20 حزيران, 2007
قراءة أخري لقصيدة ( مطر .. ) للشاعر احمد الرضي - القراءة لجعفر حيدر
قراءة جديدة لقصيدة مطر لأحمد رضي .. يقرأها لنا الشاعر جعفر حيدر.
في البدء أحب أن أشكر دكتورنا الغالي على هذه اللفتة الكريمة في قراءة الشعر من زوايا محددة ولكنها متنوعة، وليسمح لي الدكتور بقراءة أخرى للقصيدة ... قراءة متممة لقراءته الرائعة ...
***
مطر أحمد رضي ليس مطرا هو شعر قادم من المجهول ولكنه حتما ليس قادما من جنان عبقر .....
حين يهطلُ المطرْ
ألوذُ بمحراب الصمتِ
أريدُ أن أُصغي ..
لما تقولهُ السماء ْ !
أحمد رضي هنا في هذه المقطوعة يستوحي لذة أخرى غير لذة المطر ، هويستلهمها من متعة تساقط المطر لكنها ليست هي بالضرورة ... لذة يقال أنها لذة شاعرية . فها هو يدخل المحراب، محراب نفسه لا هربا من المطر .... بل وصولا إلى ذاته التي تختزن المطر قطراتٍ وسيولاً. إذن لابد أن أحمد رضي ينتظر . ينتظرالوحي القادم . من أين ؟؟؟ من اللا وجود ... من اللاعدم .... من الحرية ربما، أومن الكمال . وهو الوحي الذي يجبرك على الدخول في فضاء الصلاة الخاصة التي تقربالشاعر من نفسه، من ذاته، من إبداعاته ، فالمطر نفسه هو الذي يحيل النساء ، كل النساء ، في بلاده ... إلى أنصاف آلهة ترفع فساتينها كقبعات النبلاء احتراما لهذا الوحي القادم أو الوحي المخلص. .... الذي يتساقط زخات زخات..
أيّ مطرهذا الذي ينسكب فيه القلب بعد انفتاحه؟؟
أيّ مطر هذا الذي تتساقط فيه الأرغفة على أرصفة القلب ؟؟
اي مطر هذا الذي يحيل الصدر فرنا لخبز الشعرالحافي؟؟؟؟
لابد أنه مطر من نوع خاص !!!
هنا يأتي التحدي ، التحدي الخجول الذي يسرع لنا بتقديم النتيجة دون عناء ... نتيجة تحمل معاني يصعب تصديقها إلا من شاعر !!!!
لابد أن الشاعر خسر الرهان لكن خسارته تحولت بشكل سريع جدا وبدون مقدمات اللهم إلا مقدمات الحروف والكتابة والمحراب وقبعات النساء... تحولت إلى ربح ، تحولت إلى نصر ... تحولت إلى قصيدة من العيار الجميل.
وعند هطول المطر، عنداقتراب لحظة تدوين المطر، يصبح الجسد سجنا للكلمات، سدا لا يسمح للكلمات أن تخرج إلا إلى القصيدة ...
أحمد رضي يكتب بأعقد وأصعب أنواع الكتابة، .... الشعر ، بل نوع خاص من الشعر ....
وأحمد رضي لا يحب الوزن ولا القافية اللهم إلا إذا جاءت على( السليقة ) . غير ذلك فهو يهتم بالكلمة .... بالمعنى ... بالصورة ... بالمطر ... ترك أحمد رضي المطر يتراقص على عينيه، ولم يبحث تحت المطر عن ( تفعيلة ) قد تعيد لهذا المطر ألقا جديدا، خشي أحمد رضي من أن يسكت المطر إذا ما بحث عن تفعيلة ما ، فترك المطر يتساقط ، وترك لنا قصيدته...
هذا هو أحمد رضي المبدع وهذه هي قصيدته الجميلة.
