محمد عبد العليم .....mohamedabdalalim

16 تشرين اول, 2007

كتاب اليهودية وموقفها من الاديان

 





الديــــــانـــــة اليــــــهــوديــــــة
وموقفها من غير اليهود

إسرائيل شاحاك

ترجمة : حسن خضر

تقديم ـ1ـ 

تقتضى كل معرفة موضوعية بالآخر نزع الصفة الشيطانية عنه وقراءته ضمن الشرطين الاجتماعى والتاريخى , كظاهرة قابلة المفهم بمعزل عن الرغبات الذاتية والأمنيات . لكن الأمر لم يكن فى يوم من الأيام على هذا القدر من التبسيط خاصة مع آخرنا اليهودى , الذى تعترض سبل
 فهمه ومعرفته بما هو عليه , عقتبان هما : صراع الوجود , حيث تمثل كل
 محاولة لتأكيد الكينونة نفيا ً للآخر , أو على الأقل , يمثل وجوده دائما للهوية
. والعقبة الثانية هى الترسانة اللغوية ـ المفهومية التراثية التى تبدو التحرر
 منها شرطا ً أساسيا ً لخلق لغة ومفاهيم جديدة تجعل معرفة الآخر معفاة من أعباء
 الماضى وثقل التاريخ . وقد ما رست هاتان القضيتان دورا ً مزدوجا ً فى صياغة
معرفة العرب باليهو\د بشكل عام , ففى حين استعارت بعض الاتجاهات النقدية "
الإسلامية " لغة ومفاهيم التراث , حتى وصلت فى استنتاجاتها إلى كاريكانور
 " بروتوكلات حكماء صهيون " والمؤامرة اليهودية الكبرى فى التاريخ
( ذات منشأ غير عربى أو إسلامى
 لكنها تجد فى الكتب التراثية أسانيد عديدة ) فك الخطاب " البسارى "
العربى ارتباطه بالترسانة التراثية فى قطيعة لغوية ومعرفية
, وصلت إلى حد الفصل بين اليهودية والصهيونية كظاهرتين مستقلتين , وتجلت فى كاريكاتور البرجوازية اليهودية الطامحة بالسلطة والسوق الخاصين بها فى السوق الرأسمالى العالى ( فكرة ذات منشأ غير عربى أيضا ً , وهى مستمدة من تأويلات المفكرة الماركسية , ح-ول ضرورة البحث عن سر الدين فى اليهود , بدلا من البحث عن سر اليهودى فى دينه ". لا ينبغى الاستنتاج مما تقدم أننا بصدد الدعوة إلى " علم " عربى المنشأ ( طالما أننا نشير إلى المنشأ غير العربى للأمكار سالفة الذكر ) لمعالجة تاريخ اليهود وعلاقته بالصهيونية بهذه تاريخ اليهود واليهودية وعلاقته بالصهيونية . فالدعوة التى نستعين بهذه الترجمة للتدليل عليها هى ضرورة البحث عن قواسم مشتركة بين البحث عن سر الدين فى اليهودى والبحث عن سر اليهودى فى دينه , دون الوصول بالضرورة إلى الاستنتاجات المتطرفة التى لا تسندها الوقائع التاريخية . فالصهيونية , مثلا ً تعتبر نموذجا ً متأخرا ً ومنحطا ً للقوميات العنصرية الأوروبية فى القرن التاسع عشر , لكنها تعنبر , بالقدر نفسه , ارتدادا ً يهوديا ُ على حركة التنوير اليهودية " الهاسكالا " فى القرن المذكور , ولم يكن ذلك الارتداد ليتأتى بالصورة التى تم بها , لو لم تكن ثمة عناصر أصيلة فى الديانة اليهودية تدعمه وتقدم له إمكانيات النحاج . كذلك لا يمكن تبرير موقف الدولة اليهودية من الفلسطينيين والعرب عموما ً بحقائق الجغرافيا السياسية فى الشرق الأوسط , إذ ربما نعثر على تبرير إضافى فى الموقف العام المعادى للانحياز فى الديانة اليهودية . ذلك الموقف الذى يستفيض شاحاك فى دراسته والتدليل عليه .

ـ2ـ لا يجرؤ أحد فى الغرب (الولايات المتحدة وأوروبا الغربية ) على توجيه انتقادات للديانة اليهودية كما يفعل شاحاك فى الدراسة المطروحة بين أيدينا , فالتهمة الجاهزة هى ط العداء للسامية " إذا كان الناقد من غير اليهود , أو " اليهودى الذى يكره نفسه " إذا كان للناقد يهوديا ً , وكلاهما يودى بصاحبه إلى التهلكة بالمعنى الوظيفى , والعلمى , والاجتماعى . لقد ظهرت هذه النزعة بقوة واضحة بعد الحرب العالمية الثانية , وتكرست كظاهرة راسخة فى التقاليد الثقافية الغربية بعد قيام دولة إسرائيل , واتخذت فى العقود القليلة الماضية شكلا ً عصابيا ً حتى بات كل انتقاد للسياسة الإسرائيلية مهما كان هامشيا ً , عداء للسامية , وكل انتقاد للصهيونية برهنة جديدة على خلود ذلك العداء الذى لا يزول ولا يدول . ومما له دلالة بالغة فى هذا السياق , أن يعنون بول فندلى , النائب الأميركى , كتابه الذى يتضمن انتقادات للسياسة الإسرائيلية باسم " من يجرؤ على الكلام " أو أن يتهم ايلان هاليفى , اليهودى , ومؤلف كتاب " تاريخ اليهود " بالجنون وكراهية النفس لمجرد أنه خرج على المنهج الصهيونى فى تفسير التاريخ لذلك , تتجلى دراسة شاحاك بشجاعة تستحق التقدير . ولكن ثمة مؤهلات إضافية تمنحها مكانة فريدة بين الأدبيات النقدية التى عالجت نفس الموضوع , ويمكننا إنجازها على النحو التالى :

 -  الثقافة الموسوهية العميقة التى يتحلى بها الكاتب , وقدرته على توظيف أفكار ومعلومات شتى , خالصة المصادر اليهودية القديمة المنشورة باللغة العبرية وهى غير متوفرة للباحثين غير اليهود , وكذلك اطلاعه على كتب عبرية محدودة التداول , أو كتب تحرص المؤسسة الدينية اليهودية على حجبها عن غير اليهود إضافة إلى تجربة العيش فى مستوطنة للمتدينين اليهود فى صباه , كما مكنه من اكتساب انطباعات مباشرة , ومراقبة اليومية للشريعة اليهودية .

-  النزعة الإنسانية التى تعتبر امتدادا ًمخلصا ً لأفكار ومبادىء التنوير الأوروبى المعادية , أساسا ً , للدين والسلطة . والتى وصلت إلى طريق مسدود بفعل الاستعمار فى القرن التاسع عشر , ولفظت أنفاسها فى هذا القرن فى لهيب حربين عالميتين , ومئات من الحروب المحدودة والمجازر فى أنحاء مختلفة فى العالم . ومع اقتراب القرن من سنواته الأخيرة تبدو الليبيرالية الأوروبية , وريثه عصر التنوير , وقد فقدت كل مصداقية أو جدارة يعتد بها . بهذا المعنى شاحاك مثل الصوت الصارخ فى البرية .

