لا يعتبر فيها لا للون أو جنس .
   وجلالته هو باتفاق الآراء رجل صالح وملك عادل ومفكر كبير وجواد كريم يغمر ضيوفه بكرمه وسخائه(2) " .
(1) تاريخ الشعوب الإسلامية ، لبروكلمان .                                                                                             (2) البلاد العربية السعودية ، لكارل كوشل .     الخاتمة: دروس مستفادة من تجربة المعاملة الإنسانية في حياة                 الملك عبد العزيز      لقد شهد عام 1419هـ ، ذكرى عربية خالدة ، هي مرور مائة عام على تأسيس المملكة العربية السعودية ، التي لم تكف عن الازدهار والتقدم من ذلك اليوم، حتى أصبحت بحق واسطة عقد الأمة  العربية والإسلامية .     وقد استعرضنا في هذا البحث، أثر الأبعاد الإنسانية في حياة هذا الرجل العظيم ، والبصمات التي تركها على أهله وبنيه وكل أبناء شعبه ، وكذلك أبناء أمته العربية والإسلامية ، وبعض الكتاب والمؤرخين الأجانب .    وإن سير العظماء لا تذكر لمجرد سرد حقائق تاريخية ، ووقائع حربية وعلاقات إنسانية فحسب، ولكن لا بد من استخلاص العبر والدروس المستفادة من سيرة هذا الرجل، الذي من بين مائة رجل في تاريخ الإنسانية ، ونلخص بعض هذه العبر والدروس المستفادة بما يلي :- أولا )  القدوة الحسنة    كان المغفور له بإذنه تعالى – من خلال سيرته – تقيا ورعا رحيما شجاعا عادلا كريما، لا يرد سائلا ، يجود بما عنده لا يخشى فقرا ، وهو الذي كان يقول : " الله أعطاني ، وقد عودت الناس على العطاء ، وأخشى إن منعت الناس أعطياتهم أن يمنع الله عطاءه عني " وكان ذلك في مجال الرد على من نصحه بالادخار والتوفير، فمثل هذا الرجل نموذج يُحتذى ، وقدوة حسنة يُسترشد بتصرفاتها . -------------------------------------------------------------------------------   ثانيا ) الزهد في حطام الدنيا حيث لم يورث دينارا ولا عقارا      تسمع بين الحين والآخر عن زعيم رحل وترك خلفه مئات المليارات من العملات المختلفة، وآخر ترك مزارع وجزر خاصة به وآخر ...... وآخر .              وإذا أردنا أن نعرف ما خلفه الملك الراحل يوم وفاته ، وفيما يرويه حفيده عبد الله الفيصل : " وحينما لقي ربه لم يجدوا عنده إلا (300 ) جنيه ذهبا وزعت صدقة عليه ،ولم يرث أحد من أبنائه أو زوجاته شيئا ، حتى ملابسه بيعت في السوق وأدخلت بيت مال المسلمين(1) " أليس هذا درسا ومثلا القناعة والزهد ؟؟!! . ثالثا ) الحكمة والحنكة السياسية في إقناع المعارضين          كان المغفور له – بإذنه تعالى – حكيما حليما ذا حنكة سياسية بالغة ، شديدا في مواطن الشدة حليما في مواطن الحلم ، ومن أمثلة ذلك ما جاء في كتاب ( تاريخ جزيرة العرب في القرن العشرين ) لحافظ وهبه :     " اعترض عليه علماء الرياض عام 1949م لإذنه بإقامة احتفالات بمناسبة عيد جلوسه عل عرش الحجاز ، ومخالفة ذلك للسنة ، أرضاهم بالنزول على رأيهم ، لأن ما يتعلق بشخصه لا أهمية له في نظره ، ولكنه لم يمتنع عن إتمام المواصلات اللاسلكية في بلاده وتشييدها رغم معارضتهم واعتقادهم بخطأ المعلومات التي تصل إلى نجد عن التلغراف اللاسلكي ، وأنه من عمل الشيطان ...... إذ هي بالعكس ركن من ألاكان السلم ، وحفظ الأمن وإنجاز الأعمال(2) " .                                                                                 إن مثل هذه التصرفات تصلح لأن تكون درسا وأنموذجا للاقتداء بها . --------------------------------------------------------------------------------- رابعا ) وضع الأمور في نصابها ضمن توحيد خالص لوجه الله سبحانه     كان توحيده – رحمه الله – خالصا لوجهه تعالى ، لا تشوبه شائبة ، وكان يحب ذلك لأبنائه ولجميع أفراد  رعيته ، ومما يدل على ذلك :   " في إحدى زيارات الملك عبد العزيز لبلدة الخرج( يوم 7 ذي الحجة عام 1363هـ ) دخل عليه شاعر من أهل نجد، وفي يده قصيده استأذنه في إلقائها وابتدأ مطلعها :          أنت آمالنا وفيك الرجـــاء          .......................   فصاح الملك : تخسأ ،  ولمح في المجلس الشيخ حمد الجاسر، فقال له : خذه وعلمه التوحيد يا ابن جاسر(1) " . أليس هذا درسا في التواضع ونقاء التوحيد ؟؟!!  خامسا ) ( وأنا أخو نورة ) ذهبت مثلا في تقعيد مبدأ الشورى     ونورة هي كبرى شقيقات الملك عبد العزيز ، كانت تشجعه دائما وتشحذ همته دائما لاسترداد ملك آبائه ، وتقول له : إن خابت الحملة الأولى والثانية فن تخيب الحملة الثالثة، لا تندب حظك كالنساء ، وابحث عن أسباب فشلك واجتنبها ، لا تكثر إقامتك عند امرأتك أو في بيت أمك ، فالرجال لم يخلقوا للراحة .    ونورة هذه هي أخت عبد العزيز الشقيقة ، وكان ينتخي بها في الأهوال والحروب، وكانت حلالة المشكلات الداخلية في قصره – بعد المُلك وقبله – يستشيرها في أمور الأسرة ، ويزورها كل يوم ، توفيت رحمها الله ، والبلاد تستعد لمرور خمسين سنة على فتح الرياض . --------------------------------------------------------------------------------(1) المرجع السابق ( تاريخ جزيرة العرب في القرن العشرين ) ، ص 71 .     وذهب هذا القول ( وأنا أخو نورة ) مثلا ، لكل من كان له أخت حصيفة الرأي ، قوية الشكيمة مثل نورة أخت الملك عبد العزيز آل سعود .    ولا بأس بأخذ رأي المرأة إذا كان صوابا  ، فقد أخذ النبي صلى الله عليه برأي أم المؤمنين أم سلمة رضي الله عنها أشارت عليه  في عمرة الحدييبة  بأن يذبح هديه أمام الصحابة ولما رأوه ذبحوا هديهم وطابت نفوسهم ، وتراجع عمر عن تحديد المهور في المسجد وذلك عندما عندما وقفت امرأة في المسجد وذكرته بقول الله عز وجل:  ".....وآتيتم إحداهن قنطارا فلا تأخذوا منه شيئا " فقال عمر : أخطا عمر وأصابت امرأة .   وقد قيل: إن وراء كل رجل عظيم امرأة ،قد تكون أمه أو زوجته أو أخته أو غير ذلك ، والمرأة التي تهز السرير بيمينها ، قد تهز العالم بشمالها ،    ولنا في الملك عبد العزيز وأخته نورة ، درسا لن يُنسى ، خصوصا عندما صارت هذه العلاقة بين الأخوين يضرب بها المثل : ( وأنا أخو نورة ) .  سادسا ) الاحتفال بالذكرى المئوية عهد بالسير على نهجه    إن ذكرى ( صقر الجزيرة ) في عيد تأسيس المملكة المئوي ، لا يكون فقط بالاحتفالات ، وإظهار المباهج والترتيبات ، وإنما يكون بأخذ المواعظ والعبر من سيرة هذا البطل التي ستظل ذكراه حية على مر التاريخ ، مئة بعد مئة من السنين ، وقد ضرب لنا المثل في الإقدام والشجاعة والحلم والأناة والورع والزهد والتقوى، وليست هذه أقوالا تلقى جزافا ، وإنما هي أفعال مورست فعلا بوقائع وتواريخ محددة ، ذكرت في هذا البحث ، وغيره من المراجع التي تعج بسيرة هذا الرجل الإنسان .   ---------------------------------------------------------------------------------  قائمة المراجع 1- القرآن الكريم .2- الحديث النبوي الشريف ، كتب الصحاح والمسانيد وغيرها . 3- من حياة الملك عبد العزيز، عبد العزيز الأحيدب، مطابع الإشعاع ،الرياض، 14044- جوانب مضيئة من حياة الملك عبد العزيز،د. محمد عبد الله الزعارير، مذكرة   الكلية المتوسطة للبنات بضباء ، 1419هـ .5- رحلة في أواخر أيام الملك ، أحمد محمد طاهر .6- شبه الجزيرة العربية ، للزركلي .7- تاريخ جزيرة العرب في القرن العشرين ، حافظ وهبة .8- أعظم مائة رجل في العالم، دونالد روبنسون .9- الإسلام اليوم ، لمؤلفيه د. آرثر يري و روم لاندو .10- تاريخ  الشعوب الإسلامية ، لبروكلمان .11- البلاد العربية السعودية ، لكارل توسل .12- فصول عن حياة الملك عبد العزيز ، الحفيد عبد الله الفيصل ، أملاه لمجلة المنهل 13- جريدة أم القرى ، بتاريخ  4 شوال 1369هـ .     

 

الإعجاز العلمي في القرآن والسنة كوسيلة تربوية لتعميق الإيمان في نفوس الشباب والناشئة

 الإعجاز العلمي في القرآن والسنةكوسيلة تربوية

 لتعميق روح الإيمان وترسيخ العقيدة في نفوس الشباب والناشئة

 

 بحث أعده المدرس/ أحمد صلاح الوادي 

 بمدرسة تحفيظ القرآن الكريم بتبوك

 مسابقة البحوث العلمية للمدرسين

 بإدارة تعليم تبوك 1405-1406هـ    

خطة البحث

 المقدمة 

 المبحث الأول:- بعض وجوه الإعجاز العلمي في القرآن الكريم .

 المبحث الثاني:- بعض وجوه الإعجاز العلمي في السنة النبوية الشريفة.

 المبحث الثالث:- كيفية الاستفادة من الإعجاز العلمي في القرآن والسنة كوسيلة                 لتعميق الإيمان وترسيخ العقيدة في نفوس الشباب والناشئة.

 الخاتمة:          توصيات ونتائج البحث .   

  المقدمة: 

