محمد عبد العليم .....mohamedabdalalim

02 حزيران, 2007

محسن خضر أخى و صديق عمري



الدكتور محسن خضر صديق العمر ورفيق الفكر

هذه قصة كتبها ونشرتها جريدة الاهرام القاهرية يوم الجمعة الموافق 1/6/2007

فاسمحوا لي ان انشرها.. هنا

فقد كانت لنا  وقفات متعددة صارت ذكريات متجددة

  واليكم القصة الرائعة

=================

لم يعد شيء يبهجنا

**************************
بقلم: محسن خضر

****************

تماما‏,‏ تماما‏,‏ كأنني أراها للمرة الأولي‏.‏ عشت عمرا انتظر هذه اللحظة‏,‏ أن يكتسي الطيف لحما وعظاما‏.‏ أن أمد يدي فأصافحها‏,‏ وعيني فأحتويها‏,‏ وأنفي ليشمها‏.‏

كانت المناسبة مرور ربع قرن علي تخرج دفعتنا الجامعية‏.‏ أرقتني تلك اللحظة طويلا‏:‏ أن تقفز ذكري من رحم الماضي لتضحي حقيقة‏,‏ أن يستيقظ الأموات وما كانت ميتة‏,‏ ولكنني كطفل صغير كان ينتظر لعبته المفضلة التي وعدوه بها‏.‏ أثمرت الشجرة أحجارا أو حنظلا؟
مدت يديها بلهجة محايدة وعين أقرب الي النعاس‏:‏ ياه‏,‏ إزيك‏.‏

هكذا ببساطة هويت الي أسفل‏.‏ جلمود الصخر‏,‏ وما هوبصخر ـ تدحرج حتي سفح الجبل‏.‏ أطالع العينين الصافيتين المدهشتين فإذ بالنظرة رمادية‏.‏ الشعر القصير اللامع الغافي اختفي تحت حجاب ارتدته علي عجل‏.‏ الحاجبان الرفيعان المستقيمان صبغا‏,‏ وسقطت شعيراتهما‏.‏ التجاعيد سحبت معها التماعة الوجه وحيوية اللحاظ‏.‏ كرش صغير لم يفلح ثوبها الواسع في إخفائه‏.‏ أصباغ وضعت علي عجل فبدا الوجه فجا‏,‏ اللغة بدت سوقية فقدت جاذبيتها‏.‏ في زمن مولي عندما كنا نتنفس المظاهرات‏,‏ ونتعاطي المنشورات السياسية كحبوب مخدرة‏,‏ كان عصفوري يزقزق لا تلامس اصابعه الأرض بل يطير‏,‏ وكانت خطواتها تتفجر حيوية‏,‏ ورأسها مليئا بالثورة والحب‏.‏

هل عشقت سرابا؟ وهل الصورة التي خبأتها بعناية في كتاب قديم ولت مع أيامها‏!‏

فقدت ايقاع الترقب‏,‏ وبدا خمر الائتناس والتلاقي مغشوشا‏.‏ لم تفلح جلبة زملاء الدفعة ـ المصحوبين بأبنائهم ـ في أن تمتص خيبتي‏.‏ وعندما كان حضن يسلمك الي حضن‏,‏ ووجنات الي غيرها‏,‏ والضحكات تتقافز كفقاعات ملونة ينفخها طفل‏,‏ كنت أرمق ساعتي بضجر وأتمني لو ينتهي المشهد كله فجأة‏.‏

هل انسحبت قبل الموعد‏,‏ أم هربت من حقيقة صادمة؟
أشفقت علي سنين ضاعت وأنا أحاور فتاتي‏,‏ أو بالأحري أحاور طيفها بدا تحول المدينة مفضيا الي خيبات أشد‏.‏