-  التحرر فى التفسير الصوفى اللا تاريخى لليهودية , والفصل بين تاريخ اليهودية كديانة , وتاريخ اليهود كجماعات بشرية متناثرة فى أربعة أركان الأرض , والاعتراف بوجود ثغرات كثيرة سواء فى تاريخ اليهودية أو اليهود . فى هذا السياق يستكمل شاحاك ما بدأته حركة التنوير اليهودية ( الهاسكالا ") فى القرن الماضى , ويقدم مزيدا ً من البراهين حول ضرورة الإصلاحية اليهودية , التى حاولت تحرير اليهود من أساطير " الوعد الإلهى " و" شعب الله المختار " و" وحدة الأرض والشعب ".

ـ3ـ أرفقنا الترجمة العربية بهوامش تعرف ببعض المصطلحات والاسماء وقد استعتا بموسوعة " المفاهيم والصطلحات الصهيونية " للدكتور عبد الوهاب المسيرى , الصادرة عن مركز الدراسات السياسية والاستراتيجية بالاهرام 1975 , فى تفسير بعض المصطلحات المذكورة .

حسن خضر تونس 5/8/1992

ملاحظات ضرورية قبل قراءة الكتاب

ترد فى هذا الكتاب مصطلحات ومفردات من العبرية , ونأمل
 لاستكمال الفائدة , أن يضعها القارىء العربى فى اعتباره
 , ونثبت هنا أهم هذه المصطلحات مع شروحها :

القبالاه: علم التأويلات الباطنية والصوفية عند اليهود ,
 انقسمت إلى قسمين " نظرى خاص
بالطريق إلى المعرفة الباطنية والفيض الإلهى وعملى وهو أقرب إلى السحر
 الذى يستخدم التسبيح باسم الله ورموز الحروف والأرقام الأولية لتحقيق الغايات .
انتشر الفكر القبالى بين يهود أوروبا فى القرن السادس عشر وبين اليهود شرق
 أوروبا فى القرن الثامن عشر . من أهم المفكرين القباليين
 فى العصر الحديث الحاخام إبراهام كوك والحاخام القلعى
. من أشهر كتبها الباهير , وكذلك كتاب الزوهار وهو أهمها .

الييديشية : لهجة ألمانية جنوبية يستخدمها يهود شرق أوروبا . ظهرت بين عامى 1000و1250وهى خليط من المفردات الألمانية والعبرية والسلافية , نشأت أساسا ً فى ألمانيا وحملها اليهود معهم حينما هاجروا فى القرن الخامس عشر إلى بولندا وروسيا . أصبحت لغة سائدة بين اليهود فى أوروبا الشرقية . مل تزال مستخدمة فى المدارس التلميودية فى إسرائيل
, من أشهر كتاب الييديشية مندل موخير سفاريم وشالوم عليخيم .

ال:ميتسفاه: تعنى الوصايا الدينية ويبلغ عددها 613 وصية ,
 أما البارميتسفا"المقصود هنا فتعنى تلقى الوصايا المذكورة
 بصورة احتفالية وتتم عادة للذكور والإناث فى سن 13و12 سنة
على التوالى . وهى السن المبكر لقيام الشخص
بتحمل مسؤلياته الدينية . وهذا الاحتفال يعتبر
 من أهم المناسبات لدى اليهود الأميركيين .

ميشناه توراه : كتاب وضعه موسى بن ميمون اليهودى المولود فى قرطبة ,
 الذى أصبح من أهم فلاسفة الديانة اليهودية .
وقد استقر بن ميمون فى القاهرة وعمل طبيبا خاصا لنور الدين
على أكبر أبناء صلاح الدين الأيوبى . يحتوى ميشناه توراه
 على ترتيب وإيجاز لكل ما حواه العهد القديم من القوانين
إضافة إلى جميع قوانين المشناه والجماراه .

الصدوقيون : طبقة دينية تعود بأصولها إلى قرون عدة قبل ظهور المسيح لا يؤمن أصحابها بالعلم الآخر , ولا يؤمنون إلا بالشريعة المكتوبة خلافا للفريسيين الذين كانوا يدافعون عن الشريعة الشفوية . اصطدمت هذه الجماعة بعامة اليهود وتعاونت مع الهيلينيين ثم الرومان لتحتفظ بمكانتها الاجتماعية
 . وقد اختفت من الوجود بع تحطيم الهيكل.

الحسيدية : كلمة مشتقة من العبرية وتعنى " التقى "
وتستخدم فى العصر الحديث للدلالة على الحركة
 الدينية الصوفية التى أسسها بعل شيم طوف .
وقد تحولت مع مطلع القرن التاسع عشر
 إلى عقيدة لغالبية اليهود فى أوروبا الشرقية .

مارتن بوبر : فيلسوف يهودى صهيونى
من كبار مفسرى العهد القديم . اتصل بالحركة الحسيدية
التى لعبت دورا حاسما فى تطوره الدينى والفلسفى
, انضم إلى الحركة الصهيونية ,
وقد اختلفت صهيونية الروحية عن صهيونية هرتسل السياسية
. هاجر عام 1938 إلى فلسطين . من أهم مؤ لفاته :
أنا وأنت ومن أجل السماء وموسى وإسرائيل والعالم .

اليهودية الأرثذوكسية : من أهم المذاهب اليهودية فى العصر الحديث ,
 وهى فعل رجعية ضد التيارات التنويرية والإصلاحية بين اليهود .
 تدافع اليهودية الأرثذوكسية عن كل المقولات اليهودية التقليدية
والأساطير القديمة رغم مجافاتها لحقائق التاريخ والواقع
 . ومما يذكر أنها تسيطر على الحياة الدينية فى إسرائيل .

الفريسيون : حزب دينى وسياسى يهودى كان موجودا ً فى زمن المسيح .
وكان على مجموعة من المثقفين أو المتفقهين فى الدين ,
ويمتاز أفراده بعزلتهم عن عامة الناس , وهم يدافعون
 عن الشريعة الشفوية , ويؤمنون بفكرة الماشيح والحياة الآخرة والملائكة .
ومما يذكر أن اليهودية الحاخامية أو التلميودية هى يهودية الفريسيون
 التى انتصرت على المدارس والاتجاهات الدينية الأخرى .