  القرآن الكريم كتاب الله المبين ، أنزله على نبيه الكريم ليكون نورا وهداية للعالمين ، وينقذ الناس من الظلمات إلى النور، ويهدهم للتي هي أقوم ، وهو منهج إلهي شامل ، ينظم جميع شئون الحياة، فيه خبر مَن قبلنا ونبأ مَن بعدنا، لا تنتهي غرائبه ، ولا تنقضي عجائبه، ولا يخلُق على مر العصور، معجز بكل ما فيه، فلا يقتصر إعجازه على الإعجاز العلمي والبياني والعددي فقط.    والقرآن الكريم ليس علوم كونية أو طبيعية ، أو طبية ، نجد فيه كل ما يقدم العلم من إنتاج، ولكن فيه إشارات علمية تخاطب العقل لتثبت أنه وحي من عند الله ، أنزله على قلب نبيه الكريم   لتكون  معجزات خالدة على مر الأزمان.     وهناك إشارات علمية أخرى جاءت على لسان النبي الكريم الأمي الذي لم يتلق العلوم في المدارس أو الجامعات، إشارات علمية لم يكتشفها العلم إلا مؤخرا، وهذا أيضا يثبت أنه نبي مرسل من رب العالمين ليكون هاديا ومبشرا، ورحمة للناس كافة قال تعالى  وما أرسلناك      إلا رحمة للعالمين(1) ) .    والحقائق العلمية إن لم نجد في القرآن ما يؤيدها ويثبتها، فإننا لن نجد فيه ما يعارضها حتما، وعندها ستكون هذه الحقائق العلمية محيرة للبشرية كافة ، إدراكا لعظمة الله،واقترابا من سبحانه.   ولقد وجدنا من الصعوبة الفصل بين الإعجاز العلمي في الكتاب والسنة، وذلك لأن القرآن الكريم بشتى مجالات إعجازه البياني والعلمي، وغيرها من الإعجاز الذي لم يتوصل إليه العلم بعد، هو معجزة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، والتي تحدى بها القرآن الإنس والجن على أن يأتوا بمثله قال تعالى: ( قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا(2) ) . وقال تعالى: ( ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء(3) ) .                                                                                       ----------------------------------------------------------  (1) سورة الأنبياء ، الآية رقم (107).                                                                                               (2) سورة الإسراء ، الآية رقم (88) .                                                                                                (3)سورة البقرة ، الآية ،رقم (254) .                                                                                     والحقيقة أن ما نورده في هذا البحث، غيض من فيض من الإعجاز العلمي في القرآن والسنة، وذلك على سبيل المثال لا الحصر، فأسرار القرآن وعلومه لن يحيط بها أحد، إلا بإذنه تعالى متى شاء وكيف شاء وبما شاء .   وقد قسمنا هذا البحث إلى مقدمة وثلاثة مباحث وخاتمة تضمنت توصيات ونتائج البحث على النحو التالي:-    المبحث الأول:- الإعجاز العلمي للقرآن الكريم.    المبحث الثاني:- الإعجاز العلمي في السنة النبوية الشريفة .    المبحث الثالث:- كيفية الاستفادة من الإعجاز العلمي كوسيلة تربوية لتعميق الإيمان وترسيخ                       العقيدة في نفوس الشباب والناشئة .   وختمت هذا البحث بتوصيات ونتائج ، أرى أن فيها بعض الفائدة في الأخذ بيد الشباب وإنقاذهم من آتون التيارات الفكرية المتعددة ، والمستوردة من الشرق والغرب، والعودة بهم إلى هدي كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم إلى الطريق المستقيم الذي لا عوج فيه ولا أمتا، طريق الحق الذي أشار إليه الحق في كتابه الكريم بقوله : ( وان هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله(1) ) . ------------------------------------------------------ ----  (1)  سورة الأنعام ، الآية رقم (135) .     المبحث الأول" الأعجاز العلمي في القرآن الكريم "1) وحدة الكون .                                                                               2) نشأة الكون                                                                                  3) تقسيم الذرة                                                                                  4) انخفاض نسبة الأكسجين والضغط الجوي .                                                  5) الزوجية منبثة في كل شيء .                                                                6) تعيين جنس الجنين .                                                                        7)أغشية الجنين .                                                                               8) العلقة بين إشارات القرآن وحقائق العلم .                                                    9) معجزة البصمة .                                                                            10) التلقيح بواسطة الرياح .                                                                   11) كيمياء اللبن – من بين فرث ودم .                                                        12) شكل الأرض .                                                                            13) حركة  الأرض وتوازنها .                                                                14) وجعل القمر نورا ، وجعل الشمس سراجا .                                               15) الإعجاز العددي في القرآن .                    الإعجاز العلمي في القرآن الكريمتمهيد:   دعا القرآن الكريم إلى العلم ، وحث المسلمين على التعلم ، ووجههم وجهة لم يكونوا قد اتجهوا إليها ، وهي وجهة التفكير في الأسباب والمسببات والملاحظات والاستنتاجات ، وتوجيه العقل لكي يبحث ويفكر في نفسه ، وفيما حوله ، ويقوم بالاستدلال من الأثر على المؤثر، ومن الخلق على الخالق ، ومن القدرة على القادر، ومن الإبداع على المبدع .   والقرآن الكريم ليس كتاب علوم طبية ، تجد فيه كل ما يقدم العلم من إنتاج ، القرآن الكريم منهج إلهي لسعادة الفرد في لفتات علمية، تخاطب العقل لتثبت أنه وحي يوحى ، لفتات كونية  وأخرى طبيعية، وأخرى طبية ، أنزلت على قلب المصطفى، لتكون معجزات خالدة على مر الزمن تثبت الإيمان بالله ، وتزيد المؤمنين تمسكا بكتاب الله وترفع دعائم بناء شامخ في القلب والذكر، على أن محمد النبي الأمي، صدقا وحقا رسول من عند الله .   الحقائق العلمية إن لم تجد في القرآن الكريم ما يؤيدها ويثبتها، لن نجد فيه ما يعارضها حتما،   عندها تكون الحقيقة العلمية عبرة لنا تزيدنا إدراكا لعظمة الله ، واقترابا منه سبحانه .ومن أهم مجالات الإعجاز العلمي في القرآن الكريم :-أولا :- وحدة الكون(1) :-   آخر النظريات العلمية تقول: أن الأرض كانت جزءا من المجموعة الشمسية ، ثم انفصلت عنها، وبردت وأصبحت صالحة لسكنى الإنسان، ويبرهنون على صحة هذه النظرية بوجود البراكين والسوائل الملتهبة في باطن الأرض ، وقذف الأرض بين الحين والحين بهذه الحمم من المواد البركانية الملتهبة..........الخ                                                                    ------------------------------------------------------ 1- البيان في علوم القرآن ، محمد علي الصابوني، مكتبة الغزالي ، دمشق ، 1981، ص وما بعدها . وانظر أيضا الإنسان بين العلم       والدين ، شوقي أبو خليل ، ص 29 وما بعدها .       هذه النظرية الحديثة تتفق مع ما أشار إليه القرآن الكريم في قوله جل ثناؤه : ( أو لم ير الذين كفروا أن السماوات والأرض كانتا رتقا ففتقناهما وجعلنا من الماء كل شيء   حي أفلا يؤمنون(1)) ).    يقول الأستاذ (طبارة ) هذه المعجزة من القرآن يؤيدها العلم الحديث الذي قرر أن الكون كان شيئا واحدا متصلا من غاز ثم انقسم إلى  سدائم ، وعالمنا الشمسي كان نتيجة تلك الانقسامات.   أما الشطر الثاني من الآية ( وجعلنا من الماء كل شيء حي ) فهو من أبلغ ما جاء في تقرير حقيقة علمية أدركها العلماء ، فمعظم العمليات الكيماوية تحتاج إلى ماء ، وهو العنصر الأساسي لاستمرار الحياة لجميع الكائنات والنباتات، وللماء خواص أخرى تدل على أن صانع الكون قد صممه بما يحقق صالح مخلوقاته ، والماء يمتص كمية كبيرة من الأكسجين عندما تكون درجة الحرارة منخفضة، وعندما يتجمد تنطلق منه كميات كبيرة من الحرارة تساعد الأحياء التي تعيش في البحار من أسماك وغيرها، فما أعجب حكمة القرآن الذي يبين بكلمات جليلة سر الحياة؟؟!!   وقد روي عن ابن عباس رضي الله عنه قال في تفسير هذه الآية الكريمة، كانت السماء رتقا لا تمطر، وكانت الأرض رتقا لا تنبت، فلما خلق للأرض أهلا فتق السماء بالمطر، وفتق الأرض بالنبات(2) .   أقول(3) : هذا تفسير جميل وحسن ويكون من باب الاستعارة ، وهو الذي ذهب إليه المفسرون القدامى ، ولكن لا يمنع أن يكون في القرآن بعض هذه الروائع العلمية الذي كشف عنها العلم الحديث ، فالقرآن حمال وجوه، وليس هناك تحكم في فهم أسراره، فربما فهم المتأخرون ما لم يفهمه المتقدمون، والله تعالى يقول : ( سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق(4) ) ، فلعل هذا من الآيات التي أطلعهم الله عليها في القرن العشرين .                      ----------------------------------------------------------  (1) سورة الأنبياء ، الآية رقم (30) .                                                                                                (2) تفسير ابن كثير، ص187، ج3 .                                                                                                (3) التبيان في علوم القرآن ، الصابوني ، مرجع سابق .                                                                               (4) سورة فصلت، الآية رقم (53) .    ثانيا :- نشأة الكون(1)    يقول العالم الفلكي (جينز) : " إن مادة الكون بدأت غازا منتشرا خلال الفضاء بانتظام، وأن السدائم ( المجموعات الفلكية ) خلقت من تكاثف هذا الغاز " .   ويقول الدكتور(جامو) : الكون في بدء نشأته كان مملوءا بغاز موزع توزيعا منتظما ، ومنه حدثت السدائم .   ويقول الصابوني : هذه النظرية نجد لها في القرآن الكريم ما يؤيدها - ولولا أن القرآن أخبر عن ذلك لاستبعدنا هذه النظرية – قال تعالى : ( ثم استوى إلى السماء وهي دخان فقال لها وللأرض ائتيا طوعا أو كرها قالتا أتينا طائعين(2) ) .   فالقرآن صور مصدر هذا الخلق( بالدخان ) وهو الشيء الذي يفهمه العرب من الأشياء الملموسة ، أيكون من مقدور أحد _ منذ أربعة عشر قرنا – أن يدرك في هذا الوقت الذي كان الناس فيه لا يعرفون شيئا عن هذا الكون وخفاياه ؟؟!! .ثالثا :- تقسيم الذرَة(3)     ظل الاعتقاد سائدا حتى القرن التاسع عشر بأن الذرة هي أصغر جزء يمكن أن يوجد بعنصر من العناصر، وأنها غير قابلة للتجزئة لأنها الجزء الذي لا يتجزأ ، وقد مضت قرون على هذا الاعتقاد ، ومنذ عشرات السنين الماضية حَول العلماء اهتمامهم إلى مشكلة الذرة ، فأمكنهم تجزئتها وتقسيمها، وقد وجدوا أنها تحوي على الدقائق التالية :---------------------------------------------------------- (1) الإنسان بين العلم والدين ، شوقي أبو خليل، التبيان في علوم القرآن ، مرجع سابق ، المسلمون والعلم الحديث ، عبد الرزاق نوفل ،     دار الكتب، بيروت، 1973، ص25 وما بعدها.                                                                                 (2) سورة فصلت ، الآية رقم (19).                                                                                                 (3) التبيان في علوم القرآن ، مرجع سابق ، ص 129 .  1- البروتون       2- النيترون         3- الإلكترون                                           وبواسطة هذه التجزئة استطاعوا أن يخترعوا القنبلة الذرية، والقنبلة الهيدروجينية ، نعوذ بالله من قيام الساعة، ومن شر إبليس اللعين .    استمع إلى قول الله تعالى عن الإخبار عن الذرة : ( وما يعزب عن ربك من مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء ولا أصغر من ذلك ولا أكبر إلا في كتاب مبين(1) ) .       فكلمة ( أصغر من الذرة في الآية القرآنية ) تصريح جلي بإمكان تجزئتها ، والوقوف على خواص الذرات الموجودة  في الشمس والنجوم والكواكب .    فهل درس محمد صلى الله عليه وسلم خواص الذرة وأمكنة تجزئتها ، والوقوف على خواصها في الأرض والسماء؟؟ إنه لدليل قوي على أن القرآن وحي إلهي .رابعا:- انخفاض نسبة الأكسجين في الضغط الجوي(2) بالارتفاع في الجو      قال تعالى : ( من يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا كأنما يصعد في السماء(3) ) .   تقدم هذه الآية الكريمة تشبيها معجزا من عدة وجوه، وهي تعرض حقيقة علمية ثابتة في أسلوب بلاغي دقيق، ومن وجوه هذا الإعجاز:- 1- صعود الإنسان إلى السماء، فيوم سمع الناس بهذه الآية اعتبروا الصعود في السماء ضربا        من الخيال، وأن القرآن قصد الصعود مجازا لا حقيقة ، والواقع أن هذه الآية تعتبر نبوءة         تحققت، في حياة الناس فيما بعد .                                                           ---------------------------------------------------------- (1) سورة يونس ، الآية رقم  (61)                                                                                                   (2) مع الطب في القرآن ، رسالة دكتوراة، د .عبد الحميد ذياب .                                                                      (3) سورة الأنعام ، الآية رقم (125) .                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                            2- صحة التشبيه :- فالارتفاع في الجو لمسافات عالية يسبب ضيقا في النفس، وشعورا               بالاختناق يزداد كلما زاد الارتفاع (يصعَد)، حتى يصل الضيق إلى درجة صعبة جدا             أما سبب ضيق النفس فيعود لسببين هما:                                                     أ) انخفاض نسبة الأكسجين في الارتفاعات العالية                                                  فهي تعادل 21% من الهواء فوق سطح الأرض، وتنعدم نهائيا في علو 67 ميلا ، ويبلغ توتر الأكسجين في الأسناخ الرئوية عند سطح البحر 100ملم ، ولا يزيد عم 25ملم في ارتفاع    8000 مترا، حيث يفقد الإنسان الأكسجين بعد 2-3 دقيقة ثم يموت .ب) انخفاض الضغط الجوي                                                                         إن أول من اكتشف الضغط الجوي هو العالم تورشللي ، وقدره بما يعادل عمود من الهواء المحيط بالأرض على سطح  1سم مربع، وهو يساوي ضغط عمود من الزئبق طوله 76سم ،    وينخفض هذا الضغط كلما ارتفعنا عن سطح الأرض مما يؤدي إلى نقص معدل مرور الهواء     في الأسناخ الرئوية إلى الدم ، كما يؤدي انخفاض الضغط لتمدد غازات المعدة والأمعاء، والتي تدفع الحجاب الحاجز إلى أعلى فيضغط على الرئتين ويعيق تمددها، وكل ذلك يؤدي لصعوبة التنفس وضيق يزداد حرجا كلما صعد الإنسان عاليا، وقد تحصل نزوف من الأنف  أو الفم تؤدي للوفاة .خامسا :- الزوجية منبثة في كل شيء(1) :- كان الناس يعتقدون أن الزوجية ( الذكر والأنثى ) منبثة بين النوعين ( الإنسان والحيوان )فقط فجاء العلم الحديث فاثبت أن الزوجية توجد في النبات وكذلك الجماد، وفي كل ذرة من ذرات الكون والوجود .                                                                                   حتى الكهرباء فيها الموجب والسالب، هذه فيها شحنات كهربائية موجبة ، وتلك فيها شحنات كهربائية سالبة، وحتى الذرة فيها( البروتون والنيترون) ، وكل منها يشبه الذكر والأنثى وهذا     ----------------------------------------------------------  (1) التبيان في علوم القرآن ، محمد علي الصابوني ، مرجع سابق ، ص 130 .                                                    الاكتشاف سبق إليه القرآن العظيم في عديد من الآيات القرآنية، تدبر هذه الروائع البيَنات:1- ( ومن كل شيء خلقنا زوجين لعلكم تتذكرون(1) )، فالعموم هنا واضح في( ومن كل شي) .2- ( أو لم يروا إلى الأرض كم أنبتنا فيها من كل زوج بهيج(2) ) ،الإشارة هنا للنبات .3- ( سبحان الذي خلق الأزواج كلها مما تنبت الأرض ومن أنفسهم ومما لا يعلمون(3) ) .           فهذه الآية الكريمة عممت الزوجية في النبات والإنسان وفي كل شيء ، مما تعلمه أو لا        تعلمه، فسبحان الإله القدير العليم،الذي أحاط علمه بكل الأكوان وأحصى كل شيء عددا !!!سادسا:- تعيين جنس الجنين(4)        قال تعالى في كتابه الكريم: ( وأنه خلق الزوجين الذكر والأنثى * من نطفة إذا تمنى(5) ) كما قال تعالى: ( أيحسب الإنسان أن يترك سدى* ألم يك نطفة من مني يمنى * ثم كان علقة فخلق فسوََى * فجعل منه الزوجين الذكر والأنثى(6) ) .   تحوي البويضة الملقحة التي سيتشكل منها الجنين 22 زوجا من الصبغيات الجسمية ، مع زوج من الصبغيات الجنسية، وتأتي هذه الصبغيات من اجتماع بويضة الأنثى التي تحوي دائما   ( 22  صبغيا جسميا + الصبغي الجسمي" إكس" ) ومن نطفة الرجل التي تحوي( 22 صبغيا جسميا + صبغي جسمي إما " واي" أو " إكس " ) لأن نصف نطف الرجل تحوي الصبغي الجنسي " واي" ونصفها تحوي الصبغي الجنسي " إكس ") ، فإذا اتحدت البويضة من نطفة حاوية على    ---------------------------------------------------------- (1) سورة الذاريات ، الآية (49) .                                   (4)مع الطب في القرآن الكريم، رسالة دكتوراه، ص27       (2) سورة الشعراء ، الآية رقم (7)                                   (5) سورة النجم ، الآيات رقم ، (45_46 ) .                 (3) سورة يس، الآية رقم (36) .                                    (6) سورة القيامة ، الآيات ، رقم (36-40) .   الصبغ الجنسي" إكس " كان الجنين أنثى ، وإذا  اتحدت مع نطفة حاوية على الصبغي الجنسي " واي " كان الجنين ذكرا ، أي حسب المعادلة:-                 نطفة " واي " + بويضة " إكس " = " واي إكس " ذكر          نطفة " إكس" + بويضة " إكس " = " إكس إكس " أنثى                                       فنطاف الرجل هي المسئولة عن تحديد الجنس، لأنها تحمل الأشكال المتغايرة من الصبغيات الجنسية ، وهذا ما ذكره القرآن الكريم قبل أربعة عشر قرنا حين قال: ( وأنه خلق الزوجين من نطفة إذا تمنى(1) )  .                                                                           وما أكثر الرجال مع الأسف ، الذين دفعهم جهلهم إلى ترك أزواجهم لأنهن لا ينجبن إلا إناثا!!!   ولو أمعن هؤلاء الجهلة  في آيات القرآن لعلموا أن نطف الرجل هي التي تحدد نوع الجنين- بإرادة الله عز وجل – ذكرا كان أم أنثى ، وليست المرأة التي تنبت ما يزرع فيها، وصدق الله العظيم : ( نساؤكم حرث لكم(2) ) . سابعا(3):- الجنين في ظلمات ثلاث                                                           ثبت علميا أن الجنين في بطن أمه محاط بثلاثة أغشية ، وهذه الأغشية هي التي تسمى :  ( الغشاء المنباري)، ( والخوريون ) ، ( واللفائفي )، هذا ما أثبته الطب الحديث ،فقد جاء العلم مؤيدا لما جاء به القرآن قبل خمسة عشر قرنا، وذلك ما جاء في سورة الزمر في قوله جل وعلا: ( يخلقكم في بطون أمهاتكم خلقا من بعد خلق ، في ظلمات ثلاث ذلكم الله ربكم له الملك لا إله إلا هو فأنى تصرفون(4) ) .    ففي هذه الآية معجزة علمية للقرآن الكريم، فقد أخبر بأن الجنين له ثلاثة أغشية سماها (ظلمات)  لأن الغشاء حاجز وحجاب يحجز عنه النور والضياء، وهي في العلم الحديث ثلاثة أغشية. وفي إحدى المؤتمرات الطبية التي عقدت في أوروبا لبحث علم الأجنة ، أعلن أحد كبار الأطباء الأوروبيين إسلامه ، عندما علم بوجود هذا التفصيل الدقيق عن الجنين، إجلالا لعظمة الخالق عز وجل ، واعترافا بصدق هذه الديانة الإسلامية.                                                   ----------------------------------------------------------  (1) سورة النجم ، الآية رقم (50) .                                (2) سورة البقرة ، الآية رقم، ( 252) .                        (3) التبيان في علوم القرآن ، الصابوني، مرجع سابق.               (4) سورة الزمر ، الآية رقم (6) .                               ثامنا:- العلقة بين إشارات القرآن وحقائق العلم(1)                                                     إن معاينة الخلق الأول – النشأة الأولى – والإطلاع على مادته، من الماء المهين المتكون من التراب، والنطفة والمشاج ، وإن متابعة مراحله وأطواره بالوسائل العلمية الحسية: من نطفة إلى علقة إلى مضغة ، أقول : إن معاينة كل ذلك لدليل قاطع على صحة  ما يخبر به المولى عز وجل من البعث والجزاء.                                                                        قال تعالى: ( يا أيها الناس إن كنتم في ريب من البعث فإنا خلقناكم من تراب ثم من نطفة ثم من علقة مخلقة وغير مخلقة(2) ).                                                                              ( ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين ثم جعلناه نطفة في قرار مكين * ثم خلقنا النطفة علقة * فجعلنا العلقة مضغة * فخلقنا المضغة عظاما فكسونا العظام لحما* ثم أنشأناه خلقا آخر فتبارك الله أحسن الخالقين(3) ) .                                                                    ويتضح من سياق هذه الآيات أن ( العلقة ) من مراحل خلق الإنسان ، وأنها تأتي بعد مرحلة النطفة، وتتلوها مرحلة المضغة ، وجاء في لسان العرب لابن منظور:" علق بالشيء علقا وعلقة: أي نشب فيه . وفي الحديث ( فعلقت الأعراب به ) : أي نشبوا وتعلقوا، وهو عالق به : أي نشب فيه، فالعلق : النشوب في الشيء، يكون في أرض أو جبل أو ما أشبهها ، وجاء فيه أيضا : العلق:الدم ما كان دما ، وقيل هو الدم الغليظ(4) "                                                    وإذا ما انتقلنا إلى أمهات كتب التفسير: مثل الطبري ، ابن كثير ، القرطبي ، فتح القدير ، الكشاف ، الظلال ، وجدنا أنها تكاد تجمع على أن العلقة هو الدم الغليظ الجامد، اللهم إلا بعض الأقوال التي تفيد بأن العلقة إنما سميت كذلك لرطوبتها وتعلقها(5) .                                                 أما الطب الحديث فيقول عن هذه المرحلة في خلق الإنسان، إن خلية البيضة الملقحة، أي النطفة الأمشاج تنقسم انقساما متتاليا سريعا فهي تتحول من خلية واحدة إلى اثنتين وثلاثين خلية بعد ثمانين (80) ساعة من التلقيح، ( أي بعد اقتحام حيوان منوي واحد من بين عشرات الملايين من هذه الحيوانات المنوية المذكرة بويضة الأنثى المستكنة في الرحم ، أو ( القرار المكين ) ،    -------------------------------------------------- (1) عنوان مقال للدكتور محمد عبدالله الشرقاوي، مجلة الجندي المسلم، العدد 39،  1986 .                                        (2)ٍسورة الحج ، الآية ، رقم (5) .                                                                                                   (3) سورة المؤمنون، الآيات (12- 14) .                                                                                          (4) لسان العرب لابن منظور.                                                                                                         (5) زاد المسير في علم التفسير ، لابن الجوزي .                                                                                                                                                              وبعد خمسة أيام تصبح مثل ثمرة التوت ، ويطلق عليها مصطلح ( موروللا ) ويمتلئ جوف الثمرة، وتسمى حينئذ الكرة الجرثومية ( بلاستيولي) ، وجرثومة كل شيء أصله وبذرته.    وهذه  الانقسامات ذاتية بقدرة الخالق وهدايته ، ( فهو الذي قدر فهدى )، في الخلية الأولى     أو النطفة والأمشاج ........ أي أنها لا تستمدها من الرحم التي تكمن فيه، وهي في أثناء ذلك تتحرك من مكانها بواسطة شعيرات غشاء الرحم، وبواسطة تقلصاته كذلك......، وبعد حوالي ستة أيام تكون قد انتقلت من قناة الرحم إلى مكان آمن فيكمن في الرحم ذاته .    ولقد تنبه بعض سلفنا الصالح إلى ذلك كابن القيم وابن حجر العسقلاني .                       وسبحان الله الذي احتفى بهذه ( العلقة ) الضئيلة، وسمَى سورة كريمة في كتابه الكريم بسورة   العلق، وذكر( لفظ العلق) في  فاتحة  الرسالة المحمدية ، وفاتحة التنزيل المبارك، إذ أول آيات القرآن الكريم نزولا، قوله عز من قائل: ( اقرأ باسم ربك الذي خلق * خلق الإنسان من علق(1) ) تاسعا:- معجزة البصمة(2)                                                                            قال تعالى:- ( أيحسب الإنسان أن لن نجمع عظامه * بلى قادرين على أن نسوي بنانه(3))  أنكر الكفار خلقهم الجديد واستبعدوا بعد أن تكون عظامهم رميما وأجسادهم ترابا، وكانوا يقولون  ( أئذا متنا وكنا ترابا وعظاما أإنا لمبعوثون )، ويجيب الحق تبارك وتعالى في أسلوب توكيدي، أن الله ليس بقادر على أن يجمع عظام الإنسان وأن يعيد خلقه فحسب، بل قادر على أن يعيد تسوية بنانه.... والبنان هو نهاية الأصبع.... ولكن لماذا خصص الله  البنان دون سائر أجزاء البدن الكثيرة ؟ وهل البنان أشد تعقيدا من العظام.                                                  --------------------------------------------------               (1) سورةالعلق، الآيات.                                                                                                              (2) مع الطب في القرآن ، د. عبد الحميد ذياب، و د . حمد قزقوز، مرجع سابق، ص23 .                                           (3) سورة القيامة ، الآيات (3) .    لقد توصل العلم إلى سر البصمة في القرن التاسع عشر، وبيَن أن البصمة تتكون من خطوط بارزة في بشرة الجلد تجاورها منخفضات ، وتعلو الخطوط البارزة فتحات المسام العرقية، تتمادى هذه الخطوط وتتلوى ، وتتفرع عنها تغضنات وفروع، لتأخذ في النهاية في كل شخص شكلا مميزا ، وقد ثبت أنه لا يمكن للبصمة أن تتطابق وتتماثل في شخصين في العالم حتى في التوائم المتماثلة التي أصلها بويضة واحدة .    يتم تكون البنان في الجنين في الشهر الرابع، وتظل ثابتة ومميزة له طوال حياته ، ويمكن أن تتقارب بصمتان في الشكل تقاربا، ولكنا لا تتطابقان البتة ، ولذلك فإن البصمة تعد دليلا قاطعا ومميزة لشخصية الإنسان ، معمولا به في كل أنحاء العالم، ويعتمد عليه القائمون على تحقيق القضايا الجنائية لكشف المجرمين واللصوص .   وقد يكون هذا هو السر الذي خصص الله تبارك وتعالى من أجله البنان، إنه يريد أن يبين للإنسان ولو بعد قرون من نزول هذه الآية ، أن الله قادر على أن يعيد بناء ما يميزه عن باقي بني البشر الين مروا على هذه الحياة ، وفي هذا بيان كاف لأن يؤمن الإنسان بأن البعث حق ، كما أن الموت حق(1) .عاشرا :- التلقيح بواسطة الرياح(2)     أثبت العلم الحديث أن الهواء ينقل الأعضاء المذكرة إلى  المؤنثة  في النخيل والتين وغيرها من الأشجار المثمرة، فيكون التلقيح بواسطة الرياح والهواء ، وهذه الناحية العلمية تحدث عنها القرآن في قوله جل ثناؤه : ( وأرسلنا الرياح لواقح فأنزلنا من السماء ماء فأسقيناكموه  وما أنتم له بخازنين (3) .). ---------------------------------------------------------------------------------- (1) مع الطب في القرآن الكريم ، مرجع سابق ، ص 24 .                                                                           (2) المسلمون والعلم الحديث ، عبد الرزاق نوفل ، مرجع سابق ، ص21 ، وانظر أيضا التبيان في علوم القرآن للصابوني ، مرجع          سابق ، ص 132 .                                                                                                             (3) سورة الحجر ، الآية رقم (22) .     ولم يعرف إلا أخيرا، أن الرياح تحمل السحب ذات الشحنات الكهربائية المختلفة ( السالبة والموجبة)، فتلاقحها أو بالأرض وينتج عن ذلك البرق فالرعد فالمطر.    ويقول المستشرق السيد (أجنيري ) الأستاذ في جامعة ( أكسفورد) في القرن الماضي: إن أصحاب الإبل قد عرفوا أن الريح تلقح الأشجار والثمار، قبل أن يعلمها أهل أوروبا بثلاثة عشر قرنا ، يشير إلى أن هذا مما سبق إليه القرآن والفضل ما شهدت به الأعداء .أحد عشر:- كيمياء اللبن(1) من بين فرث ودم       قال تعالى: ( وان لكم في الأنعام لعبرة نسقيكم مما في بطونه من بين فرث ودم لبنا خالصا سائغا للشاربين(2) . ) .الفرث:- هو ما تحتويه المعدة بعد عملية الهضم ، ولكي نفهم هذه الآية من وجهة النظر العلمية ، فلا بد من الاستعانة ببعض المعلومات الغريزية، تأتي المواد الأساسية التي تتكفل بتغذية الجسم عامة  من محتوى الأمعاء من الطعام المهضوم، وعندما تصل هذه المواد المرحلة المطلوبة في التفاعل الكيميائي، فإنها تمر عبر جوار الأمعاء نحو الدورة الدموية، ويتم هذا الانتقال بطريقتين: إما مباشرة بما يسمى بالأوعية اللمفاوية، وإما بشكل غير مباشر بواسطة الدورة البابية  التي تقود هذه المواد إلى الكبد، حيث تقع عليها بعض التعديلات ثم تخرج من الكبد  لتذهب أخيرا إلى الدورة الدموية بهذا الشكل فيمر كل شيء إذا في الدورة الدموية .     والغدد الثديية هي التي تفرز مكونات اللبن، وتتغذى هذه الغدد بمنتجات هضم الأغذية التي تأتي بها بواسطة الدم، فالدم يلعب دور المحصل والناقل للمواد المستخرجة من الأغذية، والمغذي للغدد الثديية المنجة للبن ، مثلما يغذي أي عضو آخر، كل شيء يحدث إذا ابتداء من مواجهة محتوى الأمعاء في الجدار المعوي (3) . ---------------------------------------------------------------------------------- (1) مع الطب في القرأن الكريم، مرجع سابق، وكذلك المسلمون والعلم الحديث، عبد الرزاق نوفل، مرجه سابق .(2) سورة النحل الآية رقم الآية (66) .(3) دراسة الكتب المقدسة ، موريس بواكاي      وقد يكون في هذه الآية عبرة أن الإنسان يستفيد من حليب الأنعام الذي يستمد تركيبه من الدم، ولكن يغفل كثيرا عن النعمة والعبرة بأن وليد تلك الأنعام يستطيع في وقت قصير أن يتغذى من الأعشاب الذي تتغذى بها أمه ، بينما يبقى حليب الأم غزيرا يمد الطفل الرضيع بغذاء مثالي، فيستمد اللبن من الدم ويستمد من غذاء الأنعام تسخيرا لهذا الإنسان الذي كرمه الله .  وهذا النوع من الكيمياء يسمى كيمياء اللبن، وهو أهم فروع هذا العلم وأحدثه .  اثنا عشر:- شكل الأرض(1)   قال تعالى: ( والأرض بعد ذلك دحاها(2) ) .والدحية هي بيضة النعام، وما زال الشمال الإفريقي يستعمل كلمة ( د حية ) كاسم للبيضة ، فالآية الكريمة إذن تثبت ليس كروية الأرض بل بيضويتها، وهذا ما ثبت يقينا في الأقمار الصناعية ، والتي صورت الأرض عن بعد الآف الكيلومترات ، وهذا ما زال يتلا في القرآن منذ قرون طويلة إنها حقيقة علمية رائعة ، سبق القرآن الكريم إليها، إنه إعجاز يشهد دون شك ، ( إن هو إلا وحي يوحى * علمه شديد القوى(3) ) . ثلاثة عشر:- حركة الأرض ودورانها وتوازن الأرض في دورانها   أثبت القرآن الكريم أن حركة الأرض السريعة في الفضاء في الآية الكريمة:( وهو الذي خلق الليل والنهار والشمس والقمر وكل في فلك يسبحون(4)  ) .                       والسبح معناه المد السريع في الماء أو الهواء، واستعير لمد النجوم في فلكها ، كما استعير لسرعة الذهاب في العمل في قوله تعالى في نبيه الكريم : ( وإن لك في النهار سبحا طويلا(5) ) .  ----------------------------------------------------------  (1) الإنسان بين العلم والدين، مرجع سابق ، ص101 .                                                                              (2) سورة النازعات ، الآية رقم (30) .                                                                                              (3) سورة النجم ، الآيات (4،5 ) .                                                                                                   (4) سورة الأنبياء ، الآية رقم (33) .                                                                                                (5) سورة المزمل ، الآية رقم (7) .     قال الزمخشري: فرس سابح وسبوح ، والنجوم تسبح في الفلك ، وفلان يسبح النهار كله في طلب المعاش، فالسبح لغة: الانتقال السريع بحركة ذاتية ، كسبح السمك في الماء بتحريك الزعانف، وكسبح الطير في الهواء بتحريك أجنحته ، فلماذا لا نطأطئ الرؤوس لعظمة السبق الموجود في القرآن الكريم اعترافا بإعجازه العلمي؟!!      وتدور الجبال حول نفسها بسرعة كبيرة ، وقد سبق القرآن إلى  ذلك في قوله تعالى:   (وترى الجبال تحسبها جامدة وهي تمر مر السحاب صنع الله الذي أتقن كل شيء إنه خبير بما تعملون(1)  ) .    فالجبال كما نراها في أعيننا جامدة  ثابتة ساكنة في مكانها لا تتحرك ، ولكنها في الحقيقة تمرُُ مرََ السحاب لأنها تدور مع الأرض بسرعة كبيرة .                                                 ولولا الجبال لاختل توازن الأرض في دورانها ، فهذه الجبال التي نراها لها جذور عميقة في الأرض ، تغوص فيها بأضعاف حجمها الظاهر للعيان ، بعد هذا نقرأ قوله تعالى:                     ( وهو الذي مدََ الأرض * وجعل فيها رواسي وأنهارا(2) ) .                                     ( وألقى في الأرض رواسي أن تميد بكم وأنهارا وسبلا لعلكم تهتدون(3) ) .                 آيات كثيرة ، ما ذكرت الأرض فيها ، إلا وذكرت الجبال الرواسي وفيها أي بداخلها ‘ في باطنها، تحفظ توازن الأرض، " أن تميد بكم " ، أي تحفظ توازن هذا الدوران . أربعة عشر:- ( وجعل القمر نورا* وجعل الشمس سراجا(4) )   قال تعالى : ( تبارك الذي جعل في السماء بروجا وجعل فيها سراجا وقمرا منيرا(5) ) .   لقد قرر القرآن الكريم أن الشمس ملتهبة متقدة بذاتها، أما القمر فمرآة عاكسة ،فهو غير منير بغيره ( وجعل القمر نورا ) .                                                                    ---------------------------------------------------------- (1) سورة النحل ، رقم الآية (88) .                                                                                                  (2) سورة الرعد ، رقم الآية (3)                                                                                                     (3) سورة النحل ، رقم الآية (12) .                                                                                                  (4) سورة نوح ، رقم الآية (16)، انظر الإنسان بين العلم والدين ، مرجع سابق .                                                    (5) سورة الفرقان ، رقم الآية (61) .       وهكذا فالسبق العلمي محتم للآيات الكونية في القرآن.                                         ويقول العلامة ( هرشل ) الإنكليزي وهو من أكابر علماء الفلك في العالم كله : ( كلما اتسع نطاق العلم ازدادت البراهين الواسعة القوية على وجود خالق أزلي لا حدََ لقدرته ولا نهاية، فالجويولوجيون والرياضيون والفلكيون والطبيعيون قد تعاونوا على تشييد صرح العلم  ، وهو في الحقيقة صرح عظمة الخالق وحده ) .    خمسة عشر:- الإعجاز العددي في القرآن الكريم(1)       لا يقتصر إعجاز القرآن الكريم على الإعجاز البياني أو العلمي أو العددي ، وإنما هو إعجاز غير محدد قال تعالى:(  ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء ) وسيظل العقل البشري قاصرا عن الوصول إلى ما في القرآن الكريم من أسرار ومعجزات متعددة ومتنوعة، فالقرآن لا تنتهي أسراره، ولا تنقضي عل مر الأيام عجائبه ، فيه خبر مَنْ قبلنا ونبأ مَنْ  بعدنا ، وهو معجز بكل ما فيه.                                                                                                وخلاصة بحث الإعجاز العددي تكمن في أسرار الآية القرآنية ألأولى(بسم الله الرحمن الرحيم)  وعددها 19 حرفا ، فقد اكتشف الباحث(2)  أن كل كلمة في هذه الآية تتكرر في القرآن الكريم كله عددا من المرات يكون دائما من مكررات العدد 19 . كلمة لفظ الجلالة ( الله) تتكرر في القرآن الكريم 2698 مرة = 19× 142                  كلمة الرحمن تتكرر في القرآن الكريم 57مرة = 19× 3                                      كلمة الرحيم تتكرر في القرآن الكريم 114 مرة = 19× 6 وتعلمون أن عدد سور القرآن الكريم 114= 19× 6                                          والعدد (19) ذكر في سورة المدثر ( عليها تسعة عشر(3) ) ، ويجمع المفسرون على أن هؤلاء ال(19) هم زبانية جهنم وحراسها ، ويقول تعالى : ( وما جعلنا عدتهم إلا فتنة للذين كفروا....  .... وما يعلم جنود ربك إلا هو  وما هي إلا ذكرى للبشر(4) ) .                                 ---------------------------------------------------------- (1) الإعجاز العددي في القرآن ، بحث للدكتور رشاد خليفة، أجري في أمريكا، طبع بدار الإرشاد بحمص .                           (2) المرجع السابق، وذلك معجزة مادية بعرض حروف وسور القرآن على الكمبيوتر.                                                 (3) سورة المدثر ، الآية (30) .                                                                                                      (4) سورة المدثر ، الآية (31) .  وفي القرآن الكريم نجد الحروف النورانية أو فواتح السور أو الحروف الغامضة التي تبدأ بها بعض السور..... ستجد ارتباطا كاملا بين هذه الحروف وبين (بسم الله الرحمن الرحيم ).   نجد هذه الحروف المستعملة في فواتح السور عددها (14) حرفا ، وهي : ( ق ، ن ، س ، ط يس ، حم ، الم ، المر ، طس ، طسم ، عسق ،  ألمص ، كهيعص ، ألر ) .       وهذه الفواتح تتكرر في (29) سورة زفمن هذا الإعجاز العددي:-  14 حرفا  + 14 فاتحة + 29 سورة  = 57 = 19  × 3   وتبدأ بحرف واحد من الحروف النورانية (فواتح السور)، وليكن الحرف (ق) ، إن هذا الحرف (ق) يوجد في فاتحتي سورتين هما سورة (ق) وسورة الشورى وفاتحتها ( حم، عسق )              فإذا عددت الحرف (ق) في سورة (ق) لوجدته يتكرر 57 مرة  = 19×3                      وهناك مثال آخر يدل على مدى الإحكام في توزيع الحروف الأبجدية في القرآن الكريم ، وهي في الآية (69) من سورة الأعراف ( وزادكم في الخلق بصطة (1) ) .جاءت بصطة بالصاد        ويعلمنا إمام الأنبياء أن كلمة بصطة بالصاد توقيفية ، أي أنها بأمر من الله سبحانه وتعالى.   وتستطيعون أن تدركوا ما يحدث لو كتبت بالسين، كما نكتبها نحن ، فيزيد عدد السينات ، ويقل عدد الصادات ويختل نظام السين والصاد في النظام السابق .    وينطبق هذا الإعجاز على السور المتعددة والفواتح :                                         ففي سورة (طه ) مثلا: وهي سورة تبدأ بالحرفين : ط ، هـ ، فإذا عددت حروف (ط + هـ) في جميع آيات السورة وجدت المجموع = 342 حرفا     