لماذا أخرجتني يا أفلاطون من كهف الأوهام‏.‏ مثلما لايطيق البعض الظلام لا يحتمل البعض الآخر ضوء الشمس والحقيقة الساطعة‏.‏ لو اعدتني يا أفلاطون الي الكهف مرة أخري فهل سأفضي للآخرين بمرارة الحقيقة أم أتركهم في غيهم يعمهون‏!‏

تتكاثر وجوه المدينة‏:‏ وجه الغواية‏,‏ ووجه الزيف‏,‏ ووجه المراوغة‏.‏

تبحث عن صوت أم كلثوم في سهرة الأول من الشهر من المذياع أو التلفاز‏,‏ فتفتقده‏.‏ وعندما يسمع محدثك اصداء أغنيتها المنطلقة عندك وهو يحدثك في الهاتف يعلق بسخرية‏.‏

وعندما يعرض التلفاز فيلما لحليم أو لليلي مراد مأخوذا لتشاهده‏,‏ ولكن زمن الأبيض والأسود يتلاشي مسلما إياك الي زمن ملون فقد النكهة والطعم‏.‏

تحاول تحديد توقيت تكون خيط الشرنقة الأول‏.‏ وفاة صلاح جاهين أم وفاة أبيك‏!‏ حالة التقزز التي انتابتك والمرأة الخصم تجلس بجوارك في مطعم فلفلة‏,‏ وسط فج زاحف من الحدود المجاورة‏.‏ ربما كان خيط شرنقة الأسي بدأ مع وفاة عبد الوهاب البياتي أو كمال الطويل‏.‏ ربما ابعد قليلا عندما اكتشفوا مكان رفات جيفارا فنقلوه ليدفن في كوبا في احتفال مهيب لست متأكدا‏.‏ اهتدي الي توقيت آخر عندما لاحظت أن محلات الأطعمة حوطت فيلاعبد الناصر بمنشية البكري في تخطيط يفتقد المصادفة‏.‏

يستدعي توقيتا آخر عندما شاهد السياسي المخضرم بجسده الضخم وصوته الأجش يملأ شاشة التلفاز في بث لجلسة
برلمانية‏.‏

تصهرك دائرة الارتباط في محاولتك استدعاء التوقيت المحدد لتلبسك حالة السأم قراءة خبر وفاة علي محسن لاعبك اليمني المفضل في فريق الزمالك القديم‏.‏ تتذكر ايضا عندما هاتفك صديقك القديم محمود بعد سنوات من الصمت ليوصيك علي ابنة شقيقه‏,‏ التي عينت حديثا في قسمك‏.‏

يشظيك شك الحسم‏.‏ ذات يوم أمسكت بلوحة رسمتها في الصف الخامس بمدرستك الابتدائية‏.‏ كنت ترسم معركة حربية بين جيشنا وجيش الأعداء‏.‏ ربما التبس الأمر عليك بعد هذه السنين فلم تميز نحن من هم‏.‏

تبذل جهدا هائلا في التركيز والاطباق علي ذاكرتك‏.‏

تراوغك الذاكرة الخؤون فتسلمك الي مشهد فارق‏.‏ سلمك صديقك الحميم مصطفي مذكراته التي أسماها قبل الزهايمر وأوصاك أن تنشرها بعد رحيله‏,‏ ألا تنتابك الآن حالة زهايمر مشابهة في محاولتك اليائسة للإمساك بطائر التحول‏.‏

تسأل الموظفة الجديدة في قسمك سؤالا عابرا‏:‏ أين تقطنين؟

تلقي اليك بكرة ملتهبة تتفاداها فتقفز الي فمك وتسده‏.‏

أجابت‏,‏ فتكتشف انها تقيم في بناية شيدت مكان منزلك الذي ولدت فيه‏.‏ لايترك لك الزمن الخادع حتي سعادة الذكري فيسلبك اياها‏.‏

تود أن تسألها عن التوءم الذي كانت يقطن البناية المقابلة لبنايتها‏.‏ عاطفة المراهقة ووجيب الفؤاد وحلاوة العشق‏.‏ تخفي سرك في سرك فتلوذ بصمت السلامة ولا تزيد‏.‏

