الحياة كلمة يكتنفها الغموض و السحر فالحياة كالماء لا لون لها و لا رائحة تتخذ شكل الإناء الموضوعة فيه و لذلك فالحياة
(عرض النص الكامل)دانات ذلكم البرنامج الشعري القشيب الأنيق الذي يغوص عميقاً في بحور الشعر الخليجي النبطي و يخرج لنا من محار قوافيه داناتٍ إبداعيةٍ متفردةٍ و متميزة, ومثلما يحتاج استخراج اللؤلؤ لغواص ٍ صبور ٍ يتمتع بنفس ٍ عميق و حنكة ٍ في معرفة ِغث الأصداف و ثمينها , ليستطيع أن يمدنا بسماط ٍ من الفرح الجميل علي موائد الشعر النبيل و ينسج من لألاءِ لؤلؤها ِ, أقماراً من البهجة يهز بها صمت الليل الساكن هزا , فتتدفق دناناً من النشوة ِ وشلالات ٍ من ألحان ندية روية ,فقد نجحت نجاح المساعيد في أن تكون ذلك الغواص الباهر ذا المواهب الكثيرة و القدرة الفذة العجيبة على انتقاء النفائس و الدرر. بدا البرنامج مهتماً بالشعر النبطي و هو نمط من الشعر ينبض الخليج بروحه و ذكره و له من العلو فيه منزلة ِ ما علا مثلها ضربٌ من الشعر ِ حتى ان أمدار البوادي بدأت غزلها و نسجها على همساتِ نغمهِ و توقيع ِ رزمه ِ و المدن الجميلة لونت جدرانها و تأنقت بقوافيه و مقامات ألحانه فتفتقت فناً و حسنا فاِنشده الزمان لها لما رأي الحسن بالسحر بازغاً و أنشدها شدو قافية صداحةً بسور التنغيم و التطريب ِ ألحاناً و أزجال و أطيافاً من التعبير و التصوير أشكالاً و ألوانا ,و لربما يسأل سائلا ً عن سر اخضرار عود الشعر النبطى و سعة شعبيته و جماهيريته التي طارت فجابت الآفاق أهو لغناه بالإيقاعات الجميلة و امتلاؤه بالتنوعات الموسيقية فلو رأيت إذ رأيت هرم القصيدة و تفصيلات بناءها لرأيت فعل التقطيع و عجائب التشطير فلكل شطرٍ حرف روية ٍ مستقل ٍ و قوافي متغيرة متعددة ٍ المشارب و المناهل مما سهل عملية تلحينه وتحويله عبر الحناجر الطروبة إلي أريج ٍ يدغدغ الأرواح و القلوب فترتاح لسماعه الأعصاب و تهدأ الثوائر و تنطلق الأسارير , فترى النفوس في أهازيج السرور , تطير نشوى بأجنحةِ الحبور , و كم من كم عجب ٍ لهذا البرنامج الشعري الذي استطاع بسحره أن يسحر و يجذب هذا الكم الهائل من قطاع المشاهدين في عصر اشتهر الشعر فيه بالكساد حتى تبرم الناس جهاراً و أعلنوا ضيقهم بمعشر الشعراء, فالشعر عندهم بضاعة المترفين و منتجع الحالمين , و فاكهة المنعمين المرفهين و أنه لا يصلح للفقراء فهو لا يعطي الجياع زاداً , في زمن الجوع و المسغبة ِ و الركض اللاهث وراء لقمة العيش و الخبز , بعهد ٍ يحلم الجائعين فيه بطعمة تسد رمقتهم و تؤمن جوعتهم فهل بيوت الشعر تؤويهم أم تطعمهم و تسقيهم , و من هنا تنبع المقابلة و المفاضلة بين عالم ِ الشعراء و ألجوعي الفقراء و هذه مقابلة ٌ قديمة ٌ مشهودةٌ .