"أكتب هنا ما أعتقد أنه الحق ,لأن حكايات الإغريق كثيرة وهى كما أرى
مثيرة للسخرية ". (هكتا نيوس المليتى , كما نقله هيرود )

" أفلاطون صديق , لكن الحقيقة صديق
 أعظم "(مقطع من "الأخلاق " لأرسطو ) " فى دولة حرة
يفكر كل إنسان بما يريد , ويقول ما يفكر به "(سبينوزا)

القسم الأول : التحيز والمراوغة

تعريف المصطلحات : التحرير من الخارج

أول مصاعب الكتابة حول هذا الموضوع أن مصطلح " يهودى " قد استخدم فى المئة وخمسين سنة الأخيرة بمعنيين مختلفين ,لإدراك هذا الأمر , فلنتخيل أنفسنا فى العام 1780, كان المعنى الشائع المقبول , عندئذ لمصطلح يهودى ينسجم جوهريا مع الشىء الذى فهمه اليهود كمكون لهويتهم . كانت تلك الهوية دينية فى المقام الأول , لكن التعاليم الدينية تحكمت بتفاصيل السلوك اليومى فى كافة جوانب الحياة الاجتماعية والشخصية بين اليهود أنفسهم , وكذلك بعلاقتهم مع غير اليهود .لم يكن بمقدور اليهودى فى ذلك الوقت , بالمعنى الحرفى للكلمة , أن يشرب حتى كأس ماء فى بيت غير يهودى . كما كانت نفس التعاليم السلوكية تجاه غير اليهود مطبقة بحذافيرها من اليمن حتى نيويورك . ومهما كان المصطلح  الذىيمكن استخدامه لوصف يهود العالم   1780(ولا أرغب هنا , بدخول نزاع ميتافيزيقى حول مصطلحات مثل " أمة "و"شعب "(1) من الواضح أن كافة الطوائف اليهودية فى ذلك الوقت كانت منعزلة عن المجتمعات غير اليهودية التى تعيش بين ظهرانيها .ومع ذلك , تغير هذا الوضع بفعل عمليتين متوازيتين ـ بدأت فى هولندا وانجلتر . واستمرت فى فرنسا الثورية والبلدان
التى اقتفت أثر الثورة الفرنسية , وانتقلت إلى أنظمة القرن التاسع عشر الملكية الحديثة ـ العمليتان : نيل اليهود درجة يعتد بها من الحقوق الفردية ( فى بعض الحالات مساواة قانونية كاملة ) وتحطيم السلطة القضائية التى كانت الطائفة اليهودية تمارسها على أفرادها . تجدر الملاحظة , هنا ,أن هاتين العمليتين وقعتا بشكل متزامن ,وأن الثانية أكثر أهمية من الأولى , رغم أنها غير معروفة على نطاق واسع مثلها . كان للطوائف اليهودية منذ عهد الإمبراطورية الرومانية المتأخرة سلطة قضائية كبرى على أفرادها . سلطة لا تستمد من خلال تعبئة الضغط الاجتماعى الطوعى وحسب ( على سبيل المثال : رفض التعامل بأى شكل من الأشكال مع يهودى محروم دينيا أو حتى دفن جثته ) بل ومن القمع السافر أيضا سلطة تجلد , وتسجن , وتطرد . وقد كان من الممكن إيقاع كل تلك العقوبات , بصفة شرعية تماما ,بحق اليهودى الفرد , من جانب المحاكم الحاخامية المختصة بكل أنواع الجنايات . وفى بلدان كثيرة ( أسبانيا وبولندا مثلان بارزان ) كان من الممكن الحكم حتى بعقوبة الإعدام , وقد صدر الحكم بها , أحيانا , باستخدام طرق وحشية مثل الجلد حتى الموت . لم يسمح بكل تلك الممارسات وحسب , بل لقيت المباركة أيضا من جانب سلطات الدولة فى البلدان المسيحية والإسلامية , التى إلى جانب حرصها على حفظ " الأمن والنظام " كانت لها فى بعض الأحيان مصالح مالية مباشرة أيضا . هناك , مثلا , فى الحقوقات الأسبانية العائد تاريخها إلى القرنين الثالث عشر والرابع عشر , سجلات لعديد من الأوامر التفصيلية الصادرة عن ملوك قشتالة وأراغون الكاثوليك الورعين تعلم موظيفهم , الذين لا يقلون عنهم ورعا ً, , بالتعاون مع الحاخامات فى مراغاة احترام السبت من جانب اليهود . لماذا ؟ لأن الحاخامات عندما يغرمون يهوديا ً انتهك حرمة السبت , عليهم تسليم تسعة أعشار الغرامة للملك . هذه اتفاقية مربحة جدا وشديدة الفعالية . بالقدر نفسه يمكننا الاستشهاد بفتوى دينية كتبها الحاخام الذائع الصيت موشى سوفير , حاخام مدينة برسبرغ " تدعى الآن براتسلاف" الموجودة فيما كان يعرف وقتئذ بالمملكة الهنغارية ذات الحكم الذاتى فى الإمبراطورية النمساوية , وقد كتبها قبيل العام 1848 ووجهها إلى فيينا على نحو خاص , حيث نال اليهود هناك بعض الحقوق الفردية التى يعتد بها (1) نعى سوفير حقيقة أن اليهود فى فيينا أصبحوا متساهلين فى تطبيق التعاليم الدينية منذ فقدان الطائفة اليهودية هناك السلطة عقاب المذنبين واضاف " هنا , فى برسبرغ , عندما يقال لى إن بقالا يهوديا تجرا وفتح دكانه فى الأعياد أرسل على الفور شرطيا لاعتقاله ". هذه أهم حقيقة اجتماعية للوجود اليهودى قبل حلول عصر الدولة الحديثة : مراعاة التعاليم الدينية اليهودية , وغرسها فى الأذهان يتمان الإكراه المادى الذى لا يجد الإنسان مهربا منه إلا باعتناق ديانة الأغلبية أى الإقدام على قطيعة اجتماعية كاملة وهى غير عملية أبدا , إلا فى حالة وقوع أزمة دينية (1) . رغم ذلك . بمجرد ظهور الدولة الحديثة للوجود فقدت الطائفة اليهودية سلطة معاقبة أو تدجين اليهودى الفرد , وتقطعت أواصر أحد أكثر " المجتمعات المغلقة " إغلاقا , وأحد أكثر المجتمعات استبدادا ً فى التاريخ البشرى برمته جاء قعل التحرير هذا , بقسطه الأعظم , من الخارج بيد أن بعض اليهود قدموا له يد العون من الداخل , واولئك كانوا فى البداية قلة قليلة كانت لفعل التحرير من الخارج أوخم العواقب على المستقبل , كما سنرى فى ألمانيا ( حسب التحليل البارع لم.