     342 = 19 × 18 أي أنها مكرر العدد 19 ، بعد كل هذا نستطيع أن ندرك معنى آيات القرآن الكريم مثل:
(1) سورة الأعراف ، الآية رقم (69) .   قال تعالى:- ( قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا(1) )  . حتى بعد معرفة هذه القواعد لا تستطيع أي مجموعة من الإنس أو الجن أو العقول الألكترونية    أن تكتب كتابا بهذا التشابك(2)  .  

الإعجاز العلمي في القرآن والسنة كوسيلة تربوية لتعميق الإيمان في نفوس الشباب والناشئة

 المبحث الثاني

الإعجاز العلمي في السنة النبوية الشريفة تمهيد:1

- في الكون .

2- في الحياة .

3- في الصحة .4

- يقظة الفجر مع ريح الصبا .5

- الصفات الوراثية وأمراضها .6

- الفاكهة أولا .7

- الأمراض السارية والحجر الصحي .

 فنون الحرب والإستراتيجية العسكرية .9

- العسل فيه شفاء للناس .10

- الصيام صحة ووجاء وجُنَة .

 تمهيد:-   

 لقد أرسل اله سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم ، هاديا ومبشرا ونذيرا ورحمة للعامين ، قال تعالى : ( وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين(1) ) .                                                      ولم يُبعث سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم ليكون مدرسا في الطب أو الكيمياء أو الفك أو الفيزياء بدقائق هذه العلوم وتفاصيلها.                                                                 وهذا لا يتنافى مع اشتمال السنة الشريفة على إشارات ولفتات ونفحات علمية تدل على الإعجاز العلمي في الأحاديث الشريفة وتثبت أن هذا النبي الأمي صلى الله عليه وسلم، هو نبي مرسل من عند الله ، وقد نطق بالحق وجاء على لسانه أن حقائق علمية لم يكتشفها العلم إلا مؤخرا ، وربما إشارة علمية لم يتوصل إليها العلم بعد.    وقد وجدنا أنه من الصعوبة الفصل بين الإعجاز العلمي في القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة، لأن القرآن الكريم بشتى مجالات إعجازه البياني والعلمي وغيرها ، هو معجزة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم التي تحدى بها القرآن الإنس والجن على أن يأتوا بمثله قال تعالى:    ( قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثله لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا(2) ) .  ونورد فيما يلي بعض الإشارات العلمية في السنة النبوية :-

أولا:- في الكون(3)                                                                                                           جاء في البخاري " عن المغيرة بن شعبة قال: كسفت الشمس على عهد الرسول صلى الله عليه وسلم، يوم مات إبراهيم (ابن رسول الله ) ، فقال الناس: كسفت الشمس لموت إبراهيم ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله ، لا ينكسفان لموت أحد ولا لحياته(4) ) .                                                                                ---------------------------------------------------------- (1) سورة الأنبياء، الآية رقم (107) .                                                                                               (2) سورة الإسراء ، الآية رقم (88) .                                                                                               (3) الإنسان بين العلم والدين ، مرجع سابق، ص 241                                                                               (4) رواه البخاري .          وضع النبي صلى الله عليه وسلم حدا لسخافات ومعتقدات المنجمين ، واعتقادات العامة في أسباب الكسوف وغيرها، وبين عليه السلام أن الظواهر الطبيعية والكونية لا تحدث لموت أحد أو لحياته ، بل إنها تسير بحسب نظام أبدعه مبدع الكائنات ، تشهد على عظمته وحكمته وبديع أمره في خلقه ، وتنطق بكمال علمه ، ونفاذ مشيئته وتدل على قدرته وجلاله .

