غزة ..وبعد..
انسحب جيش الاحتلال الإسرائيلي من قطاع غزة بعد أن خلف ورائه مجزرة بشرية دامية ذهب ضحيتها أكثر من 1300 شهيدا وما يزيد عن 5000 جريح,هو صلف إسرائيلي واضح وجلي مارسته آلة الحرب الإسرائيلية في حق أهالي غزة الشيء الذي أحرج الدول الغربية تلك التي طالما عرفت بمواقفها الملتبسة والمحتشمة تجاه نصرة القضية الفلسطينية العادلة في مقابل دعمها اللامحدود للاعتداءات الإسرائيلية الجائرة, معللة مواقفها المتخاذلة بحق الكيان الصهيوني في الدفاع عن وجوده ومتناسية حق الشعب الفلسطيني في المقاومة ودحر الاحتلال كحق مشروع تكفله له قوانين الطبيعة والحياة قبل القوانين الوضعية .جبهة الحرب والدم والدمار التي فتحتها إسرائيل على قطاع غزة تعد فصلا من فصول ملحمة بطولية عودتنا المقاومة الفلسطينية الباسلة على رسم أطوراها وحكاياتها من جيل إلى أخر على امتداد أكثر من ستين سنة لم تنجح خلالها إسرائيل في إطفاء شعلة الحماس وجذوة التحدي والصمود لدى أبناء الشعب الفلسطيني رغم الاحتلال والاستيطان والدعم الغربي والتخاذل العربي أحيانا.إن صور القتلى وأصوات المكلومين والمستضعفين في غزة ومشاهد الدمار التي تناقلتها وسائل الإعلام ألحقت الهزيمة الأخلاقية بإسرائيل وأحرجت قادتها العسكريين وألصقت بهذا الكيان صفة الدولة الإرهابية الغازية التي تستهدف شعبا اعزل ومحاصر 60 % منه هم من الأطفال والنساء .الأبعاد الإنسانية التي لفت أطوار هذه الحرب تظل ثابتة وأقوى من أن يتم التعتيم عليها أو طمس حيثياتها المؤلمة خاصة بعد أن طال العدوان الصهيوني مقرات ومراكز أممية لا تعتبر محصنة في عرف الجيش الإسرائيلي.. لكن يبقى السؤال ماذا بعد انتهاء الحرب على غزة؟ إن واقع الحال يقتضي منا القول بان مرحلة ما بعد غزة قد تكون أهم من الحرب ذاتها لاسيما فيما يتصل بالجانب العربي والحاجة الأكيدة إلى إجراء وقفة تعقل "ولا أقول تأمل" وقراءة موضوعية للأحداث الأخيرة في غزة بعيدا عن ردود الفعل ذات المنطق الاطلاقي والمدفوعة عادة بشحنات عاطفية محتقنة لا يمكن لأحد أن يشكك في صدقيتها.إن غزة أحرجت الأنظمة العربية ما في ذلك شك وأعطت لنا و للأخر صورة تكاد تكون مجهرية للواقع العربي بكل ما يحويه من تناقضات وتجاذبات وحسابات ضيقة تصل إلى حد مخزي "كما اقر بذلك الأمين العام للجامعة العربية عمرو موسى" في مشهد يمكن توصيفه بالكاريكاتوري و لا ينسجم مع هول المصاب الذي يلقاه إخواننا في غزة .إننا لا نريد "لزلزال غزة" أن يبقى صامتا دون ردات ارتجاجية تصدع بعض ما ترسب لسنين في بنية العمل السياسي العربي بغثه وسمينه, كما لا نريد أن تدخل "محرقة غزة" طي النسيان كما دخلت أحداث سابقة كان يمكن للنظام الرسمي العربي أن يستثمرها استراتيجيا ويعزز مواقعه بناءا على ما ألت إليه من تطورات.. ولا ننتظر من الأنظمة العربية أن تكتفي بلعب دور "البنك الممول" لإعادة اعمار ما خلفته آلة الحرب الإسرائيلية فذلك قد يكون اضعف الإيمان رغم أن القانون الدولي يقضي بان تتحمل إسرائيل المحتلة والمعتدية تبعات ما خلفته من دمار في قطاع غزة.ما بعد غزة مرحلة جد مهمة تدعونا إلى طرح عدد من الأسئلة الجوهرية لعل في مقدمتها ماذا بقي من القضية الفلسطينية من مكانة في سلم أولويات النظام الرسمي العربي خارج مربع البيانات الشاحبة والعلاقات العامة وجلد الذات!! والى متى ستظل الدول العربية تمعن في تفويت الفرص لتعيد تقييم إستراتيجيتها السياسية (إن كانت لديها إستراتيجية أصلا) في مواجهة إسرائيل والتحسب لمثل هكذا أحداث من خلال إتباع منهج براغماتي عقلاني قادر على تمثل طبيعة التحولات الجيوسياسية إقليميا ودوليا ورصد تطورها باستمرار.إنني اقترح في هذا الإطار على الجامعة العربية بان تبادر إلى إنشاء معهد للدراسات الإستراتيجية حول الصراع العربي الإسرائيلي صلب هياكل الجامعة تكون مهمته تقييم التعامل العربي مع هذا الملف منذ أربعينات القرن الماضي إلى اليوم وتكوين ورشات عمل ترأسها كفاءات عربية مشهود لها من كل الدول العربية لتقديم التصورات ووضع الاستراتيجيات الكفيلة بإضفاء نوع من النجاعة والفاعلية للدور العربي الرسمي في حل قضية فلسطين .اعتقد أن الوقت حان إلى مزيد إحكام العقل والتبصر والتسلح بشيء من "اللؤم السياسي" في بحثنا عن حلول ممكنة لاستعادة الحق الفلسطيني و الأمر لا يحتاج إلى هدر المزيد من الوقت فلا ربما تكون أحداث غزة هي البداية..
حسام عباس