ج.ب. تايلور ) فقد كان من السهل الجمع بين الانقلاب على الحقوق من جهة والمشاعر الوطنية من جهة أخرى . ففى الواقع , جاءت حقوق الفرد والمساواة أمام الى المانيا مع جيوش الثورة الفرنسية , ونابليون . ولذا نستطيع القول عن الحرية بأنها " غير ألمانية " بهذا المعنى أصبح من السهل جدا بين اليهود , خاصة فى اسرائيل , شن هجوم شديد الفعالية على كل أفكار ومثل الحركة الإنسانية وحكم القانون ( ناهيك عن الديمقراطية ) باعتبارها أشياء " غير يهودية " أو " معادية لليهود "( وهى كذلك , بالمعنى التاريخى ) وفى نفس الوقت النظر إليها كأشياء يمكن استخدامها " لمصالح اليهود " مع نزع أو مصداقية عنها إذا تعارضت مع " المصلحة اليهودية " وهذا يحدث عندما يستشهد بها العرب , مثلا نجم عن هذا الموقف كما حدث فى ألمانيا ودول أخرى فى أوروبا الوسطى , كتابة تاريخ يهودى مخادع وعاطفى وبالغ الرومانسية حذفت منه الحقائق المرجعة . لذلك لن يجد الإنسان فى كنابات حنا أرندت الغزيرة سواء حول الاستبداد , أو اليهود أو كليهما (1) أدنى إشارة إلى ما كان عليه المجتمع اليهودى فى القرن الثامن عشر :إحراق كتب , اضطهاد كتاب , نزاعات حول القوى السحرية للتمائم , حظر معظم التعليم الابتدائى " غير اليهودى " مثل كتابة اللغة الألمانية دون أخطاء أو حتى الألمانية المكتوبة بالأبجدية اللاتينية (2) كما لن يجد الإنسان فى " التواريخ اليهودية " الكثيرة باللغة الإنجليزية .أى حقائق أولية حول موقف الصوفية اليهودية " أصبحت موضة شائعة جدا فى أوساط معينة هذه الأيام " تجاه غير اليهود : فهم يعتبرون بالمعنى الحرفى للكلمة امتدادت الشيطان , والأفراد القلائل غير الشيطانيين بينهم )  أى اولئك الذين يعتنقون اليهودية ) هم فى الواقع " أرواح يهودية " ضلت سبيلها عندما انتهك الشيطان السيدة المقدسة ( شخينا أو ترونيت " أحد المكونات الأنثوية للإله الأكبر , شقيقه وزوجة الإله الذكر الأصغر ,حسب تعاليم القبالاة ) فى مقامها السماوى . لقد أعار كبار الكتاب مثل غيرشوم شولم , نفوذهم لمنظومة من الأكاذيب فى كافة المجالات " الحساسة " والأكثر شعبية من بينهم هم الأكثر خسة وتضليلا . رغم ذلك كانت النتائج الاجتماعية لعملية التحرير تعنى قدوة اليهودى , للمرة الأولى منذ القرن الثانى للميلاد (1), أن يعفل ما يشاء فى حدود القانون المدنى لبلده , دون الاضطرار لدفع ثمن هذه الحرية باعتناق ديانة أخرى . أتيحت لليهود حرية معرفة وقراءة الكتب باللغات الحديثة , حرية القراءة والكتابة بعبرية لم تحط بموافقة مسبقة من الحاخامات ( كما كان الحال بالنسبة لأى كتاب بالعبرية أو الييديشية من قبل ) حرية تناول طعام غير كوشير , حرية تجاهل المحرمات العبثية العديدة المنظمة للحياة الجنسية , وحتى حريثة التفكير , لأن " الأفكار المحظورة " كانت من بين أبشع المعاصى . أتيحت كل تلك الحريات ليهود أوروبا ( وبالتالى ليهود البلدان الأخرى ) من جانب الأنظمة الأوروبية الحديثة , وحتى الاستبدادية , رغم أن الأخيرة كانت فى نفس الوقت قمعية ومعادية للسامية . كان نيقولا الأول , قيصر روسيا , لاساميا ذائع الصيت , وقد أصدر الكثير من القوانين المعادية لليهود , لكنه عزز أيضا عناصر "الأمن والنظام " فى روسيا , ليس من خلال الشرطة السرية وحسب , ولكن من خلال الشرطة النظامية والحرس والوطنى أيضا , حتى أصبح قتل اليهود بأمر من حاخاماتهم أمرا صعبا , بينما كان من السهل القيام بذلك فى بولندا ما قبل العام 1890 , إن التاريخ " الرسمى" اليهودى يدين نيقولا الأول بسبب لا ساميته وتعزيزه للنظام . حدث مثلا , فى أواخر ثلاثينيات القرن التاسع عشر أن أمر " حاخام مقدس" "( تساديك ) فى بلدة يهودية صغيرة بأوكرانيا بقتل يهودى مهرطق , وذلك بالقائه فى الماء المغلى لحمامات البلدة , وبهذا الصدد تبدى المصادر اليهودية المعاصرة ذعرا ودهشة بالغة ليس لأن الرشوة " لم تعد مؤثرة " وحسب , بل لأن الفاعلين وكذلك الرجل المقدس عوقبوا بقسوة أيضا . كما كان نظام ميترنيخ فى النمسا ما قبل العام 1848 رجعيا سىء السمعة , ولا يكن أدنى مشاعر ودية لليهود , لكنه لم يسمح بقتل الناس بالسم , بما فى ذلك حاخامات يهود لس\يبراليين . وخلال عام 1848 . عندما وهنت قوة النظام , مؤقتا , كان أول ما فعله زعماء الطائفة اليهودية فى مدينة لمبرغ الغاليسية ( تدعى الأن لفوف ) بحر يتهم المكتسبة حديثا قتل حاخام المدينة الليبرالى بالسم , ذلك الحاخام الذى استوردته مجموعة صغيرة كمن اليهود غير الأرثذوكس من ألمانيا ليشرف على شؤونها الدينية . وبالمناسبة , كانت إحدى هرطقاته إجراء احتفال الميتسفاه , المبتدع حديثا فى ذلك الوقت . لكل ما تقدم , اكتسب مصطلح يهودى فى المئة وخمسين سنة الأخيرة دلالة مزدوجة مما تسبب باضطراب كبير فى فهم بعض