ثانيا :- في الحياة                                                                                قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( تنكبوا الغبار فمنه تكون النسمة(1) ) .               النَسَمَة : بفتح النون والسين والميم ) ، ما هي النسمة:                                            قال المفسرون: إنها حيوانات دقيقة صغيرة جدا ، تسبب ضيق التنفس والربو ، والآن بعد اكتشاف الجراثيم ، ما هي النسمة التي تكون في الغبار؟ ويجب أن نحذرها ؟                         إنها الجراثيم ، يحذرنا النبي عليه الصلاة والسلام منها ، حبا بنا وخوفا على صحتنا ، فبأي مجهر رأى هذه الجراثيم ؟؟!!                                                                       إنها النبوة وإعجازها، فهذا الحديث الشريف يكفي وحده لإثبات نبوته صلى الله عليه وسلم .

ثالثا :- في الصحة(2)                                                                             عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي  صلى الله عليه وسلم  قال  :- ( لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك مع كل وضوء ، عند كل صلاة(3) ) .                                   كان الرسول صلى الله عليه وسلم يحب السواك واعتصامه ، ويحب أن تهدى إليه الأنواع الجيدة من السواك، وكان يدعو المسلمين إلى استعماله لتنظيف أسنانهم ولاستعماله قبل الوضوء.   وبعد أربعة عشر قرنا من الزمان أعلن الدكتور (كينيت كوديل ) أن السواك يحتوي على مادة تمنع تسوس الأسنان. وقال أمام المؤتمر الثاني والخمسين للجمعية الدولية لأبحاث الأسنان في ( أتلانتا ) بأمريكا:    إنه لوحظ عن الذين يستعملون السواك يتمتعون بأسنان سليمة ، وأن بعض الشركات في بريطانيا والهند، تصنع معاجين أسنان يدخل في تركيبها مواد مأخوذة من السواك، وأن هناك تجارب علمية في جامعة واشنطن لدراسة القيمة الطبية للسواك .                                                ------------------------------------------ (1)رواه ابن سعد في الطبقات، وأورده الشيخ الألباني في سلسلة الأحاديث الضعيفة .                                                (2) الإنسان بين العلم والإيمان ، مرجع سابق .                                                                                        (3) عمدة الأحكام في كلام خير الأنام ، الإمام الحافظ ، رقم (17) ، ص

7رابعا :- يقظة الفجر مع ريح الصبا(1) .    

  روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ( بورك لأمتي في بكورها(2) )                    وقال أيضا: ( ركعتا الفجر خير من الدنيا وما عليها(3) ) .ولقد ثبت علميا أن الفوائد التي يجنيها الإنسان من يقظة الفجر كثيرة منها:-1- تكون أعلى  نسبة لغاز الأوزون ( 03 ) في الجو عند الفجر، وتقل تدريجيا حتى تضمحل   عند طلوع الشمس ، ولهذا الغاز تأثير مفيد للجهاز العصبي، ومشط للعمل الفكري والعضلي،     بحيث يجعل ذروة نشاط الإنسان الفكرية والعضلية تكون في الصباح الباكر ، ويشعر الإنسان عندما يستنشق نسيم الفجر الجميل المسمى بريح الصبا ، لذة ونشوة لا شبيه لها في أي ساعة من ساعات النهار أو الليل .2- إن أشعة الشمس عند شروقها قريبة إلى اللون الأحمر، ومعروف تأثير هذا اللون المثير للأعصاب ، والباعث على اليقظة والحركة ، كما إن نسبة الأشعة فوق البنفسجية تكون أكبر ما يمكن عند الشروق، وهي الأشعة التي تحرض الجلد على صنع فيتامين "د" .3- الاستيقاظ الباكر يقطع النوم الطويل ، وقد تبين أن الإنسان الذي ينام ساعات طويلة على وتيرة واحدة يتعرض للإصابة  بأمراض القلب ( وخاصة مرض العصيدة الشرياني ) الذي يؤهل لمرض خناق الصدر .4- من الثابت علميا أن أعلى نسبة ( الكورتزون ) في الدم هي وقت الصباح ، (7-22) مكروغرام/ 100 مل بلازما، وأخفض نسبه له تكون مساء، حيث تصبح أقل من (7) ميكروغرام/ 100 مل بلازما، ومن المعروف أن الكرتزون هي المادة السحرية  التي تزيد فعاليات الجسم، وتنشط استقلاباته بشكل عام، ويزيد نسبة السكر في الدم الذي يزود الجسم بالطاقة اللازمة له، وصدق الله القائل : ( وقرآن الفجر إن قرآن الفجر كان مشهودا(4) ) .                        ---------------------------------------------------- (1) مع الطب في القرآن ، مرجع سابق ، ص108 .        (4) سورة الإسراء ، الآية رقم (87) .                                 (2) رواه الطبراني .                                                                                                                 (3) رواه  الترمذي والنسائي ، حديث صحيح .ي ، حديث صحيح .       

 خامسا :- الفاكهة أولا(1)

   قال رسول الله صلى الله عليه وسلم بما معناه أو كما قال : ( إذا أفطر أحدكم فليفطر على تمر فإنه بركة(2) ) .    إن تناول الفاكهة قبل الوجبة الغذائية له فوائد صحية جيدة ، لأن الفاكهة تحوي سكاكر بسيطة سهلة الهضم وسريعة الامتصاص ، فالأمعاء تمتص هذه السكاكر بمدة قصيرة  تقدر بالدقائق فيرتوي الجسم ، وتزول أعراض الجوع ونقص السكر، في حين أن الذي يملأ معدته بالطعام المتنوع ، يحتاج إلى ما يقارب الثلاث ساعات ، حتى تمتص أمعاؤه ما يكون في غذائه من سكر وتبقى عنده أعراض الجوع لفترة أطول .     إن السكاكر البسيطة بالإضافة إلى أنها سهلة الهضم والامتصاص فإنها مصدر الطاقة الأساسي لخلايا الجسم المختلفة ، ومن هذه الخلايا التي تستفيد استفادة سريعة من السكاكر البسيطة ، هي خلايا جدار المعدة ، والزغابات المعوية حيث تنشط بسرعة عندما تصلها السكاكر الموجودة بالفاكهة ،  وتستعد للقيام بوظيفتها ، على أتم وأكمل وجه في امتصاص مختلف أنواع الطعام والتي يأكلها الشخص بعد الفاكهة .   وربما كانت هذه هي الحكمة من تقديم الفاكهة على اللحم في الآيات القرآنية أيضا قال تعالى:     ( وفاكهة مما يتخيرون * ولحم طير مما يشتهون(3) ) .    ( وأمددناهم بفاكهة  ولحم طير مما يشتهون(4) ) .---------------------------------------------------------  (1) مع الطب في القرآن الكريم ، مرجع سابق، ص 52  .                                                                           (2) رواه أحمد ، حديث صحيح .                                                                                                      (3) سورة الواقعة ، الآيات ( 21- 22 ) .                                                                                          (4) سورة الطور ، الآية رقم 22  .   سادسا:- في الصفات الوراثية والأمراض الوراثية(1)         جاء في الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بما معناه أو كما قال:  تخيروا لنطفكم فإن العرق دساس(2) ) .     ومن الأقوال المأثورة عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال : ( انكحوا في الغرائب لا تضووا ) أي لا تضعفوا ، ومن الأقوال المأثورة : ( غربوا النكاح ) أي تزوجوا من غير الأقارب ولا تقصروا الزواج على أبناء العمومة والأقارب لئلا تسببوا ضعف نسلكم ، وذلك لأن بعض الأمراض الوراثية التي تحملها جينات الوراثة أو الصبغيات الوراثية ، فإذا وجد المرض بين الأقارب ، فيكون احتمال الإصابة بهذا المرض بنسبة أكبر من غيره بين غير الأقارب.                ومن المحقق كثرة مشاهدة الأمراض ( المندلية) المقهورة كالمهق والصمم  والبكم الأسري والتهاب الشبكية الصباغي في بعض الأسر ، نتيجة التزاوج بين الأقارب، لذلك تكثر في الإسرائيليين لعدم اختلاطهم في بقية الأمم(3) .    وبالإحصائيات تبين كثرة مشاهدة التشوهات الولادية المختلفة ، بسبب هذا التزاوج وقد لا يكون هناك تفسير علمي قاطع يعلل هذه التشوهات .                                                      وقال تعالى محرما الزواج بين المحارم :-  ( حرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم وأخواتكم وعماتكم وخالاتكم وبنات الأخ وبنات الأخت وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم وأخواتكم من الرضاعة(4) ) .

سابعا :- في الأمراض السارية والحجر الصحي                                         وفي هذا المجال نستطيع إلا أن نذكر الفيلسوف الأندلسي الشهير( ابن الخطيب )  الطبيب العام ، الذي درس حديث رسولنا الكريم عليه السلام بما معناه إذا سمعتم بالطاعون بأرض فلا تدخلوها ، وإذا وقع بأرض وأنت بها فلا تخرجوا منها(5)  ) .                                    --------------------------------------------------------- (1) مع الطب في القرآن ، مرجع سابق، ص 56 .                                                                                   (2) رواه البخاري.                                                                                                                    (3) فلسفة الطب أو علم الأمراض العام ، د. حسني سبح .                                                                             (4) سورة النساء ، رقم ( 23 )                                                                                                       (5) متفق عليه .                                                                                     واعتبرها الحديث فتحا جديدا فريدا في الطب فدرسه وتعمق في فهمه حتى وضع قوانين العزل    ( الحجر الصحي ) تجنبا من العدوى وهو أول من أوضح طريق العدوى بالملامسة ، ففي أي كليات الطب درس سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم ؟؟!! 

 ثامنا:- في فنون الحرب والاستراتيجية العسكرية(1)    

  وفن الرسول الحربي يظهر واضحا في المعركة الأولى بين المسلمين وكفار قريش ، فكان الرسول صلى الله عليه وسلم، يبعث السرايا للكشف والاستطلاع وتقصي الأخبار والحقائق.          وفي معركة بدر الكبرى خرجت قريش عن بكرة أبيها وأعدت العدة كاملة لحرب  النبي محمد صلى الله عليه وسلم الذي يسفه أحلامهم ، ويتحدى أصنامهم وخرج على إجماعهم بقوله ( لا إله إلا الله ) ولم تكن هذه مفاجئة للرسول عليه السلام .    فكتائبه الطوافة على علم بما دبروا ، وعلى  ما اعتزموا ، وجاءت إحدى الدوريات برجلين من قريش ، ولم يتمكن المسلمون من الوقوف على معلومات من جيش عدوهم لجهل هذين بذلك ، فلما قابلهما الرسول عليه السلام ، سألهم كم ينحرون كل يوم ، فقالا: ( يوما تسعة ويوم عشرة )، قال الرسول صلى الله عليه وسلم : ( القوم بين تسعمائة وألف ) ، وأصبح الوقوف على تموين الجيش من أهم ما يسعى اليه الخصم لمعرفة عدد الأفراد الذين سيحاربهم ، واعتبر ذلك من الأسرار العسكرية في العصر الحديث .   وجمع الرسول صلى الله عليه وسلم  أصحابه  يتشاورون في الأمر ، فقرروا لقاء العدو ثم عاد يشاورهم في مكان المعركة التي حدد مكانها وزمانها بنفسه ، لإقرار مبدأ الشورى ففي أي كلية عسكرية درس سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم هذه العلوم العسكرية . ---------------------------------------------------------- (1) المسلمون والعلم الحديث ، مرجع سابق .

  تاسعا:- العسل فيه شفاء للناس(1)   

    قال عليه الصلاة والسلام : ( عليكم بالشفائين العسل والقرآن(2) ) .                       العسل مفيد جدا في الإنتانات المعوية وخاصة عند الأطفال، وقد ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم في مناسبات عدة ، أنه أقر بتناول العسل لعلاج استطلاق البطن (الإسهال) مع تأكيده على ذلك، ويروى عنه عليه السلام أنه قال للرجل الذي جاءه يسأله عن علاج لبطن أخيه، فقال : أعطه العسل ، ثم جاء الرجل ثانية وقال إن أخاه لم يشف، فقال له عليه الصلاة والسلام : لقد صدق الله وكذب بطن أخيك ، وأخيرا شفي الجل من مرضه ، وسبب زيادة الإسهال في البداية   أن العسل ساعد على تنظيف بطن الرجل من الفضلات .   وقد ذكر الطبيبان عبد الحميد ذياب وأحمد قرقور(3) في كتابهما " مع الطب في القرآن " مجالات للاستشفاء بالعسل منها :-                                                              1- الاستشفاء بالعسل من الأمراض الجلدية .                                                   2-  ============ أمراض الجهاز التنفسي.                                              3- ====================== الهضمي .                                            4- ================= العين .                                                        5- ================= الأنف والأذن والحنجرة .                                      6- ============ الأمراض النسائية والتوليد .                                           7– العسل والجهاز العصبي .                                                                       ويقول الدكتور نزار الدقر في كتابه " العسل فيه شفاء للناس " :                               ( وما من شك أن النصوص القرآنية التي وردت في العسل ، وما بعدها من أحاديث نبوية صحيحة، هي أرسخ وأوضح النصوص القديمة على الإطلاق، كما أنها تعتبر من أوائل النصوص التي جزمت بالفائدة المطلقة، وبالخواص العلاجية الثابتة  لهذه المادة القيمة(4) ) .                وصدق الله العظيم في قوله ( يخرج من بطونها شراب مختلف ألوانه فيه شفاء للناس(5) ---------------------------------------------------------- (1) مع الطب في القرآن الكريم ، مرجع سابق ،ص182 .                                                                           (2) ابن ماجة والحاكم ، حديث صحيح .                                                                                               (3) مع الطب في القرآن الكريم ، المرجع السابق .                                                                                    (4) العسل فيه شفاء للناس ، الطبيبان ، عبد الحميد ذياب وأحمد قرقور .                                                               (5) سورة النحل ، الآية (69) .  

عاشرا :- الصيام صحة ووجاء وجنََة(1)     

   قال عليه الصلاة والسلام : ( صوموا تصحوا(2)  ).                                          وقال أيضا : ( يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج ، فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصيام فإنه له وجاء(3) ) ، أي وقاية من المعاصي .               وقال أيضا : ( الصيام جنََة ، فإذا كان أحدكم صائما فلا يرفث ولا يجهل ن فإن امرؤ قاتله أو شاتمه فليقل : إني امرؤ صائم(4) ) .       قبل البحث في الصيام من الوجهة العامية والناحية الصحية يجب أن نشير إلى ناحية هامة ، وهي إن الصيام في القرآن عبادة يجب الامتثال بها لأمر الخالق ، ولا يجوز تعليقها بما اكتشفه العلم من فوائد فمجال العلم مهما ارتقى محدود ولا يمكن أن يستوعب كامل حكمة الله سبحانه.

 ومن أهم فوائد الصوم الصحية :-                                                         1- تخليص البدن من شحومه المتراكمة، والتي تكون عبئا ثقيلا عليه ، وتغدو مرضا صعبا          تزداد ، ذلك المرض هو داء السمنة .                                                       2- طرح الفضلات والسموم المتراكمة .                                                       3- إتاحة الفرصة لخلايا الجسم وغدده  تقوم بوظائفها على الوجه الأكمل ، وخاصة المعدة والكبد     والأمعاء.                                                                                   4- إراحة الكليتين والجهاز البولي بعض الوقت من طرح الفضلات.                            5– تخفيف وارد الدسم على الشرايين .                                                         6- الجوع يولد في الجسم ردة فعل بعد الصيام، يتجلى برغبته في الطعام والشعور بالنشاط           والحيوية ، بعد أن اعتاد على تناول الطعام بشكل ممل .                                     ----------------------------------------------------------  (1) مع الطب في القرآن الكريم ، مرجع سابق .                                                                                       (2) رواه الطبراني .                                                                                                                  (3) البخاري وأبو داود والنسائي .                                                                                                    (4)رواه النسائي ، حديث صحيح .  وبالنسبة لعلاقة الصيام بالوظيفة الجنسية ، فتعتمد على تقوية الإرادة النفسية للإنسان ، مجاهدة النفس والعزوف عن المعاصي التي تؤثر على الوظيفة الجنسية، كالنظر والتفكير بالمعاصي والرذيلة ، التي تسبب زيادة الإفرازات الهرمونية الجنسية .    ومن ناحية أخرى فللصوم انعكاسات نفسية على الصائم ، تتجلى برقة المشاعر ، ونبل العواطف ، وحب الخير، والابتعاد عن الجدل والمشاكسة والميول العدوانية ، ويحس الصائم بسمو روحه وأفكاره ، ومن هنا كان الصوم جنة ووجاء .                   