واقعة أخري بإمكانها أن تريحك‏.‏ عندما قرأت في صفحة الحوادث عن مصرع صديق طفولتك عبد الفتاح‏.‏ كان عائدا من صلاة الفجر بميدان الجيش عندما وضع قدمه في ماء مكهرب‏.‏ ترك عمال الكهرباء الحفرة مفتوحة وانفجرت ماسورة المياه فجأة فحولت المكان الي مصيدة قاتلة‏.‏ هكذا نموت في مدينتنا ميتات مجانية‏.‏

الصديق الذي كان يعدو اسرع منا جميعا مثل نحلة أو نمر خانته عضلاته فاستسلم للصدمة الصاعقة‏.‏

تراقب منحني الاسعار المختل‏,‏ ويبدو ناسك يصارعون وحشا خفيا أطبق علي الجميع‏.‏ تتعلمون فن الرقص والمشي علي الحبال لعلكم تدركون نقطة التوازن‏,‏ بلا فائدة‏.‏ ذات يوم اكتشف في الشارع الهادئ الذي يقطن فيه حقنة للتعاطي ملقاة علي الأرض‏.‏ راقب الأمر فلاحظ أن العدد يزيد‏.‏ ينظر في وجوه الشباب الذين يعترضون طريق محاولا التخمين‏,‏ ومعرفة اصحاب تلك الحقن‏.‏ وفي شوارع أخري‏.‏ وأحياء قريبة وبعيدة زادت الاعداد فبدا وباء يحصد الشباب‏.‏

يجيئك أبوك في المنام مرتديا جلباب الصلاة النظيف‏.‏

ـ تكلم يا أبي‏.‏

ـ‏..............‏

ـ هل قصرت معك في مرضك؟

ـ‏..............‏

ـ هل تمنحني رضاك أم عقوقي؟

ـ‏.............‏

صحبني أبي قبل أربعين عاما فوق كوبري قصر النيل رائحين غادين حتي نكل‏.‏ تكرر الأمر في ايام الجمعة‏.‏ نصحني معالجي الطبيب الشهير د‏.‏ مصطفي الجنزوري أن أشم هواء نقيا‏.‏؟ بدا الأمر ترفيا‏,‏ وكيف يتغيب عن عمله ليصطحبني الي اقاربنا بالمدينة الشمالية يحوطني بذراعيه الحنونتين‏.‏ كان اشعث الصدر‏.‏ لعله السعال الديكي أو النزلة الشعابية أقفز كضفدعة من الألم‏.‏ أبصق دما‏.‏ الرجل العابس دوما كاد يتداعي اثناء مرضي عندما دفناه‏,‏ لاحظنا قبرا خاليا بجوار قبره‏.‏ حفرة فارغة تنتظر صاحبها‏.‏ ينظر أخي رءوف وكأنه يسألني عمن يصيبه الدور‏.‏ تبدو الحفرة أقصر من طول أخي الفارع‏,‏ تبدو ملاءمة لي‏.‏

يشكو أخي الأصغر هشام من أن أباينا لا يأتيه في أحلامه‏.‏ يحسدني‏.‏

يعذبني صمت الوجه الخاشع‏.‏ آه‏,‏ لو نطق بكلمة واحدة لأراح البال المكدود‏.‏

وعندما تصل أم كلثوم في أغنية ولد الهدي الي مقطع‏(‏ فإذا رحمت فأنت أم أو أب‏,‏ هذان في الدنيا هما الرحماء‏),‏ يخونني تجلدي فأنتحب نم قرير العين يارجل‏,‏ فليس زمنك‏.‏

وجوه تفد من الشرق الي منتجع شرم الشيخ تتأمل الوجه المكتنز لكبيرهم فتشتاق أنت ورئتاك الي هواء نقي حتي لا تختنقا‏.‏