أصحاب النوايا الطيبة خاصة فى البلدان الناطق بالإنجليزية الذين يتصورون أن اليهود الذين يقابلونهم فى المناسبات الاجتماعية " يمثلون " اليهود ( عموما ) . لقد جرى تحرير اليهود فى بلدان أوروبا الشرقية وكذلك العالم العربى من طغيان ديانتهم وطرائفهم على يد قوى خارجية فى وقت متأخر جدا وظروف غير ملائمة لوقوع تغيير اجتماعى حقيقى يطال الذات نفسها , لذا حرفظ , فى معظم الحالات , وبالذات فى إسرائيل على المفهوم القديم للمجتمع وعلى نفس الأيديولوجيا ( خاصة موقفها تجاة غير اليهود وكذلك نفس المفهوم الزائف للتاريخ . ينطبق هنا القول , أيضا حتى على بعض أولئك اليهود الذين انضموا لحركات " تقدمية "أو يسارية . ولعل دراسة الأحزاب الراديكالية والاشتراكية والشيوعية تقدم العديد من الأمثلة حول شوفينيين وعنصريين يهود مقنعين , انضموا لتلك الأحزاب لأسباب تتعلق " بالمصلحة اليهودية " وهم فى هذه المنطقة من العالم يؤيدون التمييز الموجه ضد الأغيار . ولا يحتاج الإنسان إلالمراجعة أعمال الاشتراكيين اليهود الكثيرين الذين تمكنوا من الكتابة عن الكيبوتس , دون أن يكلفوا أنفسهم عناء القول بأنها مؤسسة عنصرية مغلقة بوجهخ غير اليهود من مواطنى إسرائيل (1), ليكتشف أن الظاهرة التى نشير إليها ليست بأى حال من الأحوال نادرة المثال . ولعلنا إذا تجنبا التسميات المبنية على الجهل أو النفاق , نرى أن كلمة " يهود " والكلمات الأخرى المشابهة نوعين مختلفين حتى متناقضين من الجماعات الاجتماعية لكن القاسم المشترك بينهما يختفى بسرعة فى الوقت الحاضر بسبب الساسيات الإسرائيلية هناك من ناحية المعنى التقليدى الا ستبدادى المعروض أعلاء ومن ناحية أخرى هناك اليهود يحكم الميلاد , أو لئك قبلوا وذوتوا منظومة الأفكار التى أسماها كارل بربر " المجتمع المفتوح " ( هناك أيضا البعض . وبالذات فى أميركا , الذين لم يذوتوا تلك اأفكار بل يتظاهرون بقبولها ). ومن الجدير بالملاحظة أن كل ما يدعى " السمات اليهودية " وأعنى بها الصفات التى يسبغها المثقفون المزعومون فى الغرب على اليهود هى سمات حديثة , ومجهولة تماما خلال معظم اللتاريخ اليهودى , ولم تبرز للعيان إلا بعد فقدان الطائفة اليهودية الاستبدادية لسلطتها . فلنأخذ , على سبيل المثال , روح الدعاية اليهودية الذائعة الصيت , ليست الدعاية نادرة الوجود فى الأدب العبرى قبل القرن التاسع عشر وحسب ( وموجودة نسبيا من النير الحاخامى مثل إيطاليا بين القرنين الرابع عشر والسابع عشر وأسبانيا الإسلامية ) بل إن الدعاية والنكات محظورة تماما فى الديانة اليهودية ما عدا , وهذا أمر له دلالة , النكات التى تستهدف ديانات أخرى (1). ولم تذوت اليهودية هجاء الحاخامات وزعماء الطائفة اليهودية أبدا , حتى بقدر ضئيل مثلما كان الأمر فى  المسيحية الللاتينية . لم تكن ثمة مسرحيات هزلية يهودية , كما لم تكن هناك مسرحيات هزلية فى اسبارطة ولنفس السبب أو فلنأخذ حب المعرفة , مثلا ما عدا المعرفة الدينية الصرفة , والتى كانت فى حالة يرثى لها , كان احتقار وكراهية كل المعارف يهيمن على يهودى أوروبا ( ويقدر أقل على يهود البلدان العربية )أما المعرفة الوحيدة المقبولة فكانت التلمود والصوفية اليهودية . ولم تكن أسفار كثيرة من العهد القديم , وكل الشعر اليهودى غير الطقوسى , ومعظم كتب الفلسفة اليهودية غير مقروءة وحسب , بل كانت حتى عناوينها محرمة أيضا , فى أغلب الاحيان . كانت دراسة جميع اللغات محظورة تماما , وكذلك دراسة الرياض يات والعلوم والجغرافيا والتاريخ (1). حتى التاريخ اليهودى ـ مجهولة كما كانت الحاسة النقدية التى يزعمون بأنها قرينة باليهود , غائبة كليا , ولم يكن ثمة ما هو أكثر عرضة للتحريم والخشية , وعلى هذا الأساس , الاضطهاد من أقل الإبتكارات شأنا , أو أكثرأشكال النقد براءة . كان ذلك العالم غارقا فى أكثر أنواع الخرافة وضاعة , والتعصب والجهل , فى مثل ذلك العالم كان يمكن المقدمة أول عمل بالعبرية ( منشورة عام 1803 فى روسيا ) أن تشكومن حقيقة أن العديد من الحاخامات العظام كانوا ينكرون وجود القارة الأميركية , ويقولون بأنها " مستحيلة " بين ذلك العالم وما يؤخذ فى الغرب عادة كسمات لليهود , لا يوجد شىء مشترك ما عدا الاسم الخطأ . على أية حال يحن الكثير من اليهود فى الوقت الحاضر لذلك العالم لجنتهم المفقودة ومجتمعهم المغلق المريح الذى  لم يحرروا بقدر ما طردوا منه . وقد أراد قسم كبير من الحركة الصهيونية على الدوام إعادة ذلك العالم , وأصبحت لهذا الجزء اليد الطولى . أن العديد من الأسباب الكامنة وراء السياسات الإسرائيلية والتى تثير حيرة " أصدقاء اسرائيل " الغربيين المساكين الذين يعانون من التشوش , قابلة للتفسير تماما بمجرد النظر إليها كردة فعل , ردة فعل بالمعنى السياسى , حيث حاول هذا العالم فى القرنيين الأخيرين القيام بعودة إجبارية ( فى عديد من جوانبها مبتكرة ولهذا السبب وهمية ) لذلك المجتمع المغلق للماضى اليهودى .