ما غمض على الناس من أصول التعبير شيء كجذور الشعر النبطي , فهناك أكثر من رأي لتحديد أول من جاء بقرضه و نظمه حتى أن كثيراً من مياه الأساطير قد جرت و أثرت فيه , فالبعض نسبه إلي قيثارة الجن و سمفونية ٍ الريح , و وفريقاً من الناس زعم أن أول قائليه هو تاج بني هلال و سيفهم الصارم البتار و صنديدهم المغوار أبو زيد الهلالي , و أما الذين تشبثوا بأهداب التاريخ أشاروا إلي القرن الرابع عشر عهد صناعة الشعر العامي الفصيح بعراق صفي الدين الحلي و عصر ابن خلدون المؤرخ الفيلسوف و الشاعر المقل بالقرن الخامس عشر , وان لم يكن الناس قد تآلفوا على تسميته بالشعر النبطي و لكنه أصله و فصله على الرغم من تعريفه و سمته باسم الشعر العامي الفصيح , و لعل أصلح ما يميز هذا الضرب من الشعر و التعبير النبطي , هو ما يمكن أن نطلق عليه آلية استنباط المفردات العامية و نظمها شعراً مفعلاً ذو زنة ٍ و قافية , و ان ارفع أنواع الاستنباط منزلة ً و شأو هو ما دأب على تفصيح المفردات العامية و الارتقاء بها إلي مراتب التعبير الفصيح ,و هكذا تطورت أغراض التعبير النبطي و مواضيعه بتطور متطلبات العصور و اختلاف شعراء النبط المحدثين و امتياز أساليبهم عن أسلافهم السابقين , فمن الشعراء في هذا العصر محمد السديري , و الشيخ زايد ال نهيان , الأمير خالد الفيصل و الشيخ محمد بن راشد ال مكتوم و الشاعر خلف بن هذال العتيبي , و من الملفت للنظر ضخامة حجم الشعراء الشيوخ و الأمراء من من يفضلون التعبير النبطي .
و من العجائب التي لا تنقضي عن مسرح النظم النبطي هو كثرة الغارفين من رزم إيقاعاته , و بحور أوزانه و تزاحم الشعراء الخليجيين علي موارد ماءه و ربما تندهش مرتين عندما ترى ضخامة الشعراء من الأمراء و الشيوخ الذين يغزلون قصائدهم و ينظمون أبياتها و يعلقونها على دوحة الشعر النبطي , و ذلك أمرٌ محمودٌ غير معهود ٍ و ليس لمثله في روافد التعبير الشعري وجود , فهل ذلك لسحر بيانه و اخضرار جنانه ام لحلو كرمه و لذيذ دنانه , و كثيراً ما تستغرقك ظاهرة الشيوخ و الأمراء الشعراء فتحتار هل تسميهم شعراء الإمارة , أم أمراء الشعر و يتملكك العجب تارة ً أخرى إذا ما عرفت قدرة هؤلاء على تطويع المفردة و شحنها بالشجن فتصدح الحروف عندهم و تزدهي أوراقها باللحن الطروب و عذب الأماني و حلو النشيد, و من سره أن يرى كيف يحكم الشعر و اهله , فلينظر إلي الخليج , وقد تلفح بالحكمة واتشح بالعدل والأمن وائتزر بالرخاء والضياء . لقد أكثرنا الحديث عن الشعر النبطي و ذكرنا جزءً من طرائق تراكيبه و أساليب بناءه , و ذلك بغرض التعرف على هذا الضرب الشعري مع ذكر المرجح من تاريخ بداياته ,و أعلامه , السابقين و المعاصرين , ثم نعرج من بعد هذا لتقديم نماذج من أشعار الأمراء و الشيوخ و تقديم عينات ٍ قصائد للشعراء النبطيين من الحجاز و الخليج , و لعل في ذلك ما يعين على الدخول لباحات الشعر النبطي , لذا سنختار نماذجاً و نقارب بينها و بين المطروق في برنامج دانات.