"وبدوري ليس لي سوي أن أشيد بقراءة أستاذنا جعفر الحيدري لقصيدة شاعرنا احمد الرضي . اسمح لي يا استاذ جعفر أن أقول أنني حقيقة استمعت بقرائتك للقصيدة التي تنم عن فهم للصور والكلمات وعن حرفية كبيرة في فهم الشعر وخباياه . ولعلك تشترك معي في ان تبادل قراءات قصيدة ما ( والتي أطمع ان نتبادل فيما بعد قراءات اعمال أخري متنوعة وليس الشعر فقط ) يضيف الكثير لفهمنا وبالتأكيد يضيف الكثير للقصيدة أو العمل الذي نحن بصدد قرائته . هي إذن دعوة للجميع بالإشتراك والتعبير والكتابة والتحاور . لك مني كل الشكر والتقدير لقرائتك الواعية والجميلة."
06 حزيران, 2006
1 - الرمح المقدس ..
1 - الرمح المقدس ..
قرأت هذه الحكاية منذ مدة طويلة بمجلة تعني بتراث الشعوب. وسأعتمد في نقلها إليكم علي الذاكرة وسأتصرف في أحداثها وفق مقتضيات الحال. أحداث القصة حقيقية وتدور أحداثها في أحد القرى الأفريقية البعيدة كل البعد عن المدنية والتي يعتمد أفرادها علي الصيد والأعمال اليدوية ويعيشون في أكواخ متجاورة يتوسطها كوخ مهيب للرمح المقدس الذي يألهونه ويتباركون به ويودعونه أسرارهم. وطبيعي أن كوخ الكاهن ملاصق للكوخ الذي يرقد به الرمح المقدس ، والكاهن في تلك القرية هو الذي يعتني بالرمح ويقدم له القرابين ويدخل عليه ناقلا رغبات الرعايا وهمومهم وباقي الأعمال التي تمليه عليه وظيفته الروحية. الأيام تمر والقرية تعيش – دون منغصات - في عالمها الخاص الذي هو في معظمه خليط من مغامراتهم مع الحيوانات الأكبر حجما والأشد فتكا والتي قد ينجحون في اصطيادها أو تنجح هي في اصطيادهم والجزء المتبقي هو جانب كبير من الخرافات والشعوذة ومعظمها يدور حول الأرواح الشريرة التي تتربص بهم وتريد أن توقع بهم الشر لولا وجود الرمح المقدس بينهم وبجواره الكاهن العجوز.ذات يوم حضر احد المبشرين لتلك القرية وهاله ما رأي واعتقد للوهلة الأولي أن مهمته ستكون سهلة للغاية مع أولئك البشر الذين يعبدون أحد فروع الأشجار حتى لو جعلوه رمحاً وأطلقوا عليه ما يناسبهم من ألفاظ تجعله مقدسا.ابتدأ معهم بالحديث عن الشجرة التي قطعت أحد فروعها لتكون رمحا وعن وظائف الشجر وكيفية زراعته وعن خالق الشجر وكافة المزروعات .بعد شهور عديدة لاحظ المبشر أنه ليس هناك من تأثير يذكر من كلامه أو محاولاته المستمرة لتنوير عقولهم وجن جنونه حين وجد أن الاحتفالات وتقديم القرابين للرمح في ازدياد، فما كان منه إلا تسلل في الظلام لداخل الكوخ الذي بداخله الرمح ومسكه ثم كسره لقطع عديدة والقي بها ثم انسل خارجا لكوخه وراح يراقب ما سيحدث بعد ذلك . كان الصباح التالي عصيبا لكل أفراد القرية خاصة لكاهن الرمح المقدس الذي أصيب بإكتئاب وإسهال شديدين . كان المبشر ينظر إليهم سعيدا وهم يتجمعون في حلقة ضيقة حول الكاهن الحزين الذي ظل جالسا في وضع القرفصاء رافضا أن ينطق بكلمة واحدة وظل هذا الوضع حتى المساء وفجأة وجد الكاهن ينهض بخفة وهو يرقص سعيدا وحوله جموع غفيرة من الناس وهم يحملون القرابين ويشاركونه الرقص .