عقبات تعترض الفهم يمكنننا التدليل
تاريخيا على أن المجتمع المغلق لا يهتم بوصف نفسه , لأن أى وصف
يعتبر , جزئيا شكلا من أشكال التحليل النقدى ولذايشجع " الأفكار النقدية
 المحرمة " وبقدر ما ينفتح المجتمع بقدر ما يحرص على تأمل نفسه فى
البداية وصفيا ثم نقديا لحالته الراهنة وكذلك لماضيه , ولكن ماذا يحدث
عندما ترغب عصبة من المثقفين جر المجتمع الذى انفتح بقدر معقول
 , إلى حالته الاستبدادية المغلقة ؟ عندئذ تصبح نفس وسائل التقدم السابق
( الفلسفة والعلوم والتاريخ وخاصة علم الاجتماع )
 أكثر أدوات " خيانة المثقفين " نجاعة ,
 عندما يتم تحريفها لاستخدامها فى الخداع ولذلك تنزلق فى
 سياق تلك العملية إلى الدرك الأسفل . كان " لليهودية الكلاسيكية "
(1) اهتمام ضئيل بوصف أو تفسير نفسها أمام أفرادها
, سواء المتعلمين منهم ( فى الدراسات التلميودية ) أو الجهلة
(2) ومما يثير الاهتمام أن عملية التأريخ اليهودية , حتى بكتابة الحوليات
 وهى أكثر انواع التأريخ جفافا , قد توقفت نهائيا منذ زمن جوزيفوس
 فلا فيوس( نهاية القرن الأول ) حتى عصر النهضة عندما انتعشت لفترة قصيرة
فى إيطالبا وبلدان أخرى خضع فيها
اليهود لتأثيرات إيطالية قوية
(3)ومما يثير الاهتمام أن الحاخامات شعروا بالخوف من التاريخ اليهودى
 أكثر من التاريخ العام , وأول كتاب حديث مطبوع بالعبرية ( فى القرن السادس عشر ) كان بعنوان " تاريخ ملوك فرنسا وملوك بنى عثمان " وأعقبته بعض كتب التاريخ التى تعالج الاضطهادات التى تعرض لها اليهود وأول كتاب فى التاريخ اليهودى نفسه (4) ( يعالج الأزمنة الغابرة )تم حظره على الفور من جانب أعلى المراجع الدينية , ولم يطف على السطح مجددا قبل حلول القرن التاسع عشر , مزيدا على ذلك , أصدرت السلطات الحاخامية فى أوروبا الشرقية أمرا بمنع جميع الدراسات غير التلمود حتى تلك التى لا تشتمل على أى شىء ليستحق البغض , وذلك لأنها تستهلك الوقت الذى يجب إنفاقه إما لريح المال أو دراسة التلمود , ولم تترك سوى ثغرة صغيرة هى الوقت الاضطرارى الذى يحتاجه حتى اليهودى الورع فى المرحاض . كانت الدراسات المقدسة محظورة فى ذلك المكان غير الظاهر , ولذا سمح بقراءة التاريخ هناك , شريطة أن يكون مكتوبا بالعبرية ولا يتطرق لأى مسألة دينية مما يعنى
أنه يجب أن يكون مكرسا بصورة حصرية لموضوعات غير يهودية
( ولعل الإنسان يتخيل أولئك اليهود القلائل فى ذلك الوقت الذين اهتموا
 بدافع من الشيطان دون شك , بتاريخ الملوك الفرنسيين
وهم يتذمرون أمام جيرانهم على الدوام يسسب الإمساك الذين يعانون منه "
لتبرير قضاء وقت طويل فى المرحاض ") نتيجة لذلك كانت الغالبية العظمى
 من اليهود قبل قرنيين من الزمان تعيش كليا فى ظلمات الجهل ,
 ليس الجهل بوجود أميركا وحسب , بل الجهل بالتاريخ اليهودى
ووضعية اليهود فى أزمانهم أيضا . لكنهم كانوا يشعرون بالرضا ويريدون
البقاء كذلك . ومع ذلك هناك مجال وحيد لم يسمح لهم بالبقاء مغلقين على
 أنفسهم حياله , التهجمات المسيحية على تلك المقاطع من التلمود والأدب
التلمودى المعادية للمسيحية على نحو خاص , أو المعادية للأغيار عموما
. وتجدر الملاحظة أن هذا التحدى تطور فى وقت متأخر نسبيا من
تاريخ العلامات االيهودية ـ المسيحية بداية من القرن الثالث عشر فقط ( قبل ذلك
الوقت هاجمت المراجع المسيحية اليهودية مستخدمة إما ذرائع توراتية  عامة
 لكنهاكانت تبدو جاهلة تماما بمحتويات التلمود ويبدو أن   الحملة المسيحية
ضد التلمود نشأت من خلال اعتناق المسيحية من جانب يهود كانوا
على دراية كبيرة بالتلمود ,
 واستهوتهم فى عديد من الحالات تطورات
الفلسفة المسيحية بصورتها الأرسطية ( وبالتالى الكونية )(1). ينبغى الإقرار من البداية أن التلمود والأدب التلمودى ( بصرف النظر من الطيف العام المعادى للأغيار الذى يسرى فيهما والذى سنناقشه بتفصيل أكبر فى الملحق ) يحتوى على مقاطع معادية جدا ووصايا موجهة أساسا ضد المسيحية على سبيل المثال , إضافة إلى الاتهامات الجنسية البذئية ضد يسوع ينص التلمود أن عقوبة يسوع فى الجحيم هى إغراقه فى غائط يغلى ـ وهى عبارة لا تجعل التلمود مقبولا من المسيحين المؤمنين ـ كما يمكن التنكير بالوصية التى يؤمر اليهود بموجبها بإحراق أى نسخة من الإنجيل , علانية إذا أمكن ,
 تقع بين أيديهم ( هذه الوصية ليست موجودة فى الوت الراهن
وحسب , بل وتمارس أيضا . ففى الثالث والعشرين من مارس 1980
, أحرقت مئات من نسخ الإنجيل علانية وبصورة احتفالية فى المقدس
تحت رعاية " ياد لعاخيم " وهى منظمة دينية يهودية تتلقى المعونات المالية
من وزارة الشؤون الدينية الإسرائيلية ). ( مهما يكن الأمر
, بدأ هجوم قوى الأركان فى عديد من الجوانب على
اليهودية التلمودية فى أوروبا منذ القرن الثالث
عشر . ونحن لا نشير هنا إلى اقتراءات
جاهلة مثل تهمة الدم التى روحها الرهبان الجهلة فى مدن المقاطعات البعيدة , بل إلى مناظرات جدية وقعت أمام أفضل الجامعات الأوروبية فى تلك الأثناء , وجرت عموما بأكبر قدر ممكن من الموضوعية تسمح به ظروف القرون الوسطى (1). ماذا كان الرد اليهودى ؟أو بالأخرى الرد الحاخامى ؟ كان أبسط الردود هو السلاح القديم للرشوة ورتق الثغرات . وقد كان من الممكن فى معظم البلدان الأوروبية . فى معظم الوقت , تسوية أى شىء بالرشوة . ولم تكن هذه القاعدة مصيبة فى أى مكان أكثر مما كانت عليه فى
روما باباوات عصر النهضة . أن طبعة editio brincebs الكاملة للشرائع التلمودية ـ منشاه تواره التى وضعها
 موسى بن ميمون ـ لا تطفح بأكثر التعاليم عدوانية تجاه جميع الأغيار وحسب , بل تشتمل على تهجمات صريحة على المسيحية ويسوع أيضا . فيسوع الذى يضيف الكاتب كلما ذكر اسمه : أهلك الله الاسم الشرير . هذه الطبعة نشرت كاملة غير محذوفة فى روما عام 1480 فى عهد سيكستوس الرابع , وهو بابا نشط جدا من ناحية سياسية واديه حاجة ملحة ودائمة للمال ( قبل ذلك بسنوات قليلة نشر كتاب الأتان الذهبى الذى وضعه أبوليوس دون حذف التهجم العنيف على المسيحية فى روما ) كما كان البابا ألكسندر بورجيا ليبراليا جدا بهذا الصدد أيضا . حتى فى تلك الأثناء , وقبلها كانت ثمة بلدان ارتفعت فيها موجة من الاضطهاد المعادى للتلمود لبعض الوقت لكن الموجة لأكثر ثباتا وانتشارا جاءت مع حركة الإصلاح الدينى والإصلاح المضاد , واشتملت على مستوى أعلى من النزاهة الثقافية وكذلك معرفة أفضل بالعبرية بين العلماء المسيحين . ومنذ القرن السادس عشر تعرض كل الأدب التنلمودى بما فى ذلك التلمود نفسه , للرقابة المسيحية فى بلدان مختلفة استمرت الرقابة فى روسيا حتى عام 1917 . كان بعض الرقباء , كما حدث فى هولندا , أكثر مرونة , بينما كان البعض الأخر أكثر
 قسوة , وتم حذف المقاطع العدائية أو تعديلها . إن جميع الدراسات الحديثة حول اليهودية , خاصة التى يكتبها يهود قد تطورت عن ذلك الصراع , وما زالت , حتى يومنا هذا تحمل العلامات التى لا تخطئها العين , الدالة على أصلها : الخداع , مجالات اعتذارية أو عدوانية , لا مبالاة وحتى عدوانية نشطة بشأن تقصى الحقيقة , ولعل جميع ما يدعى بالدراسات اليهودية فى الديانة اليهودية , تقربيا , من ذلك الوقت حتى يومنا هذا هى مجالات ضد عدو خارجى وليست مناقشات داخلية . تجدر الملاحظة هنا , أن تلك كانت فى البداية سمة كتابة التاريخ الرسمى فى جميع المجتمعات المعروفة ( ما عدا اليونان القديمة التى هوجم مؤرخوها الليبراليون لاحقا من جانب السوفسطانيين لأنهم يفتقرون للروح الوطنية ) يصدق هذا الأمر علفى افلمؤرخيين الكاثوليك والبروتستات الأوائل الذين جادلوا بعضهم البعض , بالقدر نفسه . فإن أقدم التواريخ الأوروبية مشبعة بأكثر أشكال القومية فجاجة واحتفارا للآخر , أى الأمم المجاورة ولكن عاجلا أم أجلا يأتى وقت تنشأ فيه محاولة لفهم  الآخر القومى أو الدينى وفى الآن نفسه نقد جوانب معينة عميقة وهامة فى تاريخ الجماعة التى تنتمى إليها الإنسان , يحدث هذان التطوران معا
. وكما يقول بتير غايل بصواب تام , عندما يصبح التاريخ مناقشة بلا نهاية وليس استمرارا للحرب بأدوات تاريخية , عندئذ , فقط يصبح التأريخ الإنسانى الساعى للصواب والموضوعية ممكنا , وعندما يتحول إلى أحد أقوى وسائل النزعة الإنسانية والتربية الذاتية , لذلك تعيد الأنظمة الاستبدادية كتابة التاريخ أو تعاقب المزوخين (1). ولكن عندما يحاول مجتمع بأكمله العودة إلى الا ستبداد , يكتب تاريخيا استبداديا ليس بفعل إكراه من أعلى ولكن يسسب ضغط من أسفل وهو أكثر فعالية . هذا ما حدث للتاريخ اليهودى , وهذا ما يمثل المشكلة الأولى التى تحتاج للتغلب عليها . . ما هى الميكانيزمات الأخرى ( غير الرشوة ) التى استخدمتها
الطوائف اليهودية بالتعاون مع قوى خارجية كى
تتفادى الهجوم على التلمود والأدب الدينى ؟