تقطع كوبري قصر النيل مرارا‏.‏ خطواتك اصبحت أبطأ تحدق في الماء‏,‏ وتتشمم الهواء باحثا عن أنفاس أبيك في المكان‏.‏

شقيقك الأكبر الذي عاد من الحرب بجسد مرشق بالطلقات‏,‏ لم ينل منه العدو بل نال منه تحول المجتمع واستدارة شمسه‏.‏ سئم الجميع وجوههم ورفعوا أقنعة تناسب المرحلة‏.‏ بحث لنفسه عن موطئ قدم فلم يجد‏.‏ لم يشفع له جسده المثخن بالجراح‏.‏

اليوم تحول الي تاجر عملة يعرف الوان الأسواق‏:‏ البيضاء والسوداء والحمراء‏.‏

لكن نبوته‏:‏ المال‏,‏ والنفوذ‏,‏ والواسطة‏,‏ وسوق النخاسة‏.‏ غيرت مدينة المعز ثوبها‏:‏ مدينة الأحلام‏,‏ ومدينة الجولف‏,‏ ومدينة الروابي الخضر‏.‏

هجر الكبار المدينة الي مدن جيدة لا يخالطون فيها الحرافيش‏.‏ مساكن اشبه بالقصور‏,‏ عظيمة الأبواب والأسوار‏.‏ حمامات سباحة‏,‏ وملاعب للجولف‏,‏ كلاب للحراسة‏.‏

زحفت مدارس ابناء الكبار خارج المدينة ايضا‏.‏ تكتب اللغة في فصولها من الشمال الي اليمين‏,‏ ملاعب الفروسية‏,‏ وحمامات سباحة‏,‏ وحدائق أندلسية عملاقة‏.‏

لاحظ أن الكثيرين من معارفه مؤخرا توقفوا عن شراء الصحف والاستماع الي نشرة الأخبار‏.‏

سأل نفسه‏:‏ هل يكفي تغريد عصفور واحد للإيذان بقدوم الربيع‏.‏

يكثر غناء العصافير في مدينته‏:‏ أغان وطنية كالمطر‏,‏ وأغاني كليب عارية لراقصين لا مطربين‏.‏ يبحث عن العلاقة بين هزيمة منتخب الكرة القومي وزيادة الأغاني العارية‏,‏ وانتشار محلات السيراميك الفاخر‏.‏ لا تزال أشياء صغيرة تبهجه في المدينة‏:‏ صوت فاروق شوشه في لغتنا الجميلة من الإذاعة‏.‏ تواشيح النقشبندي ومسحراتي فؤاد حداد في رمضان‏.‏ برنامج عالم الحيوان في تلفاز الجمعة‏.‏

أفلام اسماعيل ياسين بسذاجتها الساحرة‏.‏

اجتاح المدينة هوس أجهزة المحمول‏.‏ تقاسمت اعباء الدروس الخصوصية‏,‏ ونفقات المحمول الإجهاز علي عافية الدخل‏.‏

لماذا يستثني الأمس من التحول الذي عصف بالجميع؟

يحاول الامساك بنقطة التحول التي أسكنته الكآبة والشجن‏.‏

منذ أيام انتبهوا فجرا علي صوت ارتطام ثقيل بالشراع‏.‏ عثروا علي جثة لواء بالمعاش يسكن بالبناية المقابلة‏.‏ ادركته كآبة علي مايبدو بعد وفاة زوجته وزواج ابنيه وابتعادهما‏.‏ لاح طيف سؤال محلق‏:‏ هل سيدركه مصير مماثل‏.‏

يحاول الإمساك بلحظة التمنصل‏.‏ أكانت قراءة خبر رحيل المطرب الشعبي محمد رشدي بالصحيفة‏.‏ لم يثمن غيره أن يغني في حفل زفافه‏,‏ وبدا صوته طالعا من طمي الأرض وزلعة المش وطرح النهر‏.

تعليقات

اضافة تعليق

authimage






A service provided by Al Bawaba