الإعجاز العلمي في القرآن والسنة كوسيلة تربوية لتعميق الإيمان في نفوس الشباب والناشئة

 " المبحث الثالث "

كيفية الاستفادة من الإعجاز العلمي في القرآن  والسنة كوسيلة لترسيخ

الإيمان وتعميق العقيدة في نفوس الطلاب والناشئة

تمهيد  

  تمثل مرحلة الشباب فترة التحول الكبرى في حياة الإنسان، من حالة الطفولة والاعتماد على الغير، إلى حالة يتم فيها الإعتماد على النفس ، واكتمال النمو الحسي والعقلي والعاطفي.              والشباب هو رأس مال الأمة وعدتها وعتادها ، وحاضرها ومستقبلها وهو ثروة الأمة التي تفوق كل ثرواتها ومواردها ، فإذا أدركت الأمة كيف تحافظ على أغلى ثرواتها وكيف توجهها    وتستفيد منها ، استطاعت أن تؤدي رسالتها في الحياة تحقيقا لسر وجودها، وتعميرا للأرض ،    وإثراء للحياة وسعادة للبشرية في دينها ودنياها ، وإن لم تدرك ذلك كتب لها الشقاء والتعاسة في دينها ودنياها(1) .     ولهذا كان الاهتمام بالشباب ضرورة تفرضها مصلحة الشباب من ناحية ، والأمة من ناحية أخرى  ، فالشباب بحاجة إلى تربية تضع يده على ما أودع الله فيه من طاقات وإمكانيات وقدرات عظيمة ، بحاجة إلى تربية تشمل جسمه وعقله وعواطفه وانفعالاتها، وإلى علم يربطه بتراثه وقيمه  وأهداف مجتمعة .                                                                         أما حاجة الأمة إلى الشباب فكثيرة ومتعددة وهي :-                                            حاجة سياسية : لأن العلاقة بين السياسة والتربية علاقة تبادلية .                                 حاجة اجتماعية : لأن التربية الاجتماعية السليمة هي التي تؤدي إلى تماسك المجتمع والاعتزاز  شبابه بثقافته وقيمه وأخلاقه.----------------------------------------------------------  (1) مشكلات الشباب ، كتاب الأمة رقم (11) ، د.عباس محجوب ، ص19 ، 1406هـ .  حاجة اقتصادية: لأن الشباب هم الثروة البشرية، والطاقة الإنتاجية التي تحتاج إلى تعليم موجه يستثمرها ، ويزيد من قدرات الشباب على أسس علمية وأخلاقية تربط بين العمل وما ستلزمه من أخلاقيات وقيم توجه لخير المجتمع ورغباته وسعادته .          وحتى نستفيد من دراسة الإعجاز العلمي في كتاب السنة ، لترسيخ الإيمان وتعميق العقيدة في نفوس الشباب والناشئة نعالج هذا الموضوع في النقاط التالية :-

أولا :- بيان معنى الإعجاز وعدم التعارض مع العلم الحديث     

الإعجاز في اللغة العربية ، هو نسبة العجز على الغير قال تعالى : ( أعجزت أن أكون مثل هذا الغراب فأواري سوءة أخي(1)  ) .                                                               وتسمى المعجزة معجزة ، لأن البشر يعجزون عن الإتيان بمثلها ، وليس المقصود من إعجاز القرآن هو تعجيز البشر لذات التعجيز، وإنما الغرض إظهار أن هذا الكتاب حق ، وأن الرسول الذي جاء به رسول الله صادق، وهكذا سائر معجزات الأنبياء الكرام .   ومن وجوه إعجاز القرآن تلك الإشارات الدقيقة ، إلى بعض الآيات الكونية التي سبق إليها القرآن قبل أن يكتشفها العلم الحديث، ثم عدم تعارضه مع ما يكشفه العلم من نظريات حديثة، وقد أشار القرآن الكريم إلى هذه الناحية من نواحي الإعجاز جل شأنه : ( سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين له أنه الحق أولم يكف بربك أنه على كل شيء شهيد(2)  ) .                          ومع اعتقادنا بأن القرآن العظيم ليس بكتاب طبيعة أو هندسة أو فيزياء إنما هو كتاب ( هداية وإرشاد ) ، وكتاب ( تشريع وإصلاح ) ، ومع ذلك لم تخل آياته من الإشارات الدقيقة ، والحقائق الخفية إلى بعض المسائل الطبيعية والطبية والجغرافية ، مما يدل على إعجاز القرآن وكونه وحيا من عند الله ، فمن المقطوع به  أن محمدا صلى الله عليه وسلم كان أميا لا يقرأ ولا يكتب ، وإنما ----------------------------------------------------------  (1) البيان في علوم القرآن ، مرجع سابق، ص 124 .                                                                               (2) سورة المائدة ، الآية رقم (31) .                                                                                                 (3) سورة فصلت ، رقم الآية ( 53 ) .     نشأ في بيئة بعيدة عن مظاهر الحضارة، حيث لم تكن علوم ولا معارف ، ولا مدارس تقرأ فيها العلوم الكونية ، لأن قومه وعشيرته كانوا أميين ، ومع ذلك فإن النظريات العلمية التي أشار إليها لم تكن معلومة في عصره ، ولم يكتشف العلم أسرارها إلا من زمن قريب، وذلك من أصدق البراهين على أن هذا القرآن ، ليس من تأليف محمد - كما يزعم بعض المستشرقين – إنما هو وحي من الله عز وجل ، أنزله على قلب سيدنا صلى الله عليه وسلم ، بلسان عربي مبين .

ثانيا :- تعريف الطلاب بمجالات الإعجاز في القرآن والسنة                   

 ويكون ذلك بالطرق التالية:

أ ) عن طريق الكتب الدينية التي بين أيدي الطلبة                           وذلك  بإدخال هذه الإشارات والحقائق العلمية التي تبين الإعجاز العلمي في القرآن والسنة في مناهج الكتب الدينية التي بين أيدي الطلبة، وذلك بربط هذه المناهج الدينية بواقع الحياة المعاشة، وحتى لا يعيش الشباب في حالة من انفصام الشخصية ، بين ما يرسه ، وبين ما يجده في واقع الحياة العملي الذي يمارسه .                                                                         وأمثلة لذلك عندما يدرس الطلاب تفسير آيات القرآن الكريم في خلق الإنسان ، وأطوار الجنين من النطفة التي تمنى إلى العلقة ثم المضغة ، نقدم لهم بعض الآراء الطبية والعلمية الحديثة التي تتوافق مع تفسير القرآن ، ونبين لهم السبق والإعجاز العلمي في مثل هذه الآيات الكريمة .   ومثل آخر في أغشية الجنين عند تفسير الآية ( في ظلمات ثلاث ) ، ونقدم لهم اكتشاف العلماء المحدثين في ذلك ، ونبين أن التقدم العلمي لا يتعارض مع نصوص القرآن الكريم ، التي سبقت هذه الاكتشافات العلمية بمئات السنين ، ونبين لهم أن أسرار القرآن لا تنفذ ، وأن هناك أسرار علمية لم نعرفها بعد، ولم يكتشفها العلماء حتى الآن ، فهو صالح لكل زمان ومكان ، لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ، أنه من لدن حكيم عليم خبير .--------------------------------------------------------            ب) عن طريق الكتب العلمية التي يدرسها الطلاب في مدارسهم    وذلك بتوضيح هذه الإشارات والحقائق العلمية التي جاءت في القرآن والسنة ، وذلك في مقدمة الدروس العلمية وتمهيدا لهذه الدروس التي في الكتب المدرسية التي بين أيدي الطلاب ، وفي كل مرحلة حسب مستوى مدارك الطلبة العقلية .                                              ففي علم الكيمياء نحدثهم عن جابر بن حيان ، وغيره من علماء المسلمين وما لهم من سبق وانجازات وفضل في هذا العلم .                                                                   وفي علم الطب نحدثهم عن ابن سينا وابن النفيس وانجازاتهم في علم الطب ، ونبين أن كتبهم لا زالت مراجع يعتمد عليها علماء الغرب ، ولا تزال جامعات الغرب تحتفل بذكراهم ، في الوقت الذي نسنا نحن أنهم من  خيرة علمائنا .                                                             وفي علم البصريات نحدثهم عن ابن الهيثم ، وكيف أثبت خطأ النظريات السابقة ، وكيف سبق العلماء المحدثين إلى النظريات الحديثة .                                                             وكذا نبين لهم أن أسلافنا أدلوا بدلوهم في مختلف العلوم ، وكان لهم كسب السبق في مجالات عديدة ، وذلك بفضل تمسكهم بدينهم ودراستهم وتدبرهم لمعاني القرآن الكريم والأحاديث النبوية الشريفة .                                                                                          بهذه الطرق نستطيع أن نربط الشباب بدينهم ، ونجعلهم يقبلون على دراسة علومهم ، وقد ازدادوا إيمانا كلما تعمقوا بدراسة هذه النظريات العلمية .

ثالثا :- يجب أن نفهم الشباب أن الإسلام عقيدة وعمل وسلوك وأخلاق    

  نبين للشباب أن الإسلام ليس شعائر وطقوس دينية تمارس ، وإنما الإسلام اعتقاد في القلب يصدقه العمل ، وفي ذلك يقول عليه الصلاة والسلام : ( الإيمان ما وقر بالقلب وصدقه العمل(1) )  ويجب أن يكون سلوك الإنسان وأخلاقه نابعة من إيمانه ومعتقداته، فلا خير في قول لا يتبعه عمل ، وطوبى لمن شغله عيبه عن عيوب الناس، وأصلح خطأه قبل أن ينهى ويأمر غيره.---------------------------------------------------------- (1) رواه الديلمي  في الفردوس ، عن أنس ، ويعتبر من ضعيف الحديث .                             (( على أن بعض المنتسبين إلى الدين قد يستسهلون أداء العبادات المطلوبة، ويظهرون في المجتمع العام بالحرص على إقامتها وهم – في الوقت نفسه – يرتكبون أعمالا يأباها الخلق الكريم والإيمان الحق .                                                                                      إن نبي الإسلام توعد هؤلاء الخالطين، وحذَر أمته منهم ، ذلك أن التقليد في أشكال العبادات يستطيعه من يشرب روحها أو يرتفع لمستواها ، وربما يقدر الطفل على محاكاة أفعال الصلاة وترديد حركاتها، والحكم على مقدار الفضل وروعة السلوك، يرجع إلى مسبار لا يخطئ ، وهو الخالق العالي(1) ) .     وفي هذا ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم: (( أن رجلا قال له : يا رسول الله ، تذكر فلانة تذكر من كثرة صلاتها وصيامها ، غير أنها تؤذي جيرانها بلسانها فقال: (هي في النار)، ثم قال : يا ر سول الله  : إن فلانة تذكر من قلة صلاتها وصيامها، ,أنها تتصدق بالأثوار من الأقط _ بالقطع من الجبن – ولا تؤذي جيرانها، قال : ( هي في الجنة )(2) )) . 

رابعا:- مخاطبة الشباب باللين وجدالهم بالتي هي أحسن                    

 وذلك امتثالا لأمر رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم بما معنا أو كما قال : ( استوصوا بالشباب خيرا،فإنهم أرق أفئدة، وعندما  بعثني الله بالحنفية ، حالفني الشباب وخالفني الشيوخ(3) ))     فيجب مخاطبة الشباب باللين وإقناعهم بالحجة والبراهين المقنعة وعدم القسوة والغلظة معهم، فيأخذ باللين ما يؤخذ بالشدة ، وجاءت آيات القرآن الكريم مخاطبة النبي الكريم بالترفق واللين بالرغم من وصف القرآن له بأنه على خلق عظيم، قال تعالى : ( فبما رحمة من الله لنت لهم ولو فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك(4) ).                                                          ((والمعروف أن الخلق لا يتكون في النفس فجأة، ولا يولد قويا ناضجا ،بل يتكون على مكث، وينضج على مراحل.                                                                            ---------------------------------------------------------- (1) خلق المسلم ، محمد الغزالي ، دمشق- بيروت ، ط3 ، 1983 ، ص11 .                                                      (2) رواه أحمد .                                                                                                                      (3) خلق المسلم ، المرجع السابق ، ص 28 .          وهذا سر ارتباط نمائه بأعمال متكررة ، وخلال لها صفة الدوام كالصلاة والزكاة والتصديق بيوم الجزاء ، والإشفاق من عقاب الله .......إلخ .                                                  وإذا كانت الطبائع الرديئة دائمة الإلحاح على صاحبها ، تحاول العدم بسلوكه بين الحين والآخر ، فلن يكفكف شرها علاج مؤقت .                                                          إن الإسلام يحترم الفطرة الخالصة ، وبرى تعاليمه صدى لها، ويحذر الأهواء الجامحة ، وتقيم السدود في وجهها ، والعبادات التي أمر الله بها هي تدعيم للفطرة ، وترويض للهوى ، ولن تؤدي هذه العبادات رسالتها ، إلا إذا كانت كلها روافد لتكوين الخلق العالي والمسلك المستقيم(1) )) .

 خامسا:- توفر الصالحة في ترشيد الشباب                                   

 يجب على المعلمين وعلماء الدين في كل مكان، أن يكونوا القدوة الحسنة للشباب، وذلك بالالتزام بالأخلاق الفاضلة والسلوك الحميد ، لأنه عندما يجد الشباب أن تطبيقاتهم  وأفعالهم تخالف أقوالهم ، يتنكرون لكل تلك القيم التي تعلموها منهم ويبتعدون عنها ، وصدق المولى عز وجل حيث قال : (( أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم وأنتم تتلون الكتاب أفلا تعقلون(2) )) .                    ((كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون(3)  )) .                              فينكر الله سبحانه وتعالى عليهم مثل هذه التصرفات .   وإذا ما نزلنا إلى ميدان الحياة الواقعية ، وخضنا في نقاش الشباب ، نحاول هدايتهم وإرشادهم إلى جادة الطريق ، والعودة بهم إلى الطريق المستقيم الذي لا عوج فيه طريق الإسلام..........   فسرعان ما تسمع منهم هذه الأقوال : ( إن الشيخ الفلاني عمل كذا وكذا ...... وعمله مخالف للدين ) و ( الشيخ العلاني عمل كذا وكذا أو قال كذا وكذا .... وعمله أو قوله مخالف للدين )      فإذا تأكدنا من صحة ما يقولون عن هذا وذاك الذين يدعون أنهم مشايخ ، نقول لهم : ليس كل من لبس العمة شيخا ، وليس كل شيخ عالما في الدين ، فلا رهبانية في الإسلام ، وليس هناك رجال دين بطقوس معينة ، وإنما هناك علماء دين ربانيون مسلمون ، ويجب على كل مسلم أن يكون أن يتفقه في دينه ليؤدي الفرائض والسنن خير قيام .                                        ----------------------------------------------------------  (1) خلق المسلم ، الغزالي ، مرجع سابق .                                                                                            (2) سورة البقرة ، الآية رقم (44)                                                                                                    (3) سورة الصف ، الآية رقم (3) .  ويجب أن نبين لهؤلاء الشباب أن كثيرا من الناس يتسترون في الدين ويتخذونه ذريعة لتنفيذ أغراضهم ومآربهم الشخصية .   نقول لأبنائنا الطلاب وإخواننا الشباب أن هؤلاء الناس ليسوا مشايخ حقا ، والدين منهم براء ، ونقول لهم أيضا : " إن المشايخ ليسوا حجة على الدين وإنما الدين حجة على المشايخ وغيرهم " .   (( إن من أخطر الأمور على الساحة الإسلامية اليوم ، غياب القدوة ، وافتقاد القيادة القادرة على ترشيد الشباب ، وتمثل مشكلاته ، وإدراك حاجاته ، واستيعاب تطلعاته ونشاطاته، واغتنام تضحياته ووضعها في مصلحة الإسلام والمسلمين.                                                     ولا شك أن الشباب المسلم أنظف الناس سلوكا وأعلاهم أخلاقا، وأكثرهم وطنية ، وأشدهم على أعداء الدين والوطن، وأكثرهم حرصا على مواجهة الاستعمار، وهم أجنحة الصحوة الإسلامية ، ورصيدها الدائب ، ونبعها الذي لا ينضب ، هم رواد المساجد ، القارئون لكتاب الله ، لذلك فهم المستهدفون دائما .                                                                          ولا خيار للشباب المسلم اليوم في التعرف على مشكلات أمته والتحديات التي يواجهها ، والنزول إلى الساحة وحمل هموم جماهير الأمة والاضطلاع بها والتضحية في سبيلها(1) )) .     ----------------------------------------------------------  (1) مشكلات الشباب ، د عباس محجوب ، مرجع سابق، ص13  

 توصيات ونتائج البحث 

 1- القرآن الكريم ليس كتاب علوم كونية أو طبيعية أو كونية، نجد فيه كل ما يقدم العلم من إنتاج ،      القرآن الكريم منهج إلهي لسعادة الفرد وسلامة المجتمع، فيه إشارات علمية تخاطب العقل لتثبت      أنه وحي موحى ، أنزلت على قلب محمد صلى الله عليه وسلم لتكون معجزات خالدة على مر      الزمان، تثبت الإيمان بالله، وتزيد المؤمنين بكتاب الله . 2- يجب علينا أن نسعى في طلب العلوم كلها وبدون استثناء ، وذلك لكي تصبح مصانع طائراتنا ،      وسياراتنا وموارد تغذيتنا  بأيدينا ، بأيد عربية وإسلامية ، وحتى لا نكون فريسة سهلة بأيدي       أعدائنا .....يعطونا متى شاءوا ، ويحرموننا متى ما أرادوا ، ولله در الشاعر العربي الذي يتذكر     أيام عزنا ومجدنا في الأيام السالفة بقوله :                                                                                بأنا المانعون إذا أردنـــــــــا               وأنا النازلون بحيث شينا                                     ونشرب إن وردنا الماء صفوا             وشرب غيرنا كدرا وطينا                    ويجب علينا إعداد العدة في كافة المجالات لتحقيق المراد من قوله تعالى في الآية الشريفة:          (( وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن ركاب الخيل ......(1) )) .3- إعادة النظر في مناهج وكتب التربية الإسلامية                                                           وذلك لربط الشباب بواقع الحياة المعاش ، وبحيث تتضمن الإشارات والحقائق العلمية التي جاءت موافقة ومؤيدة للنصوص القرآنية ، مع بيان الإعجاز العلمي في كل منها، وذلك لترسيخ العقيدة وتعميق الإيمان في نفوس الطلاب والناشئة .4- ضرورة اشتمال الكتب العلمية التي بين أيدي الطلاب ، على الحقائق والإشارات العلمية  التي      جاءت في القرآن والسنة ، وذلك عند دراسة كل موضوع من هذه المواضيع العلمية، والسنة،      وإبراز مدى السبق الذي أحرزه علماء المسلمين في مختلف المجالات العلمية .-------------------------------------------------------------------------------------------- (1) سورة الأنفال ، الآية رقم (60 ) .     وليكون ذلك مثار فخر واعتزاز للطلاب والشبيبة ، وليعمق إيمانهم ويرسخ العقيدة في نفوسهم.    ومن الحقائق المرة التي يؤسف لها ، أننا نجد أبناءنا وطلابنا هذه الأيام يعرفون عن نيوتن  وأرخميدس وأفلاطون وأرسطو وبيكون وديكارت ، أكثر من معرفتهم عن ابن سينا والفارابي وابن الهيثم وابن رشد وجابر بن حيان وابن خلدون. وذلك لأن معظم الكتب العلمية التي بين أيدي الطلاب ، وفي معظم البلاد الإسلامية ، ركزت على مكتشفي النظريات الحديثة ، ونست أو تناست مجد الرواد الأوائل وفضلهم من علماء المسلمين الأفذاذ .5- إتباع اللين والمعاملة الحسنة في إقناع الشباب :-                                                         إن الشباب عتاد الأمة ودرعها الحصين ومستقبلها المشرق ، وهم أرق أفئدة ، لذا يجب معاملتهم باللين واللطف ، وإتباع الحجج والبراهين المختلفة في إقناعهم وهدايتهم ، وعدم استعمال الشدة والقسوة ، حتى لا ينفرون ويبتعدون عما ندعوهم إليه ، وصدق الحق حيث قال : (( فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك(1)  ) .6- ضرورة وجود القدوة الصالحة في ترشيد الشباب                                                        وخاصة من المعلمين وعلماء الدين والدعاة المعنيين بتعليم الشباب والطلاب وإرشادهم إلى كل ما فيه الخير.                                                                                                     ولا شك في أن الرسول صلى الله عليه وسلم هو النموذج الأمثل والنبراس الأكمل ، الذي يجب على الجميع أن يقتدي به ويسير على هديه وينتهج سنته قال تعالى : (( لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لم كان يرجو الله واليوم الآخر(2) )) .  -------------------------------------------------------------------------------------------- (1) سورة آل عمران ، الآية ( 159 ) .                                                                                                              (2) سورة الممتحنة ، الآية  (6) .     