يمكن بهذا الصدد تمييز عدة طرق ,
 وقد كانت لها جميعا عواقب سياسية هامة , انعكست فى السياسات الإسرائيلية الحالية ورغم أن من المضجر إيجاد القرينة بين كل حالة ومرادفها البيغبنى ( نسبة إلى ميناحيم بيغين ) أو الصهيونى العمالى ,إلا أننى على يقين بأن القراء المطلعين نوعا ما على تفاصيل سياسات الشرق الأوسط سيلاحظون بأنفسهم أوجه الشبه . أول ميكانيزم سأناقشه هو : الاستخفاف الزائف المترافق مع إذعان خارجى . وكما بينا أعلاه " اضطرت المقاطع التلمودية المعادية المسيحية , أو غير اليهود (1) للاختفاء أو خضعت للتعديل , فقد كان الضغط قويا , ولكت ماذا حدث ؟ حذفت قلة من المقاطع الهجومية
الضارية من جميع النسخ المطبوعة فى أوروبا بع منتصف القرن السادس عشر , أما المقاطع الأخرى , فإن تعبيرات مثل : غيرى , لا يهودى غريب ( غوى , اينويهودى , نوخرى ) التى تظهر فى كل المخطوطات الأولى والطبعات , وكذلك جميع النسخ المطبوعة فى البلدان الإسلامية استبدلت بمصطلحات مثل :" وثنى " " هجمى " وحتى " كنعانى " أو "سامرى " وهى مصطلحات يمكن تبريرها أمام الآخرين , لكن القارىء اليهودى يعرف بأنها مصطلحات ملطفة للتعبيرات القديمة . ومع تصاعد الحملة أصبح الدفاع أكثر إحكاما , مما أسفر أحيانا عن نتائج ذات تأثيرات مأساوية دائمة . ففى فترات معينة أصبحت رقابة روسيا القيصرية أكثر شدة , ومع اكتشاف التعبيرات الملطفة المذكورة أعره ومعرفة ما تعنية فى الواقع , تم منعها أيضا . لذلك عوضتها المراجع الحاخامية بتعبيرات مثل " عربى "أومسلم "( بالعبرية يشماعيلى وهى على الاثنينمعا ) وأحيانا " مصرى " لأنها أدركت بصواب أن السلطات تاقيصرية لن تعترض على هذا النوع من الإساءة . وفى نفس الوقت , جرى توزيع قوائم بالمحذوفات التلمودية , على هيئة مخطوطات , تشرح التعبيرات الجديدة وتشير إلى المحذوفات , فى أحيان أخرى , كانوا يطبعون استنكارا قبل صفحة العنوان على كل مجلد من مجلدات الأدب التلمودى , ينص ذلك الاستنكار , الذى قد يظهر على هيئة قسم أيضا , أن كافة التعبيرات العدائية فى هذا المجلد تشير إلى الوثنيين فى العصور الغابرة فقط أوحتى ضد الكنعانيين الذين اندثروا منذ زمن بعيد , وهى ليست موجهة ضد " الشعوب التى تعيش فى أراضيها ". وقد تستخدم بعض الحاخامات بعد الاحتلال الإنجليزى للهند حيلة تقيد ان أى إشارة تثير الغضب أو تحط من الكرامة يستخدمونها , يقصد بها الهنود فقط , وفى مناسبات أخرى تمت الإشارة إلى السكان الأصليين فى استراليا باعتبارهم المقصودين بتلك التعبيرات . من نافلة القول , أن كل ما سبق يمثل كذبة محسوبة من البداية إلى النهاية بعد إنشاء دولة إسرائيل , وبمجرد أن شعر الحاخامات بالأمان تمت إعادة جميع تلك المقاطع والتعبيرات العدوانية بلا تردد فى طبعات جديدة ( بسسبب التكاليف الباهظة التى تحتاجها الطبعات الجديدة , فإن جزء كبيرا ًمن الأدب التلمودى بما فى ذلك التلمود نفسه , تتم إعادة طباعته عن إسرائيل , فى طبعة رخيصة بعنوان هير سونوت شاس ) هكذا يستطيع الإنسان القراءة بحرية , ويتم تعليم الأطفال اليهود فعليا (1) مقاطع مثل تلك التى تأمر كل يهودى كلما مر بجوار مقبرة أن يدعو بالرحمة إذا كانت يهودية , وأن يلعن أمهات الموتى إذا كانت المقبرة غير يهودية (2). حذفت الأغيار , ولكن فى الطبعة الإسرائيلية الجديدة التى أعدها الحاخام عادين ستاينزلاس ( كاملة مع شروحات عبرية ومسرد بمعانى الأجزاء الأرامية فى النص , حتى لا يخامر أطفال المدارس الشك بشأن ما ينبغى قوله بالضبط عادت الكلمات التى لا تقبل الشك :" الأغيار " و" الغرباء ". هكذا إذن حذف الحاخامات أو عدلوا , عن طريق الخداع , وبسبب ضغوطات خارجية , مقاطع معينة فى الماضى , لكنهم لم يحذفوا أو يعدلوا الممارسات الفعلية التى تتضمنها , هذه حقيقة ينبغى تذكرها , ليس من جانب اليهود وحدهم على الأقل , فعلى مدار قرون استخدم مجتمعنا الاستبدادى عادات بربرية ولا إنسانية لتسميم عقول أفراده , وما زال يفعل ذلك ( لايمكن تبرير تلك العادات بأنها مجرد ردة فعل على العداء للسامية أو اضطهاد لليهود , فهى أعمال بريرية مجانية موجهة ضد كل بنى البشر , فلنتخيل يهوديا وربما يصل للمرة الأولى إلى استراليا , يمر مصادفة قرب مقبرة للسكان الأصليين , ويجب عليه , كنوع من عبادة " الرب " لعن أمهات الأموات المدفونين فى المقبرة ) ما لم نواجه هذه الحقيقة الاجتماعية الفعلية , نصبح جميعا شركاء فى الخداع , ومتورطين فى عملية تسميم أجيال الحاضر والمستقبل , بكل ما لهذه المسألة من نتائج .