فهذا جزء من قصيدة عذلت نفسي عن هواك من أشعار المرحوم لشيخ زايد آل نهيان فعرضه بالحكمة و الشعر مطار و بمحامد الفعل و القول معطار .
عذلت نفسي عن هواكم و اقنعتها بللي لهم قد
ضافين ما صاروا شراكم يروون و لهم دونيه حد
و ابعدت نفسي عن حماكم و من النكاده ريت لي بد
و اخلصت نفسي من عناكم و اليوم قلبي عنكم ابعد
و اما الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم فانه بستان ٌ من الأسجاع و الأزجال , هذه أبياتٌ قصيدة ياخل غيرك على الدنيا انا من لي .
كن ابعيانك سهام الموت ينسلي وخيول جيشك تهددني ركايبها
إن كان يازين هذا الحال راض لي حذرك لايام ما تصفو مشاربها
الخد نوره بداجي الليل مشعلي يسنى على دار باعد به قرايبها
العين عين اشقر للصيد متخلي وانا الذي صرت في مدمات صايدها
و الأمير خالد الفيصل هو سماء ٌ به القصائد أطيارٌ و أقمار و هذه مقاطع من قصيدة غرتني الأيام.
غرتني الأيام باقبالهـــا يوم اثر النكوفه عند الأيــام عجله
جتني لياليها على دف ونغـوم اثر الليالي بالغرابيــل جزله
فرحة نهارٍ عقبها ليل وهموم من يوم جذ البعد محبوب وصله
و تتسابق عرائس الشعر و تنداح عيون القريض مع فوح العبير و هش الزهر مع النسيم عند السحر فيقطر ذوائبها الأمير عبد الله الفيصل فينبت الشباب و يخضر يابس العمر فرحةً و نشوة قصيدة يا فرحة العمر محطتنا الأخيرة من نماذج شعر الأمراء و الشيوخ .
اشتقت لك يا فرحة العمر وين انت
يا للي عيوني منك ينبع ضيــاها
لولاك بالغايه بدنياي..مـاكنت
اشفق على ايامي يطول مداهــا
سرقتني مثل الكرى لي تمكنـت
من مهجةٍ مــا قبلك أحد غشاها
بيني و بينك ثأر الدموع نظمٌ للشاعر صقر الدوسري يقول فيها :-
من عيوني هلت دموع العذاب
وصارت العبرات تنزل عالخدود
وابتدت دنياني من شفتك سراب
اتبعه وأظن له عندك حـــدود
وانتهت زفرات عمري بالغياب
من وفاتي قبلها الأيام ســود
خيوط العنكبوت تجربة شعرية تصورية نازفة بالحسرة و الوجع للشاعر طلال بن العبد الله الرشيد العطيب.
انـسـجـت حـولي خيــوط العنـكبـوت مثــلت لـين اقـنعـتنيي بحـبـهـا
حـسـسـتـني بأنـهـا فـيـني تمــوت ومــا تـريـد إنسان غـيـري جنبها
وصــورت لي نفـسـهــا بنت البنـوتومــا تـعـرف إلا السـجـود لربهـا
تحلق نجاح المساعيد في عوالم الشعر النبطي الخليجي كمحطة ِ و صلاً و اتصال بالثقافة العربية الشعبية في الغناء و الشعر و تبحث فيها عن فضاء التنوع التعبيري على امتداد الأدب العربي و لعلها نشدت من خلال ذلك بان تعرف بألوان النظم الشعبي في الخليج و تعبر من خلاله إلي الفضاءات التعبيرية الأخرى في بيئات ٍ تختلف عن الخليج في نهج بناء القصائد الشعبية و تظل تنقب عن اساليب النظم التي تختلف عن النظم النبطي , فولجت الي بوابات شعراء الأغنية من اجل براز ذلك .
تتحلق نجاح المساعيد في عوالم الشعر النبطي الخليجي