  فهرس المراجع

 1- القرآن الكريم وتفاسيره المعتمدة .                                                                     2- كتب الحديث ، الصحاح والمسانيد .

                                                                   3- المسلمون والعلم الحديث ، عبد الرزاق نوفل، دار الكتاب العربي ، بيروت ، ط3 . 

              4- مع الطب في القرآن الكريم ، د.محمد ذياب و د. أحمد قرقور، مؤسسة علوم القرآن الكريم.

     5- التبيان في علوم القرآن ، محمد علي الصابوني ، مكتبة الغزالي ، دمشق . 

                       6- خلق المسلم ، محمد الغزالي ، دار القلم ، بيروت ، دمشق . 

                                        7- مشكلات الشباب، الحلول المطروحة ، د. عباس محجوب ، كتاب الأمة رقم 11 . 

              8- الإنسان بين العلم والدين ، شوقي أبو خليل، دار الفكر، دمشق . 

                                   9- فلسفة الطب وعام الأرض العام ، د. حسني صبيح .  

                                               10- العسل فيه شفاء للناس ، نزار الدقر .  

                                                              11- مباحث في علوم القرآن ، مناع القطان ، مؤسسة الرسالة ، ط9 . 

                               12- لسان العرب، معجم ، ابن منظور.  

                                                                13- عليها تسعة عشر ، الإعجاز العددي في القرآن الكريم، بحث د. رشاد خليفة . 

                  14- مجلة الجندي المسلم، مقال بعنوان ( العلقة بين القرآن وحقيقة العلم) ، د. محمد عبد الله             الشرقاوي ، عدد 39 .                                 

أثر التربية الإيمانية في تكوين شخصية الناششئة

 بسم الله الرحمن الرحيم 

"خطة البحث"

 (( أثر التربية الإيمانية في تكوين شخصية الناشئين ))"

خلال مراحل النمو المختلفة "

 تمهيد:-      

   أ) الحاجة الماسة إلى التربية الإسلامية في عالم اليوم. 

       ب) مفهوم التربية والتعليم

المبحث الأول: مجالات التربية الإسلامي           

المبحث الثاني: وسائل التربية الإسلامية.

المبحث الثالث: صفات المربي المسلم.

المبحث الرابع : أسباب الانحراف في المجتمع المسلم وكيفية علاجه.

المبحث الخامس: أهداف التربية والتعليم في المجتمع المسلم.

المبحث السادس: دور كل من البيت والمسجد والمدرسة في التربية وسبل تعاونها.

الخاتمة:-           توصيات ونتائج البحث.

                                                                                          تمهيد:-

أ) الحاجة إلى التربية الإسلامية في عالم اليوم:- 

  إن الفراغ الروحي والخواء الفكري والصراع العقدي الذي يكتنف عالم اليوم، يجعلنا في أمس الحاجة إلى الإنكباب على مبادئ التربية الإسلامية لدراستها ، والاغتراف من معينها الصافي الذي لا ينضب على مر الأيام والسنين .   وإن الغزو الفكري الذي يتعرض له أبناء الأمة الإسلامية في كل مكان ، ممثلا بحملات المستشرقين والبعثات التبشيرية، وترويج الأفكار الشيوعية والرأسمالية، وذلك من خلال الترابط الاقتصادي والثقافي بين الدول المختلفة ومحاولات الهيمنة المستمرة .      إن كل هذه الأفكار ستجد المرتع الخصب بين أبنائنا إذا لم نحصنهم بالتوعية الإسلامية،ونربيهم التربية الإيمانية الحق، كي يرفضوا هذه الأفكار ويفندوا مزاعمها، وليس هذا فحسب، بل نعدهم ليكونوا دعاة صالحين، وهداة للبشرية كافة لرفع راية الإسلام في كل مكان، فرسالة الإسلام عامة وقد جاء هذا الدين ليظهر على الدين كله، والجهاد قائم حتى قيام الساعة، والأمانة التي حملها الإنسان هي إقامة شرع الله في الأرض قال تعالى : " وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله(1) " وقال تعالى : " وكان حقا علينا نصر المؤمنين(2) ".

ب) مفهوم التربية والتعليم وأهميته:-  

 1- مفهوم التربية والتعليم:-                                                                                 

" هناك فرق بين التربية والتعليم، فالتربية إعداد الفرد بكل وسيلة من وسائل التربية المختلفة، كي ينتفع بمواهبه وميوله ويحيا حياة فاضلة في المجتمع الذي يعيش فيه، وتشمل التربية الوطنية والجسمية والعقلية والخلقية والاجتماعية والسياسية والوجدانية والجمالية، وتهدف للوصول إلى المثل الأعلى للإنسان الكامل.                                                                                 أما التعليم فهو ناحية من تلك النواحي المختلفة للتربية، فالتعليم جزء من التربية العقلية، والغرض منه كسب المعرفة والمهارة والدراية بعلم من العلوم أو حرفة من الحرف(3) "

--------------------------------------------------------------------------------------------  (1) سورة البقرة ، رقم الآية (193) .                                                                                                                 (2) سورة الروم، رقم الآية (47 ) .                                                                                                                 

 (3) روح التربية والتعليم ، محمد عطية الأبراشي، دار إحياء الكتب العربية، ط4، 1950م، ص14 .   

 ولقد حاول الكثيرون أن يعرفوا التربية ، واختلفوا كثيرا في تعريفها اختلافهم في الغرض منها، ومن هذه التعاريف(1) :- التربية هي إعطاء الجسم كل ما يمكن من الجمال والكمال ( أفلاطون) .                             – إن الغرض من التربية إعداد العقل لكسب العلم كما تعد الأرض للزرع (آرسطو ).                – الغرض من التربية أن تصل بالإنسان إلى الكمال الممكن ( كانت ) .                                – التربية إعداد الإنسان ليحيا حياة كاملة  ( هربرت سبنسر ) .  والحق أن كل تعريف من هذه التعريفات يحمل في ثناياه مثلا من المثل العليا التي يبتغي المربون الوصول إليها،  ونرى أن تعريف التربية من وجهة نظر إسلامية هي: إعداد الفرد ليكون لبنة صالحة ضمن مجتمع فاضل ليجعل من حياتهم الدنيوية الفانية وسيلة لنيل رضا الله في الآخرة .     وهذا الإعداد يشمل جميع نواحي الحياة الخلقية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية، فالإسلام دين شامل متكامل يعنى بجميع شؤون الحياة ، صغيرها وكبيرها ، كل لا يتجزأ ، وجاء في الحديث عن الرسول صلى الله عليه وسلم بما معناه أو كما قال : " تركتكم على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك(2)  "

.2- أهمية التربية والتعليم:-   إن التربية والتعليم أساس النجاح في المجتمع، فالعلم نور والجهل ظلام، ولقد جاء الدين الإسلامي لينقذ الإنسانية جمعاء من ظلمات الجهل إلى نور الإيمان  قال تعالى: " الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت يخرجونهم من النور إلى الظلمات(3)" . ويقول الشاعر:  تعلم فليس المرء يولد عالما            وليس أخو علم كمن هو جاهل                                    وإن كبير القوم لا علم عنده           صغير إذا التفت عليه المحافـل                وقال عبدالملك بن مروان لبنيه: " يا بني تعلموا العلم فإن كنتم سادة فقتم، وإن كنتم وسطا سدتم وإن كنتم سوقة عشتم " . وقال مصعب بن الزبير لابنه :" تعلم العلم فإن لم يكن لك جمال كان لك جمالا، وإن لم يكن لك مال كان لك مالا " .                                                                       -------------------------------------------------------------------------------------------   (1) روح التربية الإسلامية ، مرجع سابق، ص 6 .                                                                                                 (2)  رواه ابن ماجة، والحاكم ، وأحمد.                                                                                                               (3) سورة البقرة، الآية رقم (257) .  

  وقد قال (بسمارك) بعد الحرب السبعينية وبعد توحيد الأمة الألمانية بعد أن كانت منقسمة إلى أكثر من ثلاث وثلاثين ولاية " لقد غلبنا جارتنا بمعلم المدرسة " .   ولا تستطيع أمة أن تجاري ركب الحضارة المعاصرة ، إلا بتعليم أبنائها العلوم الدينية والعلوم المعاصرة الحديثة بكافة أنواعها وفروعها ، فتعليم هذه العلوم الحديثة فرض كفاية على الأمة، أما العلوم الدينية فيجب على كل مسلم تعلم أمور دينه، التي تصلح شأنه في دينه ودنياه ، وأما التعمق في العلوم الدينية ، فيبقى لعلماء الأمة والراسخين منهم في هذا المجال .   ومسك الختام نجده في توجيه نبينا الكريم محمد صلى الله عليه وسلم في الحث على التعلم وبيان فضل أهل العلم في قوله : " من سلك طريقا يبتغي فيه علما سهل الله له به طريقا إلى الجنة.......... ........ وفضل العالم على العابد كفضل القمر على سائر الكواكب(1) " .                                                                                                                                    

(1) رواه مسلم  

"المبحث الأول"مجالات التربية الإسلامية  

 من خلال تعريفنا للتربية الإسلامية في المجتمع الإسلامي بأنها إعداد الفرد ليكون لبنة صالحة في المجتمع الإسلامي الفاضل، لذلك فإن مجالات التربية متعددة وشاملة، تبدأ منذ ولادة الإنسان إلى أن يدرج الولد في مرحلتي التمييز والمراهقة إلى أن يصبح سويا مكتملا وتشمل المجالات التالية:-1- التربية الإيمانية.2- التربية الخلقية3- التربية الجسمية .4- التربية العقلية .5- التربية النفسية,6- التربية الاجتماعية.7- التربية الجنسية .   ونبحث بإيجاز كلا من هذه المجالات التربوية على النحو التالي(1):-

أولا:- التربية الإيمانية                                                                المقصود بالتربية الإيمانية ربط الولد منذ صغره بأصول الدين، وتعويده منذ بداية فهمه أركان الإسلام، وتعليمه من حين تمييزه مبادئ الشريعة الغراء وتتلخص مسئولية المربين في هذا المجال  بما يلــي :-                                                                                                  1- أن يرشدهم إلى الإيمان بالله وقدرته المعجزة وإبداعه الرائع عن طريق التأمل والتفكير في خلق السماوات والأرض ، واختلاف الليل والنهار قال تعالى: " إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار والفلك التي تجري في البحر بما ينفع الناس..... لآيات لقوم يعقلون(2) " . 

    ------------------------------------------------------------------------------------------- (1) تربية الأبناء في الإسلام، عبدالله علوان، دار السلام للطباعة، حلب، 1981، الطبعة الثالثة، ص140 وما بعدها.                         (2) سورة البقرة، الآية (164) .

  2- أن يغرسوا في نفوسهم روح الخشونة والتقوى والعبودية لله رب العالمين، وذلك بتعويدهم وترويضهم منذ الصغر حب العبادة  لله قال تعالى :" قد أفلح المؤمنون الذين هم في صلاتهم خاشعون(1) " .                                                                                              3– أن يربوا فيهم روح المراقبة لله تعالى سبحانه، في كل تصرفاتهم وأحوالهم وتعريفهم بأن معنى الإحسان " أن تعبد الله كأنك تراه ، فإن لم تكن تراه فإنه يراك " فالإنسان يجب أن يجعل من نفسه رقيبا عليها ومحاسبا لها ،قال تعالى: " إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون(2) " .               وقال تعالى : " وإما ينزغنك الشيطان نزغ فاستعذ بالله إنه سميع عليم* إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون(3) " .                                                      ثانيا:- التربية           

  الخلقية                                                                يقصد بالتربية الخلقية مجموعة المبادئ الخلقية والفضائل السلوكية التي يجب أن يتعلمها الإنسان منذ صغره إلى  أن يخوض خضم الحياة، ولقد وصف الله سبحانه وتعالى رسوله الحبيب في القرآن الكريم بقوله " وإنك لعلى خلق عظيم(4) " ، وأمرنا باتخاذ الرسول صلى الله عليه وسلم قدوة حسنة في القول والعمل قال تعالى: " لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة(5) " .                              ولا شك أن الرسول عليه السلام قد وضع لأولياء الأمور والآباء والمربين، المنهج العلمي والعملي والمبادئ الصحيحة في تربية الولد على الخلق القويم والشخصية الإسلامية المميزة وأهم بنود هذا المنهج :-1

- التحذير من التشبيه والتقليد الأعمى                                                                     قال عليه الصلاة والسلام : " ليس منا من تشبه بغيرنا ، لا تشبهوا باليهود ولا بالنصارى(6) " .  2– النهي عن الاستغراق في التنعيم   قال عليه السلام: " إياكم والتنعم وزي أهل الشرك(7) " .3- النهي عن الاستماع إلى الموسيقى والغناء الخليع                                                      عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " من استمع إلى صوت غناء لم يؤذن له أن يسمع إلى صوت الروحانيين في الجنة(8) " .                               --------------------------------------------------------------------------------------------  (1) سورة المؤمنون الآيات (1-2) .                                        (5) سورة الأحزاب الآية (21)                                       (2)سورة النحل الآية (128).                                                (6) رواه الترمذي.                                                   (3)سورة الأعراف الآيات (200-201) .                                     (7) متفق عليه.     (4) سورة القلم الآية (4) .                                                    (8) رواه الترمذي .   

 4- النهي عن التخنث والتشبه بالنساء                                                                      عن ابن عباس رضي الله عنهما أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: " لعن الله المتخنثين من الرجال والمترجلات من النساء(1)  " .

5- النهي عن السفور والتبرج والنظر إلى المحرمات                                                       قال تعالى : " قل للمؤمنين أن يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم(2) " .                       وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " صنفان من أهل النار لم أرهما ، قوم معهم سياط كأذناب البقر يضربون بها الناس، ونساء كاسيات عاريات مائلات مميلات رؤوسهن كأسنمة البخت المائلة ، لا يدخلن الجنة ولا يجدن ريحها، وإن ريحها من مسيرة خمسمائة عام(3) " .                              ثالثا:- التربية الجسمية                                                                                    المقصود بالتربية الجسمية تنشئة الأبناء على خير ما ينشئون عليه من قوة الجسم، وسلامة البدن. ومظاهر الصحة والحيوية والنشاط ومن مبادئ التربية في هذا المجال ما يلي:-                

 1- وجوب النفقة على الأهل والولد                                                                         في الحديث عن الرسول عليه السلام قال: " كفى بالمرء إثما أن يضيع من يقوت(4)" .             ومن ذلك تهيئة الأب لأهله ولعياله الغذاء والكساء والسكن الملائم حتى لا تتعرض أجسامهم للأسقام .2

- إتباع القواعد الصحية في المأكل والمشرب                                                      قال عليه السلام : " ما ملأ آدمي وعاء شر من بطنه(5) " .

3- التحذير من الأمراض السارية                                                                             قال عليه السلام: " فر من الجذام فرارك من الأسد(6) " . 

 4- معالجة المرض بالتداوي                                                                                   قال عليه السلام: " لكل داء دواء فإذا أصاب الدواء الداء برأ بإذن الله عز وجل(7) " .             ------------------------------------------------------------------------------------------- (1) رواه البخاري وأبو داود والترمذي                                5- رواه الإمام الترمذي وغيره.                                            (2) سورة النور الآية رقم (30) .                                     6- رواه البخاري .                                                           (3) رواه مسلم .                                                        7- رواه مسلم وأحمد .                                                       (4) رواه أبو داود.     

 5- تطبيق مبدأ : " لا ضرر ولا ضرار(1) "                                                                فهذا الحديث قاعدة شرعية هامة توجب على الإنسان المحافظة على صحته وجسمه، ووقايته من الأمراض السارية والمعدية وإتباع الإرشادات الصحية في ذلك .  6- تعويد الولد على ممارسة الرياضة وألعاب الفروسية                             

                      تحقيقا لقوله تعالى: "وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة(2) " .وروى مسلم في صحيحه أن  رسول الله عليه السلام ، تلا قوله تعالى :" وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة " ثم قال : " آلا إن القوة الرمي، آلا إن القوة الرمي" .7

- التحذير من الظواهر السيئة المتفشية في المجتمع والضارة بالجسم                                  مثل ظاهرة التدخين والعادة السرية ، والمخدرات، وظاهرة الزنى واللواط قال تعالى:            " ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث(3) "

 رابعا:- مسئولية التربية العقلية                                                       المقصود بالتربية العقلية تكوين فكر الولد بما هو نافع من العلوم الشرعية والثقافة العلمية والعصرية، والتوعية الفكرية والحضارية، لذلك فهي توعية وتثقيف وتعليم ويتجلى أثر التوعية العقلية في الأمور التالية :-                                                                                  1- الواجب التعليمي:-                                                                                          وقد حث الإسلام في مواطن كثيرة على العلم والتعليم فقال تعالى:-                                  " يرفع الله الذين آمنوا والذين أوتوا العلم درجات(4) " .                                                  وقال عليه السلام :- " من خرج في سبيل العلم فهو في سبيل الله حتى يرجع(5) .                    