الخداع يتواصل لم يواصل علماء اليهودية المحدثين خداعهم وحسب بل حسنوا فعليا الطرق الحاخامية القديمة فى الوقاحة والكذب أيضا , وأنا أحذف هنا التواريخ المختلفة لمعاداة السامية . باعتبارها لا تستحق المناقشة الجدية , وسأقدم ثلاثة أمثلة محددة . ومثلا عاما حول الخدع " الأكاديمية " الحديثة . نشر فى القدس عام 1962 جزء من كتاب موسى بن ميمون المذكور أعلاه , يدعى كتاب المعرفة , ويحتوى على معظم المبادىء الأساسية للديانة والممارسة اليهوديتين فى طبعة ثنائية اللغة , توجد فيها الترجمة الإنجليزية مقابل النص العبرى (1) وقد أعيدت للنص العبرى نقاوته الأصلية , فظهرت فيه الدعوة لتصفيةالونادقة اليهود بنصها الكامل : يقتضى الواجب أن يعمل الإنسان على إبادتهم بيديه , أما فى الترجمة الإنجليزية فقد ظهرت هه العبارة بصيغة ملطفة نوعا ما : يقتضى الواجب اتخاذ ؟إجراءات فعالة لتحطميهم . لكن النص العبرى ينتقل بعدئذ لتوضيح النماذج الأساسية " للزنادقة " الواجب إبادتهم :" مثل يسوع الناصرى وتلامذته . والصدوقيين وتلامذتهم (2) فليبلى الاسم الشرير " لاتظهر أى من الكلمات السابقة فى النص الإنجليزى على الصفحة المقابلة (789 )ومن المهم الملاحظة , رغم توزيع الكتاب على نطاق واسع بين العلماء فى البلدان الناطقة بالإنجليزية , عدم احتجاج أحد منهم حتى الآن , فى حدود علمى , على ذلك الخداع الصارخ . يأتى المثل الثانى من الو لايات المتحدة , مرة أخرى من ترجمة إنجليزية لكتاب لابن ميمون , الذى لم يصنف التلمود وحسب , بل كان فيلسوفا أيضا , ويعتبر كتابه " مرشد الحيارى " بحق أعظم عمل فى الفلسفة الدينية اليهودية , هذا الكتاب مقروء على نطاق واسع ومستخدم حتى فى أيامنا , ولكن من سوء الحظ , كان ابن ميمون , إضافة إلى موقفه تجاه غير اليهود عموما والمسيحيين على نحو عنصريا ضد السود , يناقش ابن ميمون قرب نهاية الكتاب فى فصل شديد الأهمية ( الكتاب الثالث الفصل 51) كيف تستطيع قطاعات مجتلفة من بنى البشر بلوغ القيمة الدينية العليا والعبادة الحقيقية للرب , ولكن من بين أولئك الذين لا يستطيعون بلوغ هذه المرتبة :" بعض الترك (أى العرق المغولى ) والقبائل الجوالة فى الشمال , والسود , والقبائل الجوالة فى الجنوب ومن يشبهونهم بيننا . أما طبيعتهم فهى فى مثل طبيعة الحيوان الأبكم , وهم حسبما أرى أدنى مرتبة من الكائنات الإنسانية , ومرتبتهم بين الكائنات الحية أدنى من الإنسان , وأعلى من القرد , لأن هيئتهم أقرب إلى الإنسان منها إلى القرد " والأن , ماذا يفعل الإنسان إزاء فقرة كهذه فى كتاب شديد الأهمية والضرورة حول اليهودية ؟ يجابه الحقيقة وما يترتب عليها !ر سمح الله , ويعترف ( كما فعل عديد من المثقفين المسيحيين , مثلا فى ظروف مشابهة ) بأن عالما ً يهوديا بالغ الأهمية اعتنق افكارا ضارية معادية للسود , ويمارس من خلال هذا الاعتراف نوعا من التربية الذاتية فى ما تعنية النزعة الإنسانية ! أكاد أتخيل المثقفين اليهود فى الولايات المتحدة يتشاورون قيما بينهم :" ما العمل ؟" لأن هناك ضرورة لترجمة الكتاب , بسبب انحطاط معرفة العبرية بين اليهود الأميركيين . وسواء بواسطة التشاور , أو الإلهام الفردى , يم العثور على " حل " سعيد . فى الترجمة الأميركية الشعبية للكتاب , التى أعدها فرايد لا ندر , ونشرت أولا عام 1925 , ثم أعيد نشرها فى طبعات كثيرة فيما بعد وبينها طبعات بأغلقة ورقية , لم تترجم كلمة " كوشيم " العبرية التى تعنى السود , بل كتبت بالانكليزية kushites  وهى كلمة لاتعنى شئيا لمن لا يعرفون العبرية , أو أولئك الذين لن يقدم لهم الحاخام تفسيرا ً شفويا ً (1) ولم تقل خلال كل تلك السنوات كلمة و

تعليقات

  1. أنجزت بنشرك هذه المقالة الكثير الكثير فشكراً لك و أتمنى أن يطلع عليها القراء الآخرون لأهميتها التنويرية و أن يصطبروا على طولها لأجل الفائدة.

    بواسطة معاوية نصر — 21 تشرين اول 2007, 10:43

A service provided by Al Bawaba