 2- مسئولية التوعية الفكرية:-                                                                               ومن أهم مظاهر التوعية الفكرية التعريف بما يلي :-                                                  أ) خلود الإسلام وصلاحيته لكل زمان ومكان.                                                           ب) السلف الصالح وما وصلوا إليه من عزة وقوة بفضل الإسلام ، وتطبيق أنظمة القرآن .         ج) الكشف عن المخططات التي يرسمها أعداء الإسلام .   

                                             -------------------------------------------------------------------------------------------- (1) رواه مالك وابن ماجه                                               (4) سورة المجادلة ، الآية (11) .                                        (2) سورة الأنفال، الآية رقم(60)                                       (5) رواه الترمذي عن أبي هريره.                                       (3) سورة الأعراف ، الآية (57).

 د) الكشف عن الحضارة الإسلامية التي كانت الدنيا بأسرها ترتشف من معينها وستظل مشعلا للحضارة الإنسانية، لأن مصدرها الأساسي القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة، وقد حفظ الله القرآن من التغيير والتبديل بقولة " إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون " .

خامسا:- التربية النفسية                                                             ويقصد بها تربية الولد منذ أن يعقل ، على الجرأة والصراحة والشجاعة والشعور بالكمال وحب الآخرين ، والتحلي بكل الفضائل النفسية والخلقية، ومن أهم الظواهر التي يجب على المربين أن يحرروا أولادهم منها وهي:-                                                                                1- ظاهرة الخجل          2- ظاهرة الخوف     3- ظاهرة الشعور بالنقص                          4- ظاهرة الحسد           5- ظاهرة الغضب                                                               وقد ضرب لنا السلف الصالح المثل الأعلى في تربية الأبناء تربية إسلامية كانت مثال الجرأة والشجاعة، ومما تناقلته كتب الأدب، أنه دخل على عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه في أول خلافته وفود المهنئين من كل جهة ، فتقدم من وفد الحجاز غلام صغير يبلغ سنه إحدى عشرة سنة          فقال له عمر: ارجع أنت وليتقدم من هو أسن منك .                                                      فقال له الغلام: أيد الله الأمير، المرء بأصغريه : قلبه ولسانه فإذا منح الله العبد لسانا لافظا وقلبا حافظا، فقد استحق الكلام، ولو أن الأمر – يا أمير المؤمنين – بالسن لكان في الأمة من هو أحق منك بالمجلس فتعجب عمر من كلامه وأنشد :                                                                                تعلم فليس المرء يولد عالما           وليس أخو علم كمن هو جاهل                                    وإن كبير القوم لا علم عنده           صغير إذا التفت عليه  المحافل           سادسا :- التربية

الاجتماعية                                                       يقصد بالتربية الاجتماعية تأديب الولد منذ نعومة أظفاره على التزام آداب اجتماعية فاضلة من العقيدة الإسلامية الخالدة ، والشعور الإيماني العميق، ومن أهم الأسس التي يجب إتباعها: 1- غر س الأصول النفسية النبيلة مثل : التقوى، الأخوة ، الرحمة، الإيثار،العفو والجرأة.2- مراعاة حقوق الآخرين مثل حقوق الوالدين، حقوق الأرحام ، حق المعلم،حق الرفيق وغيرهم.  3- احترام الآداب الاجتماعية مثل:آداب الطعام،آداب السلام، آداب المجلس،آداب الحديث وغيرها.  4- المراقبة والنقد الاجتماعي مثل : الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، شريطة أن يكون فعل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مطابقا لأقواله وأفعاله، قال تعالى : " أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم وأنتم تتلون الكتاب أفلا تعقلون(1) " .  ---------------------------------------------------------------------------------------       (1) سورة البقرة ، الآية (44) .

 سابعا:- التربية الجنسية     

 يقصد بالتربية الجنسية تعويد الولد وتوعيته ومصارحته منذ أن يعقل، القضايا التي تتعلق بالجنس وترتبط بالغريزة وتتعلق بالزواج ، ويندرج في تعليم الولد هذه الأشياء على مراحل تبعا لسني عمره على النحو التالي:                                                                             1- آداب الاستئذان                                                                                              قال تعالى: " وإذا بلغ الأطفال منكم الحلم فليستأذنوا كما استأذن الذين من قبلهم(1)                   2- آداب النظر                                                                                                  يجوز النظر إلى المحارم ، ولا يجوز النظر إلى المرأة الأجنبية على تفصيل في ذلك.            3- تجنيب الولد الإثارات الجنسية                                                                               قال تعالى : " وليضربن بخمرهن على جيوبهن ولا يبدين زينتهن إل لبعولتهن ...(2) ".        وقال عليه الصلاة والسلام: " مروا أبناءكم بالصلاة لسبع واضربوهم عليها لعشر، وفرقوا بينهم في المضاجع(3) " .                                                                                                 4- تعليم الولد أحكام المراهقة                                                                                 ومن أمثلة ذلك أنه يجب على المربى أن يصارح الولد سواء كان ذكرا أم أنثى بأنه إذا احتلم وخرج منه المني وجب عليه الغسل، وكذلك إذا استمنى ونزل منه المني وجب عليه الغسل.          ودليل ذلك ما رواه أحمد والنسائي عن خولة بنت حكيم، أنها سألت النبي عليه السلام عن المرأة ترى في المنام ما يراه الرجل فقال: " ليس عليها غسل حتى تنزل كما أن الرجل ليس عليه غسل حتى ينزل " .                                                                                                5- الزواج والاتصال الجنسي                                                                                 قال تعالى:" ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة(4)        وقال عليه الصلاة والسلام: " ............ وفي بضع أحدكم صدقة(5) . "                           6-  " وليستعفف الذين لا يجدون نكاحا حتى يغنيهم الله من فضله(6)."                                       هذه الدعوة القرآنية إلى العفة تربية نفسية كريمة تقوي في نفوس الشباب الإرادة والعزيمة وتمنحهم الطمأنينة والاستقرار .                                                                                  إن كل هذه الآيات والأحاديث التي تتحدث عن الجنس والاتصال الجنسي لهي أبلغ وأقوى إشارة على وجوب تثقيف أبنائنا ثقافة جنسية تبعدهم عن الزلل وترشدهم إلى  الصواب.

              ------------------------------------------------------------------------------------------- (1)سورة النور، الآية (59).                                  (2) سورة النور، الآية (31)                                                        (3)رواه الحاكم وأبو داود.                                     (4) سورة الروم، الآية (41).                                                      

(5) رواه مسلم .                                                (6) سورة النور، الآية(33) .     "المبحث الثاني"وســـائــل التربيــة الإســـلامية       من أهم وسائل التربية الإسلامية ، الأخذ بيد الولد للوصول به إلى بر الأمان، والابتعاد به عن مزالق السوء ، ونعالج أهم هذه الوسائل على النحو التالي(1):- أولا:- التربية بالقدوة    

   القدوة في التربية هي من أنجع الوسائل المؤثرة في إعداد الولد خلقيا وسلوكيا ، وتكوينه نفسيا  واجتماعيا ، لأن المربي هو المثل الأعلى في نظر الطفل، يقلده سلوكيا، ويحاكيه خلقيا، بل وتنطبع في نفسه وإحساسه صورته القولية والفعلية والحسية والمعنوية، من حيث يدري ولا يدري.ونبحث هذا الموضوع من حيث النقاط التالية:1- الرسول صلى الله عليه وسلم هو القدوة الحسنة.2- التأسي بأصحاب الرسول رضوان الله عليهم.3- أثر الأب والصحبة والمعلم في التربية . .1- الرسول صلى الله عليه وسلم هو القدوة الحسنة     لا شك أن الرسول صلى الله عليه وسلم هو الأسوة الحسنة التي يجب علينا إتباعها، فأصول  العبادة تجريد الإخلاص لله، وتجريد المتابعة للرسول صلى الله عليه وسلم، قال تعالى: " وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا(2) " .                                                                                        ---------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------- (1) تربية الأبناء في الإسلام ، مرجع سابق ، الجزء الثاني، ص632 .                                                                            (2) سورة الحشر ، الآية رقم (7) .  قال تعالى: " لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة .......(1) "                                              ولقد ضرب لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم المثل الأعلى في الخلق الحسن والسيرة العطرة، وكان خير معلم ومربي لأصحابه، وقد قال عليه السلام : " إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق " ، وعندما سئلت السيدة عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها قالت : " كان خلقه القرآن " وكفاه فخرا أن الله سبحانه وتعالى أدبه فأحسن تأديبه ، قال عليه السلام عن نفسه : " أدبني ربي فأحسن تأديبي(2) " كان رسول الله صلى الله عليه وسلم  قدوة في الأخلاق الفاضلة:-                                          وحسبه في ذلك قول الله عز وجل : " وإنك لعلى خلق عظيم(3) " .وكان عليه السلام قدوة في الكرم :-                                                                          فكان يعطي عطاء من لا يخشى فقرا ، وكان أجود ما يكون في رمضان .وكان عليه السلام قدوة في الزهد:-                                                                       قال عليه السلام:"...... مالي وللدنيا، ما أنا والدنيا إلا كراكب استظل تحت شجرة ثم راح وتركها(4وكان عليه السلام قدوة في الحلم:-                                                                          وخير دليل معاملته لأهل مكة يوم فتحها الله عليه قال لهم: " اذهبوا فأنتم الطلقاء " .وكان عليه السلام قدوة في القوة الجسدية :-                                                               فقد صرع عليه السلام سيد المصارعين ركانه  ثلاث مرات ، وقال له بعد الثالثة أشهد أنك رسول الله .وكان قدوة في الشجاعة:-                                                                                     فقد وقف يوم حنين على بغلته والناس يفرون من قبله وهو يقول: " أنا النبي لا كذب أنا ابن عبدالمطلب " فما رئي أحد يومئذ كان أثبت منه، ولا أقرب للعدو(5*) .2- التأسي بأصحاب الرسول رضوان الله عليهم.    فقد كان الصحابة رضوان الله عليهم، خير مثل يحتذى، لأنهم تشرفوا بصحبة الرسول صلى الله عليه وسلم، وتتلمذوا على يده، وعمر القرآن قلوبهم، فإذا نزلت الآيات على رسول الله تدارسوها-

------------------------------------------------------------------------------------------- (1)سورة الأحزاب، الآية رقم(21) .                                     (4)                                                                         (2) رسول العسكري،وابن السمعاني، وفي سنده ضعف                (5) بطل الأبطال ، لمؤلفه عبد الحمن عزام .                          (3) سورة القلم، رقم الآية ( 4) .

    وحفظوا وفهموا معناها، فكيف لا يكونون كذلك؟ والله سبحانه وتعالى يقول فيهم : " أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده(1) " .                                                                                  ويقول عليه السلام : " أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم (2) " .

 3- أثر المعلم والصحبة والبيت في التربية :-                                                         إن أقرب الناس إلى الولد أهله في البيت ومعلموه وزملاؤه ي المدرسة، وأصحابه الذين يقضي معهم وقتا في اللعب أو المذاكرة .                                                                              فالأب مثلا إذا أراد أن يعلم ولده الصدق، يجب أن يكون صادقا معه ،قال عليه الصلاة والسلام: " من قال لصبي تعال –هاك- ثم لم يعطه فهي كذبة(3) " .                                                   والمعلم يجب أن يخلص لتلاميذه فيعودهم الأخلاق الفاضلة ولا يصدر منه أي تصرف غير ملائم، لأنهم سرعان ما يقلدونه ، ولله در الشاعر حيث قال:                                                        وإذا المعلم ساء لحظ بصيرة                 جاءت على يده البصائر حولا                    والصحبة أثرها كبير على تصرفات الإنسان، جاء في الحديث الشريف بما معناه أـو كما قال:     " المرء بخليله فلينظر أحدكم إلى من يخالل " ، وكل قرين بالمقارن يقتدي، وليس في ذلك أبلغ من قول الله عز وجل: " الإخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو ألا المتقين(4) " .

  ثانيا :- التربية بالعادة     من الأمور المقررة في الشريعة الإسلامية، أن الولد مفطور منذ خلقته على التوحيد الخالص والدين القيم والإيمان بالله ،مصداقا لقوله تعالى: " فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون(5) " . ومصداقا لقول الرسول صلى الله عليه وسلم : " كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه(6) " .                                                                                  -------------------------------------------------------------------------------------------  (1) سورة الأنعام، الآية رقم (90) .                                        (4) سورة الزخرف، الآية (69).                                     (2) رواه البيهقي والديلمي .                                                 (5) سورة الروم الآية (30) .                                          (3) رواه أحمد وغيره.                                                      (6) رواه البخاري                                                                                 ومن أهم العوامل التي تؤثر في التربية بالعادة:-أ ) عامل التربية الإسلامية الفاضلة:    وذلك بتعويد الولد منذ نعومة أظفاره العادات الحسنة والأخلاق الفاضلة ، وتلقينه مبادئ الإسلام، ويقول عليه الصلاة والسلام: " لأن يؤدب الرجل ولده خير له أن يتصدق بصاع(1) " .                ويقول أيضا : " ما نحل والد ولده أفضل من أدب حسن(2) " .ب) عامل البيئة الصالحة:    وكذلك فإن للبيئة الصالحة أكبر الأثر في تربية المسلم على الصلاح والتقوى ، وتكوينه على  أساس العقيدة والإيمان والإخلاص، وعن ابن سيناء في تربية أولاده، وتأثره بالبيئة الصالحة قوله:   " أن يكون مع الصبي في مكتبه صبية ، حسنة آدابهم ، مرضية عاداتهم، لأن الصبي عن الصبي ألقن، وهو عنه آخذ وبه آنس " . 

   ثالثا:- التربية بالموعظة      إن التربية بالموعظة من أهم وسائل التربية الإسلامية، فالموعظة الحسنة والنصيحة الطيبة، لها أثر كبير في تبصر الولد حقائق الأشياء وتحليه بمكارم الأخلاق وتوعيته بمبادئ الإسلام، ولنا في القرآن الكريم خير مرشد بإتباع هذا الأسلوب من التربية ، قال تعالى في سورة لقمان:                " وإذ قال لقمان لابنه وهو يعظه يا بني لا تشرك بالله إن الشرك لظلم عظيم(3) "                     وأساليب الموعظة في القرآن الكريم والسنة النبوية كثيرة منها:                                         1- النداء ألإقناعي مصحوبا بالاستعطاف أو الاستنكار                                                      قال تعالى على لسان نوح عليه السلام: " يا بني اركب معنى ولا تكن من الكافرين(4) " .       والنداء للمؤمنين قال تعالى:" يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم....(5).    2– الأسلوب القصصي مصحوبا بالعبرة والموعظة                                                       قال تعالى: " فاقصص القصص لعلهم يتفكرون(6) " ، ومثل قصة الأقرع والأبرص والأعمى ، في الحديث عن أبي هريرة ، كما رواها البخاري ومسلم ، وهي قصة مشهورة.                       --------------------------------------------------------------------------------------------  (1) رواه الترمذي                                                  (4) سورة هود ، الآية (44) .                                                   (2) رواه الترمذي                                                  (5) سورة الأنفال، الآية رقم (24) .                                            (3) سورة لقمان، الآية رقم (12).                                (6) سورة الأعراف، الآية (176) .   3- انتهاج أسلوب الحوار والاستجواب  مثل حديث " أتدرون من المفلس.............(!) " .4- الموعظة بضرب المثل   مثل حديث " مثل المؤمن الذي يقرأ القرآن كمثل الأترجه.......(2) " .

 رابعا:- التربية بالملاحظة      ويقصد بها ملاحظة الولد وملازمته في التكوين العقيدي والأخلاقي ،وحاله في تربيته الجسمية وتحصيله العلمي.                                                                                                ومن الأمور التي لا يختلف عليها اثنان، أن ملاحظة الولد ومراقبته لدى المربي هي من أفضل أسس التربية وأطهرها ، لأن الولد موضوع تحت مجهر الملاحظة، وترصد عليه جميع حركاته وأقواله وأفعاله، فإن رأى خيرا أكرمه وشجعه، وإن رأى شرا نهى عنه .ومن أهم وسائل التربية بالملاحظة التي اتبعها عليه الصلاة والسلام : 1- من ملاحظته في التربية الاجتماعية   فعن أبي سعيد الخدري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " إياكم والجلوس في الطرقات، فقالوا يا رسول الله ما لنا من مجالسنا بد نتحدث فيها، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فإذا أبيتم إلا المجالس، فأعطوا الطريق حقه، قالوا : وما حق الطريق يا  رسول الله، قال: غض البصر وكف الأذى ورد السلام والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر(3) " .2- ومن ملاحظته في تأديب الصغار   عن عمر بن سلمة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " يا غلام سمَ الله  وكل بيمينك وكل مما يليك(4) " .                                                                                                   -----------------------------------------------------------------------------------------   (1)متفق عليه .                                                                    (3)رواه البخاري ومسلم                                          (2) رواه النسائي                                                                   (4) متفق عليه .   3- زمن ملاحظته في التربية الخلقية                                                                         عن أبي بكرة  رضي الله عنه قال: إن رجلا ذكر عند النبي عليه السلام ، فأثنى عليه رجل خيرا فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " ويحك قطعت عنق صاحبك "                                           ويقول مرارا : " إن كان أحدكم مادحا فليقل: أحسب كذا وكذا ، إن كان يرى أنه كذلك، وحسبه الله ولا يزكي على الله أحد(1) 4- ومن ملاحظته في التربية الجسدية                                                                       إن النبي صلى الله عليه وسلم كان يمر على أصحابه في حلقات الرمي، فيشجعهم ويقول لهم :      " ارموا وأنا معكم كلكم(2) .   إن هذه بعض النماذج من مراقبته وملاحظته لأصحابه رضوان الله عليهم، وهي كثيرة جدا ولا مجال لحصرها، وإنما هي أمثلة للدلالة على أهمية التربية بالملاحظة .

 4- التربية بالعقوبة     إن أحكام الشريعة الإسلامية بعدلها القويم ومبادئها الشاملة، تدور حول صيانة الضرورات الأساسية، التي لا يستطيع الإنسان الاستغناء عنها، ويعيش بدونها، وقد حصرها أئمة الاجتهاد وعلماء أصول الفقه بخمسة أمور وسموها الضرورات  الخمسة وهي : " حفظ الدين والنفس والعرض والعقل والمال " وقالوا : إن كل ما جاء في نظام الإسلام من أحكام ومبادئ وتشريعات    ترمي إلى صيانة هذه الكليات، وتهدف إلى رعايتها وحفظها .                                              وقد وضعت الشريعة الإسلامية في سبيل المحافظة على هذه الكليات ، عقوبات رادعة زاجرة   لكل من يتعدى عليها، وينتهك حرماتها ، وتعرف في الشريعة الإسلامية باسم :1- الحدود :-  وهي عقوبات مقدرة بتقدير الشرع ، تجب حقا لله عز وجل  ، وأمثلتها : حد الإرتداد، حد قتل النفس، حد السرقة، حد القذف، حد الزنى، حد الفساد في الآرض .  2- التعزيرات:- وهي عقوبات غير مقدرة تجب حقا لله تعالى أو لآدمي في كل معصية ،  وهي كالحدود في الزجر والتأكيد للأمة، وهي متروكة للحاكم لتقديرها، ولا تبلغ الحد.                                                                                                 -------------------------------------------------------------------------------------------------------------  (1) رواه البخاري ومسلم                                                                                                                              (2) رواه البخاري .    وإن الإسلام قد شرع هذه الحدود والتعزيرات، لتحقيق حياة هادئة هانئة، من الألفة والاستقرارفلا يعتدي قوي على ضعيف، والكل أمام الحق سواء، فلا فضل لعربي على عجمي إلا بالتقوى قال تعالى : " ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب (1) " .وقال عليه الصلاة والسلام عندما طلب منه الشفاعة في حد من حدود الله: " والذي نفس محمد بيده لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها(2) ) .                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                       

--------------------------------------------------------------------------------------------   (1) سورة البقرة ، الآية رقم (179) .                                                                                                                              (2) متفق عليه .

أثر التربية الإيمانية في تكوين شخصية الناشئة

  " المبحث الثالث"صفــات المـــربي  المســلم     لا يخفى ما للمربي المسلم من أثر في العملية التربوية، فهو العمود الفقري، والركيزة الأساسية، والمرآة التي ينعكس عليها تصرفات من يتلقون هذه التربية، لأنه القدوة الحسنة التي يتأثرون بها ، ولله در الشاعر حيث قال:-                   وإذا المعلم ساء لحظ بصيرة              جاءت على يده البصائر حولاويقول آخر:                  لا تأخـــــذ العــــلم إلا عن جهــابذة             بالعلم نحـــيا وبالأرواح نفـــديه                 أما ذوي الجهل فارغب عن مجالسهم            قد ضلَ من كانت العميان تهديه   ومن أهم الصفات التي يجب توفرها في المربي المسلم(1) :- أولا : الإخلاص             على المربي أن يجعل نيته خالصة لوجه الله تعالى في كل عمل تربوي يقوم به سواء كان أمرا أو نهيا أو نصحا أو عقوبة:-                                                                                    قال تعالى:- " وما أمروا ألا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة وذلك دين القيمة(2) " .ثانيا:- التقوى       وهي كما عرفها البعض: " اتقاء عذاب الله بصالح العمل، والخشية منه في السر والعلن، فلا يراك حيث نهاك ولا يفقدك حيث أمرك "                                                                      قال تعالى: " يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولا سديدا(3) " .                                       وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قيل يا رسول الله من أكرم الناس؟ قال: أتقاهم ....(4) " .--------------------------------------------------------------------------------------------  (1) تربية الأبناء في الإسلام، مرجع سابق، الجزء الثاني، ص 781 وما بعدها .                                                                 (2) سورة البينة الآية رقم (5) .                                                                                                                       (3) سورة الأحزاب، الآية رقم (70) .                                (4) رواه الشيخان – متفق علبه    ثالثا :- العلم      إن من المبادئ الأساسية في التربية، أن يكون المربي عالما في أصول التربية التي جاءت بها الشريعة الإسلامية، لأن فاقد الشيء لا يعطيه، وإذا كان المربى جاهلا يتعقد الطفل نفسيا، وينحرف خلقيا، ويضعف اجتماعيا وقد حث الإسلام على العلم والتعلم:قال تعالى: " قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون(1) " .وقال تعالى:" وقل ربي زدني علما(2) " . وقال عليه السلام: " طلب العلم فريضة على كل مسلم(3)رابعا :- الحلم                                                                                                     من الصفات الأساسية التي تساعد المربي في مهمته التربوية، فبالاتزان والحلم ينجذب الولد نحو معلمه، ويستجيب لأقوال مربيه، ويتحلى بالآداب والأخلاق الفاضلة.                                 قال تعالى: " والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس والله يحب المحسنين(4)  " .                       وقال عليه السلام لأشيخ عبد القيس : " إن فيك خصلتان يحبهما الله ورسوله : الحلم والأناة(5)  " .            وقال أيضا : " إن الله رفيق يحب الرفق في الأمر كله(6) " .خامسا:- الشعور بالمسئولية                                                                                    إن شعور المربي بالمسئولية تجعله ينطلق بكليته في مراقبة الولد وملاحظته، وفي توجيهه وملاحقته، وفي تعويده وتأديبه، وتجعله يعتقد أنه إذا غفل عنه فترة، وتساهل عن ملاحظته مرة     فإن الولد سيتدرج في الفساد ويصبح في عداد المنحرفين، ويصعب تقويمه، وتندم حيث لا ينفع الندم ونكون نحن الذين قتلنا (لبنى ) بأيدينا كما قال الشاعر:                                                                  أتبكي على لبنى وأنت قتلتها              وقد ذهبت لبنى فما أنت صانع                 ولهذا تجد الإسلام قد حمل الآباء والأمهات والمربين جميعا مسئولية التربية في أبعد حدودها :      قال تعالى: " وأمر أهلك بالصلاة واصطبر عليها(7) "، "فوربك لنسألنهم أجمعين عما كانوا يعملون(8) " ، وقال عليه السلام : " كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته(9) " .                            -----------------------------------------------------------------------------------------   (1) سورة الزمر، الآية رقم (9) .                                     (6) أخرجه البخاري                                                         (2) سورة طه، الآية (114) .                                         (7) سورة طه الآية رقم (132) .                                         (3) صححه الألباني                                                     (8) سورة الحجر، رقم الآية (92) .                                      (4) سوورة آل عمران، الآية (134) .                               (9) متفق عليه .                                                             (5) رواه مسلم .                                                   

أثر التربية ألإيمانية في تكوين شخصية الناشئين

 " المبحث الرابع "أسباب الانحراف في المجتمع وكيفية معالجته    لقد كان الرعيل الأول من السلف الصالح مثالا يحتذى، في عاداتهم وتقاليدهم وتعاونهم وتكافلهم،  وكيف لا !! وقد وصفهم الرسول صلى وسلم بقوله : " أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم(1) "  وقوله: " لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهبا لم يبلغ مد أحدهم ولا نصيفه(2) "                                     ونظرة سريعة إلى عالم اليوم، وما ينغمس فيه الناس من لهو وملذات عن العبادة والطاعات،    تاركين الأعداء يصولون ويجولون في أرض المقدسات والرسالات ، نجد أن كل هذه المصائب بسبب ابتعادنا عن الإسلام ، وعدم تطبيق أحكام الشريعة الإسلامية الغراء، والتي لو تمسكنا بما جاء فيها من أحكام، لن نضل أبد وذلك مصداقا لقول الرسول صلى الله عليه وسلم: " أمران ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا أبدا : كتاب الله وسنتي " .  والحقيقة أن درهم وقاية خير من قنطار علاج ، وتربية الشباب منذ الصغر على العادات القويمة، وغرس الأخلاق الفاضلة في نفوسهم أفضل ألف مرة من علاج الانحراف سواء استقام أم لم يستقم .  ومن أهم أسباب الانحراف في المجتمع ما يلي:- أولا:- اُثر الفقر في التربية                                                                                   لا أحد ينكر أثر الفقر السلبي في الإنسان وتصرفه، فقد يجر الفقر الإنسان إلى السرقة والقتل وقطع الطرق، وإذا لم يكن وازع ديني يردعه، وتربية خلقية تمنعه ، وقد استعاذ منه الرسول صلى الله عليه وسلم فقال بما معناه " اللهم إني أعوذ بك من الكفر والفقر"، ومن الأقوال المأثورة " لو كان الفقر رجلا  لقتلته " .   ويعالج الفقر في التربية الإسلامية بالتكافل الاجتماعي ، وإخراج الزكاة والصدقات والتعاطف والتراحم بين المسلمين قال تعالى: " ويطعمون الطعام على حبه مسكينا ويتيما وأسيرا(3).                 وقال عليه الصلاة والسلام :" أيما أهل عرصة فيهم امرؤ جائع فقد برئت منهم ذمة الله ورسوله(4) . ر ثانيا:- أثر النزاع والشقاق بين الوالدين وحالات الطلاق                                                    إن النزاع والشقاق المتكرر بين الوالدين وأمام أبنائهم يؤدي إلى أثر سلبي في نفسية الأبناء، ويولد عندهم العقد النفسية، ويزداد الأمر سوء إذا بلغ النزاع مداه، ووصل الأمر إلى الطلاق وعندها يضيع الأبناء .                                                                                     -------------------------------------------------------------------------------------------- (1) ذكره الألباني في سلسلة الأحاديث الضعيفة                              (3) سورة الإنسان ، الآية رقم (8)                              (2) رواه مسلم                                                                  (4) رواه أحمد في مسنده .  ولله در الشاعر حيث يقول:-                                                                                                  ليس اليتيم من انتهى أبواه                   من هم الحياة وخلفاه ذليلا                                   إن اليتــــيم الذي تلقى لــه                   أم تخــــلت أو أبا مشغولا                  ويعالج هذا الأمر في التربية الإسلامية، بأن لا يكون النقاش في الخلافات الزوجية أمام الأبناء، والتقليل قدر الإمكان من حالات الطلاق، لأنه أبغض الحلال إلى الله كما أشار عليه الصلاة إلى ذلك بقوله : " أبغض الحلال إلى الله الطلاق" وأمر الإسلام الأزواج باللطف في العشرة الزوجية، قال تعالى " وعاشروهن بمعروف أو فارقوهن بإحسان(1) " .ثالثا:- أثر الفراغ الذي يتحكم في الأطفال والشباب والمراهقين    إن الشباب والفراغ والجدة ، مفسدة كبيرة إذا لم يحسن استغلالها وخاصة مرحلة المراهقة، حيث يشعر الشباب ببعض التغيرات الفسيولوجية والنفسية ، ويظنون أن اكتمال الرجولة يكون بعرض العضلات في الشوارع، وإطالة الشعر كالخنافس الغربيين، وشرب الدخان وغيرها ، فلو تركنا الحبل على الغارب ، ولم نأخذ على أيدي أبنائنا ونمنعهم من مزالق السوء، ونرشدهم إلى الطريق الصحيح، ونترفق بهم في هذه المرحلة بالذات حتى لا نفقدهم، ولله در الشاعر حيث يقول:                          إن الشباب والفراغ والجدة              مفسدة للمرء أي مفسدة وتعالج التربية الإسلامية موضوع الفراغ بما يلي:-                                                     1- التعويد على العبادات                                                                                       قال تعالى : " إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر والبغي(2) " . 2- تعليمهم فنون الفروسية والحرب والقفز والمصارعة                                                    قال تعالى: " وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل(3) " .                                   وعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال : " علموا أبناءكم السباحة والرماية وركوب الخيل، وعموهم أن يثبوا عليها وثبا " .                                                                             3- الطاعة، النزهة البريئة، الرياضة المتنوعة والنوادي الثقافية                                          فقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " اغتنم خمسا قبل خمس : حياتك قبل موتك، وصحتك قبل سقمك، وفراغك قبل شعلك، وشبابك قبل هرمك، وغناك قبل فقرك(4)  " .                     --------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------  (1) سورة النساء ،الآية رقم (19) .                                                 (3) سورة الأنفال ، الأية  رقم(60).                         (2) سورة العنكبوت، الآية رقم(45) .                                              (4) رواه الحاكم والبيهقي .                                                                                                                          رابعا:- مصاحبة الأشرار ورفقاء السوء    لا شك أن القرين بالمقارن يقتدي، وقد شبه رسول الله صلى الله عليه وسلم الجليس السوء بنافخ الكير، فهو إما أن يحرق ثوبك  وإما أن تشتم منه ريحا خبيثة، ولذلك فإن أصدقاء السوء يجرون صاحبهم إلى الدمار والهلاك، فإما إلى التدخين أو السرقة أو المفاسد الخلقية أو غير ذلك .            وتعالج التربية الإسلامية هذا الموضوع بالحث على اختيار الأصدقاء الصالحين الذين يتقون الله ويخافونه، ومراقبة الولد وملاحظته باستمرار، ومعرفة أصحابه الذين يجتمع بهم، قال تعالى :       " الإخلاء  يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين(1)   " ، وقال عليه الصلاة والسلام : " مثل الجليس الصالح والجليس السوء كحامل المسك ونافخ الكير.......(2)  " .خامسا:- سوء معاملة الوالدين للولد    إن كل شيء يزيد عن حده ينقلب إلى ضده، والقسوة الزائدة في معاملة الابن أو التلميذ تنفره من البيت أو المدرسة، وتجعله يتصرف تصرفات عكسية وتولد عنده العقد النفسية.                           وتعالج التربية الإسلامية هذا الأمر ، بمعاملة الولد بالرفق واللين ، فالقسوة تؤذيه ، كذلك فإن الدلال الزائد يضره فلا إفراط ولا تفريط قال تعالى:   " ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك(3) " .                                                   وقال عليه الصلاة والسلام " ما دخل الرفق في شيء إلا زانه وما انتزع من شيء إلا شانه(4) . سادسا :- عدم مشاهدة أفلام الجريمة والجنس       إن الطفل ميال بطبعه إلى التقليد والمحاكاة لما يراه أو يشاهده، وانتشار ظاهرة ( الفيديو ) والتلفاز تساعد على مشاهدة الأفلام الممنوعة وغير المراقبة، والتي تعرض الجريمة والجنس بشكل ساقط ومرذول .                                                                                                 وتعالج التربية الإسلامية هذا الموضوع، بضرورة تشديد المراقبة من الدول على البرامج التلفزيونية، فلا يعرض فيها إلا ما هو مناسب، وكذلك يجب على الآباء والمربين أن يتقوا الله في أبنائهم وأهليهم ويراقبوا ما يدخل بيوتهم من أجهزة أو أشرطة وغير ذلك، قال تعالى: " يا أيها الذين قوا أنفسكم وأهليكم نارا ........(5) " .                                                                      -------------------------------------------------------------------------------------------  (1) سورة الزخرف، الآية رقم (67) .                                 (4) رواه مسلم                                                              (2) متفق عليه .                                                          (5) سورة التحريم ، الآية رقم (6) .                                      (3) سورة آل عمران، الآية رقم (159) .    سابعا :- انتشار البطالة في المجتمع     إن البطالة وعدم توفير فرص العمل تجعل الإنسان يبحث عن مكان ما ليقضي فيه فراغه، وقد تجره هذه البطالة إلى الانحراف فيسرق ويزني ويشرب الخمر، وإذا سألته عن سبب ترديه في الهاوية، أجابك قائلا : أريد أن أنسى...!! أريد أن أقتل وقتي...!! .   ويعالج الإسلام هذا الأمر بما يلي:-                                                                     1- وجوب تكفل الدولة سبيل تأمين العمل لكل من يريد، فالعمل حق للإنسان وواجب عليه .         2- وجوب مساعدة المجتمع للفرد المسلم حتى يجد سبيل العمل، ويقول عليه الصلاة والسلام :         " مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الأعضاء بالسهر والحمى(1) " .ثامنا:- مصيبة اليتم     اليتيم من مات أبوه وهو صغير، فإذا لم يجد له عائلا يؤويه، ومرشدا يهديه، ضل الطريق وربما يجرفه تيار أصدقاء السوء فيصبح عبئا على المجتمع وبؤرة فساد فيه، ولا يقتصر الضرر على اليتيم فقط، وإنما يتعدى أثره على المجتمع بأسره، لآن هذا اليتيم ربما يضلل معه زملاء آخرين، ويصبح كالتفاحة العطنة في الصندوق، إن تركت أفسدت ما حولها .    ولذلك أولت التربية الإسلامية عناية خاصة باليتيم وتربيته، فيقول الرسول صلى الله عليه وسلم : " خير بيت في  المسلمين بيت فيه يتيم يحسن إليه، وشر بيت في  المسلمين بيت فيه يتيم يساء إليه(2) " .ويقول أيضا " أنا وكافل اليتيم في الجنة كهاتين وأشار بالسبابة والوسطى(3) " .ويقول تعالى في محكم التنزيل : " وأما اليتيم فلا تقهر(4) " .   إن هذه أمثلة موجزة من بعض أسباب الانحراف في المجتمع المسلم، وقد أشرنا إلى كيفية علاجها بالتربية الإيمانية، والتي لن نضل أبد ما تمسكنا بها وعضضنا عليها بالنواجذ، ونسأل الله التوفيق والهداية لجميع المسلمين .                                                                          ------------------------------------------------------------------------------------------- (1) رواه مسلم                                                                                                                                          (2) رواه ابن ماجه .                                                                                                                                    (3) رواه البخاري                                                                                                                                       (4) سورة الضحى ، الآية رقم (
 
A service provided by